عروس البحر

عروس البحر

11 0

انتهت التحاليل وأثبتت النتائج سلبيتهم جميعًا، ليُعلن براءتهم من تهمة تعاطي المخدرات. ورغم ذلك، ظل الصمت ثقيلًا يخيّم بينهم؛ لم يتبادلوا نظرة واحدة، ولا كلمة عابرة. كلٌّ من جيهان وفارس كان يختنق بالحرج، محمَّلين بما ارتكبه أهلهما من إهانات لرحمه، بينما هي غارقة في أسى ثقيل ينهش صدرها، تشعر أنّ وجودها صار سببًا في ألم أصدقائها.

خرجوا من مبنى المختبر، وكانت رحمه تسرع في خطواتها محاولة أن تتركهما خلفها. أدرك فارس الأمر، فركض نحوها وأمسك معصمها برفق :

ـ "رحمه، انتى زعلانه مننا؟ أنا عارف إن أهلينا قالوا كلام مش حلو، بس إحنا ملناش ذنب."

لأول مرة، رأى فارس دموعها تنهمر بلا مقاومة، ضعف لم تعهده ولم تجرؤ على إظهاره من قبل. التفتت إليه وقالت بصوت متهدّج:

ـ "انتو لازم تروحوا.. أهاليكم زمانهم قلقانين.. أنا عاوزه أبقى لوحدى شويه."

وقفت جيهان على بُعد خطوات، يعتصر قلبها ألمًا وهي ترى صديقتها الأقرب تتفتت أمامها. أما فارس، فكان يتألم لألمها وقال بإصرار:

ـ "رحمه، أنا مش هسيبك لوحدك.. مهما قولتى ومهما عملتى، انتى فاهمة؟"

انتزعت يدها منه بعنف، ومسحت دموعها بكفيها، ثم استقامت بثبات قاسٍ وقالت:

ـ "أنا مبقتش عوزاكم ف حياتى. اعتبروا إنكم مقبلتونيش قبل كده. كل واحد فينا يروح لحاله. أنا مش شبهكم ولا انتو شبهي."

ارتفع صوت فارس بغضب يحاول أن يغطي على ارتعاش روحه:

ـ "كلامك ده مش هيهز فيا شعره.. عارفة ليه؟ عشان أنا عارف إنه مش طالع من جواكى."

تقدمت جيهان لتحتضنها، لكن رحمه دفعتها بعنف، تصرخ في منتصف الطريق:

ـ "متلمسيش واحدة مشردة زيي تاني! أنا مش من مستواكم!"

تسمرت جيهان في مكانها مصدومة، ثم همست والدمع يسبقها:

ـ "رحمه، احنا بنحبك.. ومش عاوزين نخسرك. كلام أهالينا ميهمناش.. احنا مش ممكن حاجة تفرقنا مش دا وعدنا لبعض."

لكن رحمه انفجرت كبركان، :

ـ "أنا عارفه إنك بتحبي فارس! وعارفه إنك مبقتيش طيقاني عشان أنا وهو قريبين من بعض!"

تجمد فارس في مكانه، والدهشة تصفعه، بينما شحب وجه جيهان كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. واصلت رحمه دون ان تهتم:

ـ "اطمني يا جيهان.. أنا مش بحبه، ولا عمرى هحبه. أنا أصلا مش بحب حد. أنا كنت مصاحباكم عشان مش عاوزه أعيش لوحدى. كنتوا مجرد ملو فراغ في حياتي.. وسهل أملأه بحد تاني."

صرخت جيهان غيظًا، ورمت حقيبتها في وجهها:

ـ "انتى واحدة بياعة وزبالة! وغلطانة أصلا إني عرفتك! أمي كان عندها حق!"

ثم التقطت حقيبتها عن الأرض ورحلت، ترمقها بعيون يكسوها الغضب والخذلان.

انهمرت دموع رحمه بلا وعي، تسللت على خديها، بينما فارس ما زال واقفًا يحاول أن يستوعب انهيار كل شيء. التفتت نحوه وقالت بمرارة:

ـ "مستني إيه؟ ارمينى بحاجة إنت كمان.. امشوا. أنا مش عوزاكم في حياتي اصلا"

لكنه أجاب بصوت منكسر، يحمل كل ما تبقى من دفء:

ـ "رحمه.. احنا عمرنا مكنا ملو فراغ. احنا أهلك.. ومفيش أهل بيتخلوا عن فرد منهم. أنا جمبك مهما عملتي. تعالى أروحك، وهسيبك تهدي.. وبعدين نتكلم."

صرخت فيه بحدة كالسيف:

ـ "إنت إزاى عديم الكرامة كده؟ أنا قولت مش عوزاك في حياتي! مش هتفرض نفسك عليا! ابعد عن سكتي، وأوعى تفكر تكلمني أو تجيلي.. والله يا فارس هتندم!"

ثم استدارت ورحلت، تاركة خلفها فارس محطمًا، تتساقط دموعه و قلب مهشّم، واقفًا وحده في منتصف الطريق، يتألم بصمت مرير.

------

وصل فارس إلى باب منزله لا يعلم كيف قطع الطريق أو متى وصل. قدماه كانتا تتحركان وحدهما، كأن جسده يسير بلا وعي، مثقلًا بهمومه حتى أنه لم يشعر بألم خطواته. أخرج المفتاح ، فتح الباب، ودخل بخطوات ثقيلة.

وجد أمه في انتظاره، وما إن وقعت عينها عليه حتى اندفعت نحوه تركض وكأن قلبها عاد إليها . احتضنته باللهفة، وقالت بصوت مخنوق بالدموع:

"يا حبيبي يا ابني.. هو انت وش سجون ! منهم لله.. إيه، معندهمش نظرة في ولاد الناس؟"

لكن فارس نظر إليها بعينين ذابلتين، ، لم يحرّك شفتيه برد ولا حتى بانفعال، فزاد قلقها وهي تتحسّس وجهه:

"مالك يا ابني.. إنت مش بتنطق ليه؟ هما عملوا فيك إيه بس؟"

ابتلع فارس غصته، ثم خرج صوته مبحوحًا:

"رحمه سابتني يا ماما.. قالتلي مش عوزاك في حياتي."

اهتز قلب الأم، وامتلأت عيناها بالدمع وهي تقول:

"معلش يا حبيبي.. كلام أبوك اللي قاله مكنش قليل، ولا أم جيهان اتكلمت عنها كلام صعب. وهي يعيني ملهاش حد.. والله قطعت قلبي. سيبها تهدى يا حبيبي، وهي هترجع تكلمك تاني.. متزعلش نفسك."

لكن قبل أن يرد، خرج والده من الغرفة، صوته كالرعد وغضبه يسبق خطواته:

"نيلة عليكي وعلى تربيتك يا هانم! بتواسيه عشان البت بتاعته سابته؟ ما فداهيه الأشكال اللي زي دي! صحيح ملقتش حد يربيها."

انفجر فارس، ودموع الغضب تحرق عينيه:

"بابا.. مسمحلكش تتكلم عنها كدا! إنتِ لو كان عندك بنت ترضى إنها تتعامل المعاملة دي؟"

رد الأب ساخرًا، صوته ينضح بالاحتقار:

"أنا لو كان عندي بنت.. كنت هربيها كويس مش تربيه منحلة زي دي! تبات مع شاب في شقة واحدة؟! واللي اسمها جيهان دي كمان اللي ضحكت على أهلها عشان تتصرمح معاكم.. ناقصة تربية صحيح!"

صرخ فارس،وكأنه قد فاض به:

"بطل تحكم ع الناس بالطريقة دي! وكفاية بقى.. أنا مش صغير عشان تدخل في حياتي بالشكل دا وتضربني في الشارع قدام الناس!"

لم يحتمل الأب كلماته، فاندفع وصفعه بقوة، لتعلو شهقات الأم التي اندفعت بينهما كدرع:

"حرام عليك! هتدمر نفسيته! هو مش صغير على الضرب والعمايل دى!"

زمجر الأب، صوته يزلزل جدران البيت:

"تربيتك يا هانم.. دلعتيه لما مبقاش يفرق عن البنات في حاجة! بص ياض انت.. معدش مرواح جامعة تانى. وطول ما إنت مقضيها صرمحة، هتنزل تشتغل معايا في الورشة. أنا بقى هخليك راجل."

وقف فارس، ظهره مشدود وقال بتحدى:

"مش نازل ورش.. ومش سايب الكلية.. ومش هبعد عن رحمه. اعمل فيا اللي انت عاوزه!"

غلي الدم في عروق الأب، فانقض عليه بعنف، دفع الأم بعيدًا بيد قاسية، ثم سحب فارس من ذراعه بقوة. لم يقاوم فارس، فقط احترم أنه والده، لكن الألم كان يعصف به. دفعه الأب إلى داخل غرفته.

"طلع تليفونك!" صرخ الأب، صوته كالسوط.

ارتجف فارس، حاول أن يستعطفه:

"يا بابا بالله عليك.. متعملش كدا."

لكن الأب زمجر:

"هات تليفونك أحسنلك بدل ما أخده غصب!"

أخرج فارس هاتفه بيد مرتجفة، فأخذه والده بعنف، ثم أمسك باللاب توب أيضًا وغادر الغرفة، يغلق الباب خلفه بالمفتاح بإحكام. صوته يتردّد من خلف الباب:

"مش هتشوف الشارع إلا لما تبقي راجل. وإنتي يا هانم.. لو عرفت إنك فتحتيله الباب تبقي طالق! ولا يدخله أكل ولا مية لحد ميتربي"

دخل الاب هو الاخر غرفته وصفق الباب خلفه، فاندفعت الأم إلى باب غرفة فارس، تسند جبهتها عليه وتبكي بحرقة:

"سامحني يا فارس يا حبيبي.. هيهدى والله، واخليه يطلّعك. بالله عليك وغلاوتي عندك، متأذيش نفسك."

جاء صوت فارس من الداخل، مبحوحًا بالمرارة، يحاول أن يطمئنها رغم دموعه التي سالت رغما عنه:

"حاضر يا ماما.. أنا مش زعلان. متعيطيش انتي والنبي."

ثم جلس فارس على الأرض، يسند رأسه إلى الحائط البارد، محاولًا أن يكتم بكاءه. جسده مثقل بالهم ، وكان كل ما يشغل باله هو رحمه وكيف حالها .

-----

في الجانب الآخر، كان عيسى يحاول الاتصال برحمة مرارًا، من أجل الغداء الذي عرضه عليها، ولكن لم يكن هناك أي رد.

كان يعلم في داخله أن ما فعله بجعلها تقوم بعمل تحاليل مخدرات قد أحزنها وربما دفعها حتى إلى حظر رقمه من الأساس.

ورغم إدراكه لذلك، قرر أن يذهب لمصالحتها، فاشترى بعض الورود وتوجه إلى منزلها. طرق كثيرًا على الباب، لكن لم يجبه أحد. زاد قلقه، فسأل إحدى الجارات عنها، فأجابته أنها لم تعد إلى البيت منذ أن غادرته صباحًا.

شعر بشيء من التوتر يزحف في صدره، ولم يجد أمامه سوى أن يتجه إلى منزل أحد أصدقائها، فقرر أن يذهب إلى فارس.

وصل إلى هناك وطرق الباب، ففتحت الأم وهي تتفحصه قائلة بتردد:

- "مين حضرتك؟"

فأجاب عيسى بابتسامة ودودة:

- "أنا عيسى، صاحب فارس في الجامعة. حاولت أتصل بيه لقيت تليفونه غير متاح، فقولت أعدّي أطمن."

ردت الأم بألم ظاهر على وجهها:

- "تعالى في وقت تاني يا ابني."

قال عيسى بإصرار:

- "مش هينفع.. أنا محتاجه في موضوع ضروري."

فأجابته بحدة حزينة:

- "يا ابني قولتلك مش وقته."

خرج الأب بصوت متعصب يسأل:

- "هو مين اللي على الباب يا رباب؟"

ردت الأم بتردد:

- "ده صاحب فارس في الجامعة، جاي يطمن عليه."

ضحك الأب بسخرية وهو يقول:

- "يعني فاشل زيه .. خلّيه يمشي ويجى وقت تانى، مش ناقصين معاتيه."

أحرجت الأم من كلام زوجها ونظرت إلى عيسى بأسى. شعر عيسى بغصتها، فأخرج شارته قائلاً بصرامة:

- "معاك الظابط عيسى، ولما تكلم معايا تتكلم بأدب ،اندهلى فارس حالا."

دهشت الأم، بينما الأب ارتدى نظارته واقترب يتفحص الشارة بعين قلقة، ثم قال:

- "فيه حاجة يا باشا؟ الواد عمل إيه تاني؟"

رد عيسى وهو يقبض حاجبيه بعصبية:

- "دي حاجة متخصكش. أنا هقف عشر دقايق برّه، لو ملقتش فارس جاي ورايا هتعرف كويس أنا هعمل إيه."

ارتبك الأب وقال بقلق:

- "حاضر يا باشا.. بس اتفضل استنى جوه بدل ما.."

قاطعه عيسى بحزم:

- "نفّذ اللي قولته وبس." ثم أدلف للخارج.

نظر الأب لزوجته وقال:

- "شايفة مصايب ابنك؟ الله أعلم هبّب إيه تانى. روحي افتحيله الباب وفهميه.. داهية تاخده."

وقف عيسى في الخارج ينظر إلى ساعته بترقب، وإذا بفارس يخرج بعد دقائق قائلاً:

- "خير يا باشا؟ في حاجة ولا إيه؟"

التفت له عيسى مباشرة وسأله:

- "رحمة فين؟"

رد فارس وهو يقبض حاجبيه:

- "عاوزها ليه؟ مكفاش تحليل المخدرات؟ عايز تكسرها بإيه تاني يا باشا؟"

أجاب عيسى بحزن ظاهر:

- "أنا مش عارف إزاي عملت كده. وعارف إنها مش عاوزة تكلمني ولا تشوفني، بس أنا رحت البيت أصالحها، وجارتها قالت إنها مرجعتش. قولت يمكن عندك أو عند جيهان."

تغيرت ملامح فارس للقلق:

- "إزاي مش في البيت؟.. وأكيد مش عند جيهان، عشان همّا متخاصمين."

قال عيسى:

- "أمال راحت فين؟"

فأجابه فارس بارتباك:

- "معرفش.. استنى، ممكن أجرب أتصل بجيهان."

ممكن تلفونك؟؟

قال عيسى:

- "اتفضل، هو فين تليفونك؟"

رد فارس محرجًا:

- "أحم.. فاصل شحن."

ابتسم عيسى ساخرًا:

- "آهــا."

أمسك فارس الهاتف من عيسى واتصل بجيهان، لكن هاتفها كان مغلقًا. أدرك أن والدتها قد أخذته منها كما فعل والده، فقرر الاتصال بوالدتها مباشرة.

قال عيسى:

- "افتح الاسبيكر."

فعل فارس ذلك، وجاء صوت أم جيهان على الخط:

- "ألو.. مين معايا؟"

- "أنا فارس يا طنط..؟"

- "فارس! وليه بتتصل من رقم غريب؟ في حاجة ولا إيه؟"

- "طنط.. رحمة مجتش عندكم؟"

ردت الأم بسخرية جارحة:

- "هو أنا أستقبل الأشكال دي عندي؟ لأ طبعًا. ولو كانت جت كنت طردتها."

قال فارس مستنكرًا:

- "ليه كده يا طنط؟ اعتبريها زي بنتك.. دي يتيمة."

قالت ببرود:

- "فارس، أنا مش هاعتبر حد زي بنتي.عشان عمرها ما تتقارن بيها. جيهان من يوم ما عرفت البنت دى وهي بترجع لورا. دي مش شبهنا خالص. ويلا تصبح على خير."

أغلقت الخط ببرود دون ان تنتظر الرد، فاشتعل فارس غضبًا، بينما أصاب عيسى هو الآخر الغضب والاستحقار من تلك المرأة.

ناول فارس الهاتف لعيسى وقال بقلق:

- "زي ما انت شايف.. ملهاش مكان تروحه. أنا قلقان عليها."

قال عيسى:

- "أنا مش عارف أقولك إيه.. والله ما جاش في بالي ان دا الى هيحصل. أنا بس كنت بحاول أطمن "

رد فارس بحدة:

- "الأفضل ليك يا باشا تبعد عن سكة رحمة. لأنك مش هتسبب لها غير الأذى. وصحبتي أنا هلاقيها وهقف جنبها واحتويها مهما حصل."

ابتسم عيسى بسخرية وقال:

- "وهتعمل ده إزاي؟ وأبوك حابسك زي الفرخه في أوضتك، وواخد منك الموبايل؟"

نظر فارس إليه بدهشة:

- "وانت اى عرفك؟"

ابتسم عيسى بثقة:

- "أنا ظابط، وافاهمها وهي طايرة."

شعر فارس بالحرج وقال:

- "ده وضع مؤقت.. وهحله بإذن الله."

قال عيسى:

- "بص يا فارس، رحمة من أول لحظة شفتها دخلت دماغي. وبصراحة، ما فيش بنت تدخل دماغي وأسِيبها. كان لازم أعرف عنها شوية عشان أكون مطمئن وأنا باخد خطوة."

رد فارس بعناد:

- "بس أنا بحبها.. وأنا أعرفها قبلك. يعني أنا أحق بيها."

سخر عيسى قائلًا:

- "تمام.. بس في الآخر هي اللي هتختار. لو صدّتني، هبعد وأسيبلك الملعب. المهم دلوقتي نلاقيها."

قال فارس:

- "تمام.مش هناقشك دلوقتى الاول اطمن عليها.. يلا نعدي على كذا مكان بتحب تروحه. يمكن نلاقيها في الكافيه الى بتحبه أو واقفة على الكورنيش."

ذهب الاثنان معًا في سيارة عيسى، متجهين للبحث عنها بين الأماكن التي قد تأوي إليها.

-----

جلست رحمة على الكورنيش، تطلب القهوة مرارًا وكأنها تجد في مرارتها ما يُنسيها مرارة همها. كان تفكيرها مشغولًا بفارس وجيهان، تلك التي أوجعتهما بكلماتها، وتحديدًا نظرات فارس التي لا تستطيع نسيانها، ولا كلماته الحنونة التي قابلتها هي بكلمات جارحة.

أثقلها التفكير وهي تراقب المراكب في النهر، تذهب وتعود، حتى لمحت مركبًا كبيرًا يُقام عليه عرس، وتعالت منه أصوات الفرح والزغاريد. دفعت الحساب ثم همّت بالذهاب نحو المركب، لعلها تجد فيه ما يعيد إليها بعض البهجة.

دخلت، فغمرتها أجواء العرس التي امتلأت بالافراح؛ عريس يمسك بيد عروسه ويغنيان مع الأغاني المتعددة، بينما يصفق الحضور ويهللون. ولكن عينيها التى تصداد فرائسها رصدتا مشهدًا مختلفًا: شابًا يمسك بيد فتاة في زاوية بعيدة عند مقدمة المركب، لا يلحظه أحد، وكان وكأنه يهددها

ذهبت بخطوات خفيفة نحوهم حتى لا يلمحاها، فوجدت الشاب يمسك معصم الفتاه بشدة ويقول لها مهددًا:

ـ "لو ما وافقتيش تعملي اللي قولتلك عليه، هفضحك بالصور اللي معايا، وإنتي عارفة أهلك هيعملوا فيكي إيه كويس لو شافوا الصور دي."

فتترجاه الفتاة قائلة:

ـ "اللي إنت بتطلبه مني صعب.. وهضيع مستقبلي. دا ذنبي إني وثقت فيك وحبيتك، واستأمنتك على صوري.. تروح تفبركها وتهددني يا عصام؟"

فيرد ساخرًا:

ـ "وثقتي ايه بت! إنتي لولا إنك واحدة مش تمام ماكنتيش بعتيلي صورك.. الله أعلم بعتّي لمين تاني."

ثم شد معصمها بغضب قائلا:

ـ "فكري في اللي قولتلك عليه.. وإلا مش هرحمك."

ودفعها لتسقط على ركبتيها، ثم تركها ورحل، وهي تبكي بحرقة وتقول:

ـ "أهلي هيموتوني.. أعمل إيه بس يا رب؟"

بعد بكاء دام لعدة دقائق، اتجهت نحو طرف المركب وكأنها تنوي أن ترمي نفسها في البحر. أمسكت بالسور المعدنى وصعدت فوقه، وقبل أن تهوي بنفسها جاءت رحمة من خلفها بسرعة وسحبتها، ليسقطا الاثنتان معًا على الأرض.

ازدادت الفتاة بكاءً وهي تقول:

ـ "ليه أنقذتيني؟ أنا كنت عايزة أموت."

قالت لها رحمة، وهي تمد يدها لتوقفها:

ـ "مافيش حد يستاهل تخسري حياتك عشانه."

أمسكت الفتاة بيدها ثم نهضت وقالت:

ـ "أعمل إيه؟ أنا في مصيبة ملهاش حل."

فأجابتها رحمة:

ـ "مهما كان اللي تعبك.. روحك أغلى وأثمن."

قالت الفتاة باستسلام:

ـ "ربنا كبير.. بس بالله عليكي، متقوليش لحد إني كنت هارمي نفسي."

فأجابت رحمة:

ـ "حاضر.. وإنتي متعمليش كده تاني وكدا كدا انا مش عرفاكى عشان اقول لحد."

ثم سألتها الفتاة وكانها تغير الموضوع:

ـ "هو إنتي تبع مين.. العريس ولا العروسة؟"

قالت رحمة ساخرة:

ـ "أنا تبع البحر.. هو اللي جابني هنا عشان ألحقك."

ضحكت الفتاة بمراره ثم قالت:

ـ "ههه.. يا ريت فعلًا ينفع حد ينقذني من اللي أنا فيه."

ردت رحمة:

ـ "كل حاجة وليها حل.. إطمني."

نظرت الفتاة نحو البحر وقالت:

ـ "شكيت همي ليك يا بحر.. وشكيت للي خلقني وخلقك. هو قادر ينقذني من اللي أنا فيه.. زي ما بعتلي اللي أنقذني من الموت."

ثم استأذنت من رحمة وذهبت خوفًا أن تبحث عنها أمها. اما رحمه وقفت تفكر لقد وعدت فارس بأنها لن تقتل ثانية، لكن تلك الفتاة تحتاج المساعدة، وإلا هي التي ستنهي حياتها. فمن الأحق بالموت؟ هي.. أم ذلك الحقير؟ وطبعًا نعلم ما الذي اختارته.

ذهبت بعد أن اتخذت القرار نحو تجمع العرس ثانية، تبحث بأعين مترقبتين عن ذلك القذر، فوجدته يرقص مع بعض الشباب. حين نظرت نحوه التفت إليها، فظلّت تبعث له نظرات كأنها نظرات إعجاب. وكالأحمق، اقترب منها وبادلها النظرات، ثم غمزت له لتدعوه أن يتبعها. لمح ما تخبره به عيناها، فانتظر أن تغادر أولًا، ثم لحقها كي لا يلحظه أحد.

ذهبت رحمة إلى نفس المكان الذي كانت فيه مع الفتاة منذ قليل، وجاء الأحمق وراءها، يتبع شهواته.ثم قال لها وهو يتفحصها بعينين حقيرتين:

ـ "إنتي غمزتيلي أجي وراكي.. صح؟"

فردت برقة مصطنعة:

ـ "بصراحة آه.. إنت شدتني أوي من بين كل اللي واقفين، وكنت حابة نتعرف."

ابتسم كالابله وقال بغرور:

ـ "أنا بغطّي على الكل.. عارف إنك مقدرتيش تقوميني."

ضحكت ضحكات متتالية وقالت:

ـ "آه طبعًا.. إنت جامد جدًا."

ثم نظرت نحوه نظرة نعرفها، قبل أن تنقض عليه فجأة، تمسكه من ياقة قميصه وتدفعه بسرعة شديدة نحو سور المركب حتى تدلى نصف جسده للخارج. صرخ بذعر:

ـ "إيييه اللي بتعمليه دا يا مجنونة؟ هقع في البحر!"

ضحكت بسخرية:

ـ "هو دا اللي أنا عاوزاه.. البحر يبلعك وينهش السمك لمحك القذر دا."

قال الشاب متوسلًا:

ـ "ليه؟ أنا عملتلك إيه يا ست إنتي؟ هو أنا جيت جمبك؟"

ردت رحمة بشرارة غضب:

ـ "والبنت اللي كنت بتذلها هنا من شوية لدرجة إنها كانت هترمي نفسها في البحر؟!"

فرد مسرعًا لينقذ نفسه:

ـ "خلاص.. خلاص! أمسحي بنفسك الصور.. بالله عليكي مش عاوز أموت."

شعرت رحمة أنه من الممكن أن تتركه يعيش وتفي بوعدها لفارس، وفي الوقت نفسه تحذف الصور وتنقذ الفتاة. فسحبته من جديد وأعادته إلى أرض المركب ، جلس يلتقط أنفاسه، فقالت له بلهجة آمرة حادة:

ـ "هات تليفونك يلا."

وقف مكانه وقال بمكر:

ـ "طيب.. دقيقة، هجيبهولك."

لكنها شعرت منه بالغدر وهو يفتش في جيبه، واذا به يخرج مطواة حادة وفتحها في وجهها قائلًا:

ـ "أنا هشرحك! ومش عصام اللي يتهدد من واحدة زيك.. دا وأنتى راحه كنت انا جاى يبت ***."

ابتسمت رحمة من زاوية فمها وقالت:

ـ "إديتك فرصة.. بس إنت ضيعتها بإيدك يخساره."

هاجمها بالمطواة شمالًا ويمينًا، لكنها تجاوزته حتى وصلت إلى طرف السور. حاصرها ورفع يده التي تمسك بالمطواة ثم دفعها بقوة نحوها، لكنها بسرعه فائقة أمسكت سن السكين بيدها. تجمد مكانه مصدومًا من رد فعلها، فينما دمها يسيل على يديها . لم تهتم، بل سحبت المطواة من يده، ثم قبضت على ياقة قميصه بيدها الأخرى، وتبدلت الادوار ليصبح هو في اتجاه الصور. دفعته بقوة حتى أصبح نصف جسده يتدلى خارجًا، وقالت:

ـ "ماكنتش تستاهل أرحمك.. زى لما مرحمتش الى قبلك "

وقبل أن يتوسل إليها من جديد، تركت ياقة قميصه، فانزلق جسده ليسقط في البحر، وتصطدم به الأمواج حتى جرفته تحت المركب .

وقفت رحمة، ثم ألقت المطواة خلفه، وأخرجت منديلًا ربطت به يدها. من حقيبتها ثم أخرجت كراسة وقلمًا، كتبت بضع كلمات في ورقة، ثم انسحبت بتسلل حتى لا يلحظها أحد.

بحثت عن الفتاة حتى وجدتها جالسة على إحدى الطاولات. اقتربت منها رحمة ووقفت أمامها، وقبل أن تنطق الفتاة، وضعت أمامها الورقة وهمّت بالذهاب. تابعتها الفتاة بعينيها بتعجب، ثم التقطت الورقة بيد مرتجفة لتقرأها، بينما رحمة تبتعد، وتختفي من على السفينة.

بدأت الفتاة تقرأ الورقة:

في مدينة عريقة تطل على البحر الواسع، عاش ملك أنهكه المرض حتى أشرف على الهلاك. أتى أحد الحكماء إليه وقال:

"شفاؤك لن يكون إلا إذا أكلت من لحم ذيل عروس بحر."

لكن تحقيق ذلك لم يكن بالأمر الهيّن، فالأساطير كانت تقول إن عرائس البحر يمتلكن قوى خارقة تحميهن، وإن البحر يثور ويغضب غضبًا عظيمًا إن حاول أحدهم اصطياد إحداهن بالقوة.

ومع ذلك، لم يكن الملك يريد الموت، فأصدر أمرًا عجيبًا: أعلن أن من يجلب له ذيل عروس بحر، فسيزوجه إحدى بناته، ويجعله وليًا للعهد وخليفةً له في الحكم.

انتشر الخبر بين الصيادين، غير أن خوفهم من نقمة البحر كان أعظم من شهوة السلطة والمال. تراجع الجميع... إلا صياد ماكر.

كان ذلك الصياد يبحر كل مساء في قاربه، ينشد أشعارًا عن جمال عرائس البحر، وعن حلمه أن تحبه إحداهن وتتزوجه. ومع مرور الليالي، وقعت إحدى عرائس البحر في سحر كلماته، فأظهرت نفسها له، وأخبرته أنها أحبته كما أحبت أشعاره.

تكررت لقاءاتهما، وتورط قلبها في حبه ووقعت في شباكه سلمت له روحها طواعية. وذات ليلة، جاء يناديها على الشاطئ دون قاربه، متعللًا بأنه مريض وقد منعه الحكيم من النزول إلى البحر. صدقته العروس، واقتربت منه، بل جرفت بنفسها خارج البحر لتكون بجواره. حينها لمعت عينيه ببريق الغدر وقام بسحبها اكثر عن المياه، وأخرج خنجرًا كان يخفيه، ثم باغتها فقطع ذيلها بلا رحمة. سقطت تتلوى من الألم، بينما حمل هو ذيلها فرحًا متجهًا نحو قصر الملك.

راقب البحر المشهد في غضب عارم، ورأى محبوبته تذبل وتفارق الحياة،ثار وهاچ وأقسم أن ينتقم.

قدم الصياد الذيل للملك، فأكله الأخير وتعافى من مرضه. وفى بوعده وزوّجه ابنته. لكن غضب البحر لم يهدأ؛ إذ حرم المدينة من خيره وغذائه، وأصبح يثور على كل من يقترب منه.

استدعى الملك حكيمًا آخر يستشيره في مصيبته، فقال له:

"لن يزول غضب البحر إلا إذا سلّمته رقبة من قتل عروسه."

لم يتردد الملك، فأمر جنوده بالقبض على الصياد ورميه في البحر. وحين ابتلعته الأمواج، رفعه البحر عاليًا ثم أخذ يصفعه بأمواجه الغاضبة حتى مزقه إربًا، انتقامًا لعروسه الجميلة.

وكانت العبرة التي دوّنها الحكماء:

"من يغدر بك، سيأتي من يغدر به لأجلك."

فتنهى كلماتها ...مات الصياد وماتت معه الام تلك العروس الجميله ....

فمت الفتاه مغزى ما قرأته وظلت تلتفت حولها ثم خبأت الورقه في حقيبتها ....

نهايه البارت ...

اتمنى رايكم بكل صراحه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة