جراحاً تفتح

جراحاً تفتح

15 0

"في يوما همست في أذني .. من يسرق عن قلبي حزني يرجعني بيضاء اللون أعشاشا للأطيار...

ترددت الكلمات في مسمعها كانغمات بعيدة، وهي ممدّدة على صدرها فوق سريرها الصغير، تلوّح بقدميها في الهواء ببراءة طفلة لا تعرف سوى عالمها الوردي. غرفتها كانت تبدو كقطعة من كوكب زمردة؛ جدرانها مزينة برسوم زاهية، وأمامها دفتر رسم مفتوح، في يدها أقلام ألوان، وفي الأخرى قلم رصاص تحدد به ملامح رسمه استوحتها من كرتون الحديقة السرية.

كانت ليله شتويه وصوت المطر بدأ ينساب على الزجاج ، بينما كانت تدندن مع الأغنية بخفوت وتغرق أكثر فأكثر في عالمها الصغير.

فجأة، دار مقبض الباب ببطء...

تسمرت عيناها على حركته، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها. الباب ينفتح شيئًا فشيئًا، والظلال تمتد على أرض الغرفة حتى انبسط أمامها ظلّ أسود طويل، يقطع دفء المكان بسكونه المريب.

بتفكير طفولي، ظنّت أنه صاحب الظل الطويل من مسلسلها الكرتوني المفضل... لكنه لم يكن يحمل تلك النظرات المخيفه..

بدأ الظل يقترب،مع كل خطوة تنبعث بروده مرعبه. المطر بالخارج اشتد، يطرق على النافذة بطرقات سريعة متلاحقة، ثم ينساب كسيل من الدموع على الزجاج.قلبها خفق بعنف حتى صرخت صرغه مدويه مزقت سكون غرفتها .....

------------

ضاقت السماء بالسحب، وتساقطت قطرات المطر ببطء حتى تحولت إلى هطول غزير، يشقّه البرق كغضبٍ مكتوم ينفجر في العتمة.

وقفت رحمة عند مدخل الشارع الضيق المظلم ، وصرخت بصوتٍ مدوٍّ:

- ابعد عنه يا حيوان قذر!

انتفض الرجل، وابتعد عن الفتى الذي كانت شهقاته تزداد تقطعًا، كطائر صغير انكسر جناحه. تقدمت رحمة خطوة، وصوتها هذه المرة موجّه للطفل المرتجف:

- خُد الفلوس اللي على الأرض وامشى بسرعة!

التقط الصبي المال وهو يرتجف، ثم انطلق يعدو بجسده النحيل حتى اختفى، بينما التفت الرجل بوجهٍ شاحب محاولًا أن يبدو طبيعيًا:

- مين دا اللي حيوان وقذر يا حسالة إنتي؟ إنتي مش عارفة بتتكلمي مع مين!

رفعت رحمة ذقنها بابتسامة ساخرة:

- بكلم إنسان تجرد من إنسانيته علشان يبقى حيوان هائج بيدوّر على شهوته في براءة الأطفال.

ضحك الرجل ضحكة جوفاء يحاول أن يستعيد كبرياءه الممزق:

- هه! إنتي هتعملي نفسك فيلسوفة؟ وبعدين أنا كنت بديله صدقة في السر... مش ربنا قال كده؟ اعطوا الصدقات في السر!

ثم بدا يهندم ملابسه استعدادًا للانصراف..

ردت رحمة بسخرية لاذعة:

- ربنا؟ هو إنت تعرف ربنا ..

جالت بعينيها تبحث عن شيء... أي شيء. لمحت زجاجة زجاجية نصف مهشمة بجانب الحائط، فتسمر نظرها عليها.

أما هو فقد حاول أن يستعيد ثباته، يدير ظهره لها وهو يقول بلهجة واثقة مصطنعة:

- «أحسنلك تنسي اللي شفتيه... لأنه مش في مص...»

لكنها لم تتركه يكمل. هجمت عليه من خلفه، وأمسكت برقبته ثم غرست الزجاجة في عنقه. انفجرت الدماء دافقة على الفور، ارتجف جسده وسقط على ركبتيه، عيناه تتسعان في ذهول، وفمه يتحرك كأنه يحاول النطق، لكن صوته خرج متقطعًا مبحوحًا.

شدت رحمة الزجاجة من رقبته وأعادت غرزها من جديد سحبتها على رقبته لتمزق أحباله الصوتية ،سقط على ظهره غارقًا في دمه. لم تهدا نار غضبها جلست بجواره، وجهها يغرق بالدماء والمطر، عيناها تلمعان بابتسامة باردة وهي ترى دموعه المحبوسة تتسع في مقلتَيه. جذبت الزجاجة مرة أخرى وظلت تغرسها في صدره، والدماء تتطاير فتغمر وجهها ثم تنساب على وجنتيها، بينما يدها لا تتوقف، طعنًا فوق طعن ثم قامت بسحب الزجاجه بقوه في صدره حته شقته شقين ، بلا رحمة ولا شفقة فقد تبتسم وتستمتع بذلك ..

وفجأة، سمعت أنفاسًا متلاحقة خلفها. التفتت فوجدت الطفل الصغير واقفًا، جسده يرتجف والدموع تنهمر من عينيه.

وقفت ورمت الزجاجة من يدها الملطخة بالدماء، ابتلعت ريقها واقتربت منه بخطوات مترددة. نظرت في عينيه، فرأت النظرة ذاتها التي وجدتها في عيني فارس... كأنه يقف أمامها . مدت يدها نحوه قائلة:

- متخافش... أنا قتلته علشان كان بيأذيك.

لكن الصغير ظل يبتعد مذعورًا، ثم استدار فجأة وركض هاربًا. عندها شعرت بغصة تخنق حلقها، وانطلقت دموعها تدفق . مدّت يدها لتمسح دموعها التى اختلطت بالدماء وقفت شارده بدون حراك حتى أحسّت بخطواتٍ تقترب من المكان. خرجت مسريعه تركض تحت المطر، لا تعرف إلى أين تقودها قدماها.

------

وصلت إلى البيت لتجد فارس واقفًا أسفل البناية، وقد ابتل جسده تمامًا تحت المطر حتى التصقت ملابسه به. ما إن لمحها حتى اندفع نحوها بسرعة، يحتضنها بشوق، وصوته يتقطع وهو يقول:

"انا اسف سامحينى .. انا بعمل كدا عشان خايف عليكى.."

لكنها لم تحرك ساكنًا، لم تبادله رد فعل واحد، كأنها تحولت إلى حجر جامد بين ذراعيه، حتى بدأت ترتجف ارتجافًا واضحًا. شعر فارس برعب يتسرب إلى ملامحه، فقال بصوت يائس:

"مالك بتترعشى كدا ليه؟.. شكلك خدتى برد.. تعالى نطلع فوق غيرى هدومك واشربى حاجه دافيه.."

مد يده إلى كتفها يضمها إليه محاولًا تدفئتها، وهو يسحبها للصعود معه. وحين وصلا إلى الباب، والضوء المنبعث من المصباح يحيط بوجهيهما، بدا يبحث عن مفتاحه في جيبه. فجأة، تجمد مكانه حين وقع بصره على وجهها.. قطرات دماء متناثرة لم تمحوها مياه المطر. اتسعت عيناه، وارتسم الرعب على قسماته وهو يسألها مرتجفًا:

"اى الى على وشك دا .. انت عملتى اييه؟"

لم تجبه، فقط التفتت نحوه بابتسامة باردة، زادت جسده قشعريرة. لمح جارتهم تنزل من الدرج، فارتبك وأسرع بإخراج المفتاح، فتح الباب، جذبها إلى الداخل وأغلق خلفه في ذعر، صوته يخرج من بين أسنانه وهو يصرخ:

"رحمه.. ردى عليا! انتى عملتى اى؟.. اوعا يكون الى فى بالى.."

لكنها ظلت صامتة، تحدق في الفراغ، ثم بدأت تتمتم بصوت خافت لا يُسمع. أخرج فارس زفيرًا محاولًا السيطرة على أعصابه، وقال بانفعال:

"انا مش سامع بتقولى اى.. كلمينى زى مبكلمك.."

رفعت وجهها نحوه وابتسمت قائلة ببرود:

"قتلت ذئب بشرى كان بيحاول يفترس فريسته.. لو كنت سبته كان أكل وجبته ونام في فرشته.. ولا كأنه عمل حاجه.."

ارتبك فارس أكثر، لم يفهم ما قصدته، فأمسك بكتفيها يهزها برفق وهو يسألها:

"اشرحى يا رحمه.. عملتى اى بالظبط؟.. بلاش شغل الألغاز دا."

تخلصت من يديه ببطء، ثم قالت بجمود:

"بعد منزلت واتمشيت في الشارع وانا مضايقه.. لقيت شخص حقير بيحاول يرود طفل صغير عن نفسه.. والطفل كان عمال يعيط برعب.. ودا مش عاوز يرحمه."

رد فارس بمرارة وصوت متهدج:

"طبعا.. انتى قمتى قتلتيه.. وكأنك انتى.. استغفر الله العظيم.. اله.. وعليكى حسابه.."

ارتسمت على شفتيها ابتسامة ثابتة وهي تهمس:

"الاله بيحى ويميت.. إنما انا.. بأميت بس.. معناها انى مش اله ولا حاجه.. بس انا اتخلقت لسبب.. انى اقتل كل قذر تلمحه عينى.."

زفر فارس بعصبية، وكأن النار تشتعل بداخله:

"يبنتى انتى عارفه ان الى بتعمليه دا زنب.. مش حاجه نبيله زى مانتى فاهمه."

ضحكت ببرود وقالت:

"تعرف قبل مقتله كان مبرره عن القذاره الى بيعملها ايه؟"

أجابها متحفزًا:

"ايه يا رحمه.. اييه؟"

قالت بصوت ثقيل:

"قال انه كان بيتصدق.."

قهقهت فجأة بضحكة مستفزة، وأردفت:

"بيقول ربنا امرنا نتصدق في السر.. غاظنى."

تجمد فارس للحظة، ثم قال متسائلًا بقلق:

"وبعدين؟.."

التفتت حولها فرأت طبقًا به بعض الفاكهة وسكين صغيرة، اقتربت منه بخطوات هادئة، التقطت السكين وأخفتها خلف ظهرها دون أن يلحظ. استدارت نحوه وعيناها تلمعان، وقالت وهي تخفي ابتسامتها:

"عاوز تعرف بجد حصل اى بعدها؟.."

تراجع فارس قليلًا، القلق يتزايد داخله:

"ايوا.. عملتى ايه؟"

اقتربت منه ببطء، تخفي السكين خلف ظهرها، حتى التقت أنفاسهما. مدّت يدها تتحسس وجنته برفق، فيما قلبه يخفق بعنف وأنفاسه الساخنة ترتطم بوجهها البارد. ابتسمت أكثر واقتربت حتى أوهمته بلحظة ضعف حانية، فاستسلم وأغمض عينيه، لكن سرعان ما انهارت أوهامه، إذ شدت رقبته بيدها الأخرى، ودفعت السكين نحو عنقه حتى كادت أن تمس أوتاره البارزة. فتح فارس عينيه بذعر، يتصبب عرقًا، قطراته تلمع على حد السكين، ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوت مرتجف:

"رررحمه.. ااانت.. ععاوزه تت تقتللينيي؟.."

ابتسمت بسخرية، واقتربت من أذنه، همست بكلمات جعلت جسده كله يقشعر:

"انا بوصفلك.. انا عملت اى بعدها.."

سكتت لحظة ثم أضافت ببرود:

"مسكت حتت ازازه مكسوره.. وقطعت أوتار رقبته.. وتر.. وتر.."

ازدادت أنفاس فارس صعوبة، يلهث ويتصبب عرقًا حتى كاد ينهار، بينما هي ألقت السكين على الأرض، تاركةً صوته يخرج متقطعًا كأنه أنهى سباقًا مرهقًا. نظر إليها مذهولًا، فوجدها تقول ببرود:

"وبعد ما قتلته.. لقيت الطفل ورايا.. شاف كل الى حصل.. لما بصتله.. لقيت نفس النظره الى في عنيك دلوقتى.."

رفع فارس رأسه بعد أن التقط أنفاسه، صوته مخنوق وهو يسأل:

"شافك.. وانتى بتقتليه؟.."

شعرت رحمه بغصة خانقة، ارتجفت شفتاها وامتلأت عيناها بدموع ثقيلة تتدفق كالسيل، وهمست:

"انا عاوزه ابقى لوحدى.. عن اذنك.."

استدارت لتدخل غرفتها، لكن فارس التقط السكين من على الأرض، ناداها وصوته يحمل شيئًا غريبًا:

"استنى.. كملى.. قتلتيه ازاى بالظبط؟.."

اقترب منها، أمسك بيدها الملطخة بالدماء، ووضع السكين بين أصابعها قائلًا:

"بس اشرحى عليا.. زى ما عملتى من شويه.."

ارتبكت، نظرت إليه بدهشة قائلة:

"مش فاهمه.. انت مخفتش من اللى عملته.. مش خايف اقتلك بجد؟.."

ابتسم فارس بثقة هادئة وقال:

"انا متأكد انك مش هتقدرى تعملى فيا كدا.. وبصراحه.. عجبنى انك قدرتى تمسكى أعصابك عند آخر لحظه.. انبهرت."

: "متاكد...

اومأ براسه : "ايوا متاكد..

ترددت لحظة ثم رفعت السكين من جديد، وضعتها عند عنقه بينما يدها الأخرى تمسك رأسه من الخلف، وقالت ببرود قاتل:

"بعد ما خرزت الازازه في رقبته.. وقع على ركبته.."

انزل فارس نفسه على ركبتيه مقلدًا ما وصفته، مما أثار ابتسامة غريبة على شفتيها. التفّت خلفه، أمسكت رأسه، والسكين فوق رقبته تحاكي فعلها، وكأنها مجرم يمثل جريمته ، وهي تهمس:

"وبعدين.. سحبتها على أوتار رقبته.. عشان ميقدرش يتكلم.."

حتى وصلت إلى النقطة التي شقت فيها صدر الرجل، فخفضت السكين على اول صدر فارس حتى أسفل بطنه، لكن دون أن تلمسه، وهي تقول:

"حطيت الازازه فاول صدره.. وبعدين سحبتها.. لحد ما مشقيته بالنص.."

نظرت نحو فارس، لكنه لم يظهر أي ارتجاف أو خوف في ملامحه. هدوءه استفز غرائزها،فقدت سيطرتها ..

فرفعت السكين عاليًا، ثم أنزلتها بسرعة خاطفة لتغرسها في الأرض بجانب رقبته بسنتيمترات قليلة. شهق فارس بذهول، وقبل أن ينطق بكلمة، سقط جسدها فوقه مغشيًا عليها. ناداها بصوت مرتجف، لكن بلا جدوى. مد يده لرقبتها، فتأكد من نبضها، فتنفس بارتياح وأسند رأسه للخلف ومد زراعيه بجانبه ، كأنه خرج لتوه من معركة دامية، معركة خرج منها منتصرًا، لأنه نجح في جعلها تتغلب على وحش بداخلها.. على غرائزها القاتلة..

لم يعلم فارس كم من الوقت ظل مستلقيًا، فقد غرق في دوامة من الذكريات، يسترجع كل لحظة مرت منذ قليل. ابتسم دون إرادة حين تذكر قربها منه، تصادم أنفاسهما، وكيف استسلم ببلادة للمساتها، بل وكيف امتلك الجرأة ليصبح تحت يدها وهي تحمل سكينًا حادًا؛ أي خطأ كان كفيلًا بأن يفقده حياته. لم يعرف إن كان هذا جنونًا أم حبًا يجرّه للجنون.

قطع شروده رعشة جسدها، فالتفت إليها ليجدها تختنق ببعض الكلمات. أسرع من مكانه، يساعدها على النهوض ويسندها حتى الأريكة، ليصغي إلى صوتها الخافت المرتجف وهي تهمس:

"ماما... ماما، الحقيني... الحقيني."

تجمد فارس في ذهول، لم يسمعها يومًا تنادي أمها، ولا حتى تذكرها إلا مرة وحيدة، حين حكت له قصتها. حاول أن يوقظها لكنها كانت شبه غائبة عن الوعي. وضع يده على رأسها فوجدها تحترق بالحرارة. ارتبك، كيف سيأخذها إلى المشفى ووجهها ويداها ملطختان بالدماء؟!

فكر قليلًا، ثم لم يجد أمامه سوى أن يحملها إلى الحمام. أجلسها بملابسها تحت الماء، وظل يحاول مسح وجهها ويديها قدر استطاعته حتى يمحو الدماء. لكن سرعان ما راوده سؤال أربكه:

تب هدومها... هغيرها لها إزاي؟ أعمل إيه؟ مفيش حل غير جيهان.

أمسك هاتفه واتصل برقم جيهان، لكنها لم ترد، فهي لا تجيب على أرقام غير مسجلة. بحث عن هاتف رحمة واتصل منه، فجاءه صوت جيهان متفاجئًا ومتباهية:

"رحمة! معقول؟ أنا مش مصدقة لما شوفت رقمك!"

قاطعها فارس بلهفة:

"أنا فارس يا جيجي."

"فارس!؟ إنت بتتصل من عند رحمة ليه؟ في حاجة ولا إيه؟"

رد بسرعة:

"رحمة والعة نار يا جيجي، وأنا قلقان عليها ومش عارف أتصرف، تعالى بيتها حالًا."

سألته بقلق:

"طب ماخدتهاش المستشفى ليه؟"

"مش عارف، رحمة مش في وعيها خالص وعمالة تخترف بالكلام... أنا خايف. بالله عليكي حاولي تيجي."

"طيب طيب، حاول تعمل لها كمدات أو أي حاجة، وأنا جاية حالًا... هحاول أخلع من أمي."

"تمام، متتأخريش."

أغلق فارس الخط. وما إن مر وقت قصير حتى سمع طرقًا على الباب، أسرع يفتحه فوجد جيهان أمامه. هرول يقول:

"جيهان، تعالى، الحقيني. حرارتها بتزيد، خدتها بهدومها تحت الدش يمكن تنزل، بس مفيش فايدة."

اقتربت منه تهدئه قائلة:

"اهدى بس، هروح أغير لها هدومها ونشوف إزاي نقدر نوديها المستشفى."

أومأ فارس موافقًا، فدخلت جيهان الحمام، لتجد رحمة جالسة داخل البانيو. اتجهت نحو دولابها، أخرجت بعض الملابس، ثم بدأت بمساعدتها في تبديل ثيابها المبتلة، ووضعتها على طرف البانيو. الملابس كانت تقطر ماءً، لكن جيهان لاحظت أن الماء يميل للاحمرار... وكأنه دم.

قاطع شرودها صوت فارس من خلف الباب وهو ينادي:

"جيهان، خلصتي؟"

ردت سريعًا محاولة إبعاد أي أفكار أخرى:

"آه خلصت، تعالى ساعدني نطلعها."

دخل فارس وساعدها في إخراج رحمة للخارج.

قال فارس وهو يلهث:

"ساعديني أشيّلها على ضهري."

ردت جيهان بسرعة:

"أنا كلمت عيسى."

تردد فارس، بدا الارتباك واضحًا في عينيه، وقال بحدة:

"ليه؟ كلمتيه ليه يا جيهان؟"

تعجبت جيهان من رد فعله وأجابت:

"كنت بكلمه قبل ما إنت تتصل، وقفلت معاه فجأة، فرن عليا تاني يسألني قفلت ليه... فحكتله. قال إنه جايلي على هنا."

وقبل أن يرد فارس، وقد تسرب لملامحه خوف ممتزج بقلق، رن جرس الباب. هرعت جيهان لتفتحه، فدخل عيسى مسرعًا وهو يتجه نحو رحمة قائلاً بانفعال:

"مالها؟! إيه اللي حصل لها؟ هو أكل أمي اللي عمل فيها كده ولا إيه؟"

نظر له فارس وجيهان بدهشة واحدة:

"أكل أمك؟!"

قال عيسى بجدية:

"أيوه، كانت عندنا، عزمتها على الغدا... بس معرفش إنها بتتعب من الأكل كده."

رد فارس بسرعة، يحاول أن يتمالك أعصابه:

"أنا معرفش إنها كانت عندك... وبعدين، هي متعبتش من الأكل ولا حاجة. هي كانت مضايقة ونزلت تتمشى، والدنيا مطرت عليها... تقريبا كدا أخدت برد."

انتفض عيسى بعصبية:

"وليه تسيبها تمشي وهي زعلانة؟! إنت عملتلها إيه؟"

تدخلت جيهان بحدة وهي تنظر إليهما في استنكار:

"إنتو هتقضوها كلام وتسيبوها تروح مننا؟! انجزوا، نزلوها تحت عشان نلحق نوديها المستشفى."

ساد الصمت، وأدرك الاثنان أنها محقة، فحملا رحمة معًا ونزلا بها حتى وصلا إلى المشفى.

أخذها منهم المسعفون سريعًا إلى قسم الطوارئ، وبقي الثلاثة واقفين في طرقات المستشفى ينتظرون ..

لحظات من القلق الثقيل مرت حتى خرج الطبيب وسأل:

"إنتو قريبها؟"

أجاب عيسى على الفور:

"أيوه... قولنا، أخبارها إيه؟"

تنفس الطبيب وقال بهدوء:

"المريضة جت بحرارة عالية جدًا، والسخونية سببت لها تشنجات. إديناها محاليل وخافض حرارة، وحطيناها تحت الملاحظة في الرعاية القصيرة. دلوقتي حالتها مستقرة، بس محتاجة متابعة دقيقة الساعات الجاية."

تدخل فارس بقلق واضح:

"يعني هتبقى كويسة إن شاء الله؟"

أومأ الطبيب بثقة هادئة:

"بإذن الله، لو الحرارة فضلت تنزل ومفيش تشنجات تانية، هتبقى بخير. المهم تفضل تحت المراقبة."

وقبل ان يزيد فارس من أسئلته..

قاطعه عيسى بحدة، يخفي قلقه خلف قناع من العصبية:

"خلاص يا فارس، قالك هتبقى كويسة، متبقاش طري كده."

ثم التفت للطبيب قائلاً:

"شكرًا يا دكتور، طمّنا لو في أي جديد."

أومأ الطبيب وغادر. خرج عيسى بدوره، يقف أمام باب المستشفى ويوقد سيجارة، بينما وقفت جيهان بجانب فارس، تهمس له:

"بس بس .. يا فارس..."

انتفض من شروده ونظر إليها:

"أمّم، نعم؟"

"هي رحمة كانت مضايقة من إيه؟"

تردد فارس، لا يعرف بماذا يجيب. وبعد تفكير قصير قال:

"مفيش... عشان أنا كنت وعدتها أروح معاها معرض الكتاب، وما رحتش."

رفعت جيهان حاجبها بدهشة:

"معقولة! وانت ما رحتش معاها ليه؟ عمرَك ما رفضتلها طلب!"

رد متلعثمًا:

"مهو عشان..."

"أمّم... عشان إيه؟"

"هفهمك بعدين يا جيجي... ."

ابتسمت جيهان ابتسامة باهتة وقالت:

"تمام، براحتك... بس مش هسيبك غير لما أفهم كل حاجة."

رن هاتف فارس فجأة، قطع حديثهما. نظر إلى الشاشة، ثم أخفاه سريعًا في جيبه بعيدًا عن عيون جيهان المراقبة. لكنها لم تصمت:

"مين بيتصل؟"

"واحد صاحبي يا جيهان."

"ومش بترد ليه؟"

"مش عاوز أرد دلوقتي... وبعدين في ايه؟، اهدي بقى."

رن الهاتف مرة أخرى. خطفته جيهان بسرعة من جيبه، لتجد اسمًا غريبًا مسجلاً: "دليدا". جذبه فارس من يدها بعصبية، قالت بسخرية في عينيها وهي تضيق بهما :

"أمّم... دليدا! صاحبك اسمه دليدا؟!"

صرخ فارس:

"قولت هفهمك بعدين يا جيهان، في إيه؟"

صرّت على أسنانها:

"فارس، حالًا هتقولي مين دليدا دي."

وفجأة ظهر عيسى خلفهما، بابتسامة جانبية:

"دي المزة بتاعته... رحمة قالتلي."

شهقت جيهان بدهشة:

"إييييه! مزة؟! إنت عندك مزة يا فارس؟! ينهار أبيض... دا إحنا بقالنا كام يوم بس مبنكلمش!"

انفجر فارس بعصبية:

"هو إنتو الاتنين بتدخلوا في اللي مالكوش فيه ليه؟! وبعدين دا وقته؟! رحمة تعبانة!"

ابتسم عيسى باستهزاء وقال:

"أنا نفسي أفهمك بجد... إنت معلق نفسك برحمة، وبتكلم دليدا، ومداريها عن جيهان. عاوز تعيش دور الكازانوفا؟... بس بصراحة مش لايق عليك."

احتقن وجه فارس من الغضب ورد مهاجمًا:

"والله أظن الكلام دا ليك إنت مش ليا! إنت عمال تلف ورا رحمة، وبعدين أكتشف إنك كمان بتلف على جيهان!"

تجمدت جيهان في صدمة، التفتت نحو عيسى قائلة:

"آه صحيح... مش إنت قولتلي إنك مش بتكلم رحمة ولا بتقابلها؟ وبعدين اعرف إنها كانت بتتغدا عندكم! إنت بتلعب على إيه؟"

ارتبك عيسى، يحاول الدفاع:

"هو إيه دا... هلعب على إيه يعني؟! أنا كنت عاوز أصالحكم على بعض... على فكرة."

ردت جيهان بحدة واستنفار:

"نعم! وإنت مالك؟! عاوز تصلحنا على بعض ليه؟ مش فاهمة... هو انت مصلح اجتماعي؟! ولا كنت بتستغلني عشان تعرف عنها حجات وتتقرب منها؟"

رفع يديه مدافعًا:

"لا والله، متفهميش كده... أنا منكرش إني كنت عاوز أعرف عنها كل حاجة، بس والله ما كنت بستغلك. أنا بس كنت عاوز أبقى واحد منكم."

قهقه فارس بسخرية حادة:

"وتبقى واحد مننا ليه يا حضرة الضابط؟! مش غريبة؟ ضابط سايب اللي وراه واللي قدامه وعاوز يصاحب ويتعرف؟!"

التفتت جيهان نحوهما بانفجار:

"وانت تختلف عنه في إيه يا أستاذ؟! ما انتو الاتنين أسوأ من بعض... فعلا رجالة ناقصة!"

ثم تركتهم بعصبية، خارجة نحو الباب. بقي فارس وعيسى يتبادلان نظرات قاتلة، بينما جيهان في الخارج استعاد ذهنها صورة الدماء التي رأتها تختلط بمياه ملابس رحمة، فتساءلت في صمت: من أين جاءت تلك الدماء؟ وماذا كانت تفعل رحمة بالخارج ؟ولماذا هى بهذا الحال؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة