ماضى مظلم حاضر قاسى

ماضى مظلم حاضر قاسى

10 0

كانت تظن أنّ ما عاشته من قبل جحيم، لكن ما جاء بعد ذلك اليوم كان الجحيم ذاته.

في لحظة عمياء، لم تملك سوى أن تدافع عن نفسها في وجه ذلك الذئب، وما إن أفاقت من صدمتها حتى وجدت نفسها خلف جدران رطبة، وأبواب حديدية مغلقة بالأقفال.

جلست على سرير حديدي بارد، مطوية الجسد، تضم ركبتيها إلى صدرها وتُخفي بينهم رأسها ، تجهش بالبكاء و يرتعش جسدها جوفا كانت ترفع رأسها بين الحين والآخر لتتفحص المكان الذي انتهى بها المصير إليه؛ حولها فتيات في عمرها، بعضهن يطلقن ضحكات متقطعة، وأخريات يشتبكن في مشادات لا تنتهي.

لقد انتهى الأمر بها في دار الأحداث، تنتظر أن تثبت المحكمة براءتها، وأن ما فعلته لم يكن إلا دفاعًا عن نفسها. غير أنّ الأمر تعقد أكثر، حين حملت أمها السهم الأشد قسوة وطعنتها به؛ اتهمتها بأنها قتلت زوجها عمدًا، بدافع الغيرة والحقد، لأنها تزوجت بعد وفاة والدها.

حين سمعت رحمة تلك الكلمات من فم المحامي الذي وكلته المحكمة لها، لم تتفاجأ، فقد كانت تعرف تمامًا ما يختبئ في قلب أمها من كراهية وبغضاء لا تنتهى.

تحمّلت البرد والظلام وصوت الأقفال الموحشة بصبرٍ مرير، وكل ما يساندها هو أمل خافت يضيء في صدرها أنّها ستخرج في النهاية، وأن الحقيقة ستُقال مهما طال الانتظار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انعكست أشعة الشمس الدافئة على زجاج نافذة المطبخ الصغيرة، تسرّبت خيوطها الذهبية لتلمس أطراف المنضدة وتلقي ظلالًا متراقصة فوق ارضيه المطبخ الخشبيه.

 وأمام النافذه قصيص زرع غرست فيه أوراق النعناع الطازج، تتمايل أوراقه مع نسمة هواء رقيقة تتسلل من فجوة ضيقه اسفل النافذة، فتنتشر رائحته المنعشة في أنحاء المكان كأنها تُغسل صدرها من ضيقٍ لم يفارقها. أغمضت عينيها لحظة تستنشق عبيره، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، بينما يدها تتحرك بخفه تقلب البيض في المقلاة،يتمايل شعرها ذات الخصلات البنيه معها كلما تحركت ،تمد يدها بين الأرفف المرتبة بإتقان، أخذت منها علبة الفلفل الأسود، وضعت قليلًا منه على البيض ثم أعادتها بعناية، 

لكن داخلها لم يكن مرتبًا بهذا القدر؛ كان صاخبًا، فوضويًا، ممتلئًا بأصوات متعارضة ، عقلها شاردًا بين ما فعله فارس وبين مجيء عيسى.

كانت تعلم أنها قد مالت بقلبها بعض الشيء لفارس، لكنها على يقين أن وجودها في حياته أشبه بظلٍ يثقل كاهله، ربما كان وجود دليدا بجانبه يثير غضبها وغيرتها، لكنها تدرك أنها أفضل له منها؛ فعلى الأقل دليدا تربّت بين عائلة طبيعية أُشبعت بالحنان والدلال، فستفيض على فارس بالحب الذي تعلمته، أما رحمة فلم تعرف سوى القسوة، لم تتعلم معنى الحب، بل عرفت الكره والحقد، وغريزة الانتقام التى لا تروض، حتى غمست يده معها فى جرمٍ لا نهاية له.

ولهذا قررت أن تخطو فوق قلبها وتترك فارس مع من يستحقه، وأن تتجه نحو عيسى، ذاك الرجل الذي تشعر في داخلها أنه الوحيد القادر على ترويض وحشها. فهي إن أحست بالتهديد وقرب الخطر ستخطو كل خطوة بتأنٍ وحذر، شعرت أن خطواتها معه ستكون بطيئة، محسوبة، كأنها تمشي على أرض محفوفة بالألغام. وربما يكون هذا طريقًا أفضل لها، أو ربما يكون هلاكها الذى ينتظرها ويأخذ بيدها إلى حبل المشنقة.

فكرت أنها قد تظلمه معها في دوامة هذا الحب الواهم، لكنها في النهاية بحاجة إليه، وهو أيضًا اختارها بكامل إرادته، ولم تُجبره على شيء، فكل شخص عليه أن يتحمل نتائج قراراته.

قطع شرودها صوت عيسى وهو يدخل بخطوات بطيئة، وكأنها تحمل شيئًا من التردد. اقترب وهو يقول بنبرة متعجلة:

"خلصى بقا، كل دا بتعملى فطار؟ عاوزك فى موضوع مهم."

التفتت إليه، كأنها أُفِيقَت من غفوة تفكيرها، وكأن أفكارها تبعثرت أمامه فجأه رمشت بعينيها ثم سرعان ما ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها الورديتين وقالت بخفة:

"أنا خلاص خلصت، هو الموضوع هيهرب يعنى؟ هنفطر وابقى قولى اللى انت عاوزه."

أسند ظهره إلى الرخامة الباردة، يده تستند بتكاسل بينما عيناه تتجولان في المكان ثم تستقران عليها، كانت تتحرك بخفة ملحوظة، شعرها الطويل يتمايل مع خطواتها، كل حركة منها تترك أثرًا يعلق بعينيه، بين حين وآخر تلتفت إليه لتلقي ابتسامة خاطفة يخفق معاها قلبه، ملامحها الدقيقة تعكس نعومة طفولية تأسره، الحرارة المتدفقة من الفرن منحت وجنتاها احمرارًا طبيعيًا فذادها ذلك فتنه.

أفاق من تأمله حين لمح الدخان يتصاعد فجأة من المقلاة التى التي نسيتها فوق النار، امتلأ الجو برائحة الزيت المحترق، تحرك بسرعة خاطفة وأمسك بمقبضها ليبعدها ، غير أن لسعة اللهب باغتته فارتد تأوهه من عمق حلقه سحب يده بعد ان ترك المقلاه بعيدا.

صرخت رحمة بصوت مرتبك وهي تهرع لإطفاء الموقد، أغلقت النار ثم التفتت إليه بعينين مذعورتين ، كان يضع إصبعه المتوهج في فمه، يحاول أن يخفف الألم بارتباك طفولي، اقتربت منه دون تفكير، مدت يدها بخوف ممزوج بحنان، وقالت بلهفة:

"يا خبر! حقك عليّا… شيل إيدك من بوقك وهاتها، حطها تحت الميه عشان متلتهبش."

نظر إليها لحظة ثم استسلم لصوتها الحانى ترك يده تنساب بين يديها كأنها وجدت مكانها الطبيعي، ففتحت الصنبور وأسقطت الماء البارد على الحرق، ينساب فيهدئ من حرارته شيئًا فشيئًا. كان يتأملها وهى تنحنى على يده، فيتوه بين رقتها وحنانها الذى لم يعتده منها،بعدها قال بصوت خافت يملؤه القلق:

"ولا يهمك… بس خلى بالك بعد كدا، افرض مكنتش موجود معاكى؟ كان ممكن يحصللك حاجة."

ابتسمت لتطمئنه وأغلقت الصنبور:

"هيحصل إيه يعنى؟ متقلقش ، أنا ياما اتلسوعت وبتخف تانى عادى ،تعالَ يلا اقعد هنا على الترابيزة دى لحد ما أجيبلك مرهم الحروق."

جلس على مضض، ظهره مشدود قليلًا، لكنه لم يرفع عينيه عنها، راقبها وهى تفتح الدرج وتخرج علبة صغيرة، ثم تجلس بجواره وتسحب كرسيها لتقترب منه أكثر. مدّت يدها لتأخذ يده من جديد، أصابعها الرقيقة لامست جلده بحذر شديد كأنها تخشى أن تؤذيه أكثر، وضعت طبقة رقيقة من المرهم على الحرق ، لم يستطع منع نفسه من التفكير يحدث نفسه متسائلا، ماذا فيها يجعله أسيرًا هكذا؟ جمالها الأخاذ؟ قابل الأجمل ولم يلتفت لهن بطرف عيناه رقتها؟ رآها فى غيرها ولم تبهره ، جرأتها معه؟ حتى ذلك لم يكن جديدًا عليه، لكن مع رحمة… كان هناك شيء خفي، شيء يشبه السحر، يجذبه كلما حاول أن يبتعد ، ولكن كان هناك ما يقلقه اكثر ،خوفاً يتسلل داخله ماذا لو رفضته؟ هل سينهار؟ بل هل سيعود أسوأ مما كان؟

استفاق من دوامة أفكاره حين رفعت عينيها نحوه ،تقارب وجههما ببعض ، وقالت بابتسامة خفيفة تمازحه:

"حمد الله على السلامة يا حضرت الضابط… تعيش وتتلسع غيرها."

تلعثم، وقربها المفاجئ بعثر أنفاسه، فانتفض واقفًا بسرعة، غير منتبه للضلفة المفتوحة فوقه، فاصطدمت رأسه بها فأطلق تأوهاً مكتومًا:

"آه… آه… حرام بقا، أنا مبقتش حمل مطبخك اللى كاره وجودى فيه دا!"

قهقت رحمة، رفعت يدها لتغلق الضلفة المتمردة بضربة خفيفة، وقالت وهي تضحك:

"اخص عليكى يا ضلفة يا وحشة… مش عارفة إنه ضابط ولا إيه؟"

ضاق عينيه وهو لا يزال يضغط على رأسه:

"اتريقى اتريقى… ظريفة إنتى كدا صح."

اقتربت منه، مدت يدها تُبعد يده عن رأسه، نظرت فى عينيه ثم همست برفق:

"طب خلاص، ما تَتقمَصش… شيل إيدك أشوفك اتعورت ولا لأ."

اقتربت بشدة، لم يعد بينهما إلا بضع سنتيمترات، أنفاسها الدافئة تلامس وجهه، تشبّ على أطراف أصابعها، تسند بيدها برفق إلى صدره وهي ترفع خصلات شعره باليد الاخرى لتتفقد موضع الألم ، شعرت بحرارة جلده تحت أصابعها وتوهجه، بينما هو شعر بدقات قلبه ترتبك وتزداد، كان قربها قاتلًا، ساحرًا، حتى أنه فقد قدرته على البقاء في مكانه.

فانتفض فجأة للخلف ، وكأنه يهرب من شيء أقوى منه. اختل توازنها حينما ابتعد قبل ان تنتبه، قدماها تعثرتا، كادت تسقط لولا أنها أمسكت طرف الطاولة سريعًا. رفعت رأسها تنظر إليه بعينين غاضبتين، صرخت بحدة:

"إيه دا! ليه عملت كدا؟ كنت هقع!"

تلعثم وهو يتراجع:

"ا… آسف… أنا هستناكى بره."

لم ينتظر ردها، خرج على عجل، خطواته أسرع من تفكيره، كأنه يهرب من شيء لم يفهمه بعد. بقيت رحمة واقفة مكانها، تتابعه بدهشة، قلبها ينبض بخليط من الغضب والاستفهام، هزت كتفيها بعدم فهم وأخذت الأطباق لتُعد السفرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الشقّة المقابلة لها، كان فارس قد أنهى بمساعدة دليدا تنظيف المكان الذي كان يختنق بالغبار، فصار الآن مرتبًا كأن نسمة جديدة مرّت على جدرانه.

ارتما الاثنان بجسديهما على الاريكه، يتنفسان بصوت متعب. لحظة صمت قصيرة قطّعها فارس يضع يده على بطنه قائلًا بنبرة مرهقة:

"إيه رأيك نطلب أكل دليفري؟ جعان أوي."

اعتدلت دليدا في جلستها، التفتت نحوه بعينين متعبتين وقالت بمرح:

"وأنا كمان… إيه رأيك نطلب بيتزا؟"

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة:

"حلو أوي، هطلب حالًا."

أمسك بهاتفه واتصل بأحد المطاعم التي تشتهر بالبيتزا، أنهى الطلب، وحين رفع رأسه وجد دليدا قد انسحبت نحو الحمام،جلس ينتظرها وهو يتفحّص هاتفه، يقلب في صفحته الجديدة التي رتّبتها له، يقرأ تعليقات معجبينه، والابتسامة ترتسم وحدها على شفتيه كلما رأى كلمات المديح.

وبينما هو غارق، خرجت دليدا من الحمام، خلعَت جاكيتها فيظهر جسدها بتوب قصير يُظهر خصرها وذراعيها، يداها ووجهها مبتلان، قطرات الماء ما زالت تلمع على بشرتها. نادت بصوت خفيف:

"فارس… ممكن فوطة بسرعة؟"

ارتبك فجأة، قام من مكانه مسرعًا، اتجه نحو غرفته وفتح إحدى الحقائب، أخرج فوطة جديدة كان قد اشتراها مؤخرًا من المول. التفت فوجدها خلفه قريبة أكثر مما يتحمل، فمدّ لها الفوطة بتوتر. أخذتها، راحت تطبطب بها على وجهها ورقبتها برفق، وقالت بنعومة:

"متشكرة."

أجاب بفتور قصير يخفي ارتباكه:

"العفو."

كانت تقف أمامه في مساحة ضيقة بين السرير والدولاب، تمنعه من المرور ،ازدادت أنفاسه ثقلاً، فحاول كسر اللحظة قائلاً وهو يشيح بنظره:

"تعالي نستنى الدليفري برّه… وبالمرّة أجرب أشغل إشارة التلفزيون لحد ما الأكل يوصل."

ابتسمت بدهاء، أدركت أن قربها أربكه، وهذا في حد ذاته دليل أنه يراها جميله ،اقتربت أكثر وقالت برقة:

" طب إيه رأيك  نرص هدومك في الدولاب لحد ما يوصل؟"

بلع ريقه، شعر بالحرارة تثرى فى جسده من اقترابها المفاجئ، فأجاب بسرعة:

"لأ… نخليهم لوقت تاني، أنا تعبت النهارده… وانتي اتأخرتي على البيت، ممكن أهلك يقلقوا عليكي."

زفرت بضيق، وبدت ملامحها حزينة كطفلة:

"أهلي عارفين إني جيالك… إنت اللي شكلك مضايق من وجودي."

التفتت لتخرج، فأمسك بيدها سريعًا ليوقفها، وقال بلهجة هادئه:

"مش قصدي كده يا دليدا… متخديش كلامي بحساسية."

توقفت، نظرت نحوه بعينين يلمع فيهما حزن مصطنع، وقالت بصوت منخفض:

"طب صالحني… عشان زعلت."

تردّد لحظة ثم قال معتذرًا:

"أنا آسف… رغم إني ماكانش قصدي أزعلك."

ابتسمت، لكنها هزّت رأسها برقة:

"لأ… مش عاجبني الاعتذار ده."

تعجب وقال مازحًا :

"أمال عاوزاني أعتذر إزاي؟ أبوس دماغك يعني؟"

ضحكت بمرح وقالت :

"آه… بوس دماغي."

تغيّر وجهه فجأة، قبض حاجبيه وأفلت يدها بحدة وهو يقول:

"دليدا، ياريت نخلي في حدود بينا. إحنا لسه متخطبناش حتى، ومينفعش تقولي كده حتى لو بهزار."

ضاقت عيناها بغضب، أطلقت كلماتها بسرعة:

"أمال مكنش في حدود بينك وبين رحمة ليه؟! كل شوية أحضان عمال على بطّال، ومرات أشوفك ماسك إيدها كإنكم متجوزين من سنين. وتيجي عندي أنا تقول حدود! ولا عشان مش متقبلني زي رحمة."

كلماتها أصابته في موضع يعرفه، لأنها الحقيقة. لم يضع حدودًا يومًا مع رحمة، بل كان يتبع قلبه بلا تفكير. زفر بضيق، وقال بفتور يخفي اضطرابه:

"دليدا... لو هتفضلي تقارني كل حاجة بينا باللي كان بيني وبين رحمة، يبقى لازم نراجع قرار ارتباطنا. كده علاقتنا هتبقى كلها مشاكل ومقارنات."

انتفضت سريعًا، كأنها تخشى خسارته:

"لأ... لأ، صدقني. دي آخر مرة أجيب سيرة رحمة فيها أنا آسفة. بس... أنا خايفة تكون معايا عشان تغيظها مش أكتر."

تنهّد بعمق، مدّ يده وسحبها إلى صدره، ضمّها إليه لعله يطمئنها، لكن ارتباكه ازداد حين بادلته العناق ورفعت رأسها نحوه قائلة:

"أنا آسفة… أوعدك مش هزعلك تانى."

لكن ما لم تدركه أن عينيه كانتا لا تراها هى ،بل رأى في ملامحها رحمه التى اشتاق لها من الان ، ضمها ينفس رائحه عطرها التى لم ينساها انفه ابدا ، يتخيل بريق عينيها حين تراه، دفء ابتسامتها، وملمس يديها التي اشتاق لهم بشده انساق وراء خياله دون وعي، رفع يده يلمس وجنة دليدا، خفق قلبها بقوة، وهو يقترب بأنفاسه اليها ،حتى قاطع هذا المشهد المبعثر صوت جرس الباب، انتفض فارس، ابتعد عنها فجأة وهو يلتقط أنفاسه المرتبكة، يقول محاولا ان يبدو طبعيا:

"شكل الدليفري وصل… أنا هروح افتح وإنتي البسي الجاكيت بتاعك… متوقفيش كده."

زفرت بضيق وهي تبتعد تفسح له طريق الخروج ، التقط جاكيتها وألقاه إليها بسرعة، بينما هو حمد الله في سره أن صوت الجرس جاء في الوقت المناسب، قبل أن يقع في خطأ آخر كان سيندم عليه طويلًا .

توجّه فارس ناحية الباب يفتحه ، فيتجمّد مكانه حين تفاجأ بجيهان واقفة أمامه، في يدها عدة أكياس مليئة بالمنظفات، ابتسمت بخفة وهي تدفع كتفه لتدخل قائلة:

"الله الله… نضفتوا من غيري؟ زعلت بجد! دا أنا كدبت على ماما وقولتلها إني رايحة الجامعة."

مدّت له الأكياس بينما هو بقي فاقد النطق، تتسابق داخله الكلمات ولا يعرف من أين يبدأ هل يخبرها أنه على خلاف مع رحمة؟ أم أن رحمة الآن في شقتها مع عيسى الذي يبغضه؟ أم يعترف أن دليدا هي من ساعدته في التنظيف وهي الآن في غرفته؟

تجولت جيهان في الشقة بخفة، تنظر هنا وهناك ثم سألت:

"رحمة فين؟ هي جوه؟"

ونادت بصوت عالٍ مرح:

"رحمة! إنتي فين يا وطيه؟ أنا جيت عشان أساعدكم."

لكنها صُعقت حين رأت فتاة تخرج من غرفة فارس ترتدى سترتها، والارتباك ظاهر على ملامحها، ورحـمة لا وجود لها في المكان، التفتت بفزع إلى فارس، وصوتها انقلب حادًا متوترًا:

"مين دي؟ وبتعمل إيه في أوضتك؟ وبتلبس هدومها ليه؟ وإنت مالك كده مش على بعضك ليه؟ ورحـمة فين؟!"

لم تجد منه ردًا سوى وجه مشوب بالارتباك واللون يفر من وجنتيه. فصرخت بحدة أكبر:

"رد عليا يا فارس فى إيه اللي بيحصل هنا؟ متنطق! القطة كلت لسانك ولا إيه؟"

حاول أن يتكلم، لكن الحروف خانته، لتندفع دليدا فجأة مدافعة بجرأة:

"متهدي على نفسك كده يا سكر! نازلة عليه أسئلة كأنه متهم وبتستجوبيه! دا راجل حر في نفسه… هو إنتي مامته ولا إيه؟ وبعدين…"

لم تكمل جملتها، إذ قطعها فارس بنبرة تحمل تحذيراً:

"دليدا! مينفعش تكلمي جيهان بالشكل دا… وبعدين دي تعتبر أختي، يعني احترمها من احترامي."

هنا اتضحت الرؤية أمام جيهان، ضحكت بمرارة وهي ترفع حاجبيها بدهشة ساخرة:

"آهااا… هي دي بقى دليدا! إممم… وإيه جابها هنا يا فارس؟ مش إنت قولت إنك قلشتها خلاص؟ إيه حصل؟ ورحـمة فين من العبث دا كله؟"

زفر فارس بضيق، صوته مشحون بالغضب:

"لو هنتكلم عن العبث، فهو اللي صحبتك فيه… قاعدة هي وحضرة الظابط في شقتها لوحدهم، وهتأكله بإيديها كمان الحنينة! فا لو عاوزة تحاسبي حد… روحي حاسبيها."

اتسعت عينا جيهان بانفعال، ثم انفجرت غضبًا، صوتها يرتعش من شدة انفعالها:

"ينهاركو أسود! إيه اللي إنتو بتهببوه دا؟ وإيه اللي مقعدها مع عيسى؟ وإنت إيه اللي جايب دي عندك؟ إنتو اتهبلتوا ولا إيه؟ أنا دماغي هتتفرتك… إنتو جننتوني!"

لم يحتمل فارس، فرد بغضب مماثل، صوته ارتفع حتى ارتد صداه في الجدران:

"جيهان! دليدا هنا عشان تساعدني أنضف الشقة. إنما صحبتك… معرفش الأستاذ دا جالها ليه ولا عاوز منها إيه! وجاى لابس ومتزوّق وجايبلها ورد معاه! حاجة في قمة الاستفزاز… وكنت هلكمه في وشه أبُوظ ملامحه لولا إني أنا وهي مش بنتكلم!"

ارتجف صوت جيهان، عقلها يرفض الاستيعاب، صرخت وهي تكاد تبكي من الغضب:

"مبتكلمهاش لييييه؟! فهمني إيه اللي بيحصل، بدل ما أمشي ومتشوفوش وشي تاني!"

هدأ فارس قليلًا، حاول أن يتمالك أعصابه، أمسك بيدها برفق ليجلسها على الركنة، وجلس بجانبها. دليدا كانت تتابعهما بغيظ مكتوم، بينما بدأ هو يحكي، يملي عليها تفاصيل ما جرى لكنه أخفى السبب الحقيقي لخلافهما، اخبرها انهما تشاجرا بسبب عمل رحمة لوقت متأخر، كيف طلب منها تترك المناوبة فرفضت وانزعجت، ثم حكى عن هدية دليدا وظهور عيسى…

جيهان استمعت بإنصات، لم تقاطعه، لم تُظهر أي رد فعل، حتى انتهى. عندها فقط أطلقت كلماتها ببطء، تحمل بين طياتها الغضب وخيبة الأمل:

"يعني إنت ورحـمة متخانقين بسبب مشكله تافهه جدا… فتروح تجيب الست دليدا وتطلعوا سوا العمارة؟ وتشوفكم ومش عاوزها تضايق، وتقابل عيسى بالترحيب الأوفر دا؟ هى عملت كدا عشان تضايقك زي ما ضايقتها… وبعدين إيه طبيعة علاقتك بدليدا هانم؟ وليه تعملك مفاجأة عظيمة زي دي؟ عاوزة أفهم."

قبل أن ينطق فارس، كانت دليدا قد اشتعلت غضبًا، ردّت بغيظ متعمد:

"عشان أنا وفارس قررنا نتخطب، أوكيه؟ واسمي دليدا… وممكن تدلعيني بديدي بدل السخافة اللي عمالة تلقبيني بيها دى!"

ضحكت جيهان بسخرية عالية، حدّقت في فارس وقالت بحدة:

"قررتوا تتخطبوا؟ بجد الكلام دا يا فارس؟"

خفض رأسه، تهرّب من عينيها الثاقبتين، ورد بصوت منخفض:

"أيوه… لو حابة تتقبلي دا برحتك، مش حابة… برضه برحتك."

وضعت يدها على جبهتها تفركها بعصبية، ثم قالت بمرارة:

"تمام… ربنا يوفقك، بس دا اللي مكنتش منتظراه منك، أيوه… كنت بغير عليك من رحـمة، لأننا كنا صحاب قبل ما نعرفها، بس اتوقعت إنك بتحبها بجد، وتقبلت فكرة إنكم تبقوا لبعض، حتى تمنيت إن حد يحبني ربع حبك واهتمامك بيها. وفي الآخر… حوار تافه يخليك تسيبها وتخطب دي؟"

لم تتحمل دليدا، قاطعتها باندفاع مستفز:

"مالها دي يا مسكرة؟ مشبهش ولا ايه… هي رحـمة دي تيجي إيه جنبي؟!"

زفرت جيهان بغيظ، وقفت بغتة، اندفعت نحوها تدفعها بكتفها:

"لما تيجي تتكلمي عن صاحبتي، تتكلمي بأدب! وآه، متشبهيش… تمام! واتعدليلي كده بدل ما أعدلك بطريقتي!"

قبل أن ترد دليدا، زمجر فارس بصوت غاضب :

"بس بقا كفاية! جيهان، أنا حكيتلك اللي حصل، ملوش لازمة اللي بتعمليه دا ، واحترمي دليدا عشان هي تعتبر مننا خلاص."

قهقهت جيهان بسخرية مريرة، نظرت له نظرة حطت قلبه وقالت:

"مننا؟! ما عدش فيه مننا يا فارس، كل واحد فينا هيشق طريقه لوحده، ومبروك على الخطوبة… متنساش تعزمني عشان أبعتلكم هدية تليق بيكم."

حملت حقيبتها، اتجهت نحو الباب. أسرع فارس يقف أمامها يمنعها:

"جيهان! إحنا صحاب من وإحنا صغيرين… هتتخلي عني كده بسهولة؟ اقعدي نكلم براحة… عشان خطري."

ترقرقت الدموع في عينيها، وهي تزيح يده عن طريقها بصوت مبحوح:

"فارس… سبني أمشي، ولما أبقى أهدى من ناحيتك وأتقبل العبث دا… هبقى أكلمك."

قال بحزن :

"وعد؟"

أجابته وهي تفتح الباب، ظهرها له:

"مقدرش أوعدك."

خرجت، وتركته خلفها هائج الأفكار، يضع يده على رأسه يحاول أن يخفض الأصوات المتشابكة داخله، جلس على الأريكة منهكًا، فتقدمت نحوه دليدا، نظراتها حزينه تشفق على حالته، قالت بأسف خافت:

"أنا آسفة… بس هي ضايقتني أوي."

لكنه لم يرد، اكتفى بالصمت، فقد خسر في هذا اليوم من أحبها بشدة… ومن كانت صديقته منذ الصغر.

بعد ان خرجت جيهان ، وقفت برهة تنظر إلى باب شقة رحمة، تتردد في طرقه أم تمضي؟ لكن سرعان ما غلبها الشعور بالخذلان؛ فقد خاب ظنها بهم اليوم، سواء كان فارس أوهى، فكلاهما ضل الطريق وسار في درب معاكس، تركوها خلفهم وحدها تتخبط بما يحمله قلبها من غضب وحزن، وكل ذلك بأنانية كما اعتادت منهم، فكرت أن تذهب إليها لتعاتبها وتخرج ما يثقل صدرها، لكن ما الفائدة؟ لن يزول وجعها مما يفعلانه. زال ترددها، واستدارت لتنزل الدرج بخطوات حادة، يسوقها الحزن والغضب.

أما في شقة رحمة، كانت قد أعدّت الفطور ووضعته على المائدة، ثم نادت على عيسى ليجلس ويأكلا معًا. تقدم مترددًا، فإذا بها قد رتبت فطورًا متكاملًا: مخبوزات ساخنة، بيض اوملت، شرائح جبن، حبات زيتون أخضر مخلل، قشطة وعسل. لم يعتده عيسى؛ فقد نشأ على بساطة بيت أمه حيث الفول المدمس بالزيت والطحينة، الطعمية المقرمشة، الجبن القريش الذي تصنعه، المخلل من خيار والجزر، والبيض المسلوق المشوح بالسمن . لكن اليوم كان أمام مائدة مختلفة، فطورًا رقيقًا يشبه ملامح من اعدته.

ارتسمت على وجهه ابتسامة عفوية وهو يلتفت إليها قائلًا:

ـ "إيه الحلاوة والرقة دي؟ تسلم إيديكي."

أشرق وجهها بسعادة خجولة، وردّت بلطف:

ـ "شكرًا، دا من ذوقك.

اتفضل اقعد ،انا عارفه انى اتأخرت عليك، زمانك جعت."

قال مازحا:

ـ "لا متأخرتيش ولا حاجة ،هما كلهم ساعتين بس، والضهر خلاص أذّن، بس ما فيش مشكلة... اسمه فطار برضه. لإن أنا هغديكي النهارده أكلة سمك... إنما إيه... جبارة!"

ضحكت بخفة، وهزّت رأسها قائلة:

ـ "مش اتفقنا إني أنا اللي هطبخلك النهارده ولا إيه؟ وبعدين أنا زعلانة منك... كنت هتوقعني في المطبخ!"

ارتبك للحظة، ثم تشجع وقال بجدية امتزجت بتوتر داخلي:

ـ "بصراحة... عشان أبقى واضح معاكي، أنا مش حابب قربنا الزيادة ده، بيخليني ملخبط ومش مرتاح ،فلو عاوزاني ما اهنجش معاكي... خليكي بعيد عني، حوالي مترين تلاتة كده."

حاولت كتم ضحكتها، لكن عينيها فضحتها، فقالت ساخرة:

ـ "تمام... همشي بعد كده بالمتر.

وإيه رأيك بدل ما يبقوا مترين تلاتة... يبقوا عشرة عشرين؟ مش هيبقى أحسن ولا إيه؟"

قطّب حاجبيه متصنعًا الغضب وقال:

ـ "والله... إنتي جايبة الاستفزاز ده منين يا رخمة إنتي؟"

سحبت كرسيها وجلست، وهي تقول بخفة:

ـ "قضيها بق كلام، وبلاها... ناكل. اقعد بقا  أنا مت من الجوع."

جلس هو الآخر، يراقبها بابتسامة ممزوجة بالجدية، وقال بصوت منخفض:

ـ "ماشي يا ست رحمة... بس لينا كلام تاني."

بدأ الاثنان يتناولان الطعام بخفة، وكان عيسى مأخوذًا بهذا الفطور اللذيذ والخفيف في الوقت ذاته. أعجبته مربى التوت التي أعدتها؛ كانت لاذعة لكن حلوة، مزيجًا لا يدفعك إلى النفور أو الملل، مثلها تماما.

وحين أنهى طعامه، اتكأ بظهره على الكرسي وقال وهو يمسح فمه بمنديل:

ـ "الحمد لله... احبس بكوباية شاي بقى."

ابتسمت رحمة ابتسامة رقيقة وردّت:

ـ "تمام... هلمّ الأطباق وأعملك على طول."

سارع قائلًا:

ـ "لا،لا  كمّلي إنتِ فطارك... أنا هعملها. عشان عاوزك بقى في موضوع مهم."

أومأت وهي تقول بهدوء:

ـ "طيب، الشاي والسكر هتلاقيهم في رف فوق البوتاجاز... وأوعى تتخبط أو تتلسع تاني، لحد ما ألمّ الأكل."

ضحك وهو يتجه نحو المطبخ:

ـ "لا، ما تقلقيش عليا... ما تجيش انتى ورايا، وأنا هبقى تمام."

ضحكت بصوت منخفض تحدث نفسها:

ـ "ملوش حل."

وبينما وقفت تلمّ الأطباق، سرح ذهنها قليلًا. تملّكها القلق: هل ما زال فارس ودليدا معًا أم غادرا؟ حاولت أن تطرد هذه الأفكار من رأسها، لكنها تسللت كأشباح غامقة لا تترك لها مجالًا للراحة ،أرادت أن تشغل نفسها، فأخذت الأطباق واتجهت نحو المطبخ.

هناك، وجدته واقفًا أمام الموقد، قد أشعل النار تحت إبريق الشاي، يضع السكر في الكؤوس وهو يدندن بنغمة خفيفة أغنية لحسين الچسمي:

ـ "حبيبي بالبنط العريض... غالي وأقرب من الوريد... حالتي تتشخص جنون... بيقولولي أنا بيك مريض."

دخلت رحمة تبتسم بمزاح، فأكملت:

ـ "آه... ولقيت الطبطبة... ضحكتك فيها كهربا."

تفاجأ عيسى، شعر بالحرج للحظة، ثم تدارك الموقف وردّ مازحًا:

ـ "ومش أي كهربا... ده فولت عالي ساعتك! لدرجة إنك وصلت ظابط بتخاف منه شنبات... يقف يعمل شاي ويغني للچسمي!"

قهقهت بخفة وقالت:

ـ "عادي يعني... هو الظابط مش إنسان برضه؟ ولا لازم يبقى حد صارم يخاف منه شنبات وبس؟"

أنصت لها بإعجاب، بينما كان يصب الشاي برفق في الكؤوس ثم حمله على صينية صغيرة وقال:

ـ "تعالي ورايا."

سبقها بخطوات ثابتة، فتبعته متسائلة عمّا يريد أن يخبرها به منذ أن جاء. بدا الأمر مهمًا في عينيه. وضع الصينية على الطاولة أمام الأريكة، ثم أشار إليها وهو يقول بنبرة جادة:

ـ "اقعدي."

ترددت قليلًا ثم قالت:

ـ "إيه هو الموضوع اللي عاوزني فيه؟"

وقف من جديد، اقترب منها، وأمسك بيدها ليجلسها بلطف وهو يقول:

ـ "اقعدي بس... وهقولك. ما تستعجليش."

جلست تتابعه بعينيها، فرأت التوتر في ملامحه، كأنه يستجمع شجاعته ليقول شيئًا ثقيلًا.

نظر لعينيها مباشرة، وكأنه يحاول أن يقرأ فيهم الطمأنينة، ثم تشجع وقال:

ـ "أنا فاتحتك امبارح في موضوع... وانتي قولتي هفكر. عارف إني كنت اندفاعي شوية وزعلتك. فقررت أعوضك واتقدملك بشكل يناسبك أكتر."

تحدثت بهدوء:

ـ "عيسى، أنا..."

لكنه قاطعها سريعًا:

ـ "مش عاوز أسمع ردك غير بعد ما أخلص وأقولك أنا مين. عاوز أعرفك عيسى الهوارى ماشي إزاي... عشان ما تاخديش قرار عمياني."

صمتت، تنظر إليه في انتظار أن يكمل.

ابتسم بارتباك ثم قال:

ـ "بصي يا ستي... أنا عندي ٢٨ سنة. عارف إن فرق السن بينا مش قليل، وممكن نختلف في حاجات كتير. بس أنا... عمري ما فكرت في السن، ودي حاجة ترجعلك طبعًا. كنت خاطب قبل كده زي ما قلتلك، وما حصلش نصيب. الصراحة أنا اتدمرت نفسيًا بعدها. يمكن أبان قوي قدام الناس، بس الحقيقة... أنا عاطفي جدًا في حياتي الشخصية.

أمي أهم حاجة في حياتي، ومش هقدر أعيش بعيد عنها. شقتي هتبقى قصاد شقتها، قولي عليّ بقا ابن أمه برحتك، بس هي نقطة ضعفي ،بس طبعا دا ميمنعش إن عمري ما هسمح إنها تزعلك... وهي أصلًا مش من طبعها تعمل كده، وانتي عرفتيها وقابلتيها.

آخر حاجة... شغلي بياخد مني ساعات طويلة، وممكن أبعد عن البيت بالأيام. يعني ساعات هسيبك لوحدك، بس طبعًا والدتي هتكون معاكي... وتونسوا بعض، دلوقتي... تقدري تردي عليا. وأوعدك أتقبل كلامك من غير زعل."

ساد الصمت، كان قلبه يخفق بسرعة وهو يترقب ردها. لم يكن يعلم أنها قد حسمت أمرها منذ الصباح، وأن قرارها لن يتغير مهما قال. لو كان سمع منها بالأمس لكان الجواب مختلفًا، أما الآن فشيء ما في داخلها قد تغير ،حيث انها ستكشف له جزءا عنها لا يعلمه.

نظرت نحوه، فتأهبت كل حواسه لها، ينتظر بلهفة. قالت بصوت رقيق:

ـ "بص يا عيسى... إنت شخص محترم جدًا، ووالدتك ست طيبة، ومعنديش أي مشكلة في كل اللي قولته... سواء السن أو إن بيتك جمب مامتك أو حتى شغلك. كل ده طبيعي."

قطب حاجبيه وسأل:

ـ "أمال فين المشكلة؟ إنك مش متقبلاني، صح؟"

ردت بحدة خفيفة:

ـ "أنا سبتك تتكلم... يبقى إنت كمان تسيبني أتكلم من غير ما تقاطعني. ممكن؟"

أومأ برأسه مطيعًا:

ـ "ممكن... اتفضلي."

اعتدلت في جلستها، تنهدت بعمق، ثم قالت:

ـ "أول حاجة... إنت متعرفش حاجة عن حياتي يا عيسى. لا تعرفلي أب..." سكتت لحظة، تنهدت بألم "... ولا أم، ولا حتى قرايب ،متعرفش اتربيت فين، ولا عشت إزاي، أظن قبل ما تاخد قرار زي ده، لازم تعرفني كويس الأول."

تنهد عيسى بصدق:

ـ "طيب عرفيني... وأنا هاخد كل كلامك بثقة. رحمة، مش عارف ليه... بس أنا واثق فيكي أوي. أنا في العادي ما بثقش في حد نهائى.. بس إنتي مختلفة. فأي حاجة هتقوليها هصدقها. اتكلمي... أنا سامعك."

نظرت نحوه بحزن عميق، تمنّت لو قابلته في حياة أخرى، كإنسانة عادية، لا تحمل هذا الماضي الأسود، ولا هذا الحاضر الدامى هو ضابط، وهي قاتلة ،سفاحه ... فهما كالماء والزيت، لا يختلطان.

قالت أخيرًا:

ـ " بص يا عيسى ....أنا اتولدت في محافظة المنصورة... وليا ملف قضية جنائية هناك، في أكتوبر 2015. إنت ظابط وتقدر تجيبه، هتلاقي فيه كل حاجة عني. اقرأ الملف كويس... وبعد كده خد قرارك."

اتسعت عيناه بدهشة، ابتلع ريقه بصعوبة، وردّ بارتباك:

ـ "ملف؟ إنتي ليكي ملف جنائي؟! ليه؟ إنتي عملتي إيه هناك يا رحمة؟!"

زفرت بعمق، وقالت بنبرة مثقلة باليأس:

ـ "اسمي في البطاقة رحمة زين الوكيلي... على اسم عيلة أمي بالتبني، زينب الوكيلي. لكن اسمي الحقيقي... رحمة سليم السيوفي. دور بالاسم ده... وهتفهم كل حاجة. بس أتمنى... قبل ما تقرر إنك متعرفنيش تاني، تقوللي."

تذكر الكابوس الذي رآه صباحًا، أدرك حينها أنه لم يكن مجرد وهم. ها هي تطعنه بحقائق موجعة عن ماضٍ مظلم لم يكن يعلم عنه شيئًا. انتفض واقفًا، صوته يرتجف بالغضب:

ـ "رحمة! ما تقوليلي إيه الحكاية وخلاص! لزمتها إيه أدور والكلام ده؟ خليكي صريحة... ومتطيريش عقلي مني!"

وقفت هي الأخرى، قالت بعناد:

ـ "لا... مش هقولك. إنت اللي هتدور بنفسك، يا عيسى. تمام؟"

رد محاولًا ضبط أعصابه:

ـ "تمام، يا رحمة... بس أنا هسأل وأنا هنا. ومش هتحرك غير لما أعرف. عشان لو قررت أمشي زي ما بتقولي... أبقى أعرفك وش لوش."

استسلمت وقالت بهدوء:

ـ "تمام... وأنا هستنى ردك."

خرج عيسى للشرفه، محملًا بالصدمة، واتصل بعادل. جاءه صوته العفوي عبر الهاتف:

ـ "باشا... والله المكتب مضلم من غيرك."

رد عيسى بحدة:

ـ "بلا مضلم بلا نيلة! أنا عارف إني فقر من يوم ما اتولدت، والله."

اندهش عادل وقال:

ـ "خير يا عيسى... إيه حصل بس؟"

تنهد عيسى وأجاب:

ـ "هقولك بعدين. تعرف حد في أرشيف محكمة المنصورة؟"

قال عادل:

ـ "أعرف اللي يعرف. قوللي عاوز إيه من هناك وأنا أجيبهولك."

ـ "عاوز ملف قضية جنائية باسم رحمة سليم السيوفي... من سبع سنين، فى شهر أكتوبر، الملف ده عاوزه في أسرع وقت ممكن، يا عادل... ومش عاوز أي حاجة رسمي. فاهمني؟"

ـ "تمام يا فندم. ساعة بالكتير يكون عندك. المعلومات اللي قولتها هتسهّل علينا البحث."

ـ "تمام... حاول ما تتأخرش عليا."

أنهى عيسى المكالمة، وأشعل سيجارة تلو الأخرى، متجاهلًا اتصالات والدته المتكررة. أما رحمة، فكانت تراقبه بصمت من بعيد، تحدث نفسها بمرارة:

هل هذه حالته فقط لأنه عرف أن لي ملف قضية قديم؟ فكيف ستكون ردة فعله حين يعلم أنني قاتلة بلا رحمة؟ وأن آخر ضحاياي كان فجر هذا اليوم؟

تسللت دمعة حارة من عينيها، مسحتها بسرعة، وجلست على الأريكة تستسلم لأفكارها المظلمة، تنتظر ردة فعله عما سيعلمه عنها.

لم يجد عيسى ما يفرغ فيه غضبه سوى علبة سجائره التي أوشكت على الانتهاء ،كانت الدقائق تمر عليه ببطء قاتل، كأن الساعة تتحرك بثقل يسحق أنفاسه ،لم يعد يحتمل؛ يريد أن يعرف ما الأمر الذي تخشى رحمة أن تصارحه به، وبعد أن مرت ساعة تلتها نصف أخرى، شعر بوخز في قلبه، فاندفع يتصل بعادل من جديد.

جاءه صوت عادل على الفور، متلهفًا:

ـ "باشا، آسف على التأخير والله... الملف أهو على وصول. أبعتهولك على البيت ولا فين؟"

رد عيسى بحدة:

ـ "لا... هبعتلك عنوان تبعتهولي عليه، حط الملف في ظرف، وممنوع حد يطلع عليه غيري... تمام؟"

ـ "تمام يا باشا... تحت أمرك."

أنهى المكالمة، وألقى الهاتف بجانبه بانفعال فصبره قد شارف على النفاد،

أما رحمة، فقد لجأت إلى دفتر رسوماتها، تفتح صفحاته وتمسك قلمها الذى خصصته فقد لمثل هذه الاوقات العصيبه ،ترسم به أشكالًا عبثية، محاولة أن تتناسى ما ينتظرها.

خرج عيسى من الشرفة بخطوات مثقلة ،رأسه تؤلمه من الغضب والتفكير، بحث بعينيه عنها، وجدها جالسة على الأريكة، قد رفعت شعرها بقلم رصاص، ووضعت الدفتر على ركبتيها ترسم بتركيز، اشتعل الغيظ في صدره؛ هي التي جعلته تحت وطأة الانتظار، غرست في داخله كل تلك الشكوك والمرارة، ثم ها هي الآن تجلس بطمأنينة، ترسم وتلوّن! لم يتمالك نفسه، اقترب منها وسحب القلم من بين أناملها وكسره نصفين.

انتفضت رحمة من مكانها، عيناها اشتعلتا غضبًا، وصرخت:

ـ "إنت عملت إيييه؟!"

صرخ هو الآخر، كوحش جريح:

ـ "هو إيه اللي بعمل إيه! إنتي منرفزاني ليه؟ حطّيتيني في الموقف ده... وقاعدة ترسمي؟!"

ألقت دفترها بعنف على الطاولة، تبعثرت أوراقه على الأرض ووقفت أمامه وجهًا لوجه، وصاحت بغضب مماثل:

ـ "أنا غلطانة إني بعرفك حاجه عنى! وبعدين، لو مش عاجبك تتحط في وضع يضايقك... انهي الموضوع قبل ما يبدأ! بس ما تكسرش القلم بتاعي!"

زفر بحدة، وقال ساخرًا:

ـ "يعني هو حتة القلم اللي طلّعت فيه ضيقتى أهم مني؟"

غرقت عيناها بالدموع، وخنقتها غصة في حلقها وهي تنظر إلى القلم المكسور، ثم قالت بصوت مخنوق:

ـ "أيوه... أغلى ،ده آخر هدية من أبويا بقاله يجى عشر سنين محتفظه بيه بخاف حتى ابريه ويخلص ،برسم بيه وقت مكون مضايقه عشان بحسه معايا ،تقوم انت بكل سهوله ....تكسره"

تجمد مكانه، وانفطر قلبه للحظة. تبدلت ملامحه من الغضب إلى ندم عميق، فانحنى سريعًا يلتقط القلم ويحاول تفحصه، كأنه يبحث عن وسيلة لإصلاحه. لكن لا جدوى؛ الخشب الرطب لم يحتمل قسوة يده، فتهشم بلا عودة. رفع رأسه نحوها بعينين تملؤهما الأسف وقال بصوت متهدج:

ـ "أنا آسف... مكنتش أعرف.... أعمل إيه؟ مش قادر أتحكم في غضبي!"

لكنها لم تجبه؛ جلست على الأريكة تبكي بصوت مكتوم، تمسح دموعها الهاربة بيد مرتجفة كأنها تخشى أن يراها ضعيفة.

وفي الجهة الأخرى، كان فارس جالسًا على أريكته، رأسه مثقل بالحزن، بينما دليدا بجانبه تحاول التخفيف عنه. فجأة تسرب إلى مسامعه صوت عيسى الأجش وهو يصرخ، صوت اخترق الجدران وأيقظ داخله قلقًا لا يُحتمل. انتفض واقفًا، وجهه شاحب، وعيناه تتسعان برعب، اندفع نحو الباب يفتحه بعجلة ويخرج مسرعًا تعجبت دليدا وذهبت خلفه ،تتسائل بداخلها ما الذى حدث...

وقف أمام باب رحمة، يضع أذنه ليستمع،وبينما قلبه ينقبض، صعد أحد العساكر السلم. شعر فارس أن مصيبة ما قد حلت فوق رأس رحمة، وربما فوق رأسه هو أيضًا. داهمته وساوس قاتلة "هل يعقل أنها أخبرت عيسى؟ "

حاول طرد هذه الأفكار التي تمزق عقله، لكنه لم يلبث أن رأى العسكري يطرق باب رحمة.

انفتح الباب بسرعة، وخرج منه عيسى، لم يلقِ بالًا لفارس الواقف أمامه، بل تناول الملف من العسكري وأمره بالانصراف.

زفر فارس بقوة، وقال بغضب ظاهر:

ـ "هو إيه اللي بيحصل هنا؟ ممكن أفهم؟ وصوتكم عالي ليه؟ هي رحمة فين؟"

رمقه عيسى ببرود وقال بحدة:

ـ "ملكش دعوة... امشي من هنا دلوقتي."

توهج الغضب في عروق فارس، وازداد حين حاول عيسى الدخول وإغلاق الباب.

رفع يده ليوقفه وصده قائلًا:

ـ "لما أكون بكلمك، ترد عليا كويس وعيب اوى لما تقفل الباب فى وشي.." ثم نادى بصوت مرتفع: "رحمة! إنتي فين؟ رحمة!"

قبل أن ينفجر عيسى غضبًا، خرجت رحمة مسرعة، تتطلع بقلق لما يجري. كانت عينها دامعة، ووجنتاها وأنفها متوهجة من أثر البكاء.

أفلت فارس الباب وهرول نحوها، يمسك وجهها بين كفيه بحنان، وقال بلهفة:

ـ "رحمة، مالك؟ عمل فيكي إيه؟ بتعيطي ليه؟ قوليلي!"

شعرت دليدا بغصة الغيرة والحزن وهي ترى المشهد، فيما اشتعل الغضب في صدر عيسى، اندفع نحوه و قبض على ياقة قميصه بعنف، دفعه إلى الحائط حتى اهتز جسده بقوة، وصاح بغضب:

ـ "إنت بتلمسها بتاع إيه؟! مين إنت عشان تتجرأ تعمل كده؟! وانت مالك بيها تعيط ولا لأ؟! خد بعضك وادخل شقتك قبل ما أفرغ غضبي عليك!"

لكن فارس لم يكن أهدأ منه؛ الغضب في داخله أشد، قبضته ارتفعت فجأة، لكم عيسى لكمه قوية جعلته يتراجع خطوة، ورد بصوت يعلو أكثر:

ـ "وإنت تزعلها بتاع إيه برضه؟! تبقى لها إيه إنت؟ لسه ما اتخلقش اللي ييجي عليها وأنا موجود!"

توترت عضلات عيسى، شد قبضته، عيناه يلمعان بالشرر، ثم ضحك بسخرية قاسية وهو يومئ لموضع لكمته:

ـ "إنت قد الضربة دي؟"

وقبل ان ينقض عليه بلكمه قويه، تعلقت رحمه بيده تقف بينهم كجدارٍ فاصل وصرخت برجاء:

ـ "بَسّ... خلاص، عشان خاطرى كفايه !"

نظرت فى عينى عيسى وقالت برجاء مشوب بالحزم:

ـ "خلاص بالله عليك ،حقك عليا انا ووقف الخناقة دي... وتعالا ندخل عشان نكمل كلامنا."

شد عيسى على قبضته ،كيف يسامح فى حق نفسه وما اغضبه اكثر انها تحميه هو،صاح بغيظ مكتوم متمالكا نفسه لأجلها فقد :

ـ "هو انا الى بدأت الخناقه ولا الى عامل نفسه دَكر دا الى جه ينكشني، وأنا أصلاً على آخري! واقسم بالله يا رحمه لولا وقفتك بنا مكنت سبته غير وانا مطبقله وشه ،ولو عوزانى اهدى تدخلى حضرتك قدامى دلوقتى .... "

قبل أن يتمكن فارس من الرد، التفتت إليه رحمة، وعينيها تغمره بنظرة يعرف معناها جيدًا؛ نظرة تستجديه أن يتوقف. قالت بصوت مبحوح يغلفه الرجاء:

ـ "لو سمحت يا فارس... خد خطيبتك وادخل شقتك. أنا مش عاوزه مشاكل في العمارة... كفاية فضايح."

فلقد كانت الجارة الطفيلية مع زوجها، يصعدان بخطوات متلصصه، يتابعان ما يجري بإهتمام وكأنه امرا يخصهم ..

انفجر عيسى بصوت غاضب، مزمجرًا نحو رحمة:

ـ "أنا مش قولتلك ادخلي! واقفة ليه؟!"

انتفضت رحمة من مكانها محاولة تهدئته، وقالت بخضوع:

ـ "طيب... هدخل. اهدى بس."

التفتت لتدخل شقتها على مضض، لكن صوت فارس ارتفع خلفها برجاء :

ـ "رحمة، متدخليش... إنتي خايفة منه ليه؟ يطلع إيه هو؟!"

عندها نفد صبر عيسى، ضغط على اسنانه وشد قبضته، رمى الملف من يده بعنف، ثم انقض على فارس بلكمة صاعقة أسقطته للخلف.

تعالت صرخة رحمة، وصاحت دليدا في فزع، بينما الجارة وزوجها وقفا يضربان كفًا بكف، يتابعان المنظر بشغف غريب وكأنهما يشاهدان عرضًا مجانيًا.

اندفعت رحمة تحاول سحب عيسى من قميصه، تجره بجسدها الهزيل، لكن غضبه كان كوحش كاسر، ينهال على فارس باللكمات المتتالية دون أن يترك له فرصة ليدافع عن نفسه. احمر وجه فارس وتورم، وانفجر أنفه دمًا.

أما دليدا، فقد أمسكت حقيبتها وضربت بها ظهر عيسى بقوة يائسة، علّها تردعه. لكنّه ظل يضرب كمن فقد وعيه، حتى انطلقت صرخة رحمة بكل ما تملك من قوة:

ـ "سيبه! هتموته! سيبه يا عيسى... عشان خاطري ...هيمووت كفايه!"

حينها فقط هدأ قليلًا، ترك فارس يتهاوى على الأرض، وتراجع للخلف، يلهث وهو يلتفت إلى رحمة بعينين ملتهبتين وقال بصرامة جارحة:

ـ "لو عوزاني فعلًا مموتوش دلوقتي... تقوليله ميدخلش بينا تاني."

ارتجف جسد رحمة، ونظرت إلى وجه فارس المتورم والدم يسيل من أنفه ،شعرت بغصّة تكاد تخنقها؛ تعرف أن عيسى قد يضعه في رأسه ويطارده حتى يهلكه. صمتت بألم، قلبها يتشقق، لا تعرف ماذا تقول.

صاح فيها عيسى بعصبية:

ـ "انطقي! هتقوليله ولا لأ؟!"

التقت نظراتها بنظرات فارس؛ عيناه دامعتان، محملتان بالخذلان، لكنه في أعماقه تمنى أن تنصفه ولو لمرة، لكن صوتها خرج مرتجفًا :

ـ " فارس... متدخلش في حياتي تاني، وملكش دعوه بيا...  لا من قريب ولا من بعيد."

احس فارس وكأن صدره ينكسر، تنهد بمرارة، شعر بقلبه يتحطم بين ضلوعه ، كان وقع كلماتها عليه أشد إيلامًا من اللكمات، أما عيسى، فقد قبض على يد رحمة بعنف، وسحبها للداخل، ثم أغلق الباب خلفه بقوة.

أسرعت دليدا إلى فارس، وجهها مبلل بالدموع، تتحسس وجنته المتورمة، وصوتها يختنق:

ـ "فارس... إنت كويس؟ رد عليا."

لكنه دفع يدها جانبًا، واقفًا بتثاقل. مسح الدم عن أنفه بظهر يده، وجهه يشتعل غضبًا وذلًا. التقط أنفاسه بصعوبة، ثم اندفع بخطوات سريعة نحو السلم، يدفع السكان المتزاحمين في طريقه دون أن يلتفت لأحد.

كان يشعر أن الأرض تضيق من تحته، أن جدران العمارة تلتف حوله تحبسه.

تبعته دليدا مسرعة، قلبها يلهث معه، تحاول اللحاق به قبل أن يغرق تمامًا في بحر غضبه وانكساره.

ــــــــــنهايه البارتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتذ لاعزائر القراء على التأخير ...

توضيح مهم بشأن البارت "الروايه تدور احداثها حاليا فى 2022 حتى لا تحدث عندكم لغبطه من التواريخ التى ذكرت فى هذا البارت ....

اتمنى اشوف تعليقاتكم ورايكم على البارت ولا فى شئ مش فهوم ،او اخطاء مزعجه عرفونى اقبل النقد البناء ،،دمتم فى أمان الله ❤️🫂

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة