يُعرف البشر بأنهم الجنس الذي فضّلهم الله على سائر الكائنات، لأنهم تميزوا بالعقل الذي يجعلهم في كامل السيطرة على غرائزهم. ولكن من المؤسف أن ترى إنسانًا لا يختلف عن الحيوان في شيء، تقوده غرائزه فقط، حتى لو كان ذلك على حساب شخصٍ آخر عاجز عن الدفاع عن نفسه، فيسلبه ما يشتهي ولو أهلكه في سبيل ذلك... البدوفلي.
-------------
في غرفة عيسى، علت نبرة صوت أمه رشا وهي تنادي عليهما تخبرهما أن الغداء صار جاهزًا. خرج الاثنان من الغرفة متوجهين إلى السفرة. كانت سفرة واسعة تتوسطها أطباق كبيرة الحجم؛ ورق عنب مرصوص بعناية تزينه شرائح الليمون، ودجاج مشوي تفوح رائحته الذكيه، وأرز أبيض مصري حباته مفصولة كحبات اللؤلؤ. بجانبهما وُضع تاجنان من الملوخية الساخنة، وأطباق الشوربة التي لا تخلو منها أي مائدة. وفي الوسط صينية بيركس عامرة بالمكرونة بالبشاميل، يتصاعد بخارها نحو الأعلى، يذيب الصبر ويستفز الشهية، وقد ترك الفرن أثره على وجه الباشاميل ليمنحه ذلك الطعم الذي لا يُقاوم.
جلست رشا تدل رحمة على كرسيها ثم جلست هي الأخرى قائلة:
- اتفضلي، مدّي إيدك يا حبيبتي، انتي مش ضيفة.
ابتسمت رحمة بخجل:
- شكرا جدًا يا طنط.. ريحة الأكل تجنن.. تسلم إيديكي.
أما عيسى فلم ينتظر أحدًا، إذ مد يده مباشرة ليملأ طبقه بلفائف ورق العنب حتى امتلأ عن آخره... كتمت رحمة ضحكتها، بينما رشا لم تتمالك نفسها ونغزته في كتفه قائلة:
- ما براحة يا ابني، هو ورق العنب هيطير! سيب شوية لرحمة، البنت شكلها هفتانة.
أخرج عيسى زفيرًا معترضًا كطفل صغير وقال:
- إيه يا ماما، ما الأكل كتير أهو.
ثم تناول لفافة ورق عنب ووضعها في فمه دفعة واحدة، وهو يمضغها بتلذذ قائلاً:
- اممم.. ورق العنب ده مش بينزل في معدتي.. ده بينزل في قلبي.. بيتادين جروحي ده.
قهقت رشا:
- بألف هنا يا حبيبي.. بس براحة كده، رحمة تقول عليّا إيه حرمه الواد!
ضحكت رحمة بدورها:
- بألف هنا.. واضح إنه بيحب أكلك جدًا، عشان من يوم معرفته وهو مصمم يعزمني على الغدا.. شكله كان متأكد إنه أول ما أدوّق الجمال دا هطر أعيش معاكو هنا.
انفجر عيسى بالضحك وهو يلتهم المزيد من ورق العنب، بينما قالت رشا بحب:
- ده انتي تنورينا يا حبيبة قلبي.. قولي بس نفسك تاكلي إيه وأنا أعملهولِك هوا.
قاطعه عيسى مازحًا:
- على فكرة ماما هتمسك في الكلمة وتروح تجيب نقاشين يغيروا دهان الأوضة وتبيتك فيها وتطردني بره.
ضحكت رحمة بشدة:
- لو كان كده أنا موافقة طالما إنت هتترمي بره.
أكملت رشا وهي تضحك:
- طب الحق شوفلك حتة تقعد فيها بقى عشان أبعت لعمك حمادة النقاش.. وأهو بالمرة أبيّض الشقة.
رفع عيسى حاجبيه ساخرًا:
- شوفي ست الكل باعتني في ثانية إزاي.. عشان جوز عيون ساهتينين!
ضاقت عينا رحمة، وأجابت سريعًا:
- فشرت .. عيوني القمر دول ساهتينين؟! اهو انت السهتان.
توقف الزمن لحظة وهو يحدّق في عينيها التي أشارت إليها، وكأنه غاص في بحر عميق. لكنه سرعان ما التقط أنفاسه ولملم شتات نفسه قائلا:
- احممم.. إحنا هنقضيها كلام ولا إيه؟ يلا ناكل ..بسم الله.
قهقت رشا:
- أكل نص حلة المحشي ولسه هيِسمّي.. يبخت شطانك بيك! اشربله بق عصير بقى يبلع.
انفجر ثلاثتهم بالضحك، بينما شعرت رحمة بسعادة غامرة لم تذقها من قبل جو أسري دافئ، ضحكات تخرج من القلب...
استمروا في تناول الطعام، ورحمه بين الحين والآخر تبدي إعجابها بلذّة الأكل، مؤكدة أنها لم تتناول طعامًا بهذا النهم من قبل. وحين انتهت، ارتمت بظهرها على الكرسي واضعة يدها على بطنها وهي تقول:
- معتش قادرة آكل أكتر.. بطني بتستغيث.
ضحك عيسى من تصرفها قائلا:
- تم تعبئة الكرش بنجاح ههه.
قهقت رشا ثم ربتت على كتف رحمة بحنان:
- بألف هنا يا حبيبتي، مطرح ما يسري يمري.
عقد عيسى حاجبيه بطريقته الطفولية:
- وأنا أطفحه يعني ولا إيه؟ ما تقوليلي زيها يا حاجة، أنا ابنك مش هي!
ضحكت رشا من غيرته:
- ينهار أبيض، بس كده.. مطرح ما يسري يمري، يظبوطه العيلة.
اعترض مازحًا:
- يظبوطه؟ ده انتي مرمطتي البرستيج بالأرض.. مقبولة منك يا ست الحبايب.
ثم وقفت رشا لتجمع الاطباق وبقايا الطعام، بينما انتفضت رحمة لتساعدها.
فقالت رشا بسرعه:
- ارتاحي انتي يا حبيبتي.
- لا والله، لازم أساعدك.
-يحبيبت قلبي مش عاوزه اتعبك.
-اممم عماله تقوليلى اعتبرى نفسك مش ضيفه والوقتى بتقولى ارتاحى ...
قالت رشا بحرج:
- حقك عليا اوعى ابدا تعتبرى نفسك ضيفه، شيلي الأطباق دي وديها المطبخ وأنا هجيب الباقي وراكي.
- حاضر يا طنط..تسلميلى
ابتسم عيسى وهو يتابعهم، يشعر وكأنها أصبحت واحدة من العائلة. ثم قال بوجه لم تخلُ منه الابتسامة:
- طيب أنا هطلع البلكونة لحد ما تعملوا الشاي.
لكن رشا نظرت إليه بحدة وضاقت عيناها:
- أممم، مفيش شرب سجاير يا عيسى.. صدرك يا حبيبي، انت لسه كاشف.
أجاب مستسلمًا:
- حاضر يا ماما.. مش هشرب سجاير، هقف أعمل مكالمة للشغل أشوفهم وصلوا لإيه.
- ماشي يا حبيبي.. ربنا يقويك ويقدرك على نصرة المظلوم.
- اللهم آمين يا أمي.. عن إذنك.
غادر إلى الشرفة ممسكًا بهاتفه يتحدث في العمل، بينما رحمة تساعد رشا في ترتيب السفرة. وفي المطبخ، قالت رحمة بإصرار:
- سبيني أغسل المواعين.
- لأ لأ والله، أنا اللي هغسلهم،كفايه لميتى السفره
- عشان خاطري يا طنط رشا، متكسفنيش.
- أنا حلفت يا حبيبة قلبي.. خلاص اعملي انتي الشاي.
- حاضر.. المهم أساعد حضرتك.
- الشاي والسكر عندك هناك على الرف.. عيسى بيحبه شاي خفيف زيادة سكر، وأنا مظبوط.. وانتي شوفي بتشربيه إزاي واعمليه.
- حاضر يا طنط.
وبدأت تبحث بعناية عن البرطمانات على الرفوف.
---
في الجهة الأخرى، كان فارس يجلس على مقاعد الانتظار في مستشفى الأسنان الخاصة، ينتظر انتهاء دليدا من جلستها عند الطبيب. وبينما يجلس، يكتب بعض الملاحظات من محاضراته بالأمس،بينما يرفع رأسه بين الحين والآخر ليتفقد هاتفه، بلا أي رسائل أو مكالمات من رحمة.
حدث نفسه بأسى:
"يا ترى كرهتني؟ مش عاوزة تشوف وشي تاني؟ أنا مكنتش عارف إن موضوع دليدا هيكبر كده. كل الحكاية إني كنت عاوز أغيظها بيها، لقيتها دبستني في التعارف على اخوها ومامتها وبابها. ومبقتش عارف أخلع وهقولها إيه؟ آسف أصل كنت بستغلك عشان أضايق بيكي رحمة اللي مش معبراني اصلا. آه يا فارس من عمايلك السودة... طب اتصل بيها أنا ولا أعمل إيه؟"
أمسك بهاتفه وفتح الرسائل بينه وبين رحمة. كتب بضع كلمات ثم حذفها، ثم عاد وكتب، حتى استقر على رسالة قصيرة: "بتعملي إيه؟"
انتظر دقائق، لكن لم يأت رد. هز رأسه بعتاب داخلي:
"أكيد زعلانة.. طب أعمل إيه؟ أسيبني من دليدا والغدا وأروح لها حالًا البيت، وفي إيدي ورد الأوركيدا اللي بتحبه.. لأ لأ، هجيب لها قطعتين قشطوطة من «بـلبن»، هتتبسط أوي."
ثم كتب رسالة أخرى: "إيه رأيك ناكل قشطوطة ونغرقها بالكريمة والمكسرات وصوص البستاشيو 😋"
لكنها أيضًا لم تجب. عندها نهض عازمًا الذهاب إليها. في اللحظة ذاتها، خرجت دليدا من عند الطبيب قائلة:
- فارس.. رايح على فين؟
تلعثم قائلا:
- كنت رايح أشتري ميه.. عطشت.
ابتسمت قائلة:
- آه.. معلش اتأخرت عليك.. نشتري ميه وإحنا ماشيين، ماما مستنيانا والأكل جاهز، وبابا كمان رجع من الشغل.
أراد فارس الاعتذار منها والانسحاب، لكن الكلمات لم تطاوعه. استسلم قائلًا:
- تمام.. ماشي.. يلا عشان متأخرش.
ثم خرجا معًا في طريقهما إلى بيت عائلتها.
--------
وقف عيسى في شرفته يتحدث بجدية عبر الهاتف مع أحد ضباط فريقه قائلاً:
- أيه يا عماد، الجديد في قضية السفاح؟ دورتوا ورا ضحاياه زى مقولت؟
رد عماد بسرعة:
- أيوا يا فندم، بعد ما تحفظنا على اللاب توب والموبايل لقينا فلاشة جوه الجهاز، عليها صور وبيانات وفيديوهات فاضحة ليه مع طالبات من الجامعة.
فكر عيسى للحظة وهو ينظر للفراغ، ثم قال:
- هممم.. يعني احتمال كبير كان بيبتز واحدة من البنات دول، وممكن تكون هي اللي خلصت عليه.
عماد:
- لسه مش متأكدين يا فندم.. بس في نقطة مهمة، بنته رجعت النهاردة من سويسرا وأصرت تقابل حضرتك شخصياً.
عيسى:
- تمام.. بلغها إني هقابلها بكرة.
عماد:
- حاضر يا فندم.. في أوامر تانية؟
عيسى:
- عملتوا إيه في قضية عمر بديع؟
عماد:
- العشيقة لسه مصممة إنها ما قتلتوش، ومحاميها قدم طعن جديد في القضية.
عيسى:
- ماشي.. نراجع الملف ده بكرة.
عماد:
- تحت أمرك يا فندم.. مع السلامة.
عيسى:
- مع السلامة.
أنهى عيسى المكالمة، وشعر أن رحمة ووالدته تأخرتا في إعداد الشاي، فقرر أن يذهب ليرى ما الذي أخرهماقبل أن يتحرك عيسى من مكانه، رن هاتفه مرة أخرى. نظر إلى الشاشة بجدية ثم أجاب بسرعة:
- مساء الخير يا فندم، تحت أمرك.
جاءه صوت العميد خالد عبد الحميد، مدير المباحث الجنائية، حازماً:
- يا عيسى، وصلتوا لإيه في موضوع السفاح؟ أنا محتاج تقرير واضح.
عيسى:
- تحت أمرك يا فندم.. لحد دلوقتي لقينا فلاشة فيها صور وبيانات فاضحة مع طالبات من الجامعة. الاحتمال الأقرب إنه كان بيبتز واحدة منهم، وممكن تكون هي اللي قتلته. ولسه هقابل بنته اللي رجعت النهاردة من سويسرا.
العميد:
- كويس.. بس خلي بالك، القضية دي واخدة اهتمام من فوق جدًا. أنا مش عايز أي غلطة. أول ما تقابل البنت ابعتلي تقرير كامل.
عيسى:
- مفهوم يا فندم.. هتوصلك كل التفاصيل أول بأول.
العميد بنبرة صارمة:
- تمام.. شوف شغلك يا عيسى، وإحنا وراك. مع السلامة.
عيسى:
- مع السلامة يا فندم.
أغلق النقيب عيسى الهاتف للمرة الثانية، وزفر بعمق، يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، ثم تحرك ليرى رحمة ووالدته في المطبخ..
وبينما كان عيسى يقف عند باب المطبخ، التقط أذنه أصوات ضحكات خفيفة وحديث دافئ بين أمه ورحمه، وقد اندمجتا سويًا في الكلام.
رشا كانت تقف أمام الحوض تغسل الأطباق، وقالت وهي تهز رأسها:
- لولا إن حماتي ـ الله يرحمها ـ كانت ست طيبة وكومل، كانت سابت سلفتي دي تستقوى عليا.. بقولك يا بنتي، دي كانت ست شرانية أعوذ بالله!
رحمه جلست على الرخامة، كوب الشاي بين يديها ترتشف منه رشفات صغيرة، ثم ردت بابتسامة مشاغبة:
- بس انتي غلطانة.. انتي اللي سكتلها من الأول. أول مرة رمتلك كناسة السلم قدام البيت، كنتي روّحتي ورمتيهالها قدام شقتها.. العقربة دي!
ضحكت رشا وهي تضع طبقًا مكانه برشاقة:
- يا بنتي دي كانت بتفضح الدنيا وتقعد...
وقبل أن تكمل، لمحته يدخل بخطوات هادئة، قائلًا بمكر:
- الله الله! انتو وصلتوا لمرحلة "سلفتك القرشانه" امتى؟
قهقت رشا وهي تلوّح بالفوطة في وجهه:
- هو انت مفيش فايدة فيك يا واد انت، داخل تتسحب لي كده ها؟
ثم نشفت يديها وقامت تضربه بخفة على كتفه. أما رحمه، فقد نزلت من على الرخامة وهي تضحك على منظره، وقالت بمرح:
- تستاهل.. عشان ما تدخلش في كلام الستات تاني.
عقد عيسى حاجبيه مصطنعًا الجدية:
- وحياة ماما ، تب صبّيلي كوباية الشاي بتاعتي وهتهالي على البلكونة.. يلا.
ردت رشا متصنعة الحزن:
- والله؟ وهتسبوني لوحدي يعني! لا، وديله الشاي وتعالي نكمل كلامنا.
ضحك عيسى وهو يلوّح بيده:
- إيه رأيك ترنّي على خالتو تكلميها؟ انتي ما كلمتهاش النهارده.
فكرت رشا لحظة ثم أومأت:
- أيوه تصدق! دي هتزعل مني خالص.. طيب خدوا الشاي واسبقوني، أنا هخلص اللي في إيدي وأجيلكم.
ضحكت رحمه وهي تنهض:
- حاضر يا طنط.
أوقفتها رشا بنظرة جادة مصحوبة بابتسامة حانية:
- الله! مش قولنا يا "ماما"؟
ابتسمت رحمه بخجل وهي تصحح:
- حاضر يا... ماما.
راقبهم عيسى بصمت وابتسامة خفيفة تسرّبت على وجهه، ثم ما لبث أن تقدمت رحمه نحو الصينية لتصب الشاي. وقبل أن تحملها، قال لها عيسى وهو يمد يده:
- هاتيه، أنا هشيله.. لتتدحرجي بيه!
قهقت رحمه وهي تنظر إليه بتحدٍ:
- أنا شلت حاجات أتقل من كوبايتين شاي بكتير..
ثم سبقته بخطواتها نحو الشرفة. انتظرها عيسى حتى ابتعدت قليلًا، ثم مد يده وأمسك بيد أمه قبل أن تتصل بخالته:
- ماما.. أوعي تقوليلها على موضوع رحمه، ها! بقولك اهو، عشان لو قولتلها هزعل منك.
قهقت رشا بخبث أمومي:
- ليه يا واد؟ دي هتفرحلك!
زفر عيسى بضيق وهو يعدل من وقفته:
- هو أنا كتبت كتابي؟ دا مجرد تعارف وبس.. يعني مفيش بينا أي حاجة. بلاش تحطي التاتش بتاعك، ها؟
ابتسمت رشا وهي تهز رأسها:
- حاضر يا عيسى.. ربنا يسهلك أمورك يا بني.
- آمين .يارب يامى عن اذنك بق
ثم تحرك بخطوات سريعة خلف رحمه متجهًا نحو الشرفة..
..........
في الجانب الآخر، وصل فارس ودليدا إلى بيتها، وكانت فيلا كبيرة توحي من اللحظة الأولى بأنهم من عائلة غنية. ابتسم فارس بمرارة وهو يشكر ربه في داخله، فقد أيقن أن عائلتها لن ترضى بشخص فقير مثله، وهذا كان سببًا يسهل عليه تركها دون أن تحزن كثيرًا على خسارته.
كانت الفيلا محاطة بأسوار عالية وبوابة ضخمة، وما إن توقفت السيارة، أسرع اثنان من رجال الأمن لفتح البوابة على مصراعيها، وما إن دخلا حتى أُغلقت من جديد. نزل فارس مع دليدا ليجد والديها في انتظارهما أمام الباب بابتسامة ترحيب.
قال والدها أكرم وهو يمد يده إليه:
- أهلا أهلا يا فارس.. نورت بيتنا المتواضع.
ضحك فارس في سره ساخرًا: "متواضع! أمال بيتنا يبقى إيه بنسبه ليكم.. بيت الخدم "، ثم قال بصوت مسموع وهو يصافحه:
- شكرًا جدًا يا عمّي، أنا اللي اتشرفت بمقابلتكم والله.
ابتسمت فريدة، والدة دليدا، بحفاوة:
- اتفضل.. نورتنا والله. أول ما ديدى قالتلي، أمرت الطباخ يجهز لنا أحسن ما عنده.
ابتسم فارس شاكرًا ودخل معهما. كان المنزل من الداخل لا يقل فخامة عن الخارج؛ أرضيات رخامية لامعة، ثريات كريستالية تتدلى من السقف، ولوحات فنية كبيرة تزين الجدران. في منتصف المدخل سلم عريض يصعد للأعلى، وعلى جانبيه صالات فسيحة بأثاث راقٍ وألوان متناغمة، ليزداد يقينه أن هذه الحياة بعيدة تمامًا عن عالمه البسيط.
قادهم أكرم بخطوات واثقة نحو صالون واسع تعلوه ثريا ضخمة تتلألأ بألوان الذهب، جلس هو إلى جانب زوجته، وأشار لفارس أن يتفضل بالجلوس. جلس محاولا إخفاء ارتباكه بابتسامة خفيفة.
دخل أحد الخدم حاملاً عصائر فاخرة على صينية فضية، فوضعها أمامهم برفق.
قال أكرم وهو يتأمل فارس بعين فاحصة:
- اتفضل مد إيدك يا ابني، اشرب عصير لحد ما الغداء يجهز.
مد فارس يده بحرج ممسكًا بالكأس.
أكمل أكرم وهو يتفحصه:
- ديدى بتتكلم عنك كتير يا فارس.. واضح إنك واخد مكانة كبيرة عندها.
ارتبك فارس قليلًا ثم أجاب:
- والله يا عمّي، ديدى إنسانة طيبة جدًا وأنا اتشرفت جدًا بمعرفتها ومعرفتكم.
ابتسمت فريدة، لكن كانت ابتسامة خاليه من الرضا فيها شيء، وكأنها تحاول وزن كلماته وحضوره معًا.
رد أكرم، وعلت شفتيه ابتسامة ثقة:
- واحنا كمان اتشرفنا بمعرفتك يا فارس.
لم تمض دقائق حتى دخل الطباخ وعرض المائدة، ورائحة الطعام ملأت المكان، مزيج من الأطباق الشرقية الفاخرة والمأكولات الغربية، لدرجة جعلت معدة فارس تضطرب، ليس من الجوع، بل من تداخل عدة روائح متناقضة لأنفه.
وقفت دليدا لتقلل الحرج عن فارس، وقالت بخفة:
- يلا يا جماعة.. السفرة جاهزة، أنا هموت من الجوع.. ماما طالبة أصناف تحفة هتعجبك أوي يا فارس.
مدت يدها وأمسكت يده ليقف معه، وقاما معًا نحو السفرة.
ضحك أكرم بخفة وهو يتبعهم مع زوجته نحو السفرة، وقف كل منهم عند كرسيه عندما أشار لهم أكرم بالجلوس.
سأل أكرم دليدا:
- أخوكي فين يا دليدا؟
ردت دليدا:
- قال هيتغدى مع صحابه بره، وبعد كده عنده ميعاد رايح معرض الكتاب.
أخرج أكرم زفيرًا بعصبية:
- غدا بره ومعرض كتاب؟ دا بدل ما يساعدني في الشركة...
ردت دليدا:
- بابا مش وقته الكلام دا، وبعدين هو عارف مصلحته كويس وعنده شغله الخاص بيه.
أومأ أكرم برأسه لينهي هذا الجدال الغير نافع، ثم بدأ بتقطيع قطعة اللحم التي أمامه، موجّهًا وجهه تجاه فارس قائلاً:
- وانت يا فارس شغال إيه؟
ابتسم فارس بحرج وقال ببعض التردد:
- عامل توصيل في مطعم.. وحاليًا بكتب كتب وبنشرها على المنصات وبحاول ألاقي دار نشر كويسة أنشر عليها كتبي.
ردت فريدة لتسبق أكرم في الرد:
- شغال دليفرى؟ وكاتب؟ شغلانتين مش مناسبين مع بعض خالص.
قاطعتها دليدا مدافعة:
- فارس طموح وقريب هيبقى كاتب مشهور، أنا قرأت كتبه وعجبتني جدًا، وبالنسبة للدليفرى، دي شغلة مؤقتة.
رد أكرم وهو يلتهم قطعة من اللحم:
- إحنا بس بنتطمن على مستقبله.
لم يكن الحديث يروق لفارس، الذي جعله يشعر بعدم انتماء أبداً لتلك العائلة. أراد فقد الاستئذان والذهاب للمنزل ليحدث رحمة عن كل ما حدث، ويعترف لها أنها كانت لعبة غبية لعبها عليها.
-----------
في شرفة عيسى، وقفت رحمة ترشف رشفه شاي، بينما كان عيسى يراقبها قائلاً:
- ممكن أسألك سؤال؟
نظرت رحمة نحوه، ثم التفتت نحو المارة، وهي تومئ برأسها:
- أممم.. اتفضل.
اتكأ عيسى بزراعيه على سور الشرفة، ثم قال:
- علاقتك إنتي وفارس عبارة عن إيه؟
ردت رحمة، وهي ما زالت تتجنب نظراته:
- عاوز الصراحة ولا بنت عمها؟
اعتدل عيسى وقال بإهتمام:
- لا.. الصراحة طبعًا.
نظرت رحمة نحوه، ثم أخذت نفسًا عميقًا قائلة:
- مأمني الوحيد.. بئر أسراري.. شخص يقبلني بكل عيوبي من غير ميعاير ولا يجرح، بيسمعني وبيهتم بكل شيء يخص حياتي.. فارس هو عيلتي يا عيسى.
استمع عيسى لها باهتمام، ثم نظر نحو الشارع، شرد قليلاً، وقال بحزن:
- يعني بتحبيه.. صح؟
ابتسمت رحمة:
- أيوه، طبعًا بحبه جدًا.. بس مش زي ما أنت فاكر. أنا بحب فارس حب نقي، خالي من أي مصلحة أو شهوة.. بغير عليه جدًا بس مش عشان عاوزاه يبقى حبيبي أو زوجى، بس عشان بخاف يقل اهتمامه بيا أو حبه.
ابتسم عيسى ساخرًا:
- بس يا رحمة، فارس مش بيعتبرك كده، أكيد إنتي حاسة بده.
ابتسمت، ثم قالت بخفة:
- آه، عارفة.. بس مش حابة أصده عشان مجرحوش أو أخسره.
ثم صمتت قليلًا، وأضافت بضحة حانقة:
- وبعدين، هو دلوقتي مع ديدى، وهيتعرف على أهلها، واحتمال يخطبها كمان.
سأل عيسى متسائلاً:
- ديدى مين؟ مش صاحبتكم اسمها جيهان؟
ضحكت رحمة:
- لا.. ديدى دي عرفها من على الفيس.
نظر للفراغ، ثم سأل بفضول:
- اسمها ديدى إيه؟
قالت وهي تحاول التذكر:
- قال اسمها دليدا أكرم عمران، باين.
قال عيسى:
- آها.. عرفتها.. أبوها رجل أعمال مشهور عنده شركات استيراد وتصدير كبيرة بره وجوه مصر.
لم يهمها حديثه عن فخامة عائلتها كثيرًا، لكن عندما ذكر أخوها شعرت بشيء غريب:
- قولت.. أخوها مالو؟؟
تعجب عيسى من رد فعلها:
- أدهم عمران دكتور نفسي، مشهور بره مصر ولسه راجع قريب عشان يفتح عيادته هنا.
شعرت رحمة بإحساس غريب، تمنت ألا يكون صحيحًا، ثم قالت لعيسى، محاولة التظاهر بالتعب:
- أنا حاسة إني تعبانه أوي، ممكن أروح.. وعندي معاد لازم أروحه.
رد عيسى بعدم فهم:
- أنا قولت حاجة زعلتك؟؟
ابتسمت رحمة ابتسامة مزيفة:
- لا خالص.. بس أنا مش متعوده أكل كتير وحاسة بتخمه.. عاوزه أروح، معلش.
رد عيسى بتفهم:
- طيب ماشي، هوصلك.
عجّلت رحمة:
- لأ، خليك.. هاخد تاكسي، عشان خاطري.. بلاش الحاح.
استسلم عيسى وقال:
- تمام، ماشي، هوصلك للباب.
مشى معها حتى الباب، خرجت وركبت المصعد، تلوح له مودعة.
قفل عيسى الباب وهو شارد الفكر، فجاءت والدته مسرعة:
- الله! هي مشت ليه؟ أوعى تكون زعلتها.
رد عيسى:
- لا والله، ما عملت حاجة، كنا بنكلم والدنيا تمام، فجأة قالت عاوزه أروح.. بتقول تعبت عشان كلت كتير.
قالت والدته بحنية:
- خلاص سيبها ياحبيبي.. يمكن فعلاً تعبت. تعالا نكمل كلامنا جوه عشان تعبت من المواعين.
ذهب معها، لكن عقله ظل شاردًا مع رحمة التي ذهبت مسرعة.
نزلت رحمه من المصعد مسرعة، تتحدث مع نفسها بغضب مكتوم:
اوعا يفارس يكون الى بفكر فيه ....
أوقفت تاكسي على عجل، واتجهت نحو منزلها، وأرسلت رسالة قصيرة لفارس: انت فين
جاءها الرد سريعًا: انه فى اتجاه المنزل ..
قرأت الرسالة، لم ترد، لكنها جلست تنتظر لقاؤه بفارغ الصبر، وقلبها يشتعل بالأسئلة.
عند وصولها إلى المنزل، صعدت الدرج بخطوات مضطربة، وحين حاولت فتح الباب سقط المفتاح من يدها. انحنت تلتقطه، لكن فارس فتح الباب فجأة، ملامحه يكسوها القلق وهو يقول:
- مالك يارحمه ؟
دفعت صدره بيدها لتُدخله إلى الداخل، أغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمامه بعينين جادتين قائلة:
- فارس هسألك سؤال واحد وتجاوبنى بصراحه
ارتبك قليلًا، ثم قال بقلق:
- اتفضلى يا رحمه خير؟؟
اقتربت منه أكثر، غرزت نظراتها في عينيه، ثم قالت:
- حوار دليدا دا عملته عشان اغير عليك صح
ابتلع فارس ريقه ببطء، ثم أجاب بصمود مصطنع:
- اه صح بس والله كنت هقولك بس انا...كان قصدى ..غير انى اخليكى تغيرى ..بصى انا كنت عاوز اعمل حاجه بس مش هكمل خلاص لانى مش هستحمل
ارتسمت على شفتي رحمة ابتسامة ساخرة ممزوجة بالمرارة، وقالت بحدة:
- كنت عاوزنى اتعرف على اخوها الدكتور صح وكل دا انت مخططله عشان اتكلم معاه ويبدا معايا جلسات علاج وبرضايه صح
أغمض فارس عينيه للحظة، كأن صدره انقبض من انكشاف سره بهذه السرعة. حاول أن يهدئها:
- رحمه اهدى انا بحاول اساعدك انت محتاجه تتكلمى مع دكتور نفسي وانا قولتلك كدا كذا مره
قاطعته بغضب متفجر:
- وانا كان ردى اى يافارس
- رفضتى يا رحمه .. قالها بأسف.
صرخت بحدة وهي تضرب الأرض بقدمها:
- يبق بتجبرنى ليه...ليه انتى شايفنى مجنونه انا كل الى بعملو انى بريح الناس من شر المؤذين ..انا بساعد الناس ..انا مش مجنونه
ارتفع صوتها أكثر فأكثر، حتى صارت تصرخ وتهتف بكلماتها الهوجاء، تلتقط أي شيء من حولها وتقذفه على الأرض بعشوائية. تراجع فارس بخطوات بطيئة للخلف، عيناه متسعتان بخوف لم يعرفه من قبل.
تقدمت نحوه، وفي يدها بقايا كوب زجاجي متهشم. رفعت عينيها نحوه، فوجدت في نظراته ما لم تتوقع يومًا أن تراه... الخوف منها.
كانت تسمع بوضوح نبضات قلبه المتسارعة، وصوت ريقه وهو يبتلعه بصعوبة.
فجأة، رمت الكوب من يدها، وقالت بصوت مبحوح متردد:
- انت خايف منى ؟
ظل صامتًا، لم يجب، فاشتعل غضبها أكثر.
اقتربت منه خطوة وقالت بصوت منكسر حزين:
- عارف انا شوفت في عنيك ايه دلوقتى
- ايه؟ قالها بصوت مبحوح.
- نظره خوف مش بشوفها غير فى عيون الضحايا وانا بقتلهم ..
شحب وجه فارس، وحاول أن يتمالك نفسه قائلاً برجفة صوته:
- رحمه انا مش خايف منك انا خايف عليكى ..
ابتسمت ابتسامة مرتبكة، كأنها بين التصديق والاستهزاء، ثم التفتت بسرعة، فتحت الباب، وخرجت مسرعة.
لحق بها فارس وهو يناديها:
- رحمه .. رحمه استنى
لكنها استدارت نحوه بعدما نزلت عدة درجات، عيناها تلمعان بدموع القهر والغضب، وقالت بتهديد قاطع:
- ابعد عنى يا فارس ...والا والله اقتلك
تجمد فارس مكانه، مذهولًا من انفجارها غير المتوقع، يراقبها وهي تهبط الدرج مسرعة، والدموع تتطاير منها مع كل خطوة، تاركة وراءها صدى انهيارها... وصمته العاجز.
ظلت رحمه تتجول في الشوارع بلا هدف، تتجاهل رسائل أدهم المتكررة واتصالاته التي تذكّرها بموعد معرض الكتاب. لم يكن لديها رغبة في الرد، وكأنها تهرب من كل شيء ومن الجميع. ومع مرور الوقت تسلل الليل، وامتلأت السماء بسحب كثيفة ثقيلة، توحي بقرب سقوطٍ اضطراري للأمطار، كأنها انعكاس مباشر لاضطرابها الداخلي.
كانت خطواتها تترنح بين الأرصفة، ملامحها شاردة، ودموعها تختنق في عينيها. تبكي من الداخل، تصرخ بصمتٍ مدوٍّ، وتشعر وكأن العالم يضيق حولها شيئًا فشيئًا حتى يُطبق على صدرها فيخنقها حدّ الموت.
وبينما هي تسير بلا وعي، تسلّل إلى مسامعها صوت شهقات بكاء... لم يكن صوتها هذه المرة، بل كان لشخصٍ آخر. توقفت، التفتت ببطء، تتبّعت مصدر الصوت. ومع كل خطوة داخل الأزقة الضيقة، راحت تسمع همسات متقطعة تختلط بأنين طفل.
حتى وصلت أمام شارع ضيق مظلم، بالكاد تتخلله خيوط نورٍ باهتة. هناك، رأت مشهدًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
رجل خمسيني، ملبسه أنيق لا يوحي بالفقر، يمسك بطفل صغير. وعلى الأرض بجواره تناثرت علب مناديل، وملابس الصغير كانت واضحة، طفل من أولئك الذين يبيعون المناديل عند إشارات المرور.
تسمرت رحمة مكانها، تراقب بصمت دون أن يلحظا وجودها. كان الرجل يخرج أوراقًا مالية من جيبه، يلوّح بها أمام الطفل وهو يحاول إجباره على أمر شنيع. الطفل كان يبكي بحرقة، دموعه تنهمر مع شهقاته، يترجاه أن يعطيه المال دون أن يؤذيه.
لكن الرجل، وقد ضاق صبره، ألقى المال أرضًا بعنف، ثم اندفع نحو الصغير، بنيه سرقه برائته..
في تلك اللحظة، لمعت عيون رحمه وجدت من تطفأ به لهيب غضبها فاندفعت، صرخت بصوت مزّق سكون الليل:
- "ابعد عنه ياحيوان ياقذر
.......تبع ...
لكل قرائى الحلوين ..اسفه على التاخير اوقات بفقد الشغف اتنمى تشجيعكم يحلوين عشان اكمل الروايه ...بحبكم ♥️🫂
shimaa Reda