كفان لوثهما الدم

كفان لوثهما الدم

8 0

مضى الشتاء بقسوته، وتوالت الأعوام تُطوي في طياتها ذلك اليوم القاسي، كصفحةٍ مظلمةٍ تُصرّ الذاكرة على الاحتفاظ بها. حاولت رحمة أن تتناسى، أن تُقنع قلبها بأن البدء من جديد هو الطريق الوحيد للنجاة، لكن تلك التي حُسِبت ظلمًا على الأمومة لم تتركها تنسى؛ كانت تُلقي عليها اللوم وكأن الذنب ذنبها، وتضعها في كفة الجاني لا الضحية.

أي ذنب ارتكبته طفلةٌ لم تعرف من الدنيا إلا براءتها؟ أكان جُرمها أن ملامحها حملت أنوثةً مبكرة، وأن وجنتيها تورّدتا كالزهر إذا داعبه البرد أو الحر؟ منذ متى يُعاقَب المرء على مظهره؟

لم تكتفِ بحرمانها من الأمان، بل نزعت عنها ما تبقى من فتات طفولتها؛ لم تسمح لها بارتداء الفساتين التي تزيّنت بها قريناتها، وجعلت شعرها الذي كان كالتاج فوق رأسها، ناعمًا كالحرير ضحية مقصٍّ غليظ تحت وطأة التهديد والإجبار. وكلما سنحت الفرصة، عمدت إلى تشويه ملامحها البريئة بالتعنيف والضرب، حتى غدت الحياة حولها أشبه بجحيمٍ متواصل.

ومع ذلك، بقي في أعماق رحمة يقينٌ خافت، كجمرةٍ لا تنطفئ" أن ربها ما كان ناسيًا، وأن للعدل ساعة لا تتأخر."»

________________________

انطفأ شعاع الشمس شيئًا فشيئًا، كعود كبريت أشعلته لتدفئي يديكِ، لكنه لم يدم طويلًا. كذلك الليل، يأتي لا محالة، ببرودته اللاذعة وسواده الكثيف. في ليالي الشتاء، نادرًا ما تتراءى نجوم أو يسطع قمر؛ فالسحب السوداء تؤدي مهمتها في حجبهم عن أعين البشر.

في سكون ذلك الليل المظلم، توقّفت سيارة عيسى أمام مطعم العم بكري للوجبات السريعة. فتح الباب لتخرج رحمة، تلوّح له مودِّعة، فيبادلها هو التحية قائلًا:

ــ "هستنى ردك يا هانم، متتأخريش عليّا."

ابتسمت رحمة وهي تلتفت لتغادر، غير مبالية بكلماته، تاركة باب السيارة مواربًا. مدّ يده ليغلقه، وهو يتمتم في نفسه: "المستفزّة اللي جلطاني دي... ."

تابعها بعينيه حتى دخلت المطعم، ثم أدار محرك سيارته وانطلق. لم تمضِ دقائق قليلة حتى توقفت سيارة أجرة، خرج منها فارس، مثقل الفكر، خطواته بطيئة متثاقلة، كأن همًا غليظًا يقيد قدميه، متجهًا نحو باب المطعم ليستلم مناوبته فى العمل.

في الداخل، كانت رحمة قد سبقته، ألقت التحية على العم بكري، واستلمت زيّها الخاص بالعمل، ثم انشغلت بخدمة الزبائن. وبينما كانت تدون طلب أحدهم، وقعت عيناها على فارس وهو يعبر نحو الداخل، بدا شاردًا، كأنه عالق في أفكاره. أسرعت بإنهاء الطلب، ثم لحقت به منادية:

ــ "فارس! فارس!"

التفت إليها بوجه متعب وقال:

ــ "جيتي امتى؟"

ابتسمت بخفة وأجابت:

ــ "لسّه واصلة من شوية، عمّي بكري سأل عليك قولتله إنك جاي فى الطريق. كانت إيه مشكلة صاحبك؟"

تلعثم قليلًا، وكأن الكلمات خانته، ثم قال:

ــ "اه... هقولك بعدين، خليني أروح أستلم الشيفت عشان متأخرش."

لمحت ارتباكه، ورأت بوضوح أن وراء عينيه ما لم يُفصح عنه. لكنها اكتفت بابتسامة صغيرة وهي تقول:

ــ "تمام، ماشي. نكلم بعدين."

أومأ برأسه ومضى. أما هي، فعادت لتسلم الطلبات إلى المطبخ، ثم خرجت مسرعة لتستقبل زبائن آخرين.

مضت الساعات في انشغال دائم، كلّ يؤدي عمله في صمت. رحمة تتنقّل بين الطاولات، تجمع الطلبات وتقدمها بابتسامةٍ خفيفة رغم التعب، وفارس يخرج محملًا بالطلبات فوق دراجته البخارية.والهواء البارد يصفعه كالسياط، لا تنفع معه خوذته السوداء ولا سترته الثقيلة ولا حتى قفازاه الجلديان. البرد في ذلك اليوم كان أشدّ من أن يُقاوَم. ومع ذلك، ظل يشقّ عتمة الشوارع، يقف عند مناطق مختلفه ليسلّم الطلبيات،ثم يعود أدراجه ليواصل بقية الليلة، محمّلًا ببرودة الجو وثقل ما يشغل عقله.

حَينما دَقَّت الساعةُ الثانيةَ عشرة، عاودت السماءُ إعلانَ حربها من جديد؛ المطرُ يصفع زجاجَ السياراتِ وكذلك خوذةَ فارس حتى كادت تمنعُهُ رؤيةَ الطريق. خفّض سرعته، لكن العاصفةَ ازدادت شراسةً. كانت تلك آخرَ طلبياتِه؛ وكان يتخيّل أن يعود بعدها إلى البيت، يدفئ أصابعه المتجمدة أمام المدفأة، ويتبادل مع رحمة أطراف الحديث كما اعتدا. غير أنّ ما قاله والد دليدا ظلّ يثقل صدره؛ قرارٌ لا مهرب منه أن يصارح رحمة بالحقيقة، ويؤكد لها أنها أثمن من أي عرضٍ قد يُغريه.

وبينما هو غارق في شروده، والبردُ والمطرُ يصفعان جسده، وصل أمام آخر بيت ،مبنى قديم، جدرانه تلطخها الرطوبة، والمصباح الوحيد في مدخل السلم يتأرجح ضوءه الأصفر الباهت كشمعةٍ تحتضر.

صعد السلالم بعدما وجد المصعد معطّلًا، وكل خطوة تصدر صريرًا خشنًا كأنها تحتجّ على وجوده. ضغط الجرس مرارًا، ولم يكن هناك جواب سوى صمت ثقيل يقطعه هدير المطر على النوافذ. فجأة دوّت صرخة من الداخل، حادة كالسكين تخترق أذنيه. تسرّب الذعر إلى جسده، وبدأ يطرق الباب بعنفٍ ويرنّ الجرس بلا توقف.

انفتح الباب فجأة، فإذا بشاب في مقتبل العمر، رائحته فائحة بالدخان، وعلى وجهه علامات الغضب، يقول بحدّة:

ــ "فيه إيه يا أخ انت بتخبط كده ليه؟"

ارتبك فارس وقال معتذرًا:

ــ "معلش آسف، دا الأوردر تبع حضرتك."

مد يده بالطرد والفاتورة. أخذهم الشاب ومضى إلى الداخل ليأتي بالنقود ،فجأه لفتَ أنظارَه خروجُ فتاةٍ مسرعةٍ من الغرفة، شعرها مبعثر، رأسها ينزف دمًا، وعلى وجهها كدمات قاتمة، أمسكت بياقت فارس وهي تلهث، قائلة بتوسّل:

ــ "بالله عليك، ساعدني."

قبل أن يتمكن من الرد، اندفع شاب آخر من الداخل، صوته يزمجر:

ــ "تعالى هنا يا بنت ***"

اقترب منها، سحبها من شعرها بعنف حتى سُمعت أنفاسها المتهالكة ،شعَر فارسُ بالذُّعرِ والإحراج، لكن رجولته سبقته، فأمسك بالفتاة محاولًا انتشالها من بين يديه، وصاح:

ــ "انت بتعمل فيها إيه يا مخبول انت؟ سيبها احسنلك."

انفجر الشاب غيظًا، جذبها بقسوة من يد فارس، ثم دفعها على الأرض لتسقط باكية، نظر إليه بغضبٍ وقالَ بلهجةٍ مهينةٍ

ــ "وانت مال امك يواد انت؟ انت مين اصلا واى حشرك في اللى ملكش فيه؟"

أحسَّ فارسُ بالإهانة حين ذُكرت أمه، فاندفعَ إليهِ وهاجمهُ بلكماتٍ حتى تورّم وجهُه، عندها عاد الشاب الآخر الذي ذهب ليحضر المال، ورأى صديقه يُبرح ضربًا من فارس، فانقض عليه من الخلف، سحبهُ إلى الحائطِ وأخرج مطوّة، بريقها يلمع تحت الضوء المرتجف في الممر، ووضعها على عنق فارس صارخًا:

ــ "انت مين يب******، دا انا ه*****"

انهال عليه بالسبّ والشتائمُ، فرد فارس والغضب يتدفّق في عروقه:

ــ "هو انت كدا دكر يعنى لما ترفع عليا مطوه؟ لو جدع قابلنى راجل لراجل."

ضحك الشبانُ بسخريةٍ، فنادى الذي يمسكه على رفيقه:

ــ "الحق يا حازم، شوف الواد التوتو دا بيقول اى ،تصدق خفت ،إيه رأيك أقابله راجل لراجل واقتله واتاويه فى أى حته؟"

ردّ حازم ساخرًا وهو يتحسّس آثار لكمات فارس على وجهه:

ــ "لا، سِبْهولي، أنا أواجه راجل لراجل."

ضحك فارس رغم أوجاعه قائلاً:

ــ "تب ما دا حصل يسطى وطلعت فى الاخر أنسه."

زفر حازم غضبًا، انقض عليه يلكمه في وجهه، فيما الآخر يهدده بسنّ السكين على بطنه، حتى شعر فارس ببرودة المعدن تلسع جلده،فأى دفاعاً منه قد يكلفه حياته.

تتساقط الضربات على جسده كالمطر الذي ينهال خارج النوافذ، حتى عجز عن المقاومة وسقط أرضًا،والركلاتُ تتناثرُ على جسدهِ فتتركُ آثارًا ظاهرة

رأت الفتاة المشهد، وصرخت باكيه:

ــ "حرام عليكم سبوه سبوه، هعمل اللى انتوا عوزينه بس سبوه يمشى، ملوش زنب."

توقّفا عن الضربِ أخيرًا، وكان فمه وأنفه ينزفان دمًا، يقطر على البلاط البارد.

جذب أحدهم زميله جانبًا وقال همسًا:

ــ "كفاية عليه كدا يا شق، وسيبه يمشى ليموت ويجبلنا مصيبه. وكدا كدا البت لانت خلاص."

فرد الآخر:

ــ "طيب لمّ أى حاجه معاه، هنزله من هنا بهدومه بس."

ابتسم ابتسامةً شيطانيه فقد راقت له الفكره فتقدّم نحو فارس الممدّد، أخذوا كل ما يملك؛ ماله، هاتفه، وحتى مفاتيح الدراجة النارية الخاصة بالعمل. حاول فارس أن ينهض ليدافع عن نفسه، لكن زمجر فيه أحدهم:

ــ " لو خايف على نفسك تغور من هنا ،واياك تفكر تعمل حركه كدا ولا كدا، هجيبك واصفيك. ولو جدع جرّب بختك معايا."

وقف فارس بتثاقل ينظر إليه بغضبٍ مكتوم، لكن ما بيده حيلة؛ فهُم أكثرَ عدداً وعنفًا منه، ولو بقي لقتلوه. فتحوا الباب، يدفعوه إلى الخارج، قال أحدهم باستهزاء:

ــ "متنحش يالا وغور يلا، واحمد ربنا إني سبتك عايش."

لمح فارس الفتاة جالسة على الأرض، تبكي وشفتيها تهمسان باعتذارٍ صامت، بينما أحدهم يجذبها من شعرها إلى الداخل، قبل ان يصفع زميله الباب فى وجهه .

نزلَ فارسُ الدرجَ بخطىً متعثّرةٍ، يشعرُ بأسىٍ على ما تبقّى من رجولته، وحين بلغ الأسفل، سقط على ركبتيه، ضرب الأرض بقبضته، وامتزج نزيف أنفه بدموعه الساخنة. همس مؤنّبًا لذاته:

ــ "فارس الجبان البت استنجدت بيك وانت عملت إيه؟ ولا حاجه. حتى ماعرفتش تحمي نفسك. والفلوس الأمانه والمكنة كله راح. غبي... وجبان."

ظل يجلد نفسه بالكلمات، والمطر يتهاوى فوقه يغرقه حتى التصقت ملابسه بجسده المنهك من الضرب ،تردّد في إبلاغ الشرطة، لكنّ فكرةً أخرى لمعَت في رأسه شعورٌ بالانتقام والغضب يغلي بداخله، كبركانٍ محبوسٍ تحت طبقة رقيقة من الأرض، ينتظر لحظة الانفجار.

كانت رحمة في ذلك الوقت قد أنهت مناوبتها، والمطعم قد خلا إلّا من عمال النظافة الذين يلمّون بقايا اليوم. حتى العم بَكري كان يهمّ بالخروج حين لمح رحمة جالسة وحدها على إحدى الطاولات، تستند بكفها إلى خدها.

توقف أمامها وسألها بنبرة أبوية:

"مروحتيش ليه يا بنتي، الجو برد؟"

ابتسمت له رغم التعب، وقالت:

"مستنيّة فارس يرجع... اتأخّر أوي. آخر مرة كلّمتُه قالي إنه هيوصل آخر طلبية. دلوقتي برنّ عليه بس مفيش رد."

حاول الرجل أن يطمئنها:

"متقلقيش يا بنتي، يمكن سايق ولا حاجة، وانتي شايفة الجو عامل إزاي. شوية وهتلاقيه وصل. وابقى اقرصيله ودنه عشانّي."

ضحكت رحمة بخفة، كأنها تُقنع نفسها بالاطمئنان:

"حاضر يا عم بَكري... روح انت عشان متتأخرش على البيت. ولو حابب تقفل، أنا هخرج استنّاه برّه."

لوّح بيده معترضًا بسرعة:

"لأ لأ، خليكي. أول ما ييجي وتطمني عليه اقفلي المحل. وزميلكم مسعد جوّه ابقوا امشوا سوا."

أومأت برضا، قائلة بابتسامة هادئة:

"تمام... تسلم."

غادر العم بَكري وهو يلوّح مودّعًا، ثم ركب سيارته عائدًا إلى بيته، حيث ينتظره أطفاله ليُدفئهم بطلّة حضوره.

أما رحمة، فظلّت جالسة في مكانها، مثقلة الفكر، يزدحم صدرها بقلق غامض. أحسّت بوخز حادّ في قلبها، حدسها يهمس بأن مكروهًا ما قد أصاب فارس.

--------------

ظلَّ فارس يتنقّل من مكانٍ إلى آخر، كجمرةٍ تتقاذفها الرياح، يشتعل الغضب في داخله فيما المطر يبتلعه حتى ساقيه. كان يحاول أن يوقف بعض المارّة المهرولين تحت شدة المطر، لعلّه يستعير من أحدهم هاتفًا، لكن لا أحد التفت إليه، بل إنّ بعضهم ظنّه لصًّا أو متسوّلًا.

حين بدأ اليأس يتسلّل إلى صدره، جلس على مقعدٍ خشبيٍّ على جانب الطريق، جسده يرتجف من شدّة البرد، حتى وقعت عيناه على هاتفٍ عموميٍّ غير بعيد. انفرج قلبه وكأنّه لمح شعاع أمل أخير، لكنّ الأمل سرعان ما انطفأ حين تذكّر أنّه لا يملك نقودًا. زفر بضيق، وسبّ أيّامه قائلاً:

"ولاد ****، انا عارف ان يومى هيقلب نحس عشان كدبت عليها، اتصرف ازاى دلوقتى..."

لكنّ كلماته انقطعت حين وقف أمامه رجلٌ عجوز يحمل مظلّة، ينظر إليه بعطفٍ قائلاً:

"قاعد كدا ليه يبنى؟ محتاج مساعده ولا حاجه عشان تروح؟"

لم يتمالك فارس نفسه، فبكى حين شعر أخيرًا أنّ أحدًا التفت إليه وسأله عن حاله. مدّ الرجل يده وربّت على كتفه مواسيًا:

"اهدى بس واحكى مالك."

تمتم فارس بصوتٍ متهدّج:

"الله يخليك يا حاج عشان عطلت نفسك عشانى... بس ممكن اسألك سؤال؟ هو حضرتك معاك تلفون؟"

ابتسم العجوز بلطفٍ يطمئنه:

"معايا اكيد، اتفضل."

تناول فارس الهاتف منه، واستأذنه أن يبتعد خطوات قليلة، فأومأ الرجل بالإيجاب. لم يدرِ فارس إن كان هذا طيبةً أم جنونًا أن تأمن لشخصٍ لا تعرفه، لكنّه لم ينس أنّه هو نفسه خسر كل ما يملك يومًا لأجل فتاةٍ استنجدت به.

كتب فارس الرقم الذي يحفظه عن ظهر قلب، وما إن اتصل حتى جاء صوتها المرتبك عبر السماعة:

"الو مين؟"

أجاب سريعًا:

"انا فارس يا رحمه، الحقينى انا فى مصيبه."

تعلّق صوتها بالقلق:

"مصيبه اى بس! انت كويس؟ حصلك حاجه؟"

قال متردّدًا، يخفي حرجه:

"انا كويس... بس عوزك تيجى حالا على العنوان اللى هقولهولك. متعرفيش حد انك جيالى وتعالى بسرعه."

لم تتردّد رحمة، وافقت على الفور، لم تسأله الكثير، فقد كانت تعلم في أعماقها أنّه يمرّ بأمرٍ جلل. همّت بالمجيء بينما أعاد فارس الهاتف للرجل، شاكرًا له بصدقٍ مساعدته. ابتسم له العجوز، ثم أخذ هاتفه ومضى في طريقه، فيما ظلّ فارس يتابعه بعينيه وهو يبتعد شيئًا فشيئًا.

جلس بعدها ينتظرها، قلبه يخفق بقلق، وصبره يتآكل مع كل لحظة.

لم يمضِ وقت طويل حتى وصلت رحمة. نزلت من سيارة أجرة، فتحت الباب على عجل واندفعت للخارج، فصفعها المطر فورًا؛ فتحت مظلتها ووقفت تعبث بعينيها تَبحث في المكان. دفعت للسائق الأجرة، ثم ابتعدت السيارة، فتابعت رحمة طريقها بحثًا عنه. وجدته جالسًا على أحد المقاعد الخشبية، يسند رأسه بيده، وأمطرته السماء حتى غدت ملابسه شبهُ شفافةٍ مبللةٍ بالماء والدم. اقتربت منه، ووضعتِ المظلة فوق رأسه، ونَدتْ عليه: "فارس!" رفع رأسه، فرأت آثار الضرب والدماء التي تجمعت حول شفتيه. اجتاحها غضبٌ ساخنٌ، لكنه تلاشى حين فاجأها بعناقٍ وهو يبكي بصمت. شعرت بجسده البارد وقلبه المحطّم تحت ذراعيها؛ بادَلَته الحضن وطمأته بيدها على ظهره، ثم قالت: "اهدى بس وقولي إيه اللي حصل بالظبط ومين اللي اتجرأ وعمل فيك كده؟"

هدأ قليلًا وترك حضنها ببطء، كأن جزءًا منه لا يريد الإفلات. جلست بجانبه، ووضعت يدها على كتفه، فبدأ يقصّ ما حدث رغم اهتزاز ذقنه من البرد.

كانت رحمة تغلي غضبًا مع كل كلمةٍ يرويها؛ وعيناها تلمعان بالثأر. لما أنهى، انتفضت قائلة بحدة: "يعني انت سايب البنت فوق معاهم؟ الله واعلم بيعملوا فيها إيه؟"

أنزل فارس رأسه خجلًا وألمًا، وقال متلعثمًا: "متقطميش فيا يا رحمة، أنا عملت اللي أقدر عليه... اتكتروا عليا ومعاهم سلاح."

ثم صاح بغضب وحسره: "عايزاني أعمل إيه؟ أموت نفسي عشان واحدة معرفهاش؟ مش كفاية الفلوس والمكنة بتوع الراجل اللي راحوا؟"

زمجرت رحمة بغضب: "فلوس ومكنة إيه يا عديم الرجولة؟ هما أغلى منها يعني؟ وأي واحدة متعرفهاش دى يعني لو أنا كنت مكانها كنت هتسبني؟"

زفر فارس بضيق وركل الأرض بقدمه: "لا يا رحمة، ماكنتش هسيبك... كنت شربت من دمهم واحد واحد." ابتسمت له قليلاً، واقتربت منه فأمسكت رأسه برفق ورفعته، فتقابلت عيناهما. قشعر بدنه حين قرأ في عينيها تلك اللمعة المألوفة لمعة الانتقام. قالت بهدوءٍ وهى مازالت تبتسم ببرود "تيجي نشرب من دمهم سوا؟"

ابتلع ريقه وسأل متلعثمًا: "رحمة، أنتِ ناوية على إيه؟"

ردّت وهي تفتش في حقيبتها كما لو أنها كانت تُعدّ شيئًا مُخبّأً خصّيصًا لهذا اليوم

"هعمل اللي جبتني هنا عشانه يا فارس."

صمت للحظة، فقد كان هو نفسه قد اتصل لأجل هذا. قال مترددًا: "طيب، هنعمل كده إزاي؟" ابتسمت وهي تُخرج قَصّافة أظافرٍ صغيرة،

فقال بسخريةٍ موجوعة: "هتعملي كده بقصّافة؟ ناوية تعذّبيهم بقصّ ضوافرهم لحد اللحم ولا إيه؟" ضحكت رحمة، ثم ضغطت على جانب القصّافة فانبثق منها، بلحظةٍ خاطفة، سكينٌ حادٌّ مخبأ في ظهرها. لمع نصلُه تحت ضوء السماء الخافت، وتَتَساقطُ قطرات المطر على حدّه. نظر فارس بدهشةٍ وهو يدرك أنها دائمًا ما تستعد لمثل هذه اللحظات. أعادت رحمة السكين داخل القصّافة، وقالت بحزمٍ: "مش وقت الاندهاش؛ لازم نحط خطة."

جلس فارس يستمع بانتباه، وشرعت رحمة تروي له تفاصيل الخطة بدقةٍ، عيونُهما تلمعان بعزيمةٍ باردةٍ بين نار الانتقام وبرودة الليل المُمطر،تنوى لهم على شيئاً مفرح ولكن لقلبها هى ،،،

وضعا خطتهما بعناية، ثم دلّها فارس على العمارة والدور الذي تقع فيه الشقة. تقدّمت رحمة بخطوات واثقة، تُخفي تحت ثباتها ارتجاف السلم الإسمنتي الذي بلّله المطر، ذاك المطر الذي أصرّ الليلة على إغراق المدينة بلا رحمة. وقفت أمام الباب. طرقةٌ عدة مرات ،لم يجب أحد. لحظة صمتٍ ثقيلة ،ثم تسرّب إلى مسمعها صراخٌ مبحوح، ذاك الصراخ نفسه الذي حدثها عنه فارس من قبل. قبضت على حقيبتها بغضب يتأكل قلبها بثقل الوقت.

فجأة، انفتح الباب. ظهر أمامها شابٌ مترنّح، عيناه نصف مغمضتين تفوح منه رائحه الخمر، تفحصها بنظراته من رأسها حتى قدميها، قبل أن يقطّب ابتسامة ساخرة:

"عوزه مين يا مزّة؟ شكلك غلطانة في العنوان."

ابتسمت رحمة ابتسامة صغيرة، كأنها ترتدي قناعًا مُتقنًا، وردّت بصوتٍ رقيقٍ متصنّع:

"هو مش دي عمارة ١٤ برده؟"

اتكأ الشاب على إطار الباب، وقال ببطءٍ متثاقل:

"لا... شكلك غلطانة فى العنوان ،العماره الى عوزاها بعيد هنا بشويه"

أبدت دهشة مصطنعة، رفعت حاجبيها بحركةٍ توحي بالانزعاج، وأجابت:

"أوف... شكلي كدا غلطت في العنوان. آسفة لو ضيقت حضرتك في وقت زي دا. عن إذنك."

استدارت لتغادر، لكن صوته استوقفها، نبرة حادة تحمل فضولًا متغطرسًا:

"هو انتي إيه خارجك فى وقت زى دا اصلا يا آنسة؟ ورايحة لمين؟"

دارت عيناه فى المكان بتفحص واكمل حديثه

" هو فيه حد معاكي؟"

ابتسمت رحمة في داخلها؛ هذه كانت الخطوة التي انتظرتها. التفتت إليه متلعثمة بدهاءٍ مُتعمّد:

"أ... أ أصل كنت رايحة لواحدة صاحبتي أبات عندها... عشان أنا سبت البيت... وبعدين إنت مالك يا أخ؟"

لم يُجب. اكتفى بابتسامةٍ شيطانية، ثم مدّ يده فجذبها بقوةٍ إلى الداخل. أغلق الباب وراءه، والقهقهة تخرج منه بقذاره:

"رايحة فين؟ تعالى بس... هقولك حاجة جوا. ما تبقِيش قفوشه."

صرخت متصنعة الذعر، شدّت يدها محاولة الإفلات:

"سيب إيدي يا حيوان! بتشدّني ليه كدا؟"

لكنه دفعها بلا رحمة، وقال بلهجة فجة:

"متقلقيش... هتاويكي هنا لحد ما الدنيا تبطل تمطر بس."

حينها التقطت رحمة لمحةً سريعة للداخل؛ لاحظت ان الآخر كان منشغلًا بجريمته. لمعت عيناها فتقرّبت بخطوات محسوبة، جسدها يتلوّى برقة أنثوية تخفي خلفها نيةً قاتلة. قالت بصوتٍ حلوٍ مُفتعل:

"تمام... معنديش مشكلة. أقعد شوية صغيرين... ممكن تجيبلي حاجة أشربها يا حلو؟"

ارتبك للحظة أمام تغيرها، ثم ابتسم ابتسامة فجّة كالابله، وقال بنبرةٍ شهوانية:

"أيوه كدا... تعجبيني. إيه الحظ دا؟ اتنين في ليلة واحدة! استنيني هنا على الكنبة... هجيب حاجة نشربها سوا."

أومأت بهدوء. وما إن استدار، حتى أخرجت رحمة القصافة من كم يدها. ضغطةٌ صغيرةٌ أطلقت النصل الرفيع. انقضّت بخفةٍ مدروسة، غرست السكين في رقبته في موضع تعرفه جيدًا-موضعٌ يقطع الصوت قبل أن يُولد، ويذيب القدرة على الكلام في دمٍ حارّ متدفق.

سحبت نصله فيشهق الشاب، تراجع مترنّحًا، يده ترتجف على عنقه. الدم بدأ ينساب دافئًا بين أصابعه، صوته تكسّر في حنجرته، والدهشة تجمّدت على ملامحه. عيناه توسّلتا بلا جدوى.

اقتربت رحمة أكثر، ضحكت ضحكة قصيرة، وانحنت لتهمس في أذنه بصوتٍ باردٍ :

"الغدر وحش... صح؟ إيه رأيك في الكاس اللي سقتهولك دا؟"

كان يتخبط بين الحياة والموت، لم يقدر على النطق، فكانت عيناه تتوسّلان وهي تراقب ارتعاشاته المتقطعة. ضغط بيده على رقبته محاوِلاً أن يُقلّص نزيفه لكن أعصابه انسابت تحت وقع الصدمة جسده يترنّح و انهار على ركبتيه، عيونه تترقّب رحمة منها ولكنه يلتمس عفوًا لا وجود له.

فقدت صبرها من توسلاته. دفعته فى منتصف صدره بقدمها بقسوةٍ فوقع ممددًا على الأرض، التفّت من حوله بتمخترٍ وكأنها ممثلةٌ تؤدي مشهد النهاية؛ خطواتها على السراميك البارد كانت كقرع طبل إيقاعي يواكب آخر ارتعاشات جسده. رأت انتفاضاته الأخيرة نظرت إلى المشهد بعينٍ باردة، كأنها تراقب مسرحيةً سوداء تصل إلى ختامها. ومع كل رعشة كان يزداد بريق الاستمتاع في عينيها.

توجَّهت رحمة نحو الباب، أشارت لفارس المختبئ على السلم. تقدّم بخطواتٍ محسوبة، يُخرج قفازاته ويرتديها كما أوصته مسبقًا، حتى لا يترك أي أثرٍ خلفه. اقترب منها مسرعًا، يهمس بصوتٍ متوجس:

"عملتى إيه؟"

أفسحت له الطريق ليدخل، فانكشفت أمامه صورةٌ ثقيلة: الشاب ممددٌ على الأرض، الدم يتدفّق من رقبته ويتجمّع تحته في بركةٍ قاتمة. جسده ما زال ينتفض ارتعاشًا بين الحياة والموت، الهدوء المشحون بالدم قُطع بصرير باب آخر. خرج شاب ثانٍ من الغرفة، صوته عادي، غير مدرك ما ينتظره

"يا شَق أنا خلصت لو عاوز..."

تجمّدت عبارته حين وقعت عيناه على صديقه الغارق في دمه، وهذان الغريبان يقفان إلى جواره انقض صارخًا، عينيه تشتعلان غضبا : "ا ايه ا انتوا عملتو فى صاحبى اييييه!" جثا بجوار جسده، يضغط بيد مرتعشة على الجرح، صرخ كمن يستدعي روحًا تغادر:

"أحمااااد يا صاحبي فوق... بالله عليك فوق متسيبنيش!"

ولكن لا حياة حقاً لمن تنادى فشهدت عيناه لمعه الحياه وهى تختفى من اعين صديقه ارتعش جسده حزنا يغمس بالغضب ينظر اليهم وقد تحجرت بمقلتيه الدموع ..

عندها ضحكت رحمة ضحكةً باردة وهي تركل الباب فتغلقه خلفها، تُخرج قفازات من حقيبتها وترتديها بخفةٍ متمرّسة، ثم قالت ساخرة:

"إيه؟ المشهد هنا يختلف عن جوّه في إيه؟ ولا هو حلال فيها وحرام في صاحبك؟"

ترك الشاب صديقه، والغضب يغلي في عروقه. انتفض واقفًا، أخرج مطوته، فتحها بيدٍ مرتجفة ، وهتف بتهديدٍ هائج:

"بق انت رايح جايب دى تخدلك حقك ؟ قتلتوا صاحبي غدر وعلى خوانه بس انا لا لحمى مر اوى ـ..."

رد فارس بغضبٍ حاد:

"عشان انت وصاحبك وسخين بتعتدو على وحده لا حول لها ولا قوه واهو جزاكم تبقا نهايتكم على إيد ست برضه."

ثم ابتسم بزاوية فمه، يتفاخر وهو يشير إليها:

"ومش أي ست... دي أكبر سفاحة رجالة فيكى يا البلد، مموّتة فوق الميت واحد قبلك."

قهقهت رحمة بخفة، وضربت كتفه قائلة:

"تسلم يا سطّا على المدح الفخم دا."

أجابها فارس بمزاحٍ مُقتضب:

"دي أقل حاجة عندي."

كان الشاب يتابع بذهولٍ مشوبٍ بالخوف، لا يدري إن كان ما يُقال حقيقة أم تهديدًا. لكنه لم يتردد طويلًا، ظل يلوّح بمطوته بعشوائيةٍ يائسة، يهاجم يمينًا ويسارًا. رحمة تضحك من حركته الطائشة، بينما فارس نظر إليها بقلقٍ خافت:

"خليكي ورايا... شكله اتهبّل، ممكن يعوّرك."

أجابت ببرودٍ قاتم:

"من حقه يتهبّل... أنا ههديه متقلقش."

تراجعت خطوتين، ثم اندفعت فجأة. قدماها ارتفعتا في الهواء، ركلةٌ بسرعه خاطفه تلتها أخرى متتابعة كسلسلة ضرباتٍ حادة. فارس وقف مزهولا، كأنه يشاهد مشهدًا لى "جاك شان"

رحمة سددت الضرباتٍ بقدمها إلى وجهه، حتى تمايل فاقد التوازن، جسده ينهار ويترنّح حتى سقط أرضًا، فاقتربت رحمة بخطواتٍ ثابتة، ضغطت بكعبها على يده الممسكة بالسكين حتى أفلتها من الألم. تأوّه مستسلمًا، يتوسل:

"خلاص... بالله عليكي سبيني أعيش. أوعدك... أوعدك مفيش مخلوق هيعرف اللي حصل."

ضحكت ببرود، تقول:

"مهو مفيش مخلوق هيعرف... اطمن. ولما تروح لصاحبك، بلّغه سلامي. ملحقتش أودعه."

شعر فارس بالذعر وهو يراها تضغط بقوةٍ على يده حتى أفلتت المطوّة. انحنت تلتقطها وتلقيها بعيدًا، ثم أخرجت سكينها اللامعة. لكن قبل أن تغرسها في رقبته، وجد نفسه يوقفها قائلاً برجاءٍ صادق:

"خلاص يا رحمة، سيبيه يعيش. ارحمي ضعفه."

رفعت عينيها نحوه باشمئزازٍ صاخب، صرخت:

"هو رحِم ضعف اللي جوّه؟! اطلع بره لو خايف، بس ما تتدخلش!"

كان الشاب يرتعش على الأرض حتى فقد سيطرته على نفسه، يتبول من شدّة الرعب. كبّلته بركبتيها، رأسه بين فخذيها كأضحيةٍ تُقاد للنحر. قبضت على شعره تسحب رأسه للخلف، والسكين في يدها الأخرى يلمع بوحشيه تستعد لتمزيق حنجرته التى كان يتباهى بيها منذ قليل.

فينقض عليها فارس يمسك بيدها وهو يلهث:

"بالله عليكي يا رحمة... خليكي إنتي أحسن منه. كفاية خلصتِ على صاحبه ،قومي نطمن على البنت ونمشي."

غلى الدم في عروقها وهي تسحب يدها منه، انتفضت واقفه تدفعه بغضب تقول بصرخةٍ حادة:

"اطلع بره يا فارس... متعطلنيش! انت فاهم لو سبناه أول حاجة هيعملها ايه ؟هيبلّغ عننا الخوف اللي هو فيه دلوقتي هيطير أول ما نمشي!"

فتح فارس فمه يعترض:

"معتقدش... بعد اللي عملتيه فيه..."

لكن لم يكمل. الشاب نهض فجأة من خلفها، التقط فازة زجاجية وضربها بها على رأس رحمة بقوة. سقطت أمامه، والدم يسيل من جرحها. ارتجف فارس حين رأى المشهد، كأن الدم جمّد عروقه. أما الشاب، فوقف متماسكًا، وقد تبدّد ذعره، صرخ متحديًا:

"دي آخِرِة اللي يفكر ييجي عليا... والدور عليك يا حلو!"

الجنون اشتعل في فارس، لم يعد يدرك نفسه. انقض عليه، يوجه له اللكمات تباعًا بلا توقف. ضربات متلاحقة، عنيفة، حتى سقط الشاب أرضًا وفقد وعيه. تراجع فارس، التقط السكين التي سقطت من يد رحمة، وبعينين مُحمّرتين من الغضب أخذ يطعنه في صدره مرارًا. الطعنات عشوائية، متتابعة، والدم يتفجّر على وجهه وملابسه حتى امتزج بعرقه.

في تلك اللحظة، بدأت رحمة تستفيق ببطء، تتحسس رأسها المدمى وتأنّ. رفعت بصرها، فوجدت فارس فوق الجثة، ينهال عليها بطعناته كالمسعور. هرعت إليه، أمسكت بيده، تصرخ:

"خلاص! مات... كفاية!"

توقف، كأن صوتها أعاده من غيبوبةٍ سوداء. نظر إلى جسد الشاب الساكن، إلى يديه الملطختين، ارتجف. تساقط السكين من بين أصابعه، تراجع بخطواتٍ مضطربة وهو يهمس بذهول:

"أنا... أنا عملت إيه؟ أنا قتلت... أنا قتلت إزاي؟"

اقتربت رحمة منه ببرودٍ تحاول تهدئته:

"اهدى... دا نفس الى حسيته أول مرة"

ارتفع صوته المذعور:

"أول مرة إيه؟! أنا قاتل؟! لا... لا، أنا ما قتلتش. إنتي قتلتيه، صح؟ قوليلي إن مش أنا!"

كانت يداه ترتجفان، يمسحهما بملابسه بجنون والدم يتساقط على الأرض. نظرت إليه رحمة بحدةٍ وهي تقول:

"طيب اهدى قبل ما حد يسمعنا. أنا اللي قتلته. إقعد في أي ركن، خليني ألمّ الليلة دي... مش لازم نسيب ورانا أي أثر."

أومأ برأسه موافقًا؛ كان يريد الخلاص والابتعاد عن هنا. ثبت مكانه يراقبها وهي تعمل. مسحت كل زاوية بمناديل وزجاجة كحل؛ ثم مسحت آثار الدم الذى تناثر من رأسها وحينما سقطت . كانت تنظف كل شيء بطريقة محترفة وسريعة. وبما أنهما كانا يرتديان قفازات، لم يتركا خلفهما أي بصمات كانت خطتها منظمة، كأنها تعرف بالضبط ما تفعل. لم يمر وقت طويل حتى أنهت كل شيء، وقالت ببرود عملي: "متقربش من اى حاجه عشان نضفت ،مفيش شعره ورانا هدور على حاجتك الى خدوها عشان نمشى"

وجدت أغراضه مبعثرة على إحدى الطاولات ولم تترك شيئًا منها. عادت إلى فارس، أخرجت من حقيبتها كيسًا بلاستيكيًا ومناديل مبللة، مسحت بها وجهه وهو مستسلم لها؛ تمسح رقبته ايضا ثم ألقت المناديل المحمّلة بالدم داخل الكيس. أمرته أن يخلع القفّازات ويرميها كذلك فى الكيس، وحذّرته ألا يلمس شيئًا بعد ذلك إطلاقًا - هي ستتولى بقية الأمر.

تقدمت نحو الغرفة التي فيها الفتاة، فتحت الباب ببطء فوجدتها ملقاة على السرير فاقدة الوعي، الدم يغرقها. أغلقت الباب ثانية بصمتٍ قاس، أخبرته أن عليهم الإسراع في الخروج، فهي بحاجة إلى الاتصال بالنجدة عبر الهاتف العمومي قبل أن يلحق بالفتاة أي ضرر إضافي. فتحت الباب بخطوات محسوبة، خرجا سريعًا حتى وصلا إلى أسفل البناية. توقفت للحظة تتفقد المكان بعينٍ مدرَّبة، كما فعلت من قبل حين دخلا؛ المكان ناءٍ، بلا كاميرات، وأقرب عدسة مراقبة تبعد أمتارًا قليلة، بينما معظم العمارات المجاورة قديمة متهالكة، مهجورة بلا سكان. كان الشبان قد خططوا لكل هذا ليضمنوا فعلتهم مع الفتاة، لكن خططهم انقلبت عليهم، وصاروا هم الضحايا.

التفتت إلى فارس، أمرته أن يسبقها بالدراجة النارية إلى مكان قريب من الهاتف ليتأكد من خلو الطريق، وأن لا وجود لمارة أو كاميرات. أما هي، ففتحت مظلتها واتجهت نحو الهاتف بخطوات سريعة، تخفت تحتها، ثم رفعت السماعة واتصلت بالنجدة. لم تبح باسمها، بل قالت ببرود محسوب إنها كانت تمر بالصدفة وسمعت أصوات صراخ تصدر من إحدى العمارات في هذا المكان المقطوع.

. أنهت اتصالها ثم هوت مسرعة نحو فارس، ركبت خلفه، وانطلقا على الدراجة النارية مسرعين باتجاه المنزل.

كان قلب كل منهما محملاً بثقل ما حدث؛ خصوصًا فارس، فالمشهد رَكَن في صدره ولن يمر مرور الكرام.

وصلا أمام المنزل، كان المطر قد توقف أخيرًا. بدأت الجوامع ينبعث منها قرآن الفجر،وبدأت البيوت المجاورة تضاء، فهناك من عبادة الصالحين من يلبون النداء. أوقف فارس الموتسكل، صوت التلاوة يثقل قلبه بذنب ما فعله، يعلم أنه مقصر وأن زنوبه قد فاقت الحد، ولكن تلك الزنوب هباءً أمام ما فعله في الليل. التفت إليها يخبرها أن تنزل ببرود قاتم. نزلت رحمة، لم تزدهل، فهي تعلم صعوبة ما مر به الليلة.

صعدا معًا دون حديث، فقد الصمت رافقهما، حينما وقفا أمام الباب. فتحه ودخل يسبقها للداخل، دخلت بعده وأغلقت الباب. أضاءت الأنوار، فصرخ: "طفيها، مش عاوز نور!" فأطفئتا من جديد.

هوى بجسده على الأرض، يجلس، يضم قدمه إلى صدره، كأن إطفاؤه للأنوار وانكماشه لن يجعلاه مرئيًا للذي يرى الجنين بداخل أمه، ولكنه فعل ذلك خجلًا منه، يتحسر بداخله على ما اقترفه من زنب، يئن قلبه قبل لسانه. تتابعه رحمة بأسى، تعلم ما يمر به، فهي شعرت هكذا في أول ليلة بعد أول قتيل لها. تتذكر ذلك اليوم جيدًا، فلا لوم لما تراه في فارس الآن.

اقتربت منه بحنان، قائلة: "اهدى يا فارس، انت كنت بتحميني وبتحمي نفسك، هما المدنبين مش انت." لمست كتفه بيدها، فانتفض مرتعشًا وابتعد بجسده عنها وهو يقول بهمسٍ باكي: "ابعدي عني."

شعرت بغُصّة في صدرها، ولكنها قالت بتألم: "انت ندمان انك انقذت بنت مسكينه، ندمان انك انتقمت لنفسك، ندمان انك انتقذت حياتي، انت راجل يا فارس."

نظر نحوها بحدة، عيناه محمرتان أثر دموعه المحرقة، وقال بصوت مكتوم: "ندمان اني عرفتك."

لم تستطع ترجمة ما قاله، كأن عقلها يرفض استيعابه، فتتأكد منه قائلة: "بتقول ايه؟"

صرخ فيها فارس قائلاً: "ندمان اني عرفتك، انتي مغناطيس للشر، انا بكرهك يا رحمة."

_________________

نهايه البارت ،،،

عارفه انى اتأخرت يا حبايب بس غصب عنى كنت تعبانه ،ادعولى❤️

اتمنى تسيبوا رايكم ،هتبسط جدا ،وشكرا لقرائى الغالين ❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة