كانت النجوم تتلألأ في سماء صافية كأنها ثوب حريري أسود مُرصَّع بجواهر بيضاء، يتخللها نسيم رقيق يجوب المدينة حتى وصل إلى نافذة مغلقة بإحكام، لكنه مع ذلك تسلل منها بخفة.
على فراشها كانت مستلقية تستعد للنوم، غير أنّ رعشة برد باغتتها فجعلت قلبها ينقبض، فأيقنت أن الشتاء قد أقبل. كانت تبغض هذا الفصل من السنة، إذ لا يأتيها إلا بالبرودة والقسوة، فلا يدفئها ثوب ولا يحنو عليها غطاء.
كل ذكرياتها الحزينة ارتبطت بالشتاء: موت والدها في ليالٍ شديدة البرد،، زواج أمها بآخر، وحتى قطتها الصغيرة التي كانت تملأ وحدتها ماتت في ذلك الفصل القاسي. كم رجته أن يحنو عليها، أن يخفف عنها وطأته، لكنه لم يبالِ بضعفها، بل زادها وحدة وتعاسة.
ظلت تتقلب تلك الليلة، فاحتى النوم الذي كان عزاءها الوحيد قرر أن يهجرها. ثبتت بصرها في السقف، تاركةً رأسها فريسة للأفكار التي تنشب فيه، وأسئلة تتردد منذ سنوات بلا إجابة.
تسرب الهمس من بين شفتيها المرتجفتين:
"ليه بتكرهنى يا ماما؟"
قَطَع شرودها القاسي تحرّك مقبض باب غرفتها؛ ارتجف جسدها، فالمشهد أيقظ في أعماقها ذكريات لا تُحتمل. اقتربت من الباب تتحدّى الخوف وفتحته ببطئ ، فإذا به يقف أمامها... ذلك القذر، تفوح منه رائحة الخمر، أنفاسه الكريهة تكاد تخنقها. ابتسم ابتسامة منحطّة وهو يلهث ككلب:
"وحشتني أوي، جيت أطمن عليكي... نفسي علاقتنا ترجع زي زمان، أب وبنته."
انقبض قلبها واشمأزّت أحشاؤها،من كلماته الوقحه فكيف له أن يذكر تلك العلاقة الطاهرة بين الاب وابنته بعدما لوّثها بفعله الدنيء؟ ردّت بصوت بارد متماسك:
"امشي من هنا يا انكل خالد، بدل ما أصرّخ وأمى تصحى."
قهقه ضحكة قذرة، صوته أشبه بفحيح أفعى:
"نُبيلة مش هنا... خالتك بتولد ورُحتلها."
ابتلعت ريقها بصعوبة، فبرغم من قسوة أمها إلا أن وجودها كان درعًا يحميها، أو على الأقل يروّض ذئبه. أمّا الآن، فهي وحدها تحت رحمته. لمع بريق أنيابه في الضوء الخافت يحول الدخول، فصرخت وهي تدفع الباب لتغلقه، علّه يحميها منه، لكنّه صدّها بعنف وأعاق القفل بيده وهو يزمجر:
"متقاومنيش في الآخر... إنتِ بتاعتي، محدش يقدر يحميكي مني."
ظلت تدفع الباب بيديها المرتجفتين، لكنه دفعه بقوة فاقت قوتها، فارتطمت بالأرض والباب فتح على مصراعيه. وقف امامها بنظرة خبيثة، يقترب بخطوات ثقيلة فحاولت النهوض وهي تتراجع مذعورة حتى اصطدم ظهرها بالمكتب الخشبي. هناك... لمحت مشرطها الأصفر الذي تبرّي به أقلامها، خطفته بيد مرتعشة، فتحته حتى خرج سنه الحاد قائلة بتهديد:
"لو قربت مني... هعورك."
رمقها بسخرية قاسية:
"ههه... هتخوفيني بالدبوس اللي في إيدك ده؟ دا آخره يزغزغني يا حلوة."
ارتجفت يدها أكثر، لكنه انقضّ عليها بوحشية، فاستجمعت قواها الممزقة، ورفعت المشرط ثم غرزته في رقبته بكل قوتها. انفجرت الدماء من عنقه، سحبته ثانيتاً لتتركه يتراجع بزعر تتسع حدقتاه، ويده تتحسس الجرح والدم الدافئ يندفع بين أصابعه. ترنّح حتى سقط أرضًا. انقضّت عليه بجنون، طعنته في ظهره مرارًا حتى تلطّخت يداها بدمائه،
أفاقت على صرخة أمها المذعورة وهي تندفع إلى الداخل:
"إنتي بتعملي إيه؟! قتلتِه! قتلتِ جوزي يا مجرمة!"
انحنت الأم فوق جسده، تتحسّس نبضه، تصرخ بانهيار:
"خااالد! متتموّتشش! لااا!"
احتضنته وكأن روحها تزهق معه، تبكي وتولول.
أما رحمة فكانت متجمّدة في زاوية الغرفة، جسدها يرتعش كعصفور مبتل. أرادت الهروب نحو الباب، لكن يد أمها سبقتها، تركت جثة زوجها واندفعت نحوها تضربها بلا وعي، تصرخ وهي تلهبها بالصفعات:
"أنا بكرهك... ياريتني ما خلفتك! بكرههك! بكرههك!"
لم تؤلمها الضربات قدر ما أحرق قلبها حب أمها الأعمى لذلك الرجل الدنيء. وقفت كالصنم، تستقبل كلمات أمها كطعنة تلو أخرى، حتى دفع الجيران الباب ودخلوا، وجوههم مصدومة من هول المشهد جثة غارقة في الدماء، وأما تضرب ابنتها بجنون .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا رب إن عظُمت ذنوبي كثرةً... فلقد علمتُ بأن عفوَكَ أعظمُ
إن كان لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ... فبمن يلوذُ ويستجيرُ المُجرمُ
أدعوكَ ربي كما أمرتَ تضرُّعاً... فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ
مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجا... وجميلُ عفوِكَ ثم أني مسلمُ
يا ذا الجلالِ وذا الجمالِ وذا السنا... يا من إليهِ إذا تخوّفتُ أهرَبُ
انبعث صوتُ الابتهالِ من الجامعِ المقابلِ للبنايةِ، بصوتٍ تهيبُ له الأنفسُ وتقشعرُ منه الخطايا، قبل أن يرفعَ بعدها أذانُ الفجرِ فيجَلِّلُ الأرجاءَ، بينما يتسرب ظلٌ خافتٌ يكسرُ الظلامَ في شقتهم، ينعكس على وجهِ رحمةَ التي كانتْ تجلسُ على ركبتيها مقابلَ فارسٍ هو جاثٍ يضمُّ ركبتيه إلى صدره، يرتعشُ جسدهُ وينتفضُ خوفًا. تسترجعُ حواسهُ ذكرى ما حدثَ كيف شعرَ بالسكينِ الحادّةِ وهي تشقُّ اللحمَ وتطعنُ روحًا فتزهقها، تتسلل دموعه على وجنته الماً على ما فعله من خطايا.
اقتربت منه رحمةُ وقالتْ بأسى:
"تعرف يا فارس، أول مره قتلت فيها لومت نفسي لدرجة إني اتمنيت الموت، وانا في الملجأ اتعرفت على بنت اتمنى اقابلها تاني كان اسمها ملاك وهي ملاك"
رفع فارسُ نظرهُ إليها وكأنه ينصتُ لتكمل
"شافتي بقعد لوحدي كتير بعيط على طول وباين على وشي الحزن والتعب، كنت بتألم من ذنبي اللي عملته رغم إنه كان دفاع عن نفسي وببكي على هجر أمي ورميها ليا في ملجأ كأني يتيمة. قربت مني وانا كنت منكمشه زيك كدا في عالم تاني لحد ما قالتلي 'انا سمعت عن اللي حصلك وعارفه انك مش عاوزه تتكلمى مع حد بس لو مش عاوزه تسمعيني، اسمعي كلام ربنا'، قال تعالى: 'بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}' (الزمر: 53). صدق الله العظيم، ومن يومها عرفت إن مهما كانت ذنوبِي فأكيد في وقت هتوب فيه ومتاكدة إن ربنا هيغفرلي."
اخترقت كلمات القرآن قلبَه، ولكن كلماتها هي استفزّته، فقال:
"ومش خايفة تموتي قبل ما تتوبي؟ إيه ضامنلك إنك هتعيشي لوقتها، رحمة، انتي حياتك كلها سواد لحد مخدتينني معاكي وغرقتينني، اللي انا فيه ده انتِ السبب فيه."
رمى كلماته وهو يقف و يمشي بتجاه النافذة يتابع الشروق ويتركها خلفه. تتعافى ألم كلماته فتقف هي الأخرى تمشي نحوه ببطء وهي تقول:
"معنى كلامك إنك عاوز تقطع علاقتك بيا؟"
وقفت صامتًا بينما قلبه يصرخ بـ لا ،لا يريد تركها، ولكن القرب منها سيذكره كل يوم بأن يداه انغمست بالدماء وأصبحت ملوثة لا محالة، إن ظل معها ربما تندرج قدمه من جديد ويصبح نسخةً أخرى منها بلا قلب، بلا شفقة، وبلا رحمة.
رد محاولًا أن يبدو ثابتًا:
"لو عاوزة نفضل سوا، ليا شروط."
ضحكت قائلة بستِهزاء:
"شروووط!؟"
رد ببرودٍ استفزها:
"أيوه شروط وإلا كل واحد يروح لحاله."
زفرت غضبًا قائلة بصراخ:
"شروط إيه يا أبو شروط، انت بتهددني، أمّال فين مقدرش أبعد عنك وانت بتاعتي والكلام ده كله ، كان كذب"
، بعدها صرخت تشد كتفه من الخلف: "بصلي وانا بكلمك، انا مش بشحت منك."
التفتَ إليها واقفًا بصمودٍ، لا علاماتِ حزنٍ أو ألمٍ على حالتها المنهارة؛ استفزّها ذلك وكأنه كرهها فعلًا. فردّ ليزيد الطين بلة:
"يااه هو طلع كلامي بيأثر فيكي فعلا؟ فكرتك معندكيش قلب بيحس كدا زينا ، وبما إنك مقهورة أوي كده ليه عمرك معترفتى إنك بتحبيني ولا عشان غرورك وتكبرك منعك؟ عمومًا أول شرط عندي إنك تنسي كل اللي فات ده وتمسحيه من حياتك، حياتك كلها لازم تتغير عشاني، ده لو فعلا مهتمة وعوزانى ؛ وحطى فى اعتبارك ان معدش فيه قتل ولا انتقامات فاضية ، واطلعي بقا من دور الضحية اللي انتى عايشه فيه دا، وافهمي إن انتي مجرد مجرمة سفاحة؛ وياأما تتوبي يا أما تنسيني."
اتسعت عيناها دهشة؛ كلامه كالصاعقة. أهوَ فعلا فارس أم هذا جزءٌ دفينٌ منه كان دائمًا موجودًا لكنها لم ترَه؟ ففي داخل كلاً منا جزءٌ مختلفٌ يظهر وقت الغضب، نندم بعدها على إخراجه أو نتركه طبعاً لنا دائم لا رجعة عنه.
قالتْ بسطحيةٍ تَبديها ابتسامةٌ ساخرة على شفتيها:
"تمام اللي تشوفه."
ردَّ فارس مستفهمًا:
"تمام إيه؟ وافقتى على شروطى؟"
اقتربت منه حتى تصادمت أنفاسُهما، وقالت بنبرةٍ حارةٍ لم يتوقعها:
"كل واحد فينا يروح لحاله، طريقك أخضر يا روسة."
تركته خلفها، ملامحه يكسوها الصدمة؛ أحقًا ما قالتْه؟ أم أن أذناه أخطأت السمع؟ أهو فقد من يستطيع أن يلقى احجاراً بكلماته؛ لا فهي متخصّصة في ذلك أيضًا، حتى لو كان لقلبها رأىٍ آخر.
التفتت تشعلُ المدفأة، تخرجُ الكيسَ البلاستيكيَّ من حقيبتها وتُلقيهِ في النار، تحرقه وتحرق معه تلك الليلة....
تخبره دون أن تلتفت:
"اقلع هدومك دي واحرقها، عشان تمحي معاها أي حاجة تفكرك باليوم ده و خلّص وروح شقتك،واه ، دورلك على بيت تاني عشان مش حابه اشوفك قدامى كل يوم"
أنهت كلامها وهي تتجه نحو غرفتها، تفتحها وتدخل وتصفع الباب خلفها. أمّا هو فوقف يحاول استيعاب ما يحدث، وكأن العالم قد أقسم على خذلانه حتى من هواها قلبه.
ــــــــــــــــــــــ
وقف بفارغ الصبر فى مكان تتوارى ملامحه وسط الظلام. التفت حوله بزعر، يحاول أن يدرك أين تقف قدماه، لكن لا جدوى؛ المكان شبه مظلم.
من بعيد ظهرت هى... خطواتها تشق العتمة، حضورها عادةً ما يدخل السرور فى قلبه.
لكن عندما اقتربت منه اكثر ، تسلّل إلى جسده شعور آخر... قشعريرة باردة تسرى فى عروقه. وقفت أمامه، تبتسم، بينما الدموع تترقرق فى عينيها.
تعجب وهمس:
"مالك يا رحمه، بتعيطى لى؟ انتى كويسه؟"
لم تجبه، فقط رفعت يدها تلمس وجنته برفق، أحس بدفء لمستها وابتسم دون وعى ،لكن عينيه وقعت على قطرات دم تتساقط من كفها. ارتجف، وقال بفزع:
"إيه اللى على إيدك دا؟ دم مين دا يا رحمه؟"
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت بهدوء:
"دمك انت."
تسمرت عيناه فيها، ثم اندفع برعب يتفحص جسده... فإذا بخنجرٍ مغروز في قلبه، تمسكه بيدها الأخرى. صرخ وهو يتراجع:
"لااا... رحمه! لاااااا!"
انتفض جسده فجأة، استيقظ مذعورًا، يفتح عينيه بسرعة خاطفة، حلقه جاف كأن الرمال جثمت فيه. جلس على حافة السرير، قلبه يخبط في صدره بعنف، نظر حوله يتأكد من واقعه، ثم زفر براحة متقطعة قائلاً:
"الحمد لله... كابوس... بس مرعب."
مد يده بجانبه يبحث عن كوب الماء فلم يجد شيئًا. ضرب الكومود بصوت عالٍ وهو يتمتم:
"يوووه... قولتلها ميت مره متنساش تحط مايه جمبى!"
أزاح الغطاء عن قدميه ببطء، وقام متثاقلًا يتجه نحو المطبخ، ما إن فتح الباب حتى استقبلته رائحة الفول المدمس تمتزج برائحة الطعمية المقلية، تلك الرائحة التي تُعيده طفلًا صغيرًا ينتظر فطوره للذهاب الى المدرسه، وجدها واقفة شاردة، تغني مع صوت الراديو: "يا صباح الخير ياللي معانا... ياللي معانا...".
اقترب بخفة وقال مبتسمًا:
"صباح الفل يست الكل."
قفزت من مكانها مفزوعة، التفتت إليه، وضربته بالمعلقة وهى تقول:
"اخص عليك يا عيسى! مفيش فايدة فيك... هموت مره بسببك."
ضحك وهو يمسك كتفه متصنعًا الألم:
"ألف بعد الشر عليكى يا ست الكل، أنا بس بحب أنكشك. وبعدين ينفع أقوم ريقى ناشف ملاقيش مايه جمبى؟"
قهقهت وهى ترد:
"ياخبر صعبت عليا يا واد! وإيه يعنى؟ ماتقوم تسقى نفسك، هو أنا الدادة بتاعتك يخويا ،دا ايه اصله ده؟"
نظر لها بمكر وقال:
"عبد التواب بتاع الشاى فى القسم... قبل ما أفكر أعطش بلاقيه جايب المايه. نفسى بقى تبقى زي عبد التواب بيفهمنى من قبل متكلم."
ضربته مرة ثانية وهي تقول بتهكم:
"طيب... ابقى خليه ينفعك، ويغسلك هدومك، وينضفلك أوضتك كمان يا خويا!"
ضحك عيسى من قلبه واقترب ليقبل يدها:
"ولا ميت واحد منه يعوض مكانك يا قمر انت"
اكمل بمزاح طفولى:
" بس خدى فى بالك انك بقيتى تزلينى كتير ،وتقوليلى بأكلك وبشربك ومعرفش ايه ،بس خلاص هانت قريب إن شاء الله هتيجى الى تريحك منى، تغسلى وتطبخلى ... ولا الحوجه."
ضحكت وهى تقول بعفويتها:
" اخص عليك يا واد يا ناكر الجميل انت ، بس انا هطلع احسن منك وادعيلك ربنا يحققلك مناك و تيجى بس وأنا أخدمكم انتو الاتنين بعيونى، بس أشوفك مبسوط يا ضنايا."
شدها إلى حضنه هامسًا:
" دا أنا اللى أخدمك برموش عينيا يا غالية... ربنا ميحرمنى من دعواتك."
بعد دفء اللحظة، شرب عيسى كوب الماء وعاد إلى غرفته ليبدّل ملابسه. التقط هاتفه، فانتفض وهو يلمح عشرات المكالمات الفائتة؛ من عادل، ومن رئيسه. نظر للساعة، وجدها السابعة! شهق قائلاً:
"ينهار أبيض يا عيسى! انت كنت في غيبوبة! المكالمات من الساعة خمسة... أكيد في مصيبة!"
اتصل على عجل بعادل، فجاءه صوته متوترًا:
"إيه يا عيسى! انت فين؟! أنا بتصل بيك من بدرى، ورئيس القسم قالب عليك الدنيا."
رد عيسى بقلق:
"فى حاجة حصلت ولا إيه؟ أنا راحت عليا نومه... كنت سهران على ملفات القضايا."
قال عادل ليطمئنه:
"ولا يهمك الوقتى الدنيا اتحلت ،بس ممكن تاخدلك كلمتين، المقدم شريف مهران هنا، والنقيب فتحى سرور، وسيطروا على موقع الجريمة خلاص. قربنا نخلص وراجعين القسم."
قطّب عيسى حاجبيه:
"يعنى فتحى هو اللى هيمسك التحقيقات؟"
"أيوه... شريف باشا أمر بكده، لما انت اتأخرت فى الرد ،بس عمتا احنا شاكين ان ملهاش علاقه بقضيه السفاح."
شرد وهو يسأل:
"طب... الجريمة دى عبارة عن إيه؟ ادينى تفاصيل شوية."
تنحنح عادل وقال:
"النجدة جالها بلاغ عن صوت صريخ فى عمارة مهجورة فى منطقه *** المنطقه دى مهجوره، والعمارة دى هى والى حوليها أصلاً هيتهدوا عشان هيعملو اعادة تعمير.
لما النجده وصلت دخلوا وفتشوا شقة شقة، لقوا فى الدور السادس اتنين مقتولين... وبنت غرقانة فى دمها ولسه فيها الروح وواضح إنها اتعرضت لاغتصاب، فطلبوا الإسعاف فورًا."
تأمل عيسى وقال ببطء:
"يعنى... ممكن تكون هى اللى قتلتهم؟ معقولة؟"
قبل أن يجيبه عادل، قاطعهم صوت فتحي المتعجرف:
"بتكلم مين يا عادل؟"
ارتبك عادل ورد:
"دا النقيب عيسى يا فندم... كان بيسأل على تفاصيل الواقعة."
ضحك فتحي بسخرية لاذعة:
"هو كان عبر مديره عشان يسأل على التفاصيل ،يبجاحته يأخى ،عرفه ان القضيه دى بتاعتى خلاص يعنى ملوش لازمه يسأل ،واه قوله الهوارى على اخره منه وشكله كدا نويله على شر"
كتم عيسى غيظه بصعوبة...كلما تحدث هذا الشخص تمنى لو بوسعه لوجه له لكمة تسقطه أرضًا، لكن هل يضيع مستقبله كضابط بسبب متعجرف مثله؟
أنهى فتحى كلامه موجهًا أوامره لعادل:
"اخلص يلا يا عادل... عشان عاوزك ."
رد عادل على مضض:
"حاضر يا فندم." ثم عاد بصوت منخفض لعيسى:
"معايا يا عيسى؟"
أجاب عيسى وهو يغلي من الداخل:
"معاك... كمل شغلك، ولما نتقابل في المكتب تفهّمني الحوار كله. اشطا."
"تمام... انا مضطر اقفل، عشان فتحي باشا ضاغط على أعصابي."
قهقه عيسى رغم غضبه:
"الله يعينك... سلام."
أنهى المكالمة، وحاول الاتصال بالمقدم شريف، لكن دون رد. أيقن أنه سيُعاقَب على غفوته تلك، لكن لا بأس؛ فقد أُعفى مؤقتًا من جريمة جديدة كانت ستضاف على كاهله. فليتحمل فتحى جزءًا من الحمل الذى على كتفيه المثقلتين.
فتح محادثته مع رحمة، فلم يجد ردًا منها. اتصل بها، لكن الهاتف جاءه مغلقًا أو غير متاح. شعر بشىء من القلق، ثم طمأن نفسه بأنها ربما ما زالت نائمة.
وقف أمام دولابه، يمد يده ليلتقط ما سيرتديه... بينما قلبه يخفق بارتباك لا يعرف سببه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرج فارس من شقّة رحمة مثقلاً بألم ينهش صدره،يذهب بخطوات متثاقلة إلى شقّته المقابلة. ما إن دفع الباب حتى باغتته الفوضى التي تعم المكان؛ كأنها انعكاس صارخ لما بداخله من اضطراب.
تمتم في نفسه أنه لربما يشغل عقله الهائج بترتيب هذا الركام، فلعل ترتيب الأشياء يخفّف شيئًا من ثقل روحه.
هبط ببطء نحو السوبر ماركت القريب ليشتري بعض المنظفات. الشمس الحارقة تلفح وجهه بأشعتها اللاسعة، وكأنها لم تكن البارحة مغطّاة بالغيوم تغرق الدنيا مطرًا وبردًا. انحدرت قطرات العرق على جبينه، يجرّ قدميه بتثاقل، كأن همومه تُساق معه.
من نافذة غرفتها، كانت تراقبه بعين يملؤها الأسى، تحدّث نفسها:
"هو ليه ما اروحش اعتذرله وخلاص؟ وفيها إيه لو وافقت على شروطه؟ ماهو عايز مصلحتي... ومن حقه يعيش حياة هادية بعيد عن المشاكل. بصراحة عنده حق، الانتقام عَمّاني... وعمره ما هيبقى سعيد معايا لو فضلت كدا.
بعدها اكملت بعزم "لأ، أنا خلاص قررت... أول ما يطلع هروح أقوله إني موافقة، ونبدأ صفحة جديدة سوا... أنا متأكدة إن دا الصح."
ظلّت واقفة تنتظر طلّته، وحين لمحته خارجًا من السوبر ماركت، هرعت إلى مرآتها، تهندم شعرها وتُصلح ثيابها، تستعد أن تفاجئه منتظرةً إياه على السلم...
وفي تلك اللحظة، كان فارس خارجًا من المتجر شارد الذهن، فتوقّفت فجأة أمامه سيارة، انفتح بابها ونزلت منها دليدا، بابتسامتها الطفولية وصوتها المرح:
ـ "فارس! عامل إيه؟ عملالك مفاجأة تجنن... بس أوعدني تديني الحلاوة."
زفر بضيق، يشيح بوجهه:
ـ "دليدا... دا اللي كان ناقصني! إنتي بتعملي إيه هنا؟"
اقتربت منه، تخفي شيئًا خلف ظهرها:
ـ "جايه أوريك المفاجأة... والله هتعجبك أوي، حاجة كان نفسك فيها."
تنهّد بصوت متهدّج:
ـ "أنا مش فاضي يا دليدا. مزاجي زفت وعايز أروح أنام، خلينا نتقابل بعدين."
حاول أن يتجاوزها، لكنها لحقت به، تتمختر بجواره بخفة:
ـ "صدقني... والله حاجة نفسك فيها من زمان."
توقف فجأة، التفت إليها بعينين يملؤهما نفاد الصبر:
ـ "منفسيش في حاجة يا دليدا... اللي كان نفسي فيه خلاص بح اتبخّر."
ابتسمت بمكر طفولي:
ـ "يعني مش هتروح توقع على العقد؟"
ارتبك وتجمّد في مكانه:
ـ "عقد؟ توقيع إيه؟ مش فاهم!"
أخرجت من خلف ظهرها كتابًا أنيق الغلاف، تقدّمه أمامه بمرح:
ـ "بجعة البحيرة السوداء... طبعة أولى بقلم فارس خطاب. عاوزة توقيعك على كتابي بقى."
اتسعت عيناه على الغلاف، مدّ يده بارتباك يقلب صفحاته، قلبه يخفق بعنف وعقله يتخبّط. إنها روايته... تلك التي كتبها عامًا كاملًا، وأعطاها لها فقط لتقرأها وتبدي رأيًا، فكيف تحوّلت إلى كتاب مطبوع هكذا؟ وكيف وصلت إلى دار النشر التي طالما حلم أن يتعاقد معها؟
رفع عينيه إليها مذهولًا:
ـ "دي... دي روايتي؟ إنتي اللي نشرتيها؟ إزاي؟! أنا مش مصدق!"
ضحكت دليدا بعفويتها:
ـ "أنا معملتش حاجة غير إني استغليت واسطة بابا... وخليت الرواية توصللهم، بس عجبتهم جدًا، انبهروا، وهما اللي عرضوا عليك تتعاقد معاهم، وعلشان تصدّق... جبتلك نسخة من العقد."
أخرجت ورقة من حقيبتها، فردّتها أمامه. نظر فارس إليها مزدهلاً، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عالقة بين الدهشة والفرح:
ـ "ياااه... مش مصدّق نفسي، بجد... المفاجأة دي فوق الخيال."
صفّقت بحماس طفولي:
ـ "لسه ما خلصناش! تعرف بقا إن عندك جمهور مستني نزول الطبعة الأولى؟"
قطّب حاجبيه مستغربًا:
ـ "جمهور إيه؟ تقصدي الخمسين واحد اللي عندي على الفيس؟"
أخرجت هاتفها بسرعة، أرته الشاشة تقول بفرح:
ـ "صفحة الكاتب فارس خطاب... سبعمية وتمانين ألف متابع! يعني داخل على المليون. نزلت شوية اقتباسات من روايتك عليها وعجبت الناس جدًا، ومستنيين صدورها بفارغ الصبر."
ارتسمت البهجة على ملامحه، وكأن الأمل انتشله من عتمته:
ـ "أنا... أنا داخل على المليون؟ وهتعاقد مع دار النشر اللي بحلم بيها؟ بجد؟ الكلام دا مش حلم؟"
صمت للحظه يفكر ، تغيّرت ملامحه وضاق بعينيه ينظر إليها بريبة:
ـ "وأكيد اللي عملتيه دا ليه مقابل..."
هزّت رأسها بسرعة:
ـ "لا والله! مش الى فى دماغك خالص. إنت تعبت وشقيت، وأنا بس حطيتك على أول الطريق. ولولا مجهودك، لا كانو قبلوك في دار النشر ولا الناس حبت اقتباساتك."
زفر بعمق، نبرته تلين:
ـ "هقبل مساعدتك... بس عشان حسّيت إنك رجّعتلي جزء من حياتي اللي كنت فاكرها ضاعت. ووعد... هردّهولِك في الوقت المناسب."
ابتسمت بخفة وهي تشبك يدها في ذراعه:
ـ "تردهولي بعزومة حلوة عندك... إيه رأيك؟"
ارتبك قليلًا:
ـ "بس... أنا لسه ناقل والشقة متبهدلة، وجايب منظفات عشان أنضفها."
ضحكت بعفوية:
ـ "مش مشكلة... ننضفها سوا."
لم تمنحه فرصة للاعتراض، وضعت إصبعها على فمه بخفة هامسة:
ـ "مش هقبل الرفض. يلا بينا."
استسلم لها، بينما تساؤلاته تتردّد في أعماقه: كيف استطاعت أن تفتح نافذة للنور في قلبٍ غمره الظلام في لحظة؟ وتركها تسحب ذراعه، يمشي بجوارها نحو العمارة...
صعد فارس الدرج بخطوات ثابتة، ودليدا متشبثة بذراعه، حقيبتها تتأرجح بجانبها تتمختر بخفة وهى تثرثر بحماس عن التعليقات التي ملأت صفحته،ولكن عند أول درجة تؤدى إلى شقته، لمحت عيناه رحمة... واقفة فى صدمة، تحدق فيهما.
تجمدت خطواته لوهلة، أفلت يد دليدا سريعًا، ثم استعاد بروده وتابع الصعود كأن شيئًا لم يكن.
نظرات رحمة كانت كافية لتدرك دليدا أن بينهما شيئًا لم يُقل. لحقت بفارس حتى صعدا معًا، وحين وصلا ، وقعت عين رحمه على كتاب بين يديه، سحبته منه بجرأة، تقلّب صفحاته، ثم ابتسمت بسخرية:
"اممم...«بجعة البحيره السوداء » بقلم فارس خطاب. مبروك."
رد ببرود وهو يمد يده:
"الله يبارك فيكى... ممكن بق الكتاب مش فاضى؟"
تجاهلته تلتفت لوجه دليدا، وابتسامة مصطنعة تعلو ملامحها:
"إزيك يا ديدى؟ عاملة إيه؟"
قالت دليدا بمرح طفولي:
"بخير الحمد لله. إيه رأيك فى مفاجأتى لفارس؟"
قطبت رحمة حاجبيها باهتمام زائف:
"مفاجأتك؟! اممم..."
قهقهت دليدا وهى تشرح:
"آه، أنا كنت واخدة منه الرواية أقراها. عجبتنى جدًا، فقررت أفجأه وأنشرها. إن شاء الله تحضرى معانا حفل التوقيع بعد نزول الطبعة الأولى."
لحظتها شعرت رحمة بوغزة غيرة حارقة؛ لم يذكر لها فارس من قبل شيئًا عن تلك الرواية، بل اختار دليدا ليمنحها حق قراءتها أولًا ، ابتسمت ابتسامة باردة تخفى ما بداخلها، وقالت:
"طبعا... أول الحاضرين. طب وانتوا رايحين فين كدا؟"
لمح فارس الغيرة فى عينيها، لكنه يعرف جيدًا كبرياءها القاتل. أجاب بفتور قاسٍ:
"ودا يخصك فى إيه؟ أنا مش بحب الجيران المتطفلين."
رفعت حاجبيها بدهشة ساخرة:
"متطفلين؟! دا فضول... مش تطفل."
ابتسم بخبث، وأمسك يد دليدا أمام عينيها، مما جعل دليدا تصدم وتنظر نحوه فى ذهول. ثم أكمل ينظر لعينيها ببرود قاتل:
"واحد واخد خطبته، يوريها شقته. إنتى شاغلة بالك ليه؟"
صُدم الاثنتان، يقولان فى وقت واحد:
"خطبته؟!"
رمشت رحمة بعينيها، تحاول السيطرة على صدمتها، ثم قالت ساخرة:
"خطبتك ،امته بقت خطبتك؟! لحقت إمتى يا أستاذ فارس؟ إيه الموف أون السريع دا؟"
رد ببرود يعلم ان ما سيقوله يوجعها:
"بباها عرض عليا امبارح عرض، مقدرتش أرفضه
هو فى أحلى من إن الواحد يبقى مرغوب؟ مش هو اللى يجرى ومحدش معبّره، أنا لا موفت أون ولا حاجة... أنا بس قررت مجريش ورا حد تانى. واللى يبيعنى... أبيعه."
قهقهت رحمة فجأة، حتى أمسكت بطنها من شدتها:
"طيب... طيب... مبروك عليك العروسه ،اتمنالك السعاده من قلبي ،سلام."
استدارت لتدخل شقتها، لكن صوته لحق بها:
"رحمة... استنى."
التفتت بابتسامة ماكرة وقالت:
"إيه؟ مش قولت مش هتجرى ورا حد تانى؟"
ضحك ساخرًا:
"جرى إيه وهبل إيه؟ هاتى الكتاب."
اشتعلت غضبًا، ضغطت على أسنانها، ثم صفعته بالكتاب فى وجهه، ودخلت شقتها، تدفع الباب خلفها بعنف.
كتمت دليدا ضحكتها وهى ترى فارس يمسك بأنفه متألمًا من ضربة الكتاب، ثم انحنى يلتقطه وهو يتمتم:
"آه ،يبنت ال.... "
أما رحمة، فظلت تتابعهما من العين السحرية، تراهما يدخلان الشقة، ودليدا تضحك وتضربه بخفة على كتفه بينما تثرثر بلا توقف، ثم تغلق الباب خلفها كأنها صاحبة البيت.
التفتت رحمة إلى الداخل، تضرب الأرض بقدمها غيظًا، أمسكت وسادة وضغطتها على فمها لتصرخ بداخلها.
وحين هدأت، همست فى تحدٍ:
"والله لندمك يا فارس ال..... على كل كلمة وكل حركة عملتها."
فى الداخل، وقف فارس خلف الباب، قلبه يئن مما قاله. كاد يذهب إليها، لكن صوت دليدا قطع حيرته:
"عاوز تروحلها؟"
تلعثم:
"لا طبعًا... بس... قلقان... يمكن... خلاص فكك"
ابتسمت برفق وقالت:
"هسألك سؤال، وإجابته هى الحل هى الغلطانة ولا إنت؟"
تجنب النظر إليها، واسترجع فى ذاكرته ما دار بينه وبين رحمة. ثم قال مترددًا:
"مش عارف... بس أنا قولتلها شروط عشان نكمل، وهى رفضت. اتكبرت... رغم إنى كنت صح."
وضعت دليدا يدها على كتفه برقة:
"يبقى عرفت الرد. هى اللى اتخلت عنك. الحياة مبتقفش عند حد. لو كانت بتحبك بجد، كانت هتتحدى أى حاجة عشانك. مفيش كبرياء فى الحب."
التفت إليها بعينين تائهتين وقال:
"معاكى حق. اللى بيحب يبيع الدنيا عشان حبيبه، وأنا ضحيت كتير... بس هى لأ، عمرها ما اعترفت حتى لنفسها إنها بتحبنى، وجودى أو عدمه عندها واحد."
ربتت على كتفه وهى تبتسم بحنو:
"مع ذلك... انت مش مجبر تقبل عرض بابا، وعادى لو فضلنا أصحاب، أنا برده هقف جنبك وأسندك ،أنا عاوزه اشوفك سعيد وبس يا فارس."
ابتسم فارس بحزن ممزوج بامتنان:
"أنا مقولتش كدا عشان أضايقها بس، يا ديدى ،انتى اكيد تستاهلى حد أفضل منى... بس أنا استاهل أتحب ،أستاهل يكون فى حياتى حد زيك."
لمعت عيناها، واحمر وجهها، ثم قالت بخجل واضح:
" انا عمرى مهلاقى حد احسن منك "
ابتسمت بفرح طفولى واكملت:
" يعنى... هتيجى تخطبنى من بابا؟"
شعر فارس بغصة تخنق صدره، لكنه ابتسم بلطف مجبرًا نفسه على الموافقة:
"آه... بس لازم أواجه أبويا الأول، عشان ... إحنا متخاصمين."
ضحكت بخفة وقالت:
"هو إيه دا؟ إنت مخاصم كل الناس ولا إيه؟ واد نكدى!"
ضحك هو الآخر، وقال ساخرًا:
"مليش حظ حتى مع أهلى. شفتي حد أتعس منى؟"
ردت مبتسمة:
"بصراحة... لأ."
ضحكا معًا، ثم انشغلا بترتيب الشقة، بينما أخذ فارس يحكى لها تفاصيل خلافه مع والده.
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان اليوم، رغم ما دار فيه من خلاف، مشرقًا على غير عادته؛ سماء صافية تتهادى فيها أسراب الطيور، كأن الربيع قد أطلّ على حين غِرّة، غير أنّ خلف هذا الصفاء يختبئ دومًا هدوءٌ يسبق أي عاصفة.
كان عيسى قد ارتدى ملابسه بعناية؛ قميص أبيض ناصع كلاسيكي على بنطالٍ أسود من القماش، تولّت أمّه كيّه بعنايه كباقى ملابسه ،ألقى على كتفيه معطفً طويل، ثم أمعن في تمشيط خصلاته البنية الناعمة حتى بدا أكثر وسامة، وكأنّه يستعد لحدثٍ مهم ، فتح زجاجة عطره التي لا يستخدمها إلا في المناسبات، تناثرت رذاذها السكرى على ملابسه فأنعشته، ثم انتعل حذاءه البني الكلاسيكي الذي أهداه له ابن خالته "أمجد" القادم من باريس، فزاد من هيئته بلمسه فرنسية ،لم يكن يبدو وكأنه ذاهب إلى عمله المعتاد، بل إلى لقاءٍ أهم بكثير الى قلبه.
خرج بخطوات واثقة من غرفته، فوقع بصر أمه عليه وهي تضع الطعام على المائدة،وقفت منبهره بهيئته الطاغية وهتفت بدهشه:
"بسم الله مشاء الله ،اى الشياكه دى يواد ،لا دى مش هيئه واحد رايح الشغل"
ضحك عيسى بخفة واقترب منها قائلاً:
"تسلملى يا قمر انت على Compliment اللطيفه دى .."
قهقهت ساخرة وهي تضع يدها على خاصرتها:
"كمبل ايه يعنيه ،اى الفزلكه الفاضيه دى متعدل نفسك يواد وتقولى رايح كدا على فين من ورا امك"
قهقه بدوره وقال بخفة:
"اقصد يا ست الكل انى اشكرك على المجامله الحلوه الى قولتهالى ،ورايح على فين دى هقولك عليها بعدين لما اجى"
اغتاظت منه رشا ومدّت يدها تمسك بأذنه وتقرصها وهي تقول:
"واد انت قولى رايح على فين بدل محبسك زى العيال فى البيت واقولك مفيش خروج"
تأوّه ألمًا وهو يحاول سحب يدها قائلاً:
"ليه بس كدا المعامله دى ، خلاص يستى هقولك بدل متعمليلى حظر تجول ،انبارح عرضت على رحمه انى عاوز اتجوزها ،بس الطريقه كانت مش ولا بد ،فا حسيت انها مقلقه منى ومش متاكد من قرارها، ففتحت صفحتها بليل وسهرت عليها استنتجت منها هى بتحب اى وبتكره ايه،وواضح انها بتحب اى حاجه فرنسيه قولت ومالو اديها فى الفرنساوى قعدت احفظلى كلمتين تلاته ازغلل عنيها بيهم وشوفت بيلبسوا اى ولبست زيهم وبس يا ستى دى الفوله وما فيها"
تابعته أمه مذهولة؛ كيف تبدّل ابنها من عيسى الكئيب الذي يستيقظ عكر الوجه متقلب المزاج لا يطيق لاحدا كلمة، إلى شاب يبتسم بنشاط ، متئنقا ويتحدث الفرنسية أيضًا. ضحكت قائلة:
"يحلاوه يولاد ،انا عيسى ابنى راح فين ؟ فى مثل بيقول متزعلش على الراجل لو مات ،ازعل عليه لو خاب"
انعقد حاجباه بضيق وقال:
"الله وليه الكلام الى يزعل دا بق ،وبعدين مش كنتى عوزانى احب واتحب قلبتى ليه عليا ، ولا انتى غيرانه ولا اى"
قهقهت من ملامحه الطفولية وقالت:
"يواد انا عوزاك تقيل ،انت خفيف اوى البنات مش بتحب الواد الخفيف اوى كدا ، عوزاك تبق شديد وفى نفس الوقت حنين ،انت الى تفرض شخصيتك الاول وبعد كدا تديها مساحه لشخصيتها ، كدا هتتمسك بيك مش هتسيبك وتخلع"
زفر بضيق وقال:
"يا أمى ،سبينى بالله عليكى انا هتصرف ،اقفى انتى بس واتفرجى على ابنك هبهرك ،بس بلاش تريقتك دى بق ، عشان هزعل والله"
ابتسمت بحنان وقالت:
"حاضر يحبيبى الى تشوفه ، ربنا ما يردك مكسور خاطر ابدا ،اقعد افطر بقا عشان متتأخرش على السنيوره يروح امك ههه"
ضحك قائلاً:
"كنتى ماشيه حلو اى لزمتها روح امك دى ،عمتا انا هفطر انا وهى بره ،نادى بق على ام محمد جارتك الغاليه تفطر معاكى واهو بالمره تعرفك اخبار العماره الجديده"
اندفعت تضربه على كتفه:
"اخص عليك واد ندل ،امشى يلا من هنا بخت تديك على قفاك يا مدلوق ،اهى ام محمد دى بيطمر فيها عنك"
ضحك وهو يتجنب ضرباتها المتتاليه، التقط مفاتيحه من على الطاولة وخطف قرص طعمية وضعه في فمه بخفة، فصرخت فيه رشا:
"بتاكل لى من الاكل الى انا عملاه ليه يبتاع رحمه ، خليها هى تعملك يمنحنح ،امشى يلا من هنا وابق خليها تنفعك"
دفعته نحو الباب وهو لا يكف عن الضحك، ثم التفت إليها يمسك برأسها رغم مقاومتها ويطبع قبلة على جبينها قائلاً:
"والله يست الكل ما فى حد يملى مكانك ،خليكى فرفوشه بق وبطلى نكد "
استسلمت لكلماته المعسولة فهى تعرف ضعفها أمامها وقالت مبتسمة:
"كل بعقلى حلاوه كل ،ماشى يا عيسى هعدهالك المرادى ،بخت يجى بفايده"
ضحك وهو يودعها، بينما وقفت تتابعه بنظرات أمٍّ تدعو أن يعود إليها مجبَر الخاطر.
كان يعلم أن مديره سيوبّخه لا محالة، لذلك أرسل إلى عادل يخبره أنه لن يأتى اليوم وأن يخبر مديره بأنه مريض طريح الفراش ، بعدها توجّه إلى المول في وسط المدينة. أوقف سيارته وراح يتجوّل بين واجهات المحلات حتى عثر على ما يبحث عنه، فاشتراه، ثم مضى إلى بائع الزهور واقتنى زهور التوليب البيضاء التي دوّنتها رحمة من بين أزهارها المفضلة على صفحتها.
وحين انتهى من كل شيء، قاد سيارته نحو بيتها، وقلبه يضجّ بأملٍ وحيد أن تصبح خطيبتة قريبا و يكتب لها المتبقى من عمره القادم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما هناك، على بُعد عدّة أمتار، في تلك البناية العتيقة، تحديدًا في شقّة رحمة، وقفت في شرفتها متدلّية برأسها ناحية الشرفة المجاورة، تتلمّس بنظراتها أى شيئاً قد يظهر عن فارس ودليدا، وقد تسلّل إلى مسمعها ضحكات متقطّعة وثرثرة دليدا التي لا تنتهي.
وفجأة، انفتح باب الشرفة بقوة، وخرج فارس يحمل سجادة، التقت عيناه بعينيها على حين غرّة، فارتبكت رحمة وحاولت أن تعدّل وقفتها متصنّعة أنّها تنظر إلى الاتجاه الآخر. ابتسم ساخرًا وهو يفرد السجادة، يهزّها بعزم حتى تطاير الغبار في الهواء، فخنقه السعال، ودمعت عيناه. وصل الغبار إليها أيضًا، تسلّل إلى أنفها الصغير فداعبه، فانطلقت هي الأخرى تعطس بخفّة مما جعله يبتسم رغماً عنه.
أنهى فارس تنفيض السجادة ووضعها على السور، ثم التفت نحوها بابتسامة مستفزّة جعلت الدم يتدفّق في وجنتيها غضبًا، فانتفضت ونظرت إليه بحدة، قبل أن تردّ بعصبية:
"خير! بتبصلي كده ليه؟ أول مرّة تشوف حد واقف بيشم هوا؟"
ضحك ببرود، وتظاهر بعدم الاكتراث، ثم التفت ليعود إلى الداخل، لكن صوت بوق سيارة أسفل المبنى أوقفه. عاد ثانية لينظر، فإذا بسيارة سوداء أنيقة تتوقّف أمام العمارة، يفتح بابها ويخرج منها عيسى، أنيقًا على غير عادته، يحمل بين يديه زهورًا وأكياس تسوّق فاخره. رفع رأسه إلى أعلى، والتقت عيناه بعيني رحمة،نادَى بصوتٍ يملؤه الحماس:
" رورو ،اى الاخبار ،افتحى عما اطلع عندى ليكى مفجأه "
ارتسمت على وجه رحمة ابتسامة ماكرة، وهي تلمح بوضوح الغيظ المشتعل في وجه فارس، فزادها ذلك نشوة وهي ترد بحماس طفولي:
"ايسو ، اطلع يلا هفتحلك الباب اهو "
ثم أسرعت إلى الداخل، تهمس بين ضحكات مكتومة: "جيت في وقتك."
اتجهت بخطوات راقصة نحو الباب لتفتحه، بينما ظل فارس واقفًا مكانه، قبضته تهوي على السور الخشبي بقوة، عينيه تتوهجان غضبًا وهو يتابع بنظره عيسى يدخل العمارة متباهياً، خطى نحو باب شقته ووضع عينه على العين السحرية يترقب... يريد أن يعرف ما الذي أتى به في تلك الهيئة الأنيقة، وما الذي يحمله من نوايا.
صعد عيسى السلم بطلّته المهيبة، خطواته الواثقة تملأ المكان حضورًا، لمحته الجاره وهي تخبط كفًا بكف، تهمس متحسّرة:
"جبتيه على مَلّى وشه يا بنت المحظوظة..."
بينما كانت رحمة تقف عند الباب، تنتظره بفارغ الصبر. وحينما وصل أخيرًا، استقبلته بفرحة لامعة في عينيها قائلة بإعجاب طفولي:
"اش اش اش... إيه الشياكة دي! ليوناردو ديكابريو بنفسه هنا ولا إيه؟"
قهقه عيسى بسعادة، صوته العميق يحمل خفة غير معتادة فيه، وقال بفصاحة متعمدا أثارة اعجابها:
"مش للدرجة دي يا Mademoiselle رحمة... عمتًا Merci pour le compliment اللطيفة دي."
«شكرا على المجامله»
صفقت رحمة بمرح، منبهرة، وقالت بابتسامة مشرقة:
"Oh mon Dieu, tu parles couramment le français, c'est excitant!"
«يا إلهى ،أنت تتكلم الفرنسي بطلاقة,هذا مثير»
لم يفهم عيسى ما قالته بالضبط، فهو لا يتقن الفرنسية إلا بسطحية، فاكتفى بابتسامة واسعة وهو يمد لها بباقة من الزهور:
"الورد للورد ، اخترتها توليب مخصوص عشانك"
ضحكت بخفة وهي تلتقطها منه، تحتضنها بحب طفولي:
عجبتني أوي. أنا بحب التوليب جدًا، زهرة رقيقة وجميلة أوي ، Merci...«شكرا» "
ابتسم عيسى وهو يتفحص ملامحها الهادئة، يرد بإعجاب:
"جميلة ورقيقة زيك كده،سمعت ان الى بيحب نوع ورد بيبقى غالبا شبهه"
أحرجتها كلماته حتى احمرت وجنتاها، فخبّأت وجهها خلف باقة الزهور، اما هو فقد غرق في عينيها العسليتين، سرقهم الوقت بلحظات صمت دافئة ، لكن فجأة قطع فارس هذه اللحظات الثقيله على قلبه، حين فتح باب شقته بعنف، ينظر إليهما بحدة. انتفض عيسى، التفت نحو الصوت ليجده هو ،فيغير فارس ملامحه إلى ابتسامة متصنّعة ويقول:
"أهلًا وسهلًا... عيسى باشا بذات نفسه عندنا في العمارة. العمارة نورت والله."
كتمت رحمة ضحكتها من مبالغته، اين بروده وتكبره الان ،فضحته غيرته امامها فارادت استغلال ذلك لتنتقم مما فعله معها..
أما عيسى فاكتفى بابتسامة مقتضبة:
"منورة بأصحابها."
رد فارس وهو يتفحصه من رأسه حتى قدميه، ثم قال بفتور متعمد:
"أممم... حلو الاستايل الجديد، بس تحسه قديم شوية، كأنك طالع من فيلم لعبد الحليم. وبعدين... رحمة مش بتحب التوليب، بتحب الأوركيدا."
كاد عيسى يرد، لكن رحمة قاطعته سريعًا، وضعت يدها على كتفه بخفة ، وأجابت بدلال متعمد لتثير غيرة فارس:
"تعرف يا عيسى... أنا بحب عبد الحليم أوي. وكمان بحب التوليب أكتر من الأوركيدا. فبجد... إنت أبهرتني النهارده. لدرجة إني هعزمك على الغدا... ومن إيديا كمان. إيه رأيك؟"
ارتسمت على وجه عيسى ابتسامة واسعة وهو يرد:
"طبعًا موافق... دي حاجة تترفض؟ وبالمرة أوريكي الهدية اللي جبتهالك."
أما فارس فوقف يشتعل غيظًا، قبضته تنغلق بجانبه، يكاد يتفجر ،لمسة خفيفة على كتفه من دليدا أعادته قليلًا للهدوء، قالت بنبرة هادئة:
"يلا ندخل نكمل... وسيب كل واحد على راحته."
ابتسمت رحمة وهي ترفع خصلة شعر خلف أذنها برقة:
"يلا يا ايسو ندخل جوه... عشان فيه جيران هنا متطفلين."
ضحك عيسى، فقد شعر بشئ غريب بينهم ولكنه أعجبه دلعها له لأول مرة فسايرها وهمّ بالدخول امامها، دفعت هي الباب ببطء في وجه فارس، الذي نظر نحوها بضيق لم يحاول أن يخفيه. ما إن أُغلق الباب حتى أسرعت رحمة لتقف على أطراف أصابعها، تتابع من العين السحرية. رأت دليدا تفرد أصابع فارس المكبوتة وتتمسك بها بلطف وهي تقول:
"يلا ندخل... هي الخسرانة."
لكن فارس تمتم بصوت مشبع بالمرارة:
"دي النهاية يا رحمة... مفيش منها رجوع خلاص."
ثم دخل مع دليدا وأغلق الباب خلفه.
في الداخل، وضع عيسى ما في يده على اقرب طاولة، التفت فوجد رحمة واقفة خلف الباب مثل طفلة متلصصة يفضحها فضولها.
ناداها بحزم:
"رحمة... واقفة هناك بتعملي إيه؟"
انتفضت وهى تلتفت وتقول بتلعثم:
"أنا؟ لا... مفيش. مش بعمل حاجة."
قال بنبرة آمرة تحمل شيئًا من الجد:
"خدي... تعالى هنا. عاوزك."
اقتربت بخطوات بطيئة، تعض على شفتها حتى وقفت أمامه كطفلة مدللة
قال وهو يرمقها بضيق:
"أنا سبتك تكملي التمثيلية اللي عملتيها برّه دي بمزاحي... عشان الجو دخل دماغى ،ايسو ودلع وبتاع ، بس أنا مش عبيط ،حالًا تفهميني... إيه الحوار الى بينك وبين الواد ده؟"
خفضت عينيها بخجل، ثم رفعت نظرها بتردد وقالت:
"آسفة لو ضايقتك... بس أنا وهو متخانقين، وممكن ما نتكلمش تاني أصلًا. كنت بس بغيظه وكده."
رفع يده بفرحة لم يخفها وهو يقول:
"يفرج الله! تب والله ده أحلى خبر سمعته النهارده، اخيرا شوفتكم متخانقين"
ثم اعتدل في وقفته، صوته اكتسب صرامة خفيفة:
"بس تضايقيه ليه؟ وليه يشغلك أصلًا؟ أوعي تكوني بتحبيه وبتستغليني عشان تضايقيه. أنا مش هفأ يا رحمة... والله أدفنك مكانك لو ده اللي في دماغك."
أسرعت ترد بلهفة:
"لأ لأ... أنا فعلًا كنت بغيظه، بس مش حب والكلام دا عشان احنا صحاب من زمان وكدا ، يعنى مش بستغلك ولا حاجه وبعدين... هو مبقاش يهمني أصلًا."
اقتربت أكثر، همست برقة:
"إنت اللي باقيلي في الآخر يا ايسو."
تزلزل داخله من كلمة واحدة سلبت قوته، حاول أن يتماسك متصنعًا الصمود:
"ماشي... هعمل نفسي مصدقك. بس بشرط... توعديني إنك فعلًا هتقطعي معاه."
شعرت بوخزة في قلبها، لكن فارس هو من أجبرها على هذا القرار. رفعت عينيها إليه وقالت بتعهد صادق:
"أوعدك."
ابتسم عيسى براحة، وقال بخفة:
"تب يلا... روحي الأول اعمليلي فطار ،عشان أنا ما فطرتش. سايب الشغل النهارده عشانك."
قهقهت بخفة وهي ترد بمرح طفولي:
"ينهار أبيض! وأنا مش هخليك تندم على القرار ده. هدوقك المربى اللي عملتها بالتوت... تحفة،هتحبها اوى، وآه تحب البيض أومليت ولا بالبسترمة؟"
قهقه قائلًا:
"أحبه من إيدك حتى لو عملتيه بقشره... هاكله برضه."
ابتسمت بخجل، واتجهت إلى المطبخ تعد الفطور، بينما جلس هو يهيئ نفسه لما سيقدمه لها...
بعد أن كان كلٌّ منهم واثقًا بخياره، انجرف الطريق بهم إلى اختيارات أخرى لم تخطر على بال. لكن، هل ستستمر تلك الطرق المتقاطعة، أم أن قلوبهم المرهَقة، التي تنضح بالحب، ستستسلم في النهاية لنداء هواها وتعود إلى مأمنها من جديد؟ لا أحد يعلم... فما زالت السطور تخفي بين طياتها ما يخبئه القدر لهم. وما ينتظرهم، وينتظركم، لا يزال أعظم. فترقّبوا.
.......نهايه البارت.....
شكرا من ينتظر كلماتى بصبر احبكم فالله ،لا تنسوا تعليقاتكم التى تدخل السرور لقلبي ،استودعكم الله ❤️
shimaa Reda