في الصباح، استيقظ فارس بتثاقل من فوق الأريكة، عيناه نصف مغمضتين وصوته يثقل بالنعاس، فوجد إلى جواره مذكرته موضوعة بعناية. لمحها بدهشة، وأدرك فورًا أن رحمة هي من تركتها هناك. مد يده بتردد وفتح الصفحات، ليكتشف أنها أضافت جزءًا جديدًا للقصة. ارتسمت ابتسامة على وجهه، ابتسامة دافئة ممتزجة بفضول، وظل يحدق بالكلمات متسائلًا بينه وبين نفسه: هل كتبت ذلك كإضافة خيالية فقط؟ أم أن بين السطور ما يخص الواقع أيضًا؟
وقبل أن يغرق أكثر في تفكيره، تفاجأ برحمه تخرج من غرفتها بخطوات سريعة، وملامحها مشغولة بالعجلة، لترمي نحوه بعض الملابس قائلة بنبرة مستعجلة:
:قوم يلا البس دول عشان هنتأخر على الوظيفه.
رفع فارس عينيه إليها بابتسامة واسعة، وعيناه تشعان بفرحة لا تخفى. التقطت نظراته فتوقفت لثوان بدهشة، ثم قالت باستغراب وهي تعقد حاجبيها:
:مالك بتبصلي لى كدا؟ شكلك مضحك اوى
ضحك فارس بخفة، ورد عليها:
:عجبتني إضافتك ... زودت القصة برومانسيه ومأساويه أكتر. مش عارف أزعل ولا أفرح من النهايه دى..
رفعت رحمة عينيها نحو السقف وكأنها تفكر للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة عابثة قائلة:
:مش معقول يعني الراجل يعمل كل دا عشانها ويموت، وهي تتحرر وتكمل حياتها عادي! من الطبيعي إن نهايتها تبق مأساويه زيه على الأقل... دا العدل بالنسبالي .
أومأ فارس موافقًا وابتسم، قائلاً:
:عندِك حق... بس كنت أتمنى إن نهايتهم تبق سعيده. بس لولا طلب الدكتور.
قهقهت رحمة ضاحكة وقالت:
:رغم إن نوعي المفضل في القصص هو الجريمة والرعب، بس قصتك عجبتني لأنها خالية من النهاية السعيدة.
زفر فارس بعمق، ثم غير مجرى الحديث مترددًا:
:ممكن بعد ما نروح نشوف الشغل - أكيد مش هيوظفونا النهاردة - نروح مكان عاوز أعرفك على حد.
تجمدت رحمة لحظة، شعرت بغرابة في نبرته، ثم سألت بقلق
:حد مين يعني؟
ظل فارس صامتًا لثوان، ينظر إلى الأرض كأنه يجمع شجاعته، ثم قال:بصراحة... من فترة بدأت أتعرف على واحدة من على الفيس وكدا، وحسيت إننا فاهمين بعض.
حاولت رحمة أن تخفي وخز الغيرة بابتسامة مشدودة، وقالت بنبرة ساخرة:إيه شغل العيال دا... هو إنت أندر إيدج ولا إيه؟ في حد لسا بيتعرف من على الفيس! هتطلع ولد في الآخر.
أسرع فارس يبرر :
:لأ لأ... أنا بصراحة قابلتها مرة واتكلمنا وكدا... وشكلى كدا في سنة إعجاب.
ابتسمت رحمة ابتسامة زائفة أكثر اتساعًا، وقالت ببرود متعمد:أممم... كل دا من ورايا؟ تمام يا عم، الله يسهّلك. بس عاوز تعرفها عليا ليه بقى؟ هو أنا ولية أمرك؟
ابتسم فارس بخفة، وقال وهو يرفع حاجبيه:
:الله! مش إحنا عيلة ولا إيه؟ أنا مفهّمها إنك زي أختي ولازم تتعرفي عليها..
ردت بسخرية:
:أممم...اختك تمام واسمها إيه بقى القطقوطة؟
ابتسم فارس بحرج طفولي:
:اسمها دليدا... بس دلعها ديدي.
قهقهت رحمة بصوت قصير وهي ترفع حاجبًا ساخرًا:
:أمممم... ديدي! إنتو وصلتوا لمرحلة الدلع كمان؟ دا انت طلعت خبيث خبث... تمام، موافقة أقابلها.
قال فارس بفرحة غامرة:
:بجد؟! انتي أحلى رورو في الدنيا الحق أبعتلها بقا.
وأمسك هاتفه بسرعة، عيناه تلمعان بالحماس، لكنه لم يكد يبدأ بالكتابة حتى خطفت رحمة الهاتف من يده وقالت بحدة خفيفة:مش هتطير يا أخويا! قوم البس عشان نمشي، بدل ما أدغدغ الفون على دماغك.
انفجر فارس ضاحكًا من أسلوبها، ثم نهض متوجهًا إلى الغرفه وهو ينادي بخبث:
:متبقيش تكلميني كدا قدامها عشان بتغير وكدا... ها!
توقفت رحمة، عيناها اتسعتا بصدمة، ثم التقطت وسادة من على الأريكة ورمته بها بعصبية وهي تصيح:
:اخلص يا بااارد! قال بتغير قال!
ركض فارس ضاحكا نحو الغرفه متفاديا الوساده، بينما تجمدت هي في مكانها تحاول استيعاب كلماته. شعرت بوخزة غير مريحة في صدرها، فأخذت شهيقًا عميقًا ثم أخرجته بحدة، لتحدث نفسها غاضبة:
مالك؟ اظبطي كدا! مضايقة ليه؟! إنتي عارفة من الاول ان دا هيحصل.. حاولي تبقي أهدى من كدا بالاخص قدام دوده دى .
جلست على طرف الأريكة وهي ترتدي حذاءها بعصبية واضحة.
في الداخل، كان فارس بعد ان انتهى من التجهز وقف أمام المرآة يعدل ملابسه، يبتسم بخبث ويحدث نفسه ساخرًا:
حاسس إنها هتطق من الغيرة... بس لازم أكون تقيل . الحق أخرج بق بدل ما تيجي تعمل مني صوابع كفتة! دي مجنونة.
خرج بعدها ليجدها جالسة تأكل شطيرة مربى وتبتلعها بعصير طازج. ابتسم بخفة وسأل مداعبًا:
طب وأنا سندوتشي فين؟
رفعت رحمة نظرها إليه بحدة وقالت:
هو أنا مامتك؟ متعمل لنفسك.
ضحك فارس، لكنه قرأ في عينيها ما لا تريد أن تعترف به، فقال وهو يهز رأسه:
هو ليه حاسس إنك قلبتي عليا لما قولتلك عن موضوع ديدي؟
ردت ببرود متعمد، وهي تداري ارتباكها:
ها... قلبت عليك ليه يعني؟ عادي. أنا بس اتأخرت عشان حضرتك بتتلكع. وبعدين دي طبيعتي، إنت اللي عاوز تعمل دراما.
ابتسم فارس بخبث :
تمام. مش هاكل بقى عشان أبقى أفطر مع ديدي بعد مقابلة الشغل. فين الفون أبعتلها عشان متفطرش هي كمان.
نظرت له باشمئزاز واضح وقالت:
:فونك على الكنبة يا روميو... اجري ابعتلها.
كتم ضحكاته وهو يتجه للأريكة ويجلس يرسل الرسائل بحماس،
حدثت نفسها وهى مشنئزه :اع نفسي موعت من المنظر الملزق دا
انهت طعامها ثم مرت بجانبه ببطء، تحاول أن تسرق نظرة لما يكتبه. لكن عينيه رفعت فجأة نحوها، ليمسكها متلبسة:
خير؟ في حاجة؟
اعتدلت في وقفتها بسرعة وقالت بجدية:
:لا... مفيش. اتأخرنا بس. يلا قدامي.
ابتسم بخفة وأجاب:
:ماشي... يلا.
خرج الاثنان معًا من الشقة، والجو بينهما مشحون بمشاعر متناقضة، متجهين المطعم القريب من المنزل لمقابله العمل، كل منهما يخفي في قلبه ما لا يجرؤ على قوله.
دخلوا المطعم، كان مطعمًا متوسط الحجم مخصصًا للأكلات السريعة، تتوزع فيه الطاولات الداخلية بإتقان، والمكان يعج بالزبائن بعض الشيء.
تقدمت رحمة بخطوات ثابتة نحو أحد العاملين وسألته بلطف أنها تريد مقابلة المدير بخصوص الوظائف.
لم يطل الانتظار، حتى أتى المدير، رجل خمسيني يدعى بكر، تعلو وجهه ملامح ودودة، وقال بابتسامة:
ــ "أهلًا وسهلًا.. حضراتكم جايين عشان الوظايف؟"
أجابه فارس سريعًا:
ــ "أيوه، لسه متاحة ولا خلاص؟"
ابتسم بكر:
ــ "متاحة طبعًا. بس احكولي.. خرجين إيه وأعماركم كام؟ ويا ريت تجيبوا بطايقكم."
بادرت رحمة بالرد قبل فارس:
ــ "أنا عندي اتنين وعشرين سنة، في كلية آداب.. وزميلي أكبر مني بسنة وبرضه في آداب.
وبالنسبة للبطايق، معندناش مشكلة، كله تمام."
هز بكر رأسه برضا وقال:
ــ "كويس. بس خليكم عارفين الأجر هيكون بسيط وهيزيد مع الوقت. الوظايف المتاحة: واحد دليفري، والتاني ياخد طلبات. مين بيعرف يسوق موتوسيكل؟"
تسرع فارس قبل أن تفتح رحمة فمها:
ــ "أنا بعرف أسوق.. هاخد الدليفري. ورحمة تاخد الطلبات.. مقولكش ودودة إزاي، الزباين هيحبوها موت، هه."
التفتت رحمة إليه بنظرة حادة كأنها على وشك أن تضربه وسط المطعم، بينما هو يكتفي بابتسامة ساخرة تزيد من استفزازها.
أخذ بكر بطاقاتهم وقال إنه سيجري الكشف عليها للتأكد من خلوهم من أي سوابق جنائية، وطلب من فارس إحضار رخصة قيادته غدًا ليبدئا بالعمل .
خرج الاثنان معًا، وما إن ابتعدا حتى قال فارس بنبرة عابثة:
ــ "يلّا بينا على الكافيه.. دليدا مستنيانا."
ترددت رحمة في داخلها، لا ترغب أبدًا في الذهاب، لكنها تبعته على مضض.
...
في أحد الكافيهات الراقية ــ الذي سبق ذكره من قبل ــ جلست فتاة في العشرينات، شعرها يميل إلى الأشقر، وعيناها خضراوان لامعتان، بشرتها بيضاء ناعمة، تتوسط وجهها شفتان مورّدتان. جسدها ممتلئ قليلًا بطريقة تزيده أنوثة وجاذبية. كانت ترتدي نظارة أنيقة، تحمل في يدها كتابًا تقرأه بتركيز شديد، وأمامها كوب إسبريسو ينبعث منه بخار دافئ.
بمجرد أن رأت فارس ورحمة لوّحت لهما بابتسامة مشرقة، فأشار فارس نحوها قائلًا لرحمة:
ــ "أهى دى دليدا.. هناك."
تأملتها رحمة بنظرة سريعة، وقالت في سرّها: "ما شاء الله.. جميلة أوي. إزاي وقعت عليها يا خبيث انت؟ بس برضه مش أحلى مني."
وقبل أن تستفيق من أفكارها، شعرت بيد فارس تمسك بيدها وتشدها نحو الطاولة التي تجلس عندها دليدا.
بمجرد وصولهما، ابتسم فارس معرفًا:
ــ "ديدي.. دي رحمة، زي أختي بالظبط الى حكتلك عنها."
ثم التفت لرحمة:
ــ "رحمة.. دي ديدي اللي قولتلك عليها الصبح."
وقفت دليدا بترحاب ومدّت يدها:
ــ "اتشرفت بمعرفتك يا آنسة رحمة. فارس حكى عنك كتير لدرجة إني غرت منك، "
صافحتها رحمة وهي تجاملها بابتسامة:
ــ "أهلًا بيكي. الشرف ليا والله.. ومتغريش ولا حاجة. أنا وفارس.. اعتبرينا راضعين على بعض."
نظر إليها فارس بحدة وهو يزفر بغضب مكتوم:
ــ "راضعين على بعض اه.. طب اقعدوا واقفين لى."
جلس الثلاثة، لكن فارس جلس في البداية بجوار رحمة، فما كان من دليدا إلا أن نظرت له باعتراض صامت. التقط فارس الإشارة وانتقل للجلوس بجانبها، بينما رحمة تتابعه بغيظ مكبوت، تشعر وكأنها ستنفجر من استفزازاته.
قطع فارس الصمت قائلًا:
ــ "تاكلوا إيه؟ أنا لسه مفطرتش."
ابتسمت دليدا:
ــ "اطلبوا إنتو.. أنا مستنية حد."
رفع فارس حاجبيه باستغراب:
ــ "مستنية مين؟"
ردت ببساطة:
ــ "أدهم، أخويا. كلمني من شوية، ولما قلتله إني هفطر معاك، قال يستغل الفرصة ويتعرف عليك."
ضحك فارس:
ــ "أه طبعًا.. يشرفني. كلميه شوفيه وصل لفين."
استأذنت دليدا وابتعدت قليلًا لتتحدث معه.
وهنا التفتت رحمة لفارس بخبث:
ــ "بتدبسك يا معلم."
رفع حاجبيه متسائلًا:
ــ "بدبسني في إيه؟ مش فاهم."
قالت بنبرة ساخرة:
ــ "دي لعبة، عشان علاقتكم تبقى رسمية. الأول تعرفك على أخوها، وبعدين أبوها وأمها، وفي الآخر تقولك تعالى اخطبني."
صدمها فارس برده البارد:
ــ "وإيه المشكلة؟ هو أنا بتسلى؟ أنا فعلًا ناوي أتقدم. ولو وافقوا، اننا نعيش إيجار.. هنسكن فى الشقة اللي قصادك."
تجمدت رحمة في مكانها، كأن كلمات فارس صفعتها. لم تتوقع هذا الرد، وسألت نفسها بدهشة :
"مين ده؟! مش فارس اللي أنا أعرفه.. إزاي اتغيّر في ليلة فجأه كده؟"
ابتسمت له رحمة محاولة أن تخفي اضطرابها:
- اه ربنا يوفقك.. غيرت قراراتك بسرعة أوي.
وقبل أن يجيب، أطلت ديدى بخطوات مسرعة قائلة:
- أدهم وصل بره.
أومأت رحمة برأسها مبتسمة، بينما سارع فارس للرد:
- تب كويس.
وبعد لحظات، انفتح باب الكافيه ودخل منه شاب طويل القامة، عريض الكتفين، شعره الأشقر يلمع مع ضوء الصباح، يشبه ديدى بوضوح، نفس العيون تقريبًا لكن في وجه أكثر صرامة ووسامة. بدا عليه الاهتمام بالرياضة، فجسده رياضي ممشوق، وكان يحمل جاكيت بدلته في يده بجاذبيه طاغيه لفتت نظر بعض الحاضرين . ما إن لمح أخته حتى لوّح لها مبتسمًا واقترب بخطوات واسعة قائلاً:
- إزيك يا حبيبة أخوكى؟
قفزت ديدى من مكانها واحتضنته، تقبّله على وجنتيه بحنان:الحمد لله يا حبيبي
، ثم أشارت بفخر نحو الطاولة:
- تعالى، أعرفك.. ده فارس اللي حكيتلك عنه، شخص محترم جدًا وكمان في كلية آداب.
نهض فارس من مكانه، صافحه بابتسامة حاول أن يجعلها ثابتة ضغط أدهم على يده بحرارة وهو يقول بود:
- اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ فارس.. ديدى قالتلي عنك كلام جميل.
- الشرف ليا أنا والله، رد فارس بنفس الود.
لم تمهلهم ديدى كثيرًا، بل أشارت نحو رحمة:
- ودي رحمة.. تعتبر أخت فارس.
ابتسمت رحمة بخجل، وقامت تلقي التحية. جلسوا جميعًا، فيما اختار أدهم الجلوس بجوارها. وبعد أن طلبوا الفطور وبدأوا تناول الطعام، مسح أدهم فمه بمنديل وقال:
- سمعت من ديدى إنك بتكتب قصص وروايات وكده؟
عدل فارس جلسته، ارتشف رشفة من العصير البارد قبل أن يجيب:
- اه.. وآخر حاجة كتبتها امبارح، طلبها منى الدكتور. تصنيفها رومانسي حزين.. هي قلبت لمأساوي شوية بس هتعجبك.
ارتسمت على شفتي أدهم ابتسامة إعجاب:
- حلو أوي.. نوعي المفضل بجانب الرعب والجريمة.
التفتت رحمة نحوه بسرعة، وعيناها تتسعان :
- بجد؟ وأنا كمان.. أظن إنها هتعجبك زي ما عجبتني.
راقب فارس هذا التبادل الصغير، وتوتر في صدره شعور بالضيق لم يستطع إخفاءه. أخرج مذكرته من حقيبته ووضعها أمام أدهم قائلاً بلهجة حاول أن يجعلها هادئة:
- اتفضل يا أدهم القصة. أتمنى تعجبك.
ضحكت ديدى بخفة محاولة كسر الجدية:
- لقيت حد بيحب الرعب والجريمة زيك! كنت فاكرة ان الى بيحب التصنيف ده قليل.
ضحك أدهم هو الآخر:
- ليه يا بنتي؟ هو أنا كائن فضائي؟ رحمة بتحبهم برضه وزي الفل اهى.. وناس غيرنا كتير.
قالت رحمة بثقة:
- على فكرة كتابة الجريمة والرعب محتاجة كاتب شاطر بجد.. إنما الرومانسي أي عيل في إعدادي يكتبه عادي.
أومأ أدهم موافقًا وهو ينظر إليها بإعجاب واضح،
- عندك حق ...نشوف بق قصه فارس بتقول ايه
أخذ أدهم المذكرة وفتحها، بينما انشغلوا بإكمال فطورهم. ساد لحظة صمت لم يُسمع فيها سوى أصوات الملاعق والأكواب، قبل أن يرفع أدهم عينيه بعد أن انتهى قائلاً بإعجاب صريح:
- القصة جميلة جدًا جدًا.. وأكتر جزء عجبني هو الأخير.
رفعت رحمة رأسها بتفاخر، ونظرت نحو فارس بابتسامة عريضة. ابتسم فارس بدوره وهو يسبقها بالكلام:
- كنت متأكد إن الجزء ده هيعجبك.. وعلى فكرة، النهاية دي إضافة رحمة.
اتسعت عينا أدهم بدهشة وانبهر:
- بجد؟ برافو عليكي! عجبني إن النهاية تبقى عادلة للاتنين.
شكرته رحمة بابتسامة رقيقة وقالت بنبرة واثقة:
- شكراً ليك.. رغم إني مش من أنصار الرجالة، وبشوف إن قليل جدًا اللي زي ألفريدو.. بس أقل حاجة ممكن تردها هيلينا إنها تروح لحبيبها، وماتستحملش الحياة بعده.
كلماتها جعلت أدهم يتأملها بإعجاب شديد، عيناه لا تفارق ملامحها، بينما جلس فارس مراقبًا بصمت، محاولاً أن يخفي انزعاجه بابتسامة باهتة.
...
استمر الحديث بين الثلاثة، وكل منهم يخفي داخله مشاعر لم يجرؤ أن يُظهرها. حتى قاطعتهم ديدى فجأة بقولها:
- أدهم، أنا عندي معاد عند دكتور الاسنان.. ومش بعرف أسوق بعد البنج، ممكن تيجي معايا؟
هز أدهم رأسه رافضًا وهو يضحك:
- آسف يا ديدى.. إنتي عارفة أنا مش بحب أروح لدكاترة الأسنان.
ضيقت عينيها بحدة وقالت ساخرة:
- مش عيب تبقى راجل قد الدنيا وتخاف من دكتور الاسنان؟
- مش خوف يا حبيبتي.. أنا بس مش برتاح لجو المكان. خدي فارس معاكي.
التفتت ديدى سريعًا نحو فارس تسأله، فابتسم موافقًا
- مفيش مشكلة.. لو حابة طبعًا.
صفقت ديدى بفرح طفولي:
- تب كويس جدًا! وبعديها تيجي تتغدى عندنا.. ماما هتتبسط أوي.
في تلك اللحظة، انعكس التردد في ملامح فارس؛ كان يتذكر وعده لرحمة بالذهاب سويًا إلى معرض الكتاب. لم يعرف كيف يعتذر، لكن رحمة أنقذته بابتسامة صافية وقالت:
- روح معاها.. مفيش مشكلة، هروح معرض الكتاب لوحدي.
نظر إليها بدهشة متسائلا في نفسه كيف علمت ما دار في عقله:
- بجد مش هتزعلِي؟
- لا مش هزعل.. اطمن.
التقط أدهم الخيط سريعًا وهو يوجه كلامه إلى رحمة
- على فكرة أنا كمان رايح معرض الكتاب.. ممكن أجي معاكي لو حابة.
ردت رحمة بود وهي تحاول أن تبقى هادئة:
- أه طبعًا، مفيش مشكلة.
ابتسمت ديدى وكأن الامر لصالحها
-تب نستأذن احنا بق عشان معاد الدكتور
نهض فارس وديدى ، بينما ترك فارس وراءه قلبًا مثقلاً بالقلق، يخشى أن تكون رحمة حزينة في صمتها. أما هي، فقد جلست للحظة شاردة قبل أن تستأذن هى الاخرى أدهم:
- هروح البيت أغير هدومي.. ولما ييجي ميعاد المعرض هنروح سوا.
تبادلا أرقام الهواتف، ثم غادرت بخطوات أبطأ مما يجب، كأنها تحاول الهروب من أفكارها التي تزدحم أكثر من المارة في الشارع.
-------
ذهبت رحمة إلى منزلها، وما إن وصلت حتى فوجئت بعيسى يقف أمام الباب وكأنه كان ينتظرها منذ وقت. تجمدت لحظة، ثم التفتت سريعًا لتبتعد عنه ، لكنه لحقها بخطواته السريعة:
- وعدتيني تفكي البلوك ونتكلم.. بس انتي مطلعتيش جدعة على فكرة.
توقفت رحمة والتفتت نحوه بعصبية:
- ودا محسسكش إني مش عاوزة أكلمك؟
- بس، أنا عاوز أكلمك.. تمام؟
- هتجبرني يعنى ولا إيه؟
- افهميها زي ما تفهميها.. يلا تعالى.
مد يده فجأة وأمسك يدها يشدها بقوه بتجاه سيارته، غير مبالى بمقاومتها له. فتح باب السيارة وأشار لها:
- اتفضلي.
- لأ.. مش راكبة، وبعدين أنا مش بحب الطريقة دي.
- تب والله لو ما ركبتي يا رحمة، لأدخلك العربية غصب.
- والله لأصوّت وألمّ عليك الشارع كله.
ابتسم باستهزاء:
- طب جرّبي كدا...
وقبل أن يكمل كلمته، التفت لهما أحد المارة، شابا عابرا، وقال موجّهًا كلامه لرحمة:
- الأخ دا بيضايقك يا أبلة؟
رمقه عيسى بنظرة حادة:
- امشي يا ابني، مالكش دعوة.
فاشتعل غضب الآخر:
- هو إيه "امشي" دي؟ عاوزني أمد إيدي عليك ولا إيه؟
قال عيسى ساخرًا:
- انت عارف إنت بتكلم مين يواد انت ؟ انا عيسى الهوارى
_اهلا وسهلا عيسى الهوارى مين يعنى وزير ؟؟
_ لا ظابط يروح امك .. وامشي من هنا بدل ما أشدك على القسم.
تغيّر وجه الرجل سريعًا، ورد متراجعًا:
- آسف يا باشا، عن إذن حضرتك.
مضى مسرعًا يهرب، فقهقه عيسى بصوت عالٍ من هيئته، بينما رحمة كانت تراقب المشهد باشمئزاز:
- واحد متكبر، وواحد جبان.. الرجالة قليل فيها الحَرَق.
التفت إليها عيسى بضيق وصوت خشن:
- إيه؟! انتي هبلة يا بت بتدعي عليّا في وشي؟
- خلاص، لف وشك لحد ما أدعى ..
- بطّلي لماضة وركبي.
_ولو مركبتش
_اللهم طولك يروح
اخرجت رهمه زفيره بغضب وقالت
_ماشي اما اشوف اخرتها ...
ركبت السيارة مجبرة، فأغلق الباب خلفها ثم صعد إلى مكانه وقاد بسرعة.
سألته بنبرة قلقه :
- على فين؟
ابتسم:
- على بيتنا.
- بيت مين؟ إنت عاوز تستفرد بيا؟
ضحك وهو يراقب انفعالها:
- يخرب بيت ألفاظك.. أمي في البيت، هنتغدى سوا.
رفعت حاجبيها بسخرية:
- عارفاه انا الحوار دا "أمي فوق، تعالي سلّمي عليها" وبعدين تسقيني حاجة اصفره
تنهد عيسى:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. يا بنتي أنا ظابط، قبل ما أضرّك هضرّ سمعتي.. انتي عبيطة ولا إيه؟
- خلاص عرفنا إنك ظابط، اكتبها على قورتك بقى بعد كدا.
- مش فاهم هما كانو شدينك من لسانك ولاايه!
-بقولك اى احترم نفسك بدل مفتح العربيه وانزل
-بطلى جنون يرحمه واركزى ...
ظل الجدال قائمًا بينهما حتى توقفا أمام منزل متواضع. نزل عيسى وفتح لها الباب:
- يلا.. انزلي.
- طيب، نزلت.
نزلت رحمة خلفه، ودخلا معًا حتى وصلا إلى الأسانسير. صعدا في صمت، فقطعته رحمة متسائله:
- إنت ساكن هنا؟
- أمال جايبك هنا ليه؟ أفسحك في الأسانسير؟
_لا مش على كدا
_اه فهمتك عشان المكان بسيط وكدا يعنى ...يبنتى أنا مش سفير.. أنا ظابط جنائي كحيان، عايش حياتي بين الجثث والمجرمين،.. بكفى على مكتبي بساعات احل في قضايا وفالاخر مرتبي شوية ملاليم.
ابتسمت رحمة بصدق هذه المرة:
- عادي، ما قصدتش كدا. بس عجبتني صراحتك.
ابتسم هو الآخر:
- كويس إن في حاجة فيا عجبتك.
ابتسمت رحمه حتى انفتح باب الأسانسير، ووصلا إلى الشقة. طرق عيسى الباب عدة طرقات، ففتحت لهم سيدة خمسينية جميلة الملامح وكأن عيسى قد ورث تلك الملامح الجذابه منها ، كانت ابتسامتها ودودة ، ورحبت بهما بحرارة:
- أهلا أهلا.. إزيك يا حبيبتي، ما تعرفيش كان نفسي أشوفك قد إيه.
ابتسمت رحمة بخجل:
- الله يخليكي يا طنط.. تسلمي على استقبالك الجميل دا.
اما عيسى قام بأخذ امه بالاحضان قائلا :ها عمله اى حلو ياست الكل
ضحكت الام قائله
- همك عل بطنك مش لما ارحب بالضيفه الاول
اتفضلي يحببتى ، متقفيش على الباب.
دخلت رحمة ودلها عيسى الى الصالون فجلست على احدى الارائك ، وجلسَت والدة عيسى، "رشا"، مقابلة لها تسألها بحب:
- أخبارك إيه يا حبيبة قلبي؟
ردت رحمه بخجل
- الحمد لله، بخير.
- عرفت إن الواد عيسى زعلك.. ما تزعليش منه، اى حاجه تخص شغله مش بيعرف يفرمل عندها.. مش بيعرف حتى امه.. عارفه لو كنت مكانك كان هيعمل معايا كدا برده
غمزها عيسى مازحًا:
- إيه يا أمي! مش قولتلك لطفي الجو؟ مش تقلبيها عليا
أكتر؟
كتمت رحمة ضحكتها من تعليقاته
فضحكت الأم قائلة:
- شوف الواد! هغشها يعني؟ بس بصراحة يا رحمة، انتى قلبتى حاله ..هيجنن من يومها عمال يقولى مش بترد عليا مش عاوزه تقابلنى ..قلب دماغى
انتفض عيسى مقاطعا:
- ماما ..هو انتى يتقلبيها عليا يا تسيحيلى ..بقولك اى ما تقومي تشوفي الأكل خلص ولا لأ.
قهقهت الأم:
- بتوزعني يعني؟ ماشي يا عيسى.
لم تستطع رحمة كتم الضحك أكثر. التفت إليها عيسى ساخرًا:
- اضحكي يا أختي، اضحكي.
- هو حرام اضحك يعنى .. بس طنط طيبة أوي، عكسك تمامًا.
- وانتي لسه عرفتني عشان تحكمي عليا؟
- تمام، عرفني على نفسك.
اقترب منها وجلس بجوارها:
- ماشي، بس متقفليش بابك فى وشي واننى تعرفينى حق المعرفه
ابتسمت:
- ماشي، هديلك فرصة تانية.. بس لو ضايقتني تانى اعمل ايه؟؟
- اعملى الى انتى عوزاه ..هسبلك نفسي خاالص
- ماشي اتقفنا .
- اتفقنا.
ثم قالت بحرج
_طيب ..ممكن تورينى مكان الحمام عاوزه اغسل وشي..
_تمام ...تعالى وريا ،اعتبرى نفسك في بيتك عادى
_تمام ..شكرا
_ينهار ابيض العفو...
دلها على الحمام ثم مضى إلى المطبخ حيث وجد أمه تجهز الطعام. دخل فجأة فأفزعها:
قالت رشا بخضه:
-حرام عليك يا عيسى...مش قولتلك ابق اتكلم قبل متدخل اتخضيت
- هههه.. حقك عليا يا ست الكل ...بس ينفع كدا تسيحيلى قدامها وطلعينى الواد المدلوق
-هههه تب ما انت باين عليك مدلوق من غير ما اتكلم
-بجد ؟؟هو انا مفضوح اوى كدا؟؟
-هههه ايوا ..بس اسكت يا عيسى اى البنت القمر دى ربنا يجعلها من نصيبك يا بنى ..
-يستى استنى متستعجليش في الدعوه كدا ..اخر واحده دعتيلى بكدا معاها راحت وقالت عدولى
-مكنتش تستاهلك يا حبيبي ...دى واحده بياعه ..واهى دلوقتى بتتمنى بس تلمحك ..دى بتسأل عليك كل قريبنا في اى فرصه ...
-يلا ربنا يسهلها ...مبقتش طايق اسمع سيرتها
-بس المره دى ..انا حاسه بخير
-ياارب ..يبق خير عشان مش عاوز ارجع للصفر تانى ..
قالت رشا لتغير مجرى الحديث الذى فتح جرحا فى قلب عيسى حاولت مرارا ان تداويه ...
- خد دوق الأكل كدا حساه دلع
-هههه حاضر بس برديها الاول مش عاوز اتلسع
ناولته ملعقة من الشوربة، نفخت فيها بحنان وقدّمتها له. رشف منها عيسى وقال مبتسمًا:
- الله! إيه الحلاوة دي.عظمه على عظمه ي ست..
في تلك الأثناء، خرجت رحمة من الحمام. كان الممر ضيقًا يضم الحمام وبجواره غرفة مغلقة يخرج منها صوت أغنية قديمة لأم كلثوم: "بعيد عنك حياتي عذاب، متبعدنيش بعيد عنك...مليش بعدك غير الدموع اصحاب.. متبعدنيش بعيد عنك.." توقفت رحمة أمام الباب تبتسم وتدندن بهدوء. استدارت لتعود، فإذا بعيسى يقف أمامها فجأة.
انتفضت بخوف:
- بسم الله الرحمن الرحيم..اى يا ابنى شغل العفاريت دا ..بتتسحب كدا لى؟
قهقه عيسى على شكلها المخضوض:
- قلبك خفيف اوى ..انا لقيتك اتأخرتى فجيت اطمن عليكى يمكن هربتى من شباك الحمام ولا حاجه
-والله لى مسكنى في تهمه متلبسه .. وبعدين ايه؟ اهرب من شباك الحمام؟ هو انت شايفنى فار ..
-هههه ..يستى بفك الجو متبقيش قفوشه كدا ي رورو.. بس مقولتيش، عجبتك الأغنية؟
-متقولييش يرورو ..وبعدين هو إنت الى ملحنها يعني؟
- هههه..ماشي يستى يلى مش رورو ..وقصدي اى رأيك فى زوقي في الأغاني وكدا
ابتسمت:
- عجبتني. أنا بحب أم كلثوم وعبد الحليم وشادية ونجاة الصغيرة.. بس كمان بحب الأغاني الفرنسية الكلاسيكية والأوبرا.
اندهش عيسى معجبًا:
- حلو جدًا.. عجبني موضوع الأوبرا دا والدى الله يرحمه كان بيحبها ، وعجبني إنك بتحبي الفن العظيم دا. مش أي حد بيقدّره.
ثم أضاف وهو يفتح باب غرفته:
- تعالي، أفرّجك على أوضتي.
- لأ، مش لازم.
- تعالي.. إنتي خايفة من إيه؟هوريكى العالم الصغير بتاع عيسى ..
دخلت الغرفة. كانت واسعة بعض الشئ، يغمرها ضوء الشمس من نافذة كبيرة تتوسط الغرفه تتدلى بجانبها ستارة صفراء اللون تزينها دلايات صغيرة يداعبها الهواء يمينا ويسارا. السرير إلى جانب الحائط، وبجواره كمود صغير عليه كتاب واباجوره ، وأمامه مكتب مليء بالأوراق والدفاتر. فوق المكتب أرفف صغيرة تزدحم بالكتب وأرضيه الغرفة مفروشة بسجادة كبيرة يوجد منها في كل بيتا مصري، وبالجانب الاخر من الحائط أريكة صغيرة بنيه اللون عليها بعض الوسائد..بجانبها طاوله صغيره عليها راديو ينبعث منه صوت ام كلثوم وبجانبه بعض الاشرطه ...
وقفت رحمة تتأمل المكان، فقطع عيسى شرودها:
- إيه رأيك؟عجبتك
- أممم.. ماشي حالها.
- هههه.. ايوا يعنى دا مدح ولا زم؟
-اعتبره مدح ..احلى حاجه فيها الكتب والراديو والشباك الى مدخل الشمس الدافيه دى ..
على فكرت دول اكتر حاجه بحبها فيها بردو ..
قالت رحمه وهي تحدّق فيه بعينين ثاقبتين، وصوتها يحمل نبرة تأمل:
ـ "تعرف إن أوضة الشخص بتعبر عن جزء كبير من شخصيته؟"
رفع عيسى حاجبيه متسائلًا وهو يتكئ إلى الوراء على الحائط:
ـ "طب أنا أوضتي بتقولك إيه عن شخصيتي؟"
تجولت بعينيها في الغرفة؛ السرير المرتب بعناية، مكتب تكدّست فوقه ملفات وقلم رصاص مستهلك، وعلى الرفوف أشرطة قديمة مرتبة كأنها مقتنيات ثمينة. أخذت نفسًا قصيرًا ثم قالت ببطء :
ـ "لو بصينا عليك بنظره سطحيه... هنلاقيك شخص تقليدي، صارم، عامل حدود في تعاملاتك مع الناس. لكن لو تعمقنا شويه... هانكتشف إنك شخص حساس، ورومانسي، وبتحب العزلة بعيد عن دوشة والناس. وكمان... ابن بار بوالدتك، ودي حاجة باينة من معاملتك ليها وحبها الواضح ليك وبصراحة... هي تستاهل البر ده لأنها ست طيبة جدًا."
توقف الزمن للحظة في عين عيسى، اتسعت نظراته بدهشة كأنه تعرّى أمامها دون أن ينطق بكلمه بكلمة. ابتسم نصف ابتسامة وقال وهو يهز رأسه بخفة:
ـ "إيه ده... إنتي وصفتينى بالظبط! ابهرتيني بصراحة."
ضحكت رحمه، لكن ضحكتها لم تكن عابرة، بل واصلت لتلقي سهماً جديدًا:
ـ "وكمان... شكلك كنت في علاقة، وانتهت بالفشل. وإنت كنت الجانب اللي حب بجد... واللي اتساب كمان."
ضاقت عيناه فجأة، وانكمشت ملامحه في جدية حادة:
ـ "إيه ده! إنتي شكلك مدوّرة ورايا. مش حكاية شخصيتك من اوضتك والكلام دا "
خطت رحمه خطوة أقرب، وصوتها أكثر هدوءًا:
ـ "أنا ما بدورش ورا حد. أنا ببساطة... بعرف أقرأ اللي قدامي من نظرة. وأكبر دليل... إن أم كلثوم الى بتغنيلك بعيد عنك حياتي عذاب."
قهقه بخفة ليخفي ارتباكه:
ـ "هاهاها، كده إنتي روشه يعنى ! دا مش دليل على فكره ...انا اه كنت خاطب قبل كدا بس أنا اللي فاكست للموضوع ده من زمان. وبالنسبه للاغنيه .. مجرد اغنيه عاديه بحبها لام كلثوم."
اقتربت رحمه بخطوات واثقة نحو الراديو، أصابعها الرفيعة ضغطت احد الازرار، فانفتح درج الشرائط. أخرجت شريط ام كلثوم ووضعت مكانه شريطاً آخر، ثم أغلقت الدرج. وما أن دارت البكرة حتى انطلقت من السماعات كلمات جورج وسوف:
ـ "بعت كل الناس علشانه... وعلشانه استحملت اللوم... جاي بعد دا كلو يسيبني... متوقعتش غدره في يوم..."
ارتبك عيسى، وبدأ يتنقل بعينيه بين زوايا الغرفة، يتجنب نظراتها الساخرة التي كانت تحاصره. لم تستطع رحمه تمالك نفسها، فانفجرت ضاحكة:
ـ "يعني عندك الأغنية دي لجورج وسوف... وعايز تقنعني إنك إنت اللي فكسلها ؟ هه!"
تقدم عيسى بسرعة ليوقف التسجيل، لكنها وضعت يدها على يده برفق، وقالت بابتسامتها المثيره:
ـ "سيبها... عجباني."
تسربت قشعريرة في جسده من مجرد لمستها، لكنه تماسك، يحاول الحفاظ على ملامحه الجامدة، وقال بنبرة شبه مهزوزه :
ـ "إنتي... ملكيش حل. دماغك مش سهلة زي ما كنت فاكر."
ضحكت رحمه وهي تتراجع بخفة، شعرها يتمايل مع ضحكتها:
ـ "هههه... أنا مفيش حد يتوقعني."
تأمل عيسى خطواتها المتنقلة في الغرفة، وكأن كل حركة منها تثير في قلبه ارتعاشة لا يفهمها. لم يعرف متى انجذب إليها بتلك الطريقة الغريبة، لكنه أيقن أن شيئًا مختلفًا يتسلل إلى داخله. تسرب إلى مسامعه صوت جورج وسوف وهو يشدو: "كانت روحي في إيده وخاني.. رجعت روحي وهو خسرني"، فاندفعت الذكريات إلى عقله دون استئذان.
تذكر مها، خطيبته السابقة، التي أحبها بصدق وقدّم لها قلبه على طبق من ذهب، لكنها ما إن وجدت من يملك مالًا أكثر حتى تركته دون تردد. تذكر كيف ألقت بقلبه أرضًا ليتناثر جرحًا فوق جرح، وكيف انكسر داخله حتى أهمل دراسته وفاته حلمه الأكبر بدخول كلية الطب. يومها شعر أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه.
لكن عيسى لم يستسلم، فنهض من تحت ركام ألمه وقرر أن يحقق حلم والده الراحل بالالتحاق بكلية الشرطة، وها هو اليوم يقف أمام حلم جديد يولد في داخله.. حلم لا يعلم إن كان القدر سيمنحه إياه أم سيحرمه منه كما فعل من قبل.
قطعت شروده رحمه التى اقتربت من مكتبه ، ووقعت عيناها على ورقه مكتوب عليها: منديل حرير.. عقد لؤلؤ.. حبل وردي.. آثار أحمر شفاه..وفي وسط الورقه كتب فى دائره كبيره القاتل أنثى.
اتى عيسى من خلفها مسرعًا يلملم الأوراق:
- دي أسرار الشغل، ما ينفعش تشوفيها.
نظرت له بتحدٍ:
- وليه لأ؟ ممكن أساعدك. أنا بقرأ قصص جريمة كتير، ومن خبرتي ممكن أعرف أربط الخيوط ببعض. حتى انى بدأت أكتب رواية عن جرائم القتل ودوافع المجرمين.
تأملها بدهشة وإعجاب:
- بجد؟ دي حاجة حلوه اوى. معناها إنك بتفكري بعقلية المجرم.
ابتسمت رحمة بثقة:
- لدرجة تخليك تحس إني كنت واقفة مع القاتل وهو بيرتكب جريمته.
ارتسم الذهول والإعجاب على وجهه، وقبل أن يرد، جاء صوت الأم ينادي من بعيد:
- الأكل جاهز يحبايب قلبى
....نهايه البارت
shimaa Reda