تحت وطأة الاختيار

تحت وطأة الاختيار

8 0

كان شتاءً باردًا، نسماته لا تكتفي بملامسة الجسد بل تخترق العظام حتى تؤلمها، أمطاره غزيرة كسيول دموعٍ حزينة لا تنقطع. لكن... هل كان الشتاء حقًا بتلك القسوة، أم أنها هي فقط من شعرت أنه كذلك؟ لم تعد تدري، كل ما كانت تعرفه أن الأيام تمضي عليها برعبٍ يثير قشعريرة جسدها أكثر من برودة الشتاء نفسه.

تذهب كل صباح إلى مدرستها على عجل، كأنها تهرب من شيء يلاحقها، وما إن تعود حتى تُغلق غرفتها عليها بإحكام، وكأن الباب سيحميها ،تخشى أن يتسلل إليها ذلك الذئب من جديد. البيت بالنسبة للجميع هو الأمان، أما بالنسبة لها فكان الجحيم ذاته، ومع ذلك كان عليها أن ترضى بقدرها الأسود وتحاول التعايش معه.وان تتنفس بين أنيابه دون أن تنهار.

سمعت ذات يوم ذلك اللعين يتحدث مع من يُفترض أنها أمها، يتعهد لها بأن ما حدث "غلطة" وأنه لن يكررها.

كان صوته مشبعًا برجاءٍ كاذب:

- "والله يا ست الكل كانت غلطة، مش هتتكرر..."

لكنها لم ترَ في وجه أمها غضبًا من جريمته الشنعاء، بل رأت امرأةً مجروحة الكبرياء، تغلي غيرةً لأن أنوثتها خُدشت بخيانتة لها مع ابنتها الوحيدة.

أقسم بربٍّ لا يعرف من دينه سوى أسمه، حلف بأيماناتٍ فارغة تترنح بين شفتيه، لكن السماء لم تغفل. الله الذي شهد، لم يرضَ، وعقابه إن حسم لن يرده بشر، ولو اجتمع الخلق أجمع.

ولعل القدر أراد أن يأتي العقاب على يد من سرق منها براءتها، فتركها على طريقٍ مظلم لا ترى له نهاية.

__________________

رغم برودة أيّام الشتاء، كانت الشمس تهوى أحيانًا أن تمنح ساعات الصباح شيئًا من وهج الصيف، فتجعل المارة تحت أشعتها يتأففون من ثِقَل ملابسهم، وهم يمرّون متعجلين ذهابًا وإيابًا إلى أشغالهم.

توقّفت سيارة أجرة أمام بوابة جامعة القاهرة، ونزلت منها رحمة يتبعها فارس، يحمل في ابتسامته حماسة طفولية تكاد تُضيء وجهه وهو يسير بجانبها. مدّ كفّه في الهواء كأنّه يلمس دفء الشمس وقال بحماس:

"الجو دا عاوز حاجة ساقعة وفريش... إيه رأيك نجيب كوبايتين ليمون بالنعناع والتلج؟"

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقد راقت لها الفكرة:

"تمام ماشي... بس متنساش الشالموه."

ضحك بخفة وهو يلوّح بيده:

"أشططا يا روما... هسبقك أطلب من الكافيه، وإنتي استنّيني على الطربيزة بتاعتنا."

أومأت برأسها، فانطلق مسرعًا بينما اتجهت هي نحو الطاولة المفضلة لهما. هناك، وجدت من توقّعت وجودها تنتظرها. جلست على الكرسي المقابل وهمست بدفء:

"إزيك يا جيجي؟"

ابتسمت جيهان بزاوية فمها:

"تمام... إنتي عاملة إيه؟ بقيتي كويسة؟"

ابتسمت رحمة، فهي تعلم قلب جيهان الرحيم:

"أيوة الحمد لله... صاحبتك مش بتقع بالساهل."

نظرت لها جيهان نظرة معاتبة ثم قالت بنبرة خافتة:

"لسّه معتبراني صاحبتك يعني؟... طب كويس."

تنهدت رحمة بأسف:

"حقك عليّا... بس إنتي كمان زعلتيني منك."

سكتت جيهان لحظة، فهي تعلم أنها محقّة، ثم قالت:

"عندِك حق... أنا آسفة لو زعلتك."

ردت رحمة مازحة وهي ترفع حاجبها:

"صافى يا لبن يعنى؟"

ضحكت جيهان بخفة:

"حليب يا قشطة."

في تلك اللحظة جاء فارس من خلفهما وهو يحمل أكواب العصير، قائلاً بمرح:

"جيجي... أخبارك؟"

ضيّقت جيهان عينيها بمكر:

"تمام يا رميو."

التفتت رحمة باستغراب، لم تفهم لماذا نادته هكذا. نظرت إلى فارس تنتظر توضيحًا، فجلس بجانبهما بعد أن جلب كرسيًا ثالثًا ووضع العصير أمامهما قائلاً:

"ليه بتقولى رميو يا جيجي؟ رحمة بتسأل."

ضحكت جيهان وهي تعود بذاكرتها:

"يعني هي متعرفش... بحورا ديدا اللي كانت نازلة رن على الفون وإحنا في المستشفى؟"

ابتسم فارس محاولًا أن يبدو طبيعيًا وهو يوزع العصير:

"جبتلك عصير يا جيجي عشان شوفتك من بعيد... شوفتِ بعزّك إزاي."

ضحكت جيهان من محاولته تغيير مسار الحديث، بينما رحمة ضاقت عيناها نحوه، فبادر بالتوضيح:

"كانت بتطمن عليّا يا رحمة... وبعدين أنا مش عرّفتكوا على بعض ولا إيه؟"

اتسعت عينا جيهان بدهشة:

"إيه! إنت عرّفتها عليها؟ يعني الحوار رسمي كدا؟ طب ومعرّفتنيش ليه؟"

تنحنح فارس لينهي النقاش:

"يا ستي ماحنا كنا متخاصمين... وكمان أنا فشكلت معاها، كنت فاكر هيبقى فيه تفاهم بينا، بس بح... هي من طبقة وأنا من طبقة تانية."

ارتشفت رحمة من كوبها ببرود وهي ترد:

"اممم... لولا كدا يعني مكنتش فركشت؟"

أضافت جيهان بسخرية خفيفة:

"يعني ترتبط وتفشكل... ومتعرفنيش! تمام."

شعر فارس أنّه حُصر بينهما فلا مفر، فحاول تغيير الموضوع:

"هتيجي معايا يا جيجي وأنا بشتري لبس؟"

نظرت له باستفهام:

"لبس إيه؟ عندك مناسبة ولا إيه؟"

قبل أن يرد، قالت رحمة ببرود وهي تمسك بالكوب وتعبث بالشالموه:

"ساب البيت."

اندهشت جيهان وقالت مندفعة:

"ليه كدا؟ عشان كدا باباك كان بيرن على بابا وهو مش بيرد عليه من يوم القسم؟"

أطرق فارس رأسه قليلًا ثم قال:

"الحوار طويل يا جيجي، هحكيلك بعدين. وبالمرة... أنا أجرت شقة جنب رحمة، تيجي ننضفها سوا؟"

استسلمت جيهان قائلة:

"تمام... بس فكرولي في فكرة أخلع بيها من أمي."

نظرت رحمة للأسفل بحزن وهمست:

"منعتِك تقابليني صح؟"

أطرقت جيهان بعينين دامعتين وقالت بأسف:

"بصراحة... آه. بس رغم كدا مقدرتش أبعد عنك."

ابتسمت رحمة بزاوية فمها:

"ولا أنا يا جيجي. هنفكر في حاجة تقوليهالها... بس عجبتني اللبوبو بتاعتك."

انفرج وجه جيهان بمرح طفولي:

"بجد؟ دي الإسكرت نادرة جدًا. ماما جابتها بعد ما قطعت من مصروفي شهرين."

ضحك فارس من تصرفها الطفولي، وبادلتهما رحمة نظرة يغلفها حزن مدفون. في داخلها كانت تتمنى أن تكون حياتها طبيعية مثلهم، لكن لا مجال للندم... فقد انجرفت في تيار أسود دامس لا تعلم نهايته. أقنعت نفسها أن تستمتع بما تعيشه الآن، فالمستقبل سيأتي بما يريده هو. وحتى لو خسرت، فهي على الأقل عاشت حاضرها بكل ما فيه.

--------------

في تلك الأثناء، وبعد أن كانت الشمس مشرقة والجو دافئًا كأنه أحد أيّام الصيف، إذا بالغيوم تتجمّع فجأة أمامها، كأنها تعلن حربًا صامتة. بدأت قطرات المطر تتساقط بخجل أولًا، ثم ازدادت تدريجيًا حتى تحولت إلى سهامٍ داوية تضرب الأرض، فتعيد للجو برودته القاسية من جديد.

كان عيسى يقف أمام نافذة مكتبه يتابع ذلك التحوّل المفاجئ، سيجارته بين أصابعه، يتصاعد دخانها في خطوط رمادية تتلاشى في الهواء ببطء. ومع كل نفسٍ يزفره، عادت إلى ذاكرته تلك التي لا تغيب... كانت أمامه دائمًا تتحرك، تضحك، تلتفت نحوه وهي ترتدي ذلك الفستان الأحمر الذي زادها فتنة. كيف لها أن تخطفه هكذا كطفل صغير، يسير خلفها بلا وعي؟

لكن ما كان يشغله أكثر من أي شيء... عيناها. طالما دقّق فيهما مرارًا، ليلحظ تلك النقطة الصغيرة الغامضة في عمقهما، على شكل قلبٍ ضئيل. في المرة الأولى ظن أنّها وهم، غير أنّها في كل مرة كانت تزداد وضوحًا، فيغوص داخلهما بلا خلاص. هل يمكن أن تكون نقطة في العين سببًا في شكٍ عظيم كالذي يثقل قلبه؟ كيف له أن يقارن بين تلك الفتاة التي سلبته نفسه ببراءتها ورقتها، وبين القاتلة التي شقّت صدر رجل نصفين بوحشية؟

ارتبك عقله من تلك المقارنة، فزجر نفسه داخليًا

"إيه يا عيسى؟ مش نقطة جوا عنيها هتخليك تشك فيها الشك الفظيع دا... فوق! وابعد الأفكار الغبية دي عن دماغك."

وبينما هو شاردً يحدث نفسه دوى صوت الباب يفتح، ودخل عادل وهو يقول بمرح:

"الجو قلب فجأة! أنا فكرت الدنيا بدأت تصيّف."

لم يجبه عيسى، ظل غارقًا في سباته العميق، ما جعل القلق يتسلل إلى صوت عادل:

"مالك يا عيسى؟ من ساعة ما اتكلمت مع بوبو وانت سرحان كدا... إنت شاكك في حاجة ولا إيه؟"

التفت إليه عيسى منتفضًا، وكأن صديقه تسلل فعلًا إلى أعماق تفكيره، فقطعه قائلًا بحزم:

"لا... هشك في إيه يعني؟ أنا بس بفكّر."

تحرك بضع خطوات حتى وصل إلى مكتبه، جلس على كرسيه وأطفأ سيجارته في الطفّاية وهو يضغط عليها بقوة، كأنّه يطفئ معها اشتعال عقله. جلس عادل مقابله، وابتسم بمزاح:

"ولا بتفكر في مرات أخويا؟"

ارتسمت على شفتي عيسى ابتسامة ساخرة، وقال:

"يسمع من بقك ربنا يا أخويا... وتبقى مراتي بقى."

قهقه عادل:

"هتبقى يا باشا... وبعدها تندم من الجواز وهمّه ومسؤوليته."

أطلق عيسى نظرة حالمة وقال بثقة:

"لأ يا عادل... مش كل الناس عيسى مهران. أنا هكون زوج مثالي، وهتحمّل المسؤولية ومش هشتكي منها... بس هي تيجي بس، وأنا هشيلها، وأشيل المسؤولية وأشيلك إنت كمان لو حابب"

انفجر عادل ضاحكًا:

"دا يبختها والله... طب هتعرفني عليها إمتى بقى؟"

أجاب عيسى بابتسامة واثقة:

"يوم خطوبتنا إن شاء الله... وقريب."

تبادلا بعض الأحاديث الخفيفة، ثم نهض عادل ليكمل مهامه. وبقي عيسى وحده، التقط هاتفه، وأخذ يكتب رسالة لشخصً ما...

------------------

تجمّعت الغيوم أكثر حتى صارت السماء كقطعة سوداء معلّقة فوق الرؤوس. انهمرت الأمطار الغزيرة كأنها تبحث عن ثغرات في الأرض لتغمرها، والمارة يهرولون تحتها؛ منهم من احتمى بمظلّة، ومنهم من رفع كفّه عبثًا فوق رأسه فلم يجد نفعًا،إذ ابتلّت ملابسه حتى ساقيه.

وسط الجموع الخارجة من بوابة الجامعة، كانت رحمة وفارس وجيجي يركضون بين الضحكات كأطفالٍ صغار حتى وصلوا إلى مقعد خشبي مغطّى بمظلّة كبيرة. جلسوا الثلاثة متلاصقين تحتها، ضاحكين من ضيق المكان ومن بلل ثيابهم.

قالت رحمة، وهي تلتفت لفارس بمزاح:

"اخ يا فارس يفقر، الدنيا كانت فل، قعدت تقول الجو حر... الجو صيف...قامت ادتلنا دش ينعنشنا شوية."

انفجر فارس بالضحك وهو يرد:

"مهى عارفه إن أنا مش بحب تلزيق الصيف... فـ قالت تروق عليه بلسعة برد وشتوايه حلوه كدا."

ضحكت جيهان، ومدّت يدها إلى الخارج لتلتقط بعض قطرات المطر، ثم قالت بمرح:

"بس بزمتكم... ما الجو كدا أحلى؟ حر إيه وتلزيق إيه! أنا كدا مبسوطة أكتر."

هز فارس رأسه موافقًا:

"عندِك حق... أنا بموت في الشتا."

ثم التفت نحو رحمة يتأملها للحظة وهي مبتلة، وواصل حديثه:

"وعيون الشتا... وبياض الشتا... وحلاوة الشتا."

ابتسمت رحمة بخجل، ثم ردّت بخفة لتكسر جديّته:

"وبرود الشتا... ورخامة الشتا... واستظراف الشتا."

قهقهت جيهان وضربت الهواء بكفّها قائلة:

"احمم... احمم... احترموا وجودي بق يا رمم!"

سارعت رحمة بالدفاع عن نفسها:

"هو أنا عملت حاجة؟ هو اللي بدأ!"

ضحك فارس بحماس طفولي:

"مهو محدش قلك تبقي حلوة... حتى وانتي مبلولة ومتبهدلة كدا."

زمّت جيهان شفتيها كطفلة حزينة وقالت:

"يعني أنا مش حلوة وأنا مبلولة ومتبهدلة؟"

انفجر فارس ضاحكًا، وتبعته رحمة، ثم مد يده ليقرص خدها:

"دا انتي كيوته بشكل يتاكل وانتي مبلولة كدا... انتي واللبوبو بتاعتك."

صرخت جيهان متألمة من قرصته، وضربته على كتفه بخفّة:

"بس يا رخم! مالكش دعوة باللبوبو بتاعتي."

وبينما الجو مليء بالضحك، اهتز هاتف رحمة بين يديها. نظرت بسرعة إلى الشاشة، فإذا برسالة من عيسى تقول:

*"ممكن نتقابل شوية؟

هخلص شغلي الساعة سته.

لو موافقة هستناكي في كافيه ***... هبعتلك العنوان.

هستناكى..."

تسارعت أنفاسها، وأعادت الهاتف سريعًا إلى حقيبتها قبل أن يلمح فارس شيئًا فينفجر بغيرته من جديد.

ظلّت تفكّر هل تذهب لتكمل خطتها بالتقرّب من عيسى؟ أم تستسلم لسطوة فارس وتبتعد عن هذا الطريق قبل أن يُغرقها؟

قطع شرودها صوت فارس وهو يلوّح لتاكسي فيوقفه، ثم فتح الباب قائلاً بحماس:

"يلا يا بنات."

ركبوا الثلاثة السيارة، تتناثر قطرات المطر على زجاجها، متجهين إلى المول لشراء ملابس فارس... كما اتفقوا.

تتابعهم عيون تملئها الغيره والحسد ،،،

-----------

تُفتح أبواب البوابة الحديدية العالية للفيلا ببطء، تدخل السيارة بسلاسة إلى الفناء الواسع المرصوف بالرخام تتلألأ عليه قطرات المطر الخفيف. الأشجار مصطفّة بعناية على الجانبين، وبينها أزهار فاخرة يفوح عطرها في الجو الممطر. تفتح ديدى باب السيارة، تمسك مظلتها السوداء اللامعة، تغلق الباب خلفها ثم تتجه بخطوات رشيقة نحو المدخل الكبير. تُخرج من حقيبتها مفتاحًا أنيقًا تديره في الباب وتدخل.

الداخل غارق في رائحة عطر فاخر تختلط بعبق الزهور الطازجة الموضوعة في مزهرية كريستال تتوسّط طاولة الصالون. الجدران مزيّنة بلوحات زيتية مُذهبة، والثريات الكريستالية تنثر ضوءًا دافئًا متلألئًا.

تراها والدتها، جالسة على أريكة مخملية بلون عنابي غامق، تضع ساقًا على ساق في أناقة ظاهرة. تحمل فنجان قهوة إسبريسو في طقم بورسلين مزخرف بخيوط ذهبية، ترفعه كل حين برشاقة، وصوتها ينساب في الهاتف بنبرة خفيفة تحمل بين طيّاتها نميمة مُنمّقة؛ تارةً تنتقد حذاء صديقة، وتارةً لون فستان أخرى، وأحيانًا تتناول شكل إحداهن بتهكم رفيع.

حين تلمح تأفف ابنتها وهي تجلس في مواجهتها، تنهي المكالمة على الفور، ثم تضع الفنجان على الطاولة المستديرة أمامها وتنظر إليها قائلة بفضول:

" مالك يا ديدى؟ مش في مودك ليه؟"

رفعت ديدى عينيها إليها، وفي نظرتها بريق حزن:

" فارس قالّي امبارح نفضل أصحاب وبس... والنهاردة شوفتُه خارج من الجامعة مع رحمة وصاحبتهم التالتة الرخمة دى، وكانوا مبسوطين اوى ،ولو شوفتى بق نظراته لرحمه ."

اعتدلت الأم في جلستها قليلًا، حاجباها يتقاطعان وكأنها تبحث في ذاكرتها:

"فارس مين؟"

زفرت ديدى بضيق، كأن قلبها لم يعد يحتمل:

" يا ماما! فارس اللي عرّفتكو عليه. إنتِ لحقتي تنسي؟ ده من كام يوم بس."

أجابت الأم وهي تتذكر:

" آه، الولد اللي بيكتب وشغال دليفري... وده يضايقك في إيه يا ديدى؟ هو آخره يبقى صاحب ليكي، وده كتير عليه كمان."

وقفت ديدى غاضبة، كعبها الحاد يخبط على الأرض الرخامية في إيقاع مرتجف:

" ماما! أنا بحبّه. وكنت عايزة أرتبط بيه. يعني إيه أصحاب؟ أنا مش راضية بالوضع ده. رحمة دي أحسن مني في إيه؟ أنا حتى أحلى منها وأغنى منها!"

مدّت الأم يدها تهدّئها، صوتها منخفض لكن يحمل قوة:

" إهدي يا حبيبتي... هو عجبك يعنى للدرجة دي؟"

صرخت ديدى بصوت ممزوج بالعناد والدموع:

" أيوه يا ماما! أنا مش هحب ولا هتجوز غيره. ولو ما اتخطبناش قريب... هعمل حاجة في نفسي، أنا بقولك اهو."

نظرت إليها الأم بثباتٍ مُصطنع، ثم قالت بهدوء محسوب:

" طيب، اهدِي. أنا هكلم بابا، وهو يكلمه. ونشوف له شغل معاه،على الأقل يبقى قريب من مستواكي.و تتخطبيله شوية، ويمكن تزهقي وتغيّري رأيك."

ردّت ديدى بعصبية، عيناها تلمعان:

-"لا يا ماما! كلّمي بابا يكلمه، بس أنا اللي هحدد هيحصل إيه بعد الخطوبة. وفكرة إني أسيبه؟ مستحيلة."

أنهت جملتها وانطلقت تصعد الدرج الرخامي بخطوات غاضبة، صوت كعبها يتردد في أرجاء الفيلا الفسيحة. الباب يُغلق خلفها برنّة قوية، ويظل الصالون ساكنًا، لا يملأه إلا صدى كلماتها المندفعة ورنين الفنجان الذي ارتجف فوق الطاولة الكريستالية.

--------------

في أحد المولات الضخمة، ذلك المبنى المتعدد الطوابق، المزدحم بالمتاجر التي تعرض كل ما يمكن أن يشتهيه المرء من ملبس ومأكل ومقتنيات، كان ثلاثتهم يقفون داخل محل للملابس الرجالية،الرفوف مرتبة بدقّة، الأقمشة تبرق تحت أضواء المتجر، والهواء يحمل رائحة جديدة من القماش والجلد المصقول.

وقف فارس أمام أحد الأرفف الخشبية الفاخرة، يمرر أصابعه على الأقمشة المرتبة بعناية، يتحسس نعومة القطن وبرودة الكتان ولمعان الخيوط الرفيعة في البدل الرسمية. كانت عيناه تتحركان بين الألوان يحاول ان ينتقى شيئاً يناسبه.

في تلك الأثناء، انشغلت رحمة وجيهان بين الرفوف الأخرى، تتبادلان النظرات السريعة، تختاران له قطعًا بعناية وكأنهما يرسمان له صورة جديدة فى مُخيلتهم . رحمة تنتقي بلوفر أزرق سماوي وتضعه بجانب بنطال داكن، تتخيل كيف سيليق به في الجامعة ، أما جيهان فتختار كنزة خفيفة وتضمها إلى جاكيت رياضي، تعلّق بابتسامة "دي هتنفعك فى الخروجات ، هتبقى حلوه عليك" ثم تلتقط بدلة أنيقة وتضعها في يده بجدية: "ودي بقى للمناسبات ،هتبقى تحفه."

كان فارس يستلم القطع بحماس يتخيل كيف سيصبح بعد ان يرتديهم ، يدخل بها إلى غرفة القياس، يختفي لحظات خلف الستارة، ثم يخرج في كل مرة بوجه جديد تزينه تلك الملابس. نظراتهما تلاحقه بتقييمٍ صريح، إيماءة موافقة من رحمة ورفضاً احياناً، وضحكة راضية من جيهان، بينما هو يبتسم بخجل من تعلقاتهم السخيه، جعلنه يشعر للحظة أن الأمر أكبر من مجرد شراء ملابس، كأنهم يُعيدون تشكيله أمامهم بكل قطه.

اختار فارس مجموعة مما انتقينه مرة اخرى، ثم دخل غرفة البروفة لقياس إحداها. وما إن ارتدى طقمًا بدا لافتًا على قامته، ابتسم وهو ينظر للمرآه بجانبه حتى دوّى صوت هاتفه المحمول، فالتقطه وفتحه مجيبًا:

"السلام عليكم، مين معايا؟"

ردّ الطرف الآخر بصوتٌ مُترفٌ متباهٍ:

"إزيك يا فارس، معاك أكرم عمران... والد دليدا. أكيد فاكرني كويس."

ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة سطحيه، رد بكلمات مجاملة مقتضبة:

"آه... أهلاً وسهلاً، فاكرك طبعاً. إزي حضرتك؟"

ردّ أكرم بنفس النبرة المتعالية التي لا تخلو من الفخر:

"تمام... تمام. أنا بتصل بيك عشان عاوز أقابلك، أناقشك في موضوع مهم. صدقني... إنت المستفاد الوحيد."

أجاب فارس، بنبرة مشوبة بالفتور، لكن الفضول تسلّل إلى صوته:

"أنا المستفاد إزاي؟ مش فاهم."

قال وهو يأمره كما يأمر أحدهم بقبول دعوة لا تُقاوم:

"لما تيجي هتفهم كل حاجة. هستناك بعد ساعة في فيلتي... متتأخرش."

لم يمنحه أكرم فرصة للرفض؛ أنهى المكالمة سريعًا بصرامة، تاركًا فارس للحيرة التي لم تكتمل ملامحها بعد. خرج من غرفة القياس، بثوبه الجديد، حيث كانت رحمة وجيهان تنتظرانه بأعين تلمع إعجابًا. بدا لهما الطقم رائعًا عليه، فتبادلتا التعليقات، وكل واحدة منهما أبدت رأيًا مشغولاً بتفاصيل مختلفة.

قطع فارس ذلك الحماس بابتسامة مترددة وقال:

ــ "بنات... أنا واحد صاحبي عاوزني في مصلحة كده، وعاوز أروح أقابله. فا كفاية اللي اخترناهم دول بقى... وبعدين نبقى نجيب غيرهم."

هزّت جيهان رأسها موافقة، قبل أن تضيف بنبرة مستعجلة:

ــ "تمام... وأنا هروح بقا عشان ماما اتصلت بيا كتير."

أما رحمة، فقالت بابتسامة هادئة:

ــ "أنا كمان هروح... ونتقابل عند عمي بكري عشان نستلم الشيفت."

اتفقوا ثلاثتهم على ما قالوا، وكل واحد منهم افترق في طريقه. جيهان اتجهت إلى والدتها، رحمة الى ما قصدته، بينما مضى فارس نحو وجهته... حيث ينتظره أكرم عمران، والد دليدا.

_____________

بَدَأَ الجوُّ يَفْتُرُّ رويدًا، وتباعدت السحبُ شيئًا فشيئًا عن صفحةِ السماء، كاشفةً عن وجهِ الشمسِ الملتهبِ بلونِ الغروبِ المائلِ إلى الأحمرِ الداكن؛ كأنّها تَزْفِرُ أنفاسَها الأخيرة. مشهدٌ يتكرّر أمامَ أعينِ الناسِ في شتّى البقاع موتٌ يوميٌّ مؤقّت، لا يلبث أن يُمحى مع بزوغِ صباحٍ جديد،.

في أحد المقاهي جلس عيسى على طاولة تطلّ على المارّة، يتابعهم بصمت وهو يحتسي قهوته، يلتقط ساعته بين حين وآخر وكأن عقاربها تزداد بطئًا كلما ازداد انتظاره ،لم يرفع بصره إلا حين دخلت هي؛ فتحت باب المقهى بكل هدوء، ظهرت بطلتها الساحرة مرتدية بلوفر لون القهوة التي يعشقها، تزينه فيونكات سود صغيرة، وكوفية أفتح تُحتضِن عنقها وتُظهر بياض بشرتها. تلوّنت وجنتاها بلون الورد بفعل البرد، ولمع في عينيها العسليتين بريقٌ جعل لهفة عيسى تزداد. لوحت له وابتسمت، فتقدم نحوها مسرعًا وسحب الكرسي لها، شكرتُه ثم جلست.

تبادل الثنائي التحية، وعاد عيسى إلى موضعه ثانيةً يعبث بعينيه بها؛ تفك وشاحها عن عنقها،الذى كان به بعض الشمات الصغيره المتناثره فزادتها جمالاً يفتنه اكتر مما جعله يبتلع ريقه بصعوبه، لكن ما شغله أكثر كان تلك النقطة الصغيرة في إحدى عينيها، فتذكر ما قاله له "بوبو"، حتى تلاشى شروده، عندما نظرت إليه قائلةً بصوتٍ رقيق:

" عيسى مالك؟"

ارتبك قليلًا وقال متلعثمًا:

ــ "ها؟ مفيش... سرحان بس شوية في الشغل."

ابتسمت وسألته ببساطة:

ــ "آها... ماشي. كنت عاوزني ليه بقى؟"

ابتلع ريقه، كأنه غير مستعد لما سيقوله، فاختار أن يؤجّل الحديث متسائلًا:

ــ "تشربي إيه الأول؟ أو تحبي تاكلي حاجة؟"

أجابت بابتسامة رقيقة:

ــ "ممكن أشرب قهوة زيك، وشكرًا مش جعانة... اكلت أنا وفارس وجيهان وإحنا في المول."

انعقد حاجباه متسائلًا:

ــ "في المول؟ بتعملوا إيه؟"

ردّت بعفويّة:

ــ "بنجيب شوية هدوم لفارس."

كأن شرارة اشتعلت داخله، تسري في عروقه غضبًا، فقال بصوت مكتوم:

ــ "وإنتي تجيبيله هدومه ليه؟ نغمة يعني؟"

لمحت الغيرة في عينيه، فابتسمت ابتسامة خفيفة حاولت بها تهدئته، وقالت:

ــ "عادي... صحاب. وبعدين لازم أساعده في الحاجات اللي هيجيبها وهو بينقل. هوأنا مقولتكش انه هينقل في الشقة اللي جنبي ،عشان مايفضلش بايت عندي وكده."

انفجر غضبه دفعة واحدة، فضرب الطاولة بقبضته بقوة، فاهتزّت الأكواب وتلفّت من حولهما مندهشين، بينما ارتجفت رحمة في مقعدها.و قال بصوت حاد:

ــ "هو بايت عندك؟ لييييه؟! مقطوع من شجرة؟ يبات عندك إزاي؟! إيه التسيّب اللي إنتي فيه ده؟! هو مفيش حد يلمّكوا ولا إيه؟ وكمان هينقل جمبك! لا... ده حسّيس أوي."

اشتعلت عيناها غضبًا، فرفعت إصبعها في وجهه وقالت بصرامة:

ــ "أولًا: متعلّيش صوتك في وشي. تانيًا: هو بيبات عندي عادي، مرجلة مني لحد ما يلاقي ليه بيت. تالتًا، وده الأهم... إنت بتحاسبني بتاع إيه؟"

قبض على يدها بعنف، وأخفض إصبعها بعصبية، ثم قال بحدّة:

ــ "أولًا: صباعك مايترافعش في وشي. تانيًا: لأ، ما يباتش عندك... رجولة ايه! هو إنتو عايشين في جاردن سيتي. وتالتًا، وده الأهم... أنا بحاسبك بصفتي الراجل اللي هيلمّك يا هانم."

انتزعت يدها من قبضته بعزم، وقالت بحزم جريح:

ــ "يعني إيه الراجل اللي هيلمني؟! هو أنا متبعترة يا أستاذ؟"

اقترب منها، وصوته انخفض حتى كاد يهمس، لكن كلماته خرجت كالطعنة:

ــ "رحمة... إنتي وفارس، حصل بينكم حاجة؟"

تساقطت كلماته عليها كسهم نافذ، أفقدها القدرة على الكلام. تردّد صدى داخلي يجلدها وما الذي يظنه الناس غير ذلك؟ كلهم بنفس التفكير العقيم.

وقفت فجأة، أمسكت حقيبتها، وهمّت بالمغادرة، لكنه أمسك يدها بسرعة، وقال بلهجة متصلّبة:

ــ "راحة على فين؟ مش بكلمك؟"

التفتت إليه بنظرة حاسمة وقالت:

ــ "الكلام بينا انتهى... أنا مش هبررلك أي حاجة."

ازداد تمسّكه بها، قبضته تشتد على يدها. أخرج مالًا من جيبه وألقاه فوق الطاولة بلا اكتراث، ثم أمسك هاتفه بيده الأخرى، وجذبها خلفه نحو الخارج بعنف، غير مبالٍ باحتجاجاتها ومحاولاتها للانفلات من قبضته القوية.

وحين وصلا إلى باب سيارته، فتحه بعصبية وقال:

ــ "ادخلي يا رحمة."

---

كانت تتحسس يدها التي تركت قبضته عليها أثرًا واضحًا، وقالت بعصبية، ملامحها متصلبة:

ــ "لأ، مش راكبة... ومش عاوزة أشوف وشك تاني."

رمقها بحدة، وصوته يزداد غضبًا:

ــ "اركبي والا والله أركبك غصب وميهمنيش أي حاجه"

استسلمت لكلماته فركبت، تخفي وجهها عن نظرات المارة المتطفلة. صفع الباب خلفها بعنف، ثم دار حول السيارة وجلس بجانبها، يغلق الباب بنفس الحدة.

التفت نحوها وعينيه تقدحان شررًا، وقال بلهجة قاسية:

ـ أنا سألتك سؤال تجاوبيني ب "آه" أو "لأ"بتقومي تمشي وتنرفزينى ليه؟

بادلت حدة صوته بحدّة مماثلة:

ــ "على أساس لو قولتلك رد عكس اللي في دماغك هتصدق؟"

تراجع قليلًا، ثم قال بصوت أقل توترًا، كمن يحاول فهمها:

ــ "طيب إيه هو اللي في دماغي يا رحمة؟ ممكن تجاوبيني؟"

ردّت بجرأة مشوبة بالمرارة:

ــ "طبعًا كراجل زي بقيّة البشر دول شايف إنه عشان بات معايا في البيت يبقى حصل بينا حاجة مش كويسة؟"

تنفس بعمق، وصوته خرج ممتزجًا بالانفعال:

ــ "مش ده قصدي على فكرة... بس أنا حوار إنه بايت عندك أصلًا مش بالعه، ومش عجبني، ومعصبني أوي."

رفعت حاجبها ساخرة:

ــ "ويعصبك ليه؟"

انفلت صبره فجأة، فقال بعصبية:

ــ "إنتي غبية يا بت إنتي! هو أنا هعصب نفسي كده، وأمشي وراكي في كل حتة زي الأهبل ليه؟ هعرفك على أمي، وأدخلك بيتنا، ونحكي ونتكلم سوا ليه؟"

نظرت إليه بثبات، وكأنها تتحداه:

ــ "آه ليه؟"

ابتسم ساخرًا، وانحنى قليلًا نحوها، ثم قال:

ــ "وحياة أمك، إنتي بتتغابي عليا يا رحمة؟... عمومًا أنا هريحك وأقولك ليه رغم إني مش بحب اريح حد. بس أنا يا هانم بعمل كل دا عشان أنا اعتبرتك بتاعتي خلاص"

ضحكت بسخرية، وقالت:

ــ "بتاعتك! هو أنا لعبة عشان تتملكني؟ أنا مش ملك حد."

التفت بوجهها نحو النافذة، متعمدة تجاهله، بعد ان القت كلماتها لتستفزه أكثر. لم يحتمل، فمد يده بقسوة، قبض على ذقنها، وجذب وجهها نحوه بعنف، حتى ارتجفت. ضغط بكفه على وجهها، وصوته يزمجر:

ــ "أيوه... بتاعتي وملكي يا رحمة! وحالا هتردي على السؤال اللي سألتهولك، وإلا والله أطبّق وشك الطري ده في إيدي. بدل ما هو دايرة... أخليه مربع. فهمتي؟"

ابتلعت ريقها، ولأول مرة يجرؤ أحدهم على معاملتها بمثل ذلك العنف. لم يزرع في قلبها خوفًا، بل أثار فيها لذةً خفية؛ كأنها عثرت أخيرًا على من لا يهاب قسوتها ولا يلين أمامها. راق لها شدّة قبضته، ذلك الاستعراض للقوة الذي لم يجرؤ عليه غيره من قبل، فأحست بشعورٍ غريب يجمع بين التحدي والإعجاب، وكأنها وجدت في عنفه انعكاسًا لجوهرها الدامي. سحبت يده عن وجهها ببطء، وفي عينيها لمعة رضا مموّهة بصمودٍ متعمد وقالت بثبات:

ــ "لأ... محصلش بينا حاجة. أنا ببات في أوضتي، وهو على الكنبة. وبعتبره أخويا يا عيسى... أخويا زي ما قولتلك قبل كده. تمام؟ ارتحت؟"

ساد صمت قصير، تلاشى غضبه تدريجيًا، وتنهد وهو يحاول استعادة هدوئه:

ــ "تمام... أنا واثق فيكي كده كده. هتسأليني ليه؟ هقولك معرفش... المهم. خلينا في الأهم."

نظرت نحوه بتوجس، تنتظر ما سيقوله، فبادلها النظرة بعينين ثابتتين وقال فجأة:

ــ "يعني لما أحب أطلب إيدك... أطلبها من مين؟ أنا عاوز أخطبك يا آنسة رحمة."

اتسعت عيناها دهشة، لم تتوقع أن يتخذ خطوة كهذه بهذه السرعة. وضعت يدها على رأسها، وكأنها تعجز عن استيعاب ما سمعته، وقالت بصوت متقطع:

ــ "تخطبني؟! إنت عاوز تخطبني؟"

ابتسم بدهشة ممزوجة بالجدية:

ــ "أيوه... إيه؟ مش عجبك ولا إيه؟"

هزت رأسها مرتبكة:

ــ "لأ لأ... مش قصدي. بس... إحنا مش مناسبين لبعض."

عقد حاجبيه متسائلًا:

ــ "ليه مش مناسبين يا رحمة؟"

أطرقت قليلًا، وصوتها امتزج بالحزن:

ــ "عشان أنا مليش حد غير فارس وجيهان... عيلتك هتعجبها الوضع ده؟"

ابتسم بثقة وقال:

ــ "أولًا عيلتي ميهمنيش منها غير أمي، وأمي معندهاش مشكلة إنك ملكيش حد. بس بلاش فارس ده."

رفعت عينيها بغضب مكبوت:

ــ "لأ... فارس مهم. قولتلك أخويا يا عيسى."

ضغط على نفسه، محاولًا كظم غيرته حتى يحين الوقت المناسب، وقال بصوت مكتوم:

ــ "تمام، ماشي. قولتي أخوكي يبقى أخوكي. ها... في حاجة تمنع تاني؟"

قالت بحزم:

ــ "خليني أفكر... ده مش قرار آخده وأنا قاعدة تحت تهديدك في عربيتك يعني."

زفر بعصبية، ثم قال بحدّة نافدة الصبر:

ــ "ماشي يا ستي... تمام. معاكي لبُكرة زي دلوقتي. تردي عليا: يا آه، يا آه موافقة جدًا... تمام؟"

ضحكت بخفة، محاولة التخفيف من حدّة الموقف:

ــ "تمام... ممكن توصلني بقى للعنوان ده؟ عندي شغل."

أومأ برأسه، وقال بلهجة تحمل مزيجًا من الرضا والوعيد:

ــ "تمام... ونبقى نتكلم في موضوع الشغل ده كمان بعدين."

التفتت نحوه بنظرة خاطفة متململة، ثم أعادت بصرها إلى الطريق أمامها، بينما بدأ يقود السيارة متجهًا إلى عملها، والأفكار تتلاطم داخل رأس كلٍ منهما، لا تهدأ.

-------------

في ذلك الوقت، كان فارس قد حمل ما اشتراه من ملابس واتجه إلى شقته الجديدة الملاصقة لشقة رحمة. فتح الباب بحذر، المكان بدا بائسًا وكأن الزمن توقف عنده، لكن لم يكن لديه وقت ليشعر بالضيق. أغلق الباب ببطء، يخشى أن تسمع رحمة وقع خطواته، وهو لا يدري أنها لم تكن هناك أصلًا.

تحرك نحو الحمام مسرعًا، ترك الماء ينهمر على جسده كأنه يغسل عنه إرهاق الأيام، ثم ارتدى إحدى القطع الجديدة التي انتقتها له رحمة بعناية. رتّب شعره أمام المرآة، ورشّ من العطر الذي اختارته له جيهان، وحين انتعل حذاءه الجديد، شعر بأنه شخص آخر. لم يكن الأمر مجرد ملابس، بل محاولة لأن يبدو في هيئة تُجبر الآخرين على احترامه، حتى والد دليدا الذي طالما عامله باستهانة. هذا اللقاء لن يكون عابرًا، بل يجب أن يترك فيه أثرًا مختلفًا.

خرج مسرعًا ليستقل سيارة أجرة، وجهته الفيلا الفخمة التي يقطنها السيد أكرم عمران. عند البوابة، أوقفه الحارس يسأله عن غايته، فأجاب أنه على موعد مسبق. تحدث الحارس عبر جهازه اللاسلكي، ثم سمح له بالمرور. فتحوا له البوابة الثقيلة، وكأنها تبتلع خطواته إلى عالم آخر.

وما إن وصل إلى المدخل حتى وجد دليدا واقفة بانتظاره. كانت تبتسم له، غير أن عينيها تحملان ما هو أبعد من البسمة.

قالت وهي تتأمله:

ـ ايه الشياكه دى؟ عجبنى أوى الاستايل دا.

ابتسم فارس بخجل ممزوج بالفخر:

ـ زوق رحمة هي اللي اختارته عشانى، وجيهان اختارتلي ريحة البرفان دا. ايه رأيك؟

اختفت ابتسامتها فجأة، كأن الكلمات وخزتها في موضعٍ غائر، ثم تمتمت:

ـ اممم، عجبونى... يلا، تعال. بابا مستنيك في مكتبه.

رفع حاجبيه بدهشة، متسائلًا:

ـ متعرفيش عاوزني ليه؟

أجابته ببرود يخفي اضطرابها:

ـ لا، معرفش. لما تدخل جوه هتعرف... وتعرفني ردك.

توقف الاثنان أمام باب المكتب، وقبل أن تطرقه، انشغلت هي بتسوية ثيابه بلمسات سريعة، ثم قالت بصوت خافت أقرب للأمر:

ـ يلا، ادخل.

توجس فارس من كلماتها، لكن لم يكن أمامه سوى المضي. طرق الباب، وحين سُمح له بالدخول، خطا إلى الداخل. المكتب لم يقل فخامة عن باقي الفيلا؛ جدران عالية تتدلى منها لوحات زيتية، ومكتب ضخم يتوسط المكان، يجلس خلفه أكرم عمران، منهمكًا في أوراق بين يديه.

ألقى فارس التحية، فأغلق الرجل الملف وأجاب التحية ببرود ثم أذن له بالجلوس. جلس فارس محاولًا التماسك، يبتسم ابتسامة مرتبكة بينما ينهش التوتر أعماقه. ساد الصمت للحظات ثقيلة قبل أن يبدأ أكرم بصوته الواثق:

ـ انت عارف أنا بعتلك ليه؟

ـ لا، مش عارف. مستني أعرف من حضرتك.

اعتدل أكرم في جلسته، أشعل سيجارة وأطلق نفسًا طويلًا قبل أن يقول:

ـ من كلام دليدا عنك، عرفت إنك شاب طموح وعندك مستقبل. وطول ما انتوا سوا، أنا وراكم. هعليكم، وهساندكم تحققوا كل أحلامكم.

ابتسم فارس، وقد أدرك المقصود وراء الكلمات. قال بهدوء:

ـ سيد أكرم... أنا ودليدا قررنا نخلي العلاقه بينا تبقى آخرها صحوبية وبس.

انعقد حاجبا الرجل، وبدت في عينيه نيران غضب مكتوم:

ـ دا قرارك انت. لكن هل سألت دليدا عاوزة كدا ولا لأ؟

ـ أيوه، وهى ممنعتش دا. هي اللي اقترحت أصلا.

ـ ومفكرتش اقترحت دا ليه؟ عشان تقدر تبقى قريبة منك.

صمت فارس، عاجزًا عن الرد. فأكمل أكرم بجدية أثقل من الرصاص:

ـ بص يا فارس... دليدا بتحبك. رغم إني مش راضي، لكن هعمل أي حاجه عشانها. فهقولك عرض... لو وافقت، تمام. رفضت، برضه دا حقك.

ـ وإيه هو العرض؟

ابتسم أكرم ابتسامة متعالية، وقال:

ـ لو وافقت إن علاقتك بدليدا تبقى رسمية وتيجي تطلبها مني انت وأهلك، هنشر كتبك في أكبر دار نشر في البلد. وكمان هضمنلك شغل عندي في الشركة. إيه رأيك؟

ساد الصمت. فارس شعر أن قلبه يتخبط داخل صدره، العرض مغرٍ، عرض لا يرفضه أحد. لكنه قال بعد أن تنهد:

ـ عرض أي حد مكانى هيقبله من غير ما يفكر. بس للأسف، أنا بحب حد تاني غير دليدا. آسف... مش هقدر أقبل عرضك. عن إذنك.

نهض من مكانه، وما إن همّ بالخروج حتى أوقفه صوت أكرم الحاد:

ـ هاعتبر إنك مردتش دلوقتي. وهديك فرصة لحد بكرة تفكر. أتمنى تفكر بعقلك... وتركن قلبك على جنب. مستقبلك أهم.

توقف فارس لحظة، أنصت إلى كلماته دون أن يرد. ثم انحنى برأسه قليلًا، واستأذن وخرج. خطاه سريعة، كأن قلبه يدفعه للهرب، بينما خلفه نداء دليدا يطارده:

ـ فارس! استنى...

لكنه لم يلتفت. لم يكن قلبه لها. سبقته قدماه ، وغادر الفيلا عائدًا إلى المكان الوحيد الذي يعرف أن قلبه يقطن فيه... إلى رحمة، حبيبة فؤاده.

وُضع القلبان تحت وطأة الاختيار، كلٌ منهما يظن أنه قد حسم أمره، غير أن ما سيأتي كفيل بقلب الموازين.

هل تستطيع رحمة حقًا أن تدير ظهرها لفارس، وهو نقطة ضعفها، وتحتمل رؤيته منكسراً؟

وهل يقدر فارس، بعد كل ما غمرها به من حب ووفاء، أن يتركها خلفه، وهي هوسه وعلّته التي لا شفاء منها؟

أسئلة معلّقة في فضاء الانتظار، لن تُجاب إلا بما تخطه السطور القادمة... فترقّبوا.

______

اعزائي القراء ،اسعدو فؤادى بتعلقياتكم ،وانتقداتكم ايضا اذا اردتوا فانا قلبي رحب ..

لا تبخلو على بنجمه تلمح فى سماء حبي لكم ،،،

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة