في وسط مدينة صاخبة، تنتصب ناطحة سحاب شاهقة، تضم في طوابقها شققًا سكنية فاخرة لا يسكنها سوى الأثرياء.
وفي الطابق الثلاثين، تحديدًا، تقع شقة لا تقل فخامة عن غيرها، تغمرها الرفاهية من كل زاوية.
كانت فتاة في الثانية والعشرين من عمرها تجلس على أريكة وثيرة تتوسط صالة المعيشة، تحمل في يدها جهاز تحكُّم وطبقًا زجاجيًّا مملوءًا بالفشار، تأكل منه بتلذّذ.
أمامها شاشة تلفاز ضخمة ينبعث منها صوت مذيعة النشرة الإخبارية وهي تقول:
"تم العثور على أستاذ جامعي مقتولًا داخل شقته في منطقة كذا...
وقد علّقت الشرطة على الحادث بأن الضحية وُجد مذبوحًا بسكين حاد، وعلى جسده آثار تعذيب واضحة...
كما أضافت أن هذه الجريمة لا تختلف عن سلسلة الجرائم الأخيرة، والتي تشتبه الشرطة في أنها من تنفيذ قاتل متسلسل."
ضغطت الفتاة زرّ الإغلاق في جهاز التحكُّم، فانطفأت الشاشة على الفور.
نهضت من مكانها بخطى واثقة متبخترة، واتجهت إلى المطبخ الأمريكي المفتوح على الصالة.
أمسكت بكأس زجاجي وملأته بالعصير، ثم ارتشفت منه بضع رشفات، قبل أن تطلق ضحكة خافتة، تمتمت بعدها بسخرية:
- "قاتل متسلسل... حتى دي بتنسبوها بس للرجالة؟
مجتمع غبي وزكوري متعفّن."
قاطعها صوت الهاتف، نظرت إلى الشاشة لتجد اسم صديقتها "جيهان"، فابتسمت وردّت:
- "إيه يا جيجي، شفتيّني في حلمك ولا إيه؟"
أتاها صوت جيهان متعجّلًا، تكاد تلهث وهي تقول:
- "شفتي الأخبار؟ الدكتور حاتم اتقتل!"
قالت "رحمة" في سرّها ببرود:
ما فداهية.
ثم ردّت بصوت خالٍ من الاهتمام:
- "آه... شُفته، لقوه مقتول."
- "إيه يا بنتي البرود ده! دا دكتور المادة بتاعتنا!"
- "وإيه يعني؟ هو من بقية عيلتي؟ بقولك إيه... أنا تعبانة وعاوزة أنام. يلا، تصبحى على خير."
- "وإنتي من أهله!"
أنهت "رحمة" المكالمة، وتثاءبت بكسل وهي تتمتم:
- "أروح أنام بقى... وأنا بالي مرتاح."
---
رحمة... فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، لكن عقلها يحمل دهاء امرأة ناضجة تجاوزت الثلاثين.
كانت أنوثتها طاغية، وجمالها أخّاذًا دون أي تكلف أو افتعال. من يراها يأسَره بريق عينيها العسليتين اللتين تحملان مزيجًا من الغموض والإغراء، ويُسحر بانسيابية أنفها الفرنسي الدقيق، وامتلاء شفتيها بلون طبيعي يضاهي زهر الرمان.
جسدها طويل وممشوق، يفيض بالأنوثة والجاذبية، كأنها إحدى سيدات القصور في العصر الفيكتوري.
خلف ذلك القوام المترف، كان هناك قلب صلب، لا يعرف شفقة ولا رحمة، قلب يتلذذ برؤية ضحايها يتألمون... تلك القسوة كانت موجهة بدقة نحو الرجال .
كان من المستحيل عليها أن تتحمل رؤية قطة تتألم أو أنثى تنكسر دمعتها، لكنها مع الرجال تتحول إلى صيادة لا تعرف الندم.
هناك سبب غامض، دفين جعلها تمقتهم وتبغض وجودهم ذاته، حتى أنها تمنّت لو أمكنها أن تمحوهم من خارطة الحياة.
منذ بلغت التاسعة عشرة، اختارت أولى ضحاياها... ومنذ تلك اللحظة لم يرفّ لها جفن، ولم تهتز أنفاسها وهي ترى توسلاتهم الأخيرة.
---------
في صباح حادثة قتل الدكتور الجامعة...
كانت رحمة تستعد للخروج، بخطوات هادئة مدروسة. لم تكن ممن يتفننون في لفت الأنظار بملابس صاخبة كأغلب الفتيات اللواتي يأتين للجامعة وكأنهن متجهات إلى حفلة صباحية؛ توبات ضيقة، جينزات ممزقة، فساتين قصيرة وألوان تلمع في الشمس. رحمة كانت مختلفة... تفضل الراحة والبساطة التي لا تثير الانتباه.
ارتدت تيشيرت أوفر سايز بلون رمادي باهت، تتوسطه رسمة أنمي سوداء، وتحته بنطلون جينز أوفر سايز بلون أزرق فاتح، مع حذاء رياضي أبيض نظيف. على كتفها علّقت "توتى باج" تحمل نفس الرسمة المطبوعة على التيشيرت، وكأنها تعمدت خلق تناغم غير مبالغ فيه. رفعت شعرها البنى الناعم على شكل ذيل حصان مرتفع، وضعت نظارتها التي تكمل ملامح اللوك العام، ثم جمعت كتب المحاضرات وهاتفها و"الإيربودز" في حقيبتها.
في المطبخ، أعدت إفطارًا خفيفًا: شريحتان من الخبز المحمص مع مربى المشمش، وكوب من عصير البرتقال الطازج عصرته بنفسها. أنهت وجبتها بسرعة، أغلقت الباب خلفها، وهمّت بالنزول.
. (رحمة تمتلك عدة شقق بخلاف الشقة الفاخرة التي ذكرناها في البداية، وسنعود لاحقًا لذكر السبب).
وبينما كانت تلتفت لتغلق الباب جيدًا، لمحت جارها المتزوج الذي يسكن الطابق العلوي كان ينزل الدرج وهو يتحدث بصوت منخفض عبر الهاتف:
ـ "راحة لأمها النهاردة وهتقعد كام يوم."
ثم جاءه صوت خافت من الطرف الآخر لم تسمعه رحمة، فرد هو:
ـ "لا مش هينفع هنا في الشقة... انتى عاوزانا نتفضح؟"
عندما وصل إلى أسفل الدرج ورفع عينيه، لمح رحمه امامه ارتبك قليلًا، وأخفى الهاتف خلف ظهره قبل أن يقول بلهجة متوترة:
ـ "في حاجة يا آنسة؟"
أجابته بابتسامة باهتة:
ـ "لا، مفيش... الباب كان معلق بس."
ـ "آه، تمام... بعد إذنك."
ـ "إذنك معاك، اتفضل."
ابتعد عنها بضع درجات، ثم واصل نزوله حتى وصل إلى السلم التالي، واستأنف مكالمته.... رحمه لم تتسرع، نزلت ببطء وهي تميل قليلًا لتلتقط كلماته. سمعته يقول:
ـ "مفيش يا حبيبتي... دي واحدة غريبه سكنت تحتنا قريب... معرفش تصرفاتها ونظرتها مرعبة... مش عارف لى لما بشوفها جسمي بيلبش ... تمام، هستناكي في شقة المعادي، ما تتأخريش ها."
ارتسمت على وجه رحمة ابتسامة عريضة، ولمعت عيناها ببرود مقصود:
ـ "جتلي برجلك يحلو... كنت سايباك تستوي شوية، بس إنتوا يا رجالة كده... مفيش عندكوا صبر."
أكملت نزولها بثبات بعد أن تأكدت من ركوبه سيارته ورحيله، ثم أشارت لتاكسي، وركبت متجهة إلى الجامعة.
بعد نحو نصف ساعة تقريبا من مغادرتها المنزل، وصلت رحمة إلى الجامعة. دخلت الكافتيريا بخطوات هادئة، كأنها لا تحمل أي هموم، وجلست إلى طاولة في زاوية بعيدة عن الضوضاء. وضعت حقيبتها على المقعد المجاور، وأخرجت دفتر الرسم الخاص بها، ذلك الدفتر الذي بات شاهدًا على حكاياتها المظلمة. كانت تهمّ بإتمام لوحتها الأخيرة؛ لوحة استوحتها من آخر ضحاياها... في تلك المرة، وجدت بجواره طاولة تحمل طبقًا من الفاكهة المتنوعة، يتلألأ بريقها تحت ضوء خافت يتسلل من نافذة جانبية، مشهد أسَرَها لثوانٍ، فالتقطت له صورة قبل أن تغادر. والآن، كانت أصابعها تواصل رسمها على الورق، وكأنها تعيد بعث اللحظة من جديد.
من بعيد، ظهرت جيهان، صديقتها المقربة، وهي تلوّح بيدها وتقترب بابتسامة.
قالت وهي تصل إليها:
- "بتعملي إيه؟ وريني."
أدارت رحمة دفترها بهدوء، فحدّقت جيهان في الرسم ثم علّقت بدهشة:
- "إيه التحفة الفنية دي؟ نفسي أعرف بتجيبي أفكار الرسومات دي منين."
ابتسمت رحمة، وأجابت بنبرة غامضة:
- "سر عند كل رسام... ومينفعش حد غيره يعرفه."
ضحكت جيهان وجلست في الكرسي المقابل:
- "يا سلام، سر حربي ولا إيه؟"
- "أيوه... حاجة زي كده. وبما إنك جيتي، اطلبي لينا اتنين آيس كوفي."
- "يا سلام! هوا انا الوصيفة بتاعتك ولا إيه ؟"
- "هو فيه وصيفة قمر كده؟ أمال سيبنا إيه للأميرات؟"
- "كلي بعقلي حلاوة... ماشي يا ست رورو، هقوم أطلب."
تركتها جيهان وذهبت، بينما رحمة أعادت تركيزها على اللوحة. لكن عينها التقطت شيئًا غريبًا: دكتور المادة يمر بخطوات سريعة بجوارها، ملامحه متوترة، وكأن شيئًا ما يطارده. تجاهلته في البداية، لكن بعد دقائق، رأت طالبة من زميلاتها تتجه في نفس المسار، على وجهها علامات قلق وخوف، عيناها تتحركان في كل اتجاه، وكأنها تتأكد أن لا أحد يتبعها.
الفضول دفع رحمه. وبعد بضع دقائق، قامت من مكانها وتبعتها بصمت. توقفت الفتاة أمام باب جانبي، يختبئ عن أنظار الجميع، يشبه أبواب غرف عمّال النظافة. التفتت حولها بتوتر، ثم فتحت الباب ودخلت.
اقتربت رحمة بخطوات محسوبة، ووقفت خلف الباب المفتوح قليلًا، تتسلل منها نظرة إلى الداخل. كان الدكتور حاتم، رجل في أواخر الأربعينيات، واقفًا أمام تلك الطالبة. صوته جاء حادًا:
- "مش قلتلك تشيليني من دماغك؟ أنا راجل متجوز وعندي بنات في عمرك."
ردت الفتاة، صوتها يرتجف وفيه حزن:
- "ما إنت عملتلي بلوك من كل حتة... أوصلك إزاي يعني؟"
- "تقومى تهدديني يا بت إنتى؟ إنتى عارفة ان ممكن أقتلك دلوقتي ومحدش يعرفلك مكان حتى لو الجن الازرق"
- "أنا هددتك عشان مش عارفة أتصرف... الى في بطني دا اعمل فيه اى؟ أهلي هيدبحوني!"
زمجر غاضبا:
- "قولتلك خلي بالك... وبعدين اتصرّفي، أنا ماليش دعوة. الله أعلم دا ابن مين."
- "ابن مين إيه؟ إنت متأكد كويس إنك أبوه!"
نظر إليها بحدة وكلماته تنزل كسكاكين:
- "ايوا معرفش ابن مين يا بت ***؟ لو ما اختفيتيش من حياتي وحاولتي تهدديني تاني، أقسم بالله أموّتك وأقطّعك وأرميكي لكلاب السكك!"
انفجرت الفتاة في بكاء هستيري، حتى انهارت على ركبتيها، تتوسل إليه ان يساعدها في مصيبتها. لكنه، بلا ذرة شفقة، ركلها بقدمه وهو متجه نحو الباب.
رحمة، التي كانت تراقب منذ البداية، تراجعت سريعًا واختبأت خلف الحائط حتى لا يراها. انتظرت خروجه، لكن الفتاة لم تلحق به. دفعها القلق ان تقترب من الباب وتنظر.
رأتها جالسه تبكى، وقد أخرجت من حقيبتها أداة حادة، تضعها على معصمها محاولة قطع شرايينها. في لحظة، دفعت رحمة الباب بقوة، فانتفضت الفتاة بفزع، قبل أن تخطف رحمة الأداة من يدها وترميها بعيدًا.
- "انتى هنا من إمتى؟" سألت الفتاة برعب.
- "كنت معدية، وسمعت صوت عياط... دخلت لقيتك في الوضع ده."
- "لو سمحتي، بالله عليكي، ما تعرفيش حد."
- "تمام... بس وعد ما تحاوليش تأذي نفسك تاني."
- "حاضر... أوعدك."
- "يلا نمشي من هنا. وأيًّا كان اللي مزعلك، مفيش حاجة بتعدي كده... كل حاجة وليها حساب."
- "عندك حق." قالت وهي تمسح دموعها.
أخرجت رحمة منديلاً حريريًا من جيبها، طوته برفق، ومسحت به دموع الفتاة قائلة:
- "دموعك دي غاليه.. بلاش تفرّطي فيها بسهولة."
وضعت المنديل في جيبها مرة أخرى، ثم غادرنا المكان سويًا، تاركتين خلفهما صدى المشهد في زوايا الغرفة المظلمة.
في وقتٍ لاحق، كان الدكتور حاتم يخرج من بوابة الجامعة بخطوات سريعة، حقيبته السوداء تتأرجح في يده، وملامحه توحي بالانشغال. وصل إلى سيارته، فتح الباب الأمامي، وضع الحقيبة على المقعد الجانبي، ثم جلس خلف عجلة القيادة وأغلق الباب بإحكام. أدار المفتاح في مقبس التشغيل، لكن قبل أن يبدأ المحرك في العمل، فوجئ بالباب الآخر يُفتح فجأة، ودخلت منه فتاة جلست بثقة، وأغلقت الباب خلفها كما لو أنها صاحبة المكان.
ارتبك حاتم، انعقد حاجباه ونظر إليها بدهشة:
- "إنتي مين؟ وإيه الجرأة دي؟ وإزاي تدخلي عربيتي كده من غير إذن؟"
ابتسمت الفتاة وهي تخلع الكاب عن رأسها، لينسدل شعرها الكثيف على كتفيها في انسياب مثير، وبلغه هادئة واثقة قالت:
- "أنا رحمة... طالبة عندك يا دكتور حاتم."
تراجع قليلًا في مقعده، محاولًا استيعاب الموقف:
- "خير... إيه اللي مدخلك العربيه بالطريقة دي يا آنسة رحمة؟"
أمالت رأسها قليلًا، ونبرتها حملت اعتذارًا ممزوجًا بأنوثة واضحة:
- "آسفة، بس كنت عايزة ألحقك قبل ما تمشي."
أخذ يتفحصها بعينيه، من رأسها حتى قدميها، وكأنه يقيم شكلها وجسدها أكثر مما يستمع لكلماتها، ثم قال:
- "طيب... خير، كنتِ عايزة إيه؟"
رفعت نظرها إليه مباشرة متصنعه الرقه:
- "في جزئية من محاضرة النهاردة مش قادرة أفهمها، وكنت محتاجة حضرتك تشرحهالي."
ابتسم بثقة مفرطة، وكأنه أمام فرصة لا تتكرر:
- "تحت أمرك طبعًا... لكن مش هينفع أشرحهالك هنا في العربية."
أجابت وكأنها تُمهد لما تريد:
- "أمال فين يا دكتور؟"
بدأ العرق يتجمع على جبينه من تأثير كلماتها ونظراتها:
- "عندي في المكتب... إديني رقمك، وأنا أبعتلك العنوان. وممكن كمان أعملك كورس جانبي... خاص... نشرح فيه المادة بالتفصيل."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
- "طبعًا يا دكتور... اللي حضرتك تشوفه. اتفضل الرقم... و متنساش تبعتلي."
ابتسم بخبث، وعيناه تتجولان عليها:
- "أكيد هبعتلك يا رورو...انا إزاي ما مخدتش بالي إني عندي طالبة بالرقة والجمال ده!"
ضحكت بخجل مصطنع:
- "شكرًا يا دكتور... هستنى حضرتك. مع السلامة."
- "مع السلامة يا قمر."
تركت السيارة بخطوات هادئة، أغلقت الباب برفق، وظل يراقبها للحظة قبل أن يبدأ في التحرك. أما هي، فظلت واقفة تتابع السيارة بعينيها حتى ابتعدت، ثم همست لنفسها ببرود قاتل:
- "كان عندي معاد مع غيرك... بس طلع من نصيبك. يامتصابى إنت "
---
أنهت رحمه يومها الجامعي وهي تسير بجانب جيهان، تتبادلان الحديث بخفة عن أحداث المحاضرات، تضحكان وتعلقان على المواقف كأي فتيات في عمرهن. وعند بوابة الجامعة، ودعتها رحمة بابتسامة ورفعت يدها تلوح لها وهي تصعد سيارة أجرة.
كان في نيتها أن تعود مباشرة إلى منزلها، تعد كوبًا من القهوة بالحليب، ثم تجلس على أريكتها المريحة لتغوص في صفحات روايتها المفضلة "كوابيس ولكن..." قبل أن تترك النعاس يتسلل إليها. لكن خططها تبدلت فجأة، حين اهتز هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة.
فتحتها فرأت:
> "إزيك يا رورو، أنا الدكتور حاتم. هبعتلك عنوان المكتب... ياريت تيجي النهارده عشان مش هبقى فاضي بعد كده. هتنوريني يا قمر."
ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة، تلك الابتسامة التي تحمل أكثر من معنى. في هذه اللحظة، أدركت أن الوقت قد حان لوضع الخطة.
كان الدكتور يظن نفسه ذكيًا، إذ جعل الرسالة تُحذف تلقائيًا بعد ساعات قليلة من قراءتها. لكن ما لم يعرفه أن هذا في صالحها تمامًا... فلن يترك وراءه أي دليل على أنه راسلها أو أنها ذهبت إليه.
همست رحمة لنفسها وهي تضحك ضحكة خافتة:
- "فاكر نفسه ذكي... بس الحقيقة إنه غبي بدرجة ما تتوصفش."
رفعت يدها للسائق وأشارت إليه بتغيير مسار الرحلة. لم تعد وجهتها المنزل... بل التسوق. فهي تملك موعدًا مهمًا الليلة.
ساعتان كاملتان قضتهما بين الممرات اللامعة والمحلات الفاخرة، تختار بعناية ما ستظهر به أمام ضحيتها. بعدها، قررت أن تتوجه إلى شقتها الفاخرة، تلك التي خصصتها للاستعداد قبل مقابلة أي ضحية.
كانت تلك الشقة عالمًا آخر... ملاذًا خاصًا، فيه كل ما تحتاجه لتتحول إلى أي امرأة تريد. خزانة مليئة بالفساتين الباهظة التي تُبرز أنوثتها، أرفف تحمل بواريك بألوان وأطوال مختلفة، وحقيبة ماكياج ممتلئه بكل أداة تغير ملامحها فلا يتعرف عليها احد حتى لو التقطتها كاميرات المراقبه...
وصلت أمام العمارة الزجاجية الشاهقة، خمسون طابقًا تتلألأ أضواؤها في المساء وكأنها برج من الكريستال يناطح السحاب. دخلت بهدوء إلى المصعد، ضغطت زر الطابق الخاص بها، ووقفت تحدق في انعكاس صورتها على الجدار المعدني حتى توقفت الأبواب.
فتحت باب الشقة، أضاءت الأضواء الدافئة، شغّلت مكيف الهواء، ثم أطلقت موسيقى كلاسيكية فرنسية تتراقص أنغامها في الأرجاء.
دخلت إلى الحمام وأخذت حمامًا ساخنًا طويلًا، وكأنها تمسح عن جسدها أي أثر ليومها الجامعي. خرجت لتفرغ محتويات أكياسها على السرير: ارتدت فستان أسود قصير وضيق، ينساب على جسدها كما ينساب الحرير فوق الماء، مبرزًا أدق تفاصيله في لوحة من الابداع. وما إن ارتدته، حتى بدت كسيدة من الطبقة المخملية، تجمع بين أنوثة طاغية وفخامة مهيبة.
أكملت إطلالتها بحذاء أحمر قاتم يزيدها جرأة، وباروكة قصيرة سوداء تزينها دبوس جانبي على شكل فراشة. وضعت أحمر شفاه فاقع، وخطًا دقيقًا بالإيلاينر على عينيها يمنحهما نظرة ساحرة، ثم باقي المساحيق التي غيرت ملامحها وجعلتها أكثر فتنة.
تقدمت نحو خزانتها، أدخلت الرمز، وأخرجت منها سكينتها التي اعتادت إنهاء حياة ضحاياها بها. وضعتها بعناية في حقيبتها الصغيرة، ثم تذكرت شيئًا... المنديل الذي مسحت به دموع تلك الفتاة من قبل. عادت وأخذته، ووضعته بجوار السكين.
وقفت أمام الباب، التقطت نفسًا عميقًا، ثم خرجت بخطوات واثقة، وفي عينيها بريق شيطاني. تنوى ان تمرح كثيرا الليله...
......يتبع.....
shimaa Reda