شامة العيون

شامة العيون

11 0

أصواتٌ متداخلة، بعيدة، كأنها تصدر من قاع نفقٍ مظلم… بدأت عيناها تنفتحان ببطء، تتثاقل جفونها، حتى وقعت عيناها على وجهٍ لطالما أحبته وتعلّقت به، لكنه لم يبادلها يومًا نفس الشعور… إنه وجه أمها.

همست بصوتٍ متهدّج يحمل بين طيّاته الألم:

ـ ماما؟

ابتسمت الأم ابتسامة باهتة وهي تقول بارتياح:

ـ الحمد لله فاقت…

لكن ما أثار فزعها حقًا لم يكن ابتسامة الأم، بل ذاك الوجه الآخر الماثل بجوارها، ذلك اللعين… ذاك الذي تعرفه جيدًا،  ارتجفت كل خلية في جسدها وهي تراى امها تحدّثه بهدوء كأنها تعلم بكل ما حدث!

انتفضت فجأة، وجلست تحتضن ركبتيها، تصرخ بمرارة:

ـ دا بيعمل إييييه هنا؟! طلّعيه بره يا ماما، دا…

لكن الأم قطعتها بحزمٍ جارح:

ـ عيب كدا! دا انكل خالد اللي بيحبك… اتأسفيله يلا.

صُعقت رحمة من ردة فعل أمها، حدقت فيها بصدمة تكاد تشق قلبها نصفين… أيعقل؟!كيف لها أن تتحدث بهذا الهدوء وهي تعلم ما فعله ذلك الوحش بطفلتها؟!

تعثرت الكلمات على لسانها، خرج صوتها مكسورًا:

ـ أأ… اتأسفله؟! ماما… البني آدم دا أذاني… ماما دا…

لكن صفعة نارية أنهت حديثها، صفعة أدمت روحها قبل وجنتها، وتركت أثرًا حارقًا على وجهها. تبعتها كلمات أشد قسوة من السياط:

ـ قولتلك تحترمي انكل خالد! وإلا هرميكي في الشارع لكلاب السكك… انتي فاهمة يا بنت سليم؟

في تلك اللحظة تجمعت الدموع في عينيها، وانغرس حجر صلب في حلقها حتى كاد يخنقها. شعرت وكأنها تسقط في قاع بئرٍ عميق لا نهاية له. لا تصدق ما تسمعه، ولا ما تراه… المشهد كله بدا كابوسًا، لكنه كابوس من الجحيم.

رأت أمها تدير ظهرها وتغادر بخطواتٍ ثابتة، وزوجها الشيطاني يتبعها بابتسامةٍ ملعونة. أغلقا الباب خلفهما، تاركينها وحيدة وسط هذا الألم القاتل…

الموت، في نظرها، صار أرحم مئة مرة من هذا العبث.

__________________

احتضنها بقوّةٍ حتى شعرت بألمٍ يعتصر أضلاعها، حاولت بكل ما تملك أن تُبعده عنها ولكن لا محالة؛ كان كمن يُحكم قبضته على روحها لا جسدها فقط. تناثر شعرها الطويل وتبعثر على وجهها ثم التصق به من أثر التعرق ، كان يزيد من اختناقها بين ذراعيه. صاحت بصوت غاضب يتخلله الوجع:

ـ "فارس سبنى… جسمى وجعنى."

اقترب أكثر، بأنفاسٍ متلاحقة تكاد تحرق رقبتها، كان مثل المخمور، مسلوب العقل، أسيراً لعطرها الذى يتسلّل إلى روحه فيُشعل بداخله ناراً لا يُطفئها شيء. كانت تسمع ابتلاع ريقه بصعوبة، ومعه كانت تسمع أيضًا ضربات قلبها، تتسارع كطبول الحرب فى رعبٍ لم يسبق لها أن عايشته منذ ذلك اليوم الملعون. ارتجف جسدها بالكامل قبل أن تصرخ بخوفٍ مكتوم:

ـ "ابعد عنى… ابعد!"

تجمد فارس لوهلة ثم أفلتها كمن يهرب من نارٍ ملتهبة، تراجع بضع خطوات إلى الخلف، وعيناه تتسعان فى ذعرٍ لم يفهم سببه. نظر إليها، فرأى دموعها تبلل وجنتيها، وجسدها يرتجف كالورقة فى مهب ريحٍ عاصف. شعر بقطرات العرق تنحدر من جبينه، ولسانه ينعقد قبل أن يتلعثم بصوت مرتعش:

ـ "ا… ا أنا آسف، مكنش قصدى…"

لكن كلماته تساقطت جوفاء لا تحمل أى معنى، كأنها لا تصل إليها أصلاً؛ فما زرعه من رعبٍ بداخلها لن يُمحى بسهولة. لم يظن يوماً أن يكون مصدر أذى لها، بل كان يحلم أن يكون مأمنها، ملاذها. ومع هذا، ها هو يقف أمامها صورةً مغايرة لكل ما أراد. شعر بالاختناق والعجز، فاندفع نحو الباب مسرعاً، فتحه، وخرج هارباً بخطواتٍ مضطربة تهوى على السلالم كمن يفرّ من جريمة اقترفها للتو.

أما هى، فقد تركها خلفه تبكى بحرقة، جسدها يرتجف حتى سقطت على ركبتيها أرضاً. غاصت بين يديها تستحضر كل تلك الذكريات المؤلمة، كأن أبواب الماضى انفتحت دفعةً واحدة، تُسمع أنين قلبها يعلو على صمت المكان. لم تجد ملامةً تُلقى بها على أحد… سوى نفسها؛ فهى وحدها من أوصلت نفسها إلى تلك الحالة الممزقة.

_____________________

كانت تجلس على ذلك الكرسى القاسى الذى ينهش ظهرها، أمام مكتبٍ غاصت فوقه الأوراق المتناثرة، وإلى جواره مصباح قديم يبعث ظلاً خافتًا يتوسط الغرفة الباردة بجدرانها الكئيبة. حاولت أن تلهى نفسها بالنظر حولها لتقتل توترها، لكن عينيها لمحتا بقع العفن وقد تسربت إلى السقف، وتلك اللمبة العتيقة تتدلى من منتصفه كأنها على وشك السقوط.

أسقطت بصرها نحو يديها المرتجفتين بلا توقف، تغرز أظافرها فى كفها لعلها تهدأ، لكن بلا جدوى. كل شيء من حولها يزيد ثقل اللحظة، حتى عقارب الساعة المعلقة على الحائط، تدق بلا توقف، وكأن الزمن يصر أن يسير مثقلاً ببطء قاتل.

قطع حبل أفكارها صوت خطوات تقترب من الخارج، وقلبها قفز بين أضلاعها. نظرت نحو الباب بقلقٍ ينتظر المصير. فتح الباب، ودخل هو… بهيبته المرعبة، مرتديًا زيه الميرى، وسلاحه يتدلى على خصره. خطواته ثابتة، صلبة، كأن الأرض ترتج من تحت قدميه. اتجه إلى مقعده الجلد الواسع، خلع سترته ووضعها على ظهر الكرسى، ثم جلس، فتح ملفًا أمامه ونظر إليها بحدة قائلاً بنبرة رسمية قاطعة:

ـ "أخبارك يا… يا أمنيه أحمد الوكيل؟"

تلعثمت الفتاة، وجهها يتصبب عرقًا، وحروفها تتساقط متقطعة:

ـ "الحمد لله… كويسه… ممكن اعرف انا متبهدله في القسم للمستشفى بقالى كام يوم ليه؟"

ابتسم عيسى بهدوءٍ جاد، كمن يلقى قنبلة بصوتٍ هادئ:

ـ "يعنى مش عارفه؟ موصلكيش خبر قتل الدكتور ولا إيه؟"

ابتلعت ريقها بصعوبة، عينها تائهة، وصوتها يخرج متحشرجًا:

ـ "وصلى طبعًا… بس أنا مالى وماله؟"

ضحك بسخرية، وقال وهو يميل بجسده للأمام:

ـ "بتهزرى صح؟ أمال اللى في بطنك دا يبقى ابن مين يا بت؟ ها؟"

شهقت، وحاولت الدفاع عن نفسها بسرعة:

ـ "يباشا أنا هفهمك كل حاجه، بس أنا أقسم بالله ما قتلته."

فرك عيسى جبهته بإرهاق، ثم قال بتهكم بارد:

ـ "أممم… محدش لسه اتهمك بقتله.بس بما انك مقتلتهوش فا احكيلى كل حاجه من البداية، من طقطق لسلام عليكم."

أخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تضبط ارتعاشها، ثم بدأت تسرد:

ـ "أنا اتعرفت ع الدكتور في أولى جامعه، كنت بحضر السكاشن بتاعته بانتظام، وأراجع المحاضرات أول بأول. كنت عاوزه أنجح وأثبت لأهلى إنى مش فاشله زى ما بيقولوا… خصوصًا عشان فوت طب وهندسه."

قال عيسى وهو يربط الخيوط:

ـ "أممم… وبعدين؟"

ـ "بعدين روحتله كام مره بعد المحاضره أسأله على نقط يشرحهالى. فى الأول كان محترم، بعدين بدأ يتحرش بيا… بس مقدرتش أتكلم، كنت عاوزه أستغل قربى منه إنه يرفعنى فى الماده. عدت شهور، وبعدين طلب منى أروح له المكتب، رفضت فى الأول، لكن وعدنى بالامتياز في الماده فوافقت. ومن هنا بقت لقاءاتنا منتظمة… لحد ما اكتشفت إنى حامل. لما عرف شتمنى وضربنى، وهزقنى، وقفل كل أبواب التواصل وعملى بلوك من كل حته، حتى المحاضرات كان بيطردنى منها ويقول عليا كلام وحش."

رمقها عيسى بنظرة صقر وقال:

ـ "قمتِ انتى نويتى تنتقمي منه وروحتيله المكتب وقتلتيه، صح كدا؟"

هزت رأسها بعنف، وصاحت مدافعة:

ـ "واقسم بالله ما حصل! أنا مقدرش اقتل فرخه أصلاً. لو كنت بعرف اقتل… كنت خدت الفلوس اللى عطاهالى ونزلت الطفل، وعملت عمليه أرجع بنت زى البنات الى قبلى. بس أنا مهنش عليا اقتل الجنين، هقوم اقتله هو؟!"

اعتدل عيسى فى جلسته، وقال بلهجة تحقيق:

ـ "أمال عملتى إيه؟"

ـ "ولا حاجه، يباشا… روحت هددته إنى هقول لمراته كل حاجه لو معترفش باللى فى بطنى أو يكتب ورقه عرفى أرجع بيها ميه وشى قدام أهلى. بس هو مهموش، بالعكس هددنى إنه هيقتلنى أنا واللى فى بطنى. فاضطريت اعترف لأهلى، وخدت منهم اللى فيه النصيب، وبعدين جوزونى لواحد غلبان من شارعنا وأدوه فلوس عشان يتسترو عليا. ومقبلتش الدكتور دا تانى غير لما سمعت بقتله."

زفر عيسى بضيق، مسح على وجهه، ثم قال:

ـ "هعمل نفسى مصدقك. بس تقوليلى… آخر مره شوفتيه امتى باليوم والساعة؟ وكنتى فين يوم الحادثة؟"

تنفست بسرعة وقالت:

ـ "بص يا باشا، آخر يوم شوفته كان يوم خميس الساعه 9وشويه كان قبل المحاضرة روحت هددته باللى قولتلك عليه، فقلى تعالى ورايا. خدنى لأوضة العمال ورا مبنى الكليه. أول ما دخلت ضربنى وشتمتى، وقالى لو قربت منه تانى هيقتلنى. سابنى ومشى.وأنا فضلت أعيط وطلعت مشرط، كنت عاوزه انتحر، بس جات طالبة كانت مرقبانا وخدت المشرط منى وقالتلى أوعى تعملى كدا فى نفسك. ساعدتنى أخرج، وركبتنى تاكسى وروحت. لما وصلت أهلى عرفوا، ضربونى وحبسونى، قطعونى عن الدنيا. وبعد كام يوم عرفت خبر قتله من أخويا، ورانى الخبر على النت ، يعنى وفي الوقت الى تقتل فيه كنت محبوسه في بيتنا "

انحنى عيسى للأمام، وقال باهتمام:

ـ "مين الطالبة دى الى شافتكم ؟ اسمها إيه؟"

فتحت فمها لتجيب، لكن الباب طرق فجأة، ودخل العسكرى:

ـ "يا فندم، النقيب محمود من الأدلة الجنائية جاي يسلم لحضرتك نسخة من تفريغ الكاميرات بتاعة واقعة نادر العزونى."

قال عيسى:

ـ "تمام، دخلو. وخد أمنيه على الحبس، وخلى بالك منها عشان حامل."

غارقة فى دموعها، لكنها تمسكت بخيط أمل رفيع أن يصدقها. أخذها العسكرى للخارج، بينما دخل محمود وألقى التحية وجلس مكانها.

ـ "إزيك يا عيسى. إحنا سلمنا النسخة الرسمية للنيابة، وجبتلك نسخة تساعدك فى التحقيقات."

أومأ عيسى:

ـ "تمام يا حودا، ورينا وصلتوا لإيه."

فتح محمود اللاب توب ووضع الفلاشة، شغل أول فيديو. ظهر طفل يبيع مناديل للسيارات، حتى توقفت سيارة نادر أمامه. فتح نادر النافذة وأعطاه نقودًا، ثم فتح له الباب ليركب بجانبه. تحركت السيارة. فى الفيديو التالى، توقفت السيارة أمام المكتبة، ونزل نادر ومعه الطفل، دخلا شارعًا داخليًا ضيقًا، مليئًا بممرات جانبية بين المساكن. هناك في واحداً من تلك الممرات الضيقه وقعت الجريمة.

بعد قليل، بدأت الأمطار تهطل. وضوح الكاميرا كان رديئًا، الصورة ضبابية، والرؤية خافتة. ومع ذلك، ظهر ظل شخص يتبعهم. انتهى الفيديو.

قال عيسى بسرعة:

ـ "رجع الحتة دى."

أعاد محمود اللقطة، كبر الصورة، لكنها ظلت مشوشة. حاول عيسى التدقيق، لمح شعرًا منسدلًا على الوجه:

ـ "شكلها زى ما تكون بنت."

أومأ محمود:

ـ "أيوا، حتى من هيئة الجسم،ممكن تكون بنت. أو ممكن برده ولد شعره طويل وجسمه نحيف."

أعاد عيسى ظهره إلى الكرسى، وقال بجدية:

ـ "السؤال المهم… الراجل دا كان واخد الولد فى الشارع دا ليه؟ كل إجاباتنا هتبقى مع الولد دا."

مد يده:

ـ "تمام ياحودا، سلمنى الفلاشة واتفضل انت عشان معطلكش ومعلش بقا تعبناك معانا ."

ابتسم محمود:

ـ "ولا تعب ولا حاجه، دا واجبنا. عن إذنك."

خرج محمود، فنادى عيسى على العسكرى يطلب منه أن يستدعى عادل. بعد قليل، دخل عادل مسرعًا:

ـ "خير يا باشا، طلبتنى؟"

ضحك عيسى وقال:

ـ "خير يا دولا، وبلاش باشا دى. إحنا قريب هنبقى كتاكيت زى بعض. قولى يا عيسى عادى."

ضحك عادل:

ـ "تمام يا عيسى. إيه الى حصل بقى؟ شوقتنى."

قال عيسى بابتسامة جانبية:

ـ "اللى حصل فى حياتى الخاصة ولا فى الشغل؟"

ـ "تحب تبدأ بإيه؟"

ـ "بشغل طبعًا. فوق يا عادل، فى الشغل نتكلم فى الشغل. وبالنسبة لموضوعى أنا، وإحنا خارجين هعزمك على أكلة حلوة واحيلك و آخد رأيك فى كام حاجه."

ابتسم عادل:

ـ "تمام، قبلت العزومة. إيه بقى المهم فى الشغل؟"

ناوله عيسى الفلاشة:

ـ "هتاخد دى، فيها عيل صغير نادر أخده وركبه عربيته. تقلبلى الدنيا وتجيبه قدامى فى أسرع وقت. مفاتيح القضية كلها عنده."

رد عادل بحزم:

ـ "حاضر. فى ظرف كام ساعة هيكون قدامك."

ابتسم عيسى وقال:

ـ "ايوا بقا ، هو دا الشغل.المهم احكيلى… كان إحساسك إيه أول مرة دلعتك فيها؟"

انفجر عادل ضاحكًا، وظلا يتبادلان الأحاديث الظريفة، يخففان عن أنفسهما ثقل العمل.

___________________

منذ أن غادر فارس، جلست رحمة تبكى بحرقة، تتعالى شهقاتها حتى ابتلت ملابسها من دموعها الغزيرة. حاولت أن تنهض، وما إن وقفت حتى وقعت عيناها على المرآة المعلقة أمامها، انعكست صورتها المرهقة، فتأملتها بدهشة ووجع. كانت عيناها متورمتين، وأنفها ووجنتاها احمرتا بشدة من البكاء.

تنفست بعمق، ولملمت خصلات شعرها المبتلة بالدموع والعرق لتسحبها للخلف، تمسح دموعها بكفيها المرتجفين، وتحدث نفسها بصرامة مكسوة بالانكسار:

ـ "فوقى يا رحمة… دى مش طبيعتك."

اتجهت إلى الحمام، غسلت وجهها بالماء البارد، وجففته كأنها تطوى صفحة ما حدث وتلقى بها فى ركن بعيد من ذاكرتها، ركنٍ مظلم لا تريد العودة إليه. خرجت تمسك مقشتها وجروفها، تجمع الزجاج المتناثر، ثم بدأت ترتب الشقة شيئًا فشيئًا، وكأنها تحاول محو كل أثر يذكرها بما قررت نسيانه.

دخلت المطبخ، غسلت أوانيها، وأدارت أغنيتها الفرنسية الكلاسيكية المفضلة. راحت تتمايل مع أنغامها الرقيقة وتدندن معها، كأنها تقنع نفسها بأن ما مضى قد انتهى، والماضى يظل فى مكانه لا يعود، بينما المستقبل مجهول لا يستحق أن يشغل بالها.

حلّ الليل، وأسدل ستائره الثقيلة. أخذت دشًا ساخنًا كعادتها، ثم جلست ترتشف كوب اللبن الدافئ الذى اعتادت أن يسبق نومها. تمددت على سريرها، أمسكت كتابها المفضل، راحت تقرأ سطور صفحاته حتى غلبها النعاس، وغرقت فى نومٍ عميق.

وفى الجهة الأخرى، كان فارس يسير فى الطرقات كالتائه، قدماه تتخبطان كأن الأرض تنكر خطواته. يداه ترتعشان كلما تذكر دموعها… نظرتها… خوفها. التهمه الذنب أكثر، فتوقف بجانب حائط، وراح يهوى بقبضته عليه مرارًا، حتى تشققت يده وبدأ الدم يسيل على ذراعه.

استدار وجلس أرضًا مستسلمًا لوهنه، حينها لفت انتباهه هاتفه الذى لم يكف عن الرنين. نظر إلى الشاشة، فإذا بها "دليدا". أطلق زفيرًا غاضبًا، ضغط على زر الإجابة، وقال بصوتٍ ممتلئ بالضيق:

ـ "خير يا دليدا، عمالة تتصلى من امبارح ليه؟ طالما مردتش من أول مرة، اعرفى إنى مش عاوز أرد."

جاءه صوتها مندفعًا، يختلط بالوجع:

ـ "إيه المعاملة دى؟ يعنى أنا قلقانة عليك وبرن عشان أطمن، وفى الآخر ترد تقولى كدا؟! افرض كنت فى مشكلة ومحتجاك يا أخى؟ متردش! أنا عملتلك إيه يا فارس عشان تتجاهلنى كدا؟"

سمع بكاءها المكتوم، وشعر بوخز فى صدره، فقد أدرك أن هذا اليوم لم يترك له سوى أخطاء متلاحقة. قال بأسف:

ـ "أنا آسف… بس أنا نفسيتى وحشة."

ردت بصوتٍ حنون:

ـ "مالك يا فارس؟ أنا بردو حاسة إن فى حاجه تعباك. فضفض معايا يمكن أخفف عنك."

أطرق برأسه، ثم قال بحدةٍ تخفى انكساره:

ـ "أنا مش هعرف أقولك إيه اللى تعابنى، بس اللى عاوز أقولهولك فعلاً… إن اللى بينا مش هينفع يستمر. أنا كنت بتسلى… تمام. وياريت كل واحد فينا يروح لحاله."

تقطعت أنفاسها، وخرج صوتها متحشرجًا من بين دموعها:

ـ "كنت بتتسلى!؟… إنت شايفنى مجرد تسلية يا فارس بجد؟ ولا إنت بتقول كدا عشان طريقة معاملة بابا وماما زعلتك؟"

قاطعها ببرود:

ـ "مفيش حد زعلنى يا دليدا، أنا اللى مش عاوز أكمل. أهلك ناس طبيعيين، بيتعاملوا بطريقتهم عادى. وكدا كدا عندهم حق يكلمونى كدا… عشان أنا من دنيا، وإنتى من دنيا تانية. والأهم يا دليدا… إنى مش بحبك، تمام."

شهقت بذهول، وقالت بصوت مكسور:

ـ "ياااه… إيه القسوة دى؟ مكنتش أعرف إنك أنانى أوى كدا. طب حتى وصلهالى بأسلوب أحسن من كدا."

وبدأت تبكى بحرقة. أغلق عينيه لوهلة، يحدث نفسه: كم من النساء ستبكيهن يا سيد فارس؟ وكم من شخصًا ستهتز صورتك أمامه؟ ثم قال لينهى المكالمة:

ـ "مع السلامة يا دليدا."

لكن صوتها خرج مسرعًا، يوقفه:

ـ "استنى! نتقابل بس لآخر مرة… ممكن؟ لازم أشوفك بنفسى وإنت بتقولى كدا. عشان خاطرى يا فارس… آخر طلب."

أطلق زفيرًا طويلًا، ثم أجاب بفتور:

ـ "ماشى يا دليدا… ابعتيلى عنوان المكان اللى إنتى فيه وأنا أجيلك."

ـ "تمام… أنا عند صحبتى، هستناك تحت بيتها."

أنهى فارس المكالمة، وهو فى أعماقه لا يريد لقاءها. يعلم أنه لن يحتمل دموعها وجهًا لوجه، ولن يستطيع أن يعيد على مسامعها تلك القسوة مرة أخرى.

_________________________

وصل فارس إلى العنوان الذى أرسلته دليدا. وجدها جالسة أمام منزل على كرسى استراحة قديم، يمتد فوقه عمود إنارة يبعث نورًا خافتًا فى ليلٍ مظلم، ليل أخفى القمر خلف غيومٍ سوداء كثيفة. اقترب منها بخطواتٍ مترددة، كانت منشغلة تتصفح هاتفها، رفع صوته قليلًا مناديًا:

ـ "دليدا…"

رفعت رأسها نحوه بسرعة، وضعت هاتفها بجانبها، وقفت على الفور. لاحظت يده المجروحة، ملامحه الشاحبة، وعينيه المتورمتين، كان فى حالٍ لا يُرثى لها. مدت يدها بلهفة، تمسك يده المصابة وهى تقول بانكسار:

ـ "مالك يا فارس؟ إيه اللى عمل فيك كدا؟"

سحب يده منها ببطء، وصوته يتكسر:

ـ "أنا جيت أهو زى ما طلبتى… وبقولها لك فى وشك… أنا كنت بتسلى… ومش بحبك، تمام."

تراجعت أنفاسها للحظة، نظرت إليه بعينين مثقلتين بالحزن، ثم قالت برجاء خافت:

ـ "طيب… ممكن تقعد هنا… خمس دقايق بس."

أومأ برأسه، وجلس على الكرسى، لتجلس هى بجانبه. أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تتهيأ لقول ما سيوجعها هى قبله، ثم قالت:

ـ "أنا عارفة إنك مش بتحبنى يا فارس… وعارفة إنك بتحب رحمة… وكنت بضايقها بيا."

رمقها بدهشة، ثم تساءل بحدة:

ـ "ووافقتى ليه تكملى وإنتى عارفة كدا؟"

ردت بحسرةٍ ثقيلة:

ـ "عشان كنت عاجبنى… وللأسف حبيتك يا فارس. كنت مفكرة لما نقضى وقت سوا هتحبنى أنا كمان، بس للأسف… ما كنتش عارفة إنك هتنهى الموضوع بسرعة كدا."

قال مستغربًا:

ـ "أنا مش فاهم… إنتى عرفتى إنى بحب رحمة منين أصلا؟"

ابتسمت بوجع:

ـ "فارس… أنا أعرفك من زمان. شوفتك كذا مرة فى الكافيه اللى اتقابلنا فيه أول مرة، لأنه قريب من كلياتنا إحنا الاتنين. كنت بشوفك مع رحمة، ومعاكم واحدة تانية كنت بتناديها جيجى. أعجبت بيك أوى من كلامك وهزارك معاهم، وخدت بالى كمان إنك معجب برحمة. حتى فاكرة موقف… صحبتها هزرت معاها ورشت عليها مية، إنت اتعصبت عليها وزعقتلها، وفضلت تدى رحمة مناديل تنشف هدومها… لدرجة إن رحمة هى اللى هديتك وقالتلك: فى إيه يا فارس، محصلش حاجة لكل دا، جيجى بتهزر."

تذكر فارس الموقف، فارتسمت ابتسامة باهتة على زاوية فمه، كأنه يراه أمام عينيه الآن. همس لنفسه "يا ريت الأيام دى ترجع…"

واصلت هى حديثها:

ـ "واحدة صاحبتى ساكنة فى شارعكم قالتلى إن عيلتك عيلة بسيطة… بس كل دا ماهمنيش. اللى كان يهمنى إنى أكلمك وأتعرف عليك. دخلت كلمتك على الفيس، إنت اتجاهلتنى كتير، بس أخيرًا عبرتنى ورديت… وابتدينا نتعرف."

سرح فارس قليلًا، يتذكر أنه وافق على الحديث معها فى البداية لأنه كان يعلم أن لها أخًا طبيبًا نفسيًا مشهورًا، وكان يطمع أن يساعده فى علاج رحمة. لكنه سرعان ما عاد من شروده قائلًا بصرامة:

ـ "وكل اللى بتقوليه دا يا دليدا… هيفيد بإيه؟ مش هيغير فكرتى… أنا بحب رحمة برده."

هزت رأسها باستسلام، ثم همست:

ـ "عارفة… بس بعرفك إنى عاوزاك مهما كان."

نظر إليها ساخرًا:

ـ "يعنى إيه؟ هتكملى معايا غصب عنى ولا إيه؟ مش فاهم."

قالت بسرعة:

ـ "لأ… خلينا صحاب، بلاش ارتباط دلوقتى. أنا متأكدة إن رحمة مش بتحبك، ولما إنت تتأكد كويس من دا، هتفكر تدى علاقتنا فرصة."

أجابها بحدة:

ـ "يا دليدا… ما ينفعش. أنا عمرى ما هتخلى عن رحمة."

ابتسمت بخفوت، وصوتها يتهدج:

ـ "طيب… أنا بقولك خلينا صحاب، مش عاوزة منك أكتر من كدا."

صمت فارس يفكر، فقاطعته هى:

ـ "ها… قولت إيه؟"

زفر بعمق، ثم أجاب على مضض:

ـ "ماشى يا دليدا."

أمسكت بحقيبتها، أخرجت منديلًا وزجاجة عطر صغيرة، رشت قليلًا على المنديل، ثم أمسكت يده المجروحة، راحت تمسحها بلطفٍ شديد. تألم قليلًا لكنه تماسك، فابتسمت نحوه قائلة:

ـ "من واجب الصحاب إنهم يعالجوا جروح صحابهم… ولا إيه؟"

ابتسم فارس بخفة:

ـ "ولا إيه."

عاد شيء من الفرح لملامح دليدا، وظلت تحكى له عن صديقتها، وتحكى عن مراقبتها الدائمة له قبل أن يتعارفا. لكنه لم يكن معها ، كان عقله قد فرّ بعيدًا… عند رحمة. هناك فى شقتها، يتساءل فى صمتٍ موجع" يا ترى هى بخير دلوقتى؟"

____________

فى صباح اليوم التالى، استيقظ فارس بعد أن قضى ليلته عند صديقه عمر. غادر مسرعًا، خطواته تحمل توترًا واضحًا، وقلبه يخفق بارتباك وهو يتجه نحو بيت رحمة. حين وصل، فتح الباب ببطءٍ شديد، وكأنه يخشى المواجهه ، يتمنى أن تكون قد خرجت للجامعة أو سبقته للعمل، ليتفادى عينيها. دخل للداخل، خلع حذاءه وأغلق الباب خلفه بحذر، يسير بخطواتٍ مترددة.

جاءه صوتها من المطبخ، صافٍ وواضح، يقطّع أوصاله:

ـ "صباح الخير."

تجمد مكانه، التفت نحوها بزعرٍ ظاهر وقال متلعثمًا:

ـ "ص… صباح النور. إيه مصحيكى بدرى كدا؟"

كانت تقف ممسكة بكأس عصير، ارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم ثبتت نظرها عليه متأملة حاله الشاحب وعينيه القلقتين قبل أن تسأل بهدوء:

ـ "إنت كنت فين؟"

ارتبك أكثر، يتلعثم:

ـ "كنت بايت عند عمر صاحبى… مكنتش حابب أرجع بعد اللى حصل."

قاطعت حديثه بنبرة حاسمة، كأنها تريد أن تغلق الموضوع من جذوره:

ـ "هو حصل إيه؟ أنا مش فاكرة غير إن إنت مشيت."

وقف مذهولًا من رد فعلها. أحقًا لا تتذكر؟ أم أنها تتعمد تجاهل ما حدث؟ ولماذا؟! وقبل أن يحاول الاستفهام، اقتربت منه ومدت يدها بمفتاح قائلة:

ـ "امسك… دا مفتاح شقتك. صاحب العمارة عطالك مهلة لآخر الشهر تدفع المقدم."

مد يده يأخذ المفتاح منها، وعيناه تتفحصها بقلقٍ بالغ، ثم قال بصوتٍ متهدج:

ـ "رحمة… هو إنتى زعلانة منى؟ صدقينى أنا مكنتش فى وعيى، أنا…"

لكنها قاطعته بهدوءٍ قاطع:

ـ "قولتلك مفيش حاجة حصلت. اللى فات هيفضل ماضى… والأحسن ليا وليك ننساه. واللى جاى مش لازم نفكر فيه عشان منعرفوش. يبقى خلينا فى النهارده. أنا كلمت عم بكرى إنى هروح الشفت المسائى عشان عندى محاضرات مهمة… آه، وإنت كمان."

رمش بعينيه فى حيرة، قبل أن يسأل متعجبًا:

ـ "أنا إيه؟"

ابتسمت بخفة وهى تكمل:

ـ "هتحضر الشفت المسائى عشان عندك محاضرات. مذكرتك على ترابيزة السفرة، وجنبها حاجة الجامعة. وآه، هنخلص المحاضرات ونروح نشترى لك شوية هدوم، عشان إنت بهدلتلى لبسى."

ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، أعجبته طريقتها، وكأنها أم تملى على ابنها ما يجب أن يفعله، وبحزم لا يجرؤ أن يخالفه. لم يجد ردًا إلا أن يومئ رأسه موافقًا وهو يقول:

ـ "حاضر يا ماما رحمة… تأمرى بحاجة تانية؟ إحنا أوامر ماشية على الأرض."

ضحكت بخفة وقالت:

ـ "هات علبة الإسعافات وتعالَ ورايا على الكنبة."

أسرع فارس يحضرها كطفلٍ مطيع، ثم عاد إليها وجلس أمامها مطرقًا، كطفلٍ صغير أصيب وهو يلعب، وأمه تداوى جرحه. أخذت يده برفق، نظفتها بمطهر الجروح، وضعت قطنًا وشاشًا ثم ثبتته بلصق طبى. رفعت نظرها نحوه وقالت بحزم أمٍ مشفقة:

ـ "أوعى تعمل كدا تانى."

رد بسرعة، وكأنه يقسم:

ـ "عمرى ما أفكر أزعلك منى تانى."

ابتسمت برفق وقالت:

ـ "أوعى تعور نفسك تانى يا فارس. قوم يلا، محضّرة لك لبس جوا، البسه لحد ما نشترى اللبس بتاعك."

قفز من مكانه مسرعًا، ملوحًا بيده وهو يضحك:

ـ "فوريره!"

انفجرت رحمة فى ضحكة دافئة وهى تتابعه يهرول باتجاه الغرفة. تعرف جيدًا أن فارس لم يكن يومًا مصدر أذى لها… لكنها تدرك أكثر أنها هى الأذى ذاته.

-------------------------------------

وقفت أمام مرآتها الكبيرة، ترفع شعرها لأعلى وتربطه كذيل حصان مرتب، ثم أخذت تمسح وجهها برفق بالمرطب قبل أن تضع بعض اللمسات الخفيفة من المكياج الذي يبرز نعومة ملامحها. تحركت بخطوات هادئة نحو مكتبها الوردي الصغير، ذاك الركن الذي تعشقه، حيث بدأت تلملم أدواتها وكتبها التي ستحتاجها في الكلية. وضعت كل شيء داخل حقيبتها التي زينتها بلعبة صغيرة تدعى (لبوبو)، اللعبة التي أرهقت أمها أياما طويلة بالرجاء والتوسل حتى اشترتها لها، والآن لا تفارقها، بل تنتظر أن تريها لصديقاتها وتتباهى بها أمامهم.

جلست تفتح مذكرتها الوردية وتخط فيها بخط مرتب ما الذي ستحتاجه بعد انتهاء محاضراتها اليوم:

"أحتاج أقلام من المكتبة… لازم أجيب من محل أدوات التجميل بودي سبلاش ولوسيون للجسم… ولو الفلوس كفت يمكن أشتري ميكب."

وبينما هي شاردة تفكر في احتياجاتها، قطع أفكارها صوت نغمة هاتفها. التقطته بسرعة لتجد رسالة واردة من "رحمة". اتسعت عيناها اندهاشا وهي تقرأها بصوت مرتفع:

"ممكن نتقابل؟"

شعرت بارتباك غريب، ثم أسرعت ترد:

"تمام، أنا رايحة الكلية، إنتي رايحة؟"

جاء الرد سريعا:

"آه هستناكي."

قفز قلبها بين فرح وقلق، جمعت جيهان أشياءها على عجل وهمّت بالخروج، لكن أمها وقفت أمامها لتوقفها.

زيزى: "حبيبتي افطري قبل ما تنزلي."

جيهان: "لا يا ماما، مش جعانة… هاكل هناك."

زيزى: "خلاص، ماشي… معاكي فلوس؟"

جيهان: "آه."

اقتربت منها أمها تحدّق في وجهها بتمعن، ثم مدّت يدها تلمس أطراف شعرها بأصابعها وهي تبتسم بخفوت:

"شوفتي لما بعدتي عن رحمة، بقيتي أحلى وأشطر إزاي؟"

توقفت جيهان لبرهة، ارتبكت نظراتها، ثم ردت بصوت خافت:

"بس هي وحشاني يا ماما… ونفسي أكلمها."

تبدلت ملامح أمها فجأة، تعصبت بشدة، وأمسكت خصلة الشعر التي كانت تلمسها بحنان منذ ثوانٍ، وجذبتها بقسوة حتى تألمت جيهان. نظرت لها بحدة وقالت:

"وحش لما ياكلك! لو فكرتي تكلميها، والله لأحبسك في البيت ومش هتخرجي منه تاني… فاهمة؟"

أومأت جيهان برأسها، عينيها تلمعان بالألم:

"حاضر يا ماما… خلاص، سيبي شعري."

تركتها زيزى، ثم فتحت الحقيبة وأخرجت علبة صغيرة وضعت بداخلها بعض السندوتشات قائلة ببرود:

"أكلك معاكي… بلاش هلس من بره."

أخذت جيهان الحقيبة بيد مرتجفة، وخرجت وهي تحمل في قلبها ضيقًا من أفعال أمها المتحكمة، تمضي في مضض كأنها تسير مثقلة بقيود غير مرئية.

____________

دخل عيسى مبنى المديرية من بابه الكبير، والجو من حوله مشبع بروائح المكاتب الممزوجة بدخان السجائر والأوراق وهواء ثقيل يملأ الممرات. انهالت عليه التحايا الرسمية من العساكر، بعضهم يؤدي له التحية العسكرية، وآخرون من زملائه الضباط يحيونه بابتسامة أو بسلام سريع. خطواته كانت واثقة، رغم التعب البادي في عينيه من زحام الطريق الطويل.

وقبل أن يدخل مكتبه، طلب فطوره المعتاد وكوب شاي ساخن. تبعه عادل بخطوات هادئة، يلقى التحية بدوره، ثم يلحق به إلى الداخل ليطلعه على المستجدات. دخل عيسى، خلع سترته وألقاها على كرسيه كعادته، ثم جلس وأراح ظهره للخلف، تاركاً أنفاسه تخرج في زفير متعب من عناء الطريق، قبل أن يلتفت إلى عادل قائلاً:

"ها يا عادل، إيه الجديد عندك؟"

عادل، بنبرة جادة: "احنا لقينا الولد اللي في الكاميرات يا عيسى."

انتفض عيسى فجأة، حدق فيه بعينين حادتين وقال: "مستني إيه؟ دخله بسرعة."

استجاب عادل للأمر على الفور، وأعطى إشارة ليحضروه. لم تمضِ دقائق حتى فتح أحد العساكر باب المكتب، يدفع أمامه طفلاً صغيراً، واضح على ملامحه الخوف، عيناه متسعتان كأنهما تبحثان عن مفر، وجسده يرتجف حتى كاد يلتصق بالحائط.

ابتسم عيسى ابتسامة ودودة وهو ينهض قليلاً من مكانه، مغيراً من نبرته الصارمة: "أهلاً وسهلاً، إزيك يا... اسم البطل إيه؟"

تعثر لسان الطفل بالكلمات، تلعثم وصوته يرتجف، بينما قطرات العرق تساقطت من جبينه رغم برودة الجو. تدخل عادل سريعاً ليساعده: " اسمه إبراهيم برعي، المشهور بـ(بوبو)."

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه عيسى: "نورت يا بوبو... متخافش، اقعد هنا على الكرسي."

اقترب بوبو بخطوات بطيئة مترددة، جلس على الكرسي المقابل، وعيناه ما زالتا تتحركان بقلق. نظر عيسى إلى عادل وأشار برأسه آمراً: "اطلبوله عصير يا عادل... بتحب تشرب عصير إيه يا بوبو؟"

ظل الفتى صامتاً، يتردد، حتى قال عيسى بخفة ليكسر توتره: "هتهوله فراولة، الأبطال بيحبوا عصير الفراولة زي كده."

ضحك عيسى بخفة، فارتسمت ابتسامة صغيرة مرتجفة على وجه بوبو، وكأن حاجز الخوف بدأ ينكسر.

خرج عادل ليطلب العصير، ولم يلبث أن عاد بعد دقائق، ليجد المشهد قد تغير تماماً. الطفل الذي دخل المكتب مرتعشاً قبل لحظات، صار يضحك مع عيسى، يتحدثان عن الكرة وأبطالها. كان بوبو يحكي بحماس عن اللاعبين الذين يحبهم، وكيف يشاهدهم على تلفاز رجل كفيف يقطن في الشارع حيث يبيع المناديل، وأحياناً ينام عنده ليحتمي من برد الشتاء القارس أو أمطار الليل الغزيرة.

وقف عادل للحظة يتأملهما بدهشة، ثم قال مبتسماً: "ما شاء الله عليك يا عيسى... ده إنتوا بقيتوا صحاب."

ضحك عيسى مجيباً: "آه طبعاً، بوبو طلع ولد لذيذ وخدوم كمان... وقرر يجاوب على أي حاجة نقولها."

ابتسم عادل وهو يعلق: "طب كويس... وعد مني أشتريلُه تيشيرت محمد صلاح لو جاوب صح."

رد عيسى بخفة ظل: "ابسط يا عم... تيشيرت صلاح من عنده، وكوتش كورة من عندي."

تهلل وجه بوبو الصغير، وقال بامتنان: "شكراً يا عمو عيسى."

سارع عادل بالاعتراض ضاحكاً: "ومفيش شكراً ليا؟ ده أنا اللي قلت الأول وهو قلدني..."

رمقه عيسى بنظرة ساخرة وقال: "إنت كياد يا لا، هو أنا وإنت إيه؟ قسم الكلمة علينا؟ متبقاش بخيل."

انفجر عادل ضاحكاً من رده، بينما التفت بوبو إليه قائلاً ببراءة: "شكراً يا عمو عادل... أنا فرحان أوي."

ابتسم عيسى ثم استعاد جديته، وقرر الدخول إلى صلب القضية. مد يده بصورة قائلاً: "ماشي يا بوبو... قولي بقى، الراجل اللي في الصورة دي تعرفه؟"

أمسك بوبو الصورة، دقق فيها، فارتبك فجأة وقال بصوت متردد: "أيوه... أعرفه، بس هو..."

تبادل عيسى وعادل نظرات سريعة، ثم قال عيسى بنبرة مشجعة: "بس إيه يا بوبو؟ قول متخافش."

أجاب الفتى بقلق بالغ: "الراجل ده يا عمو عيسى وحش... إنت عاوزه ليه؟"

اقترب عيسى منه وسأله بحنان: "وحش ليه يا حبيبي؟ هو عملك حاجة وحشة؟"

اغرورقت عينا الطفل بالدموع وهو يهمس: "أيوه... بيعورني، بس بستحمل عشان بيديني فلوس كتير."

تجمدت الملامح على وجه عيسى، بينما اقترب عادل ببطء كأنه يحاول احتواء الموقف. استفسر عيسى أكثر، فانطلق بوبو المسكين يحكي، صوته متقطع بالبكاء، جسده يرتعش وكأنه يعيش الألم من جديد، كيف كان الرجل يأتيه هو وبعض زملائه في المنطقة، يستدرجهم ليعتدي عليهم، ثم يعطيهم بعض النقود و يرحل.

جلس عيسى وعادل يستمعان في حزن بالغ، أصوات أنفاسهما تختلط مع شهقات الصغير، حتى خيّم الصمت الثقيل على الغرفة.

قطع عيسى السكون بصوت منخفض لكنه حازم: "طيب... يوم مااتقتل، إنت كنت موجود معاه صح؟ احكيلي اللي حصل يومها بالظبط"

ابتلع بوبو ريقه بصعوبة، وصوته خرج متقطعاً: "أيوه... كنت موجود. كان رايح يعمل معايا زي ما بيعمل كل مرة. هو أصلاً مفيش حد بيعدي من المكان ده. بس يومها... واحدة جت، وقفت على أول الشارع وزعقت فيه. أنا خفت منها أوي... فكرتها عفريتة ولا حاجة. الجو كان ضلمة، والدنيا بتمطر. بس أول ما قربت مننا وشها بدأ يبان، وقالتلي: خد الفلوس اللي على الأرض دي وامشي. وأنا فعلاً خدتها وطلعت أجري..."

قاطعه عيسى بنبرة متلهفة: "وبعدين؟ كمل... إيه اللي حصل؟"

أخفض بوبو صوته، عينيه تهربان بعيداً: " بعدها رجعني خوفي. خفت الراجل ده يعمل فيها زي ما بيعمل فيا. بس لما رجعت... لقيتها قاعدة على ركبها وبتقطع فيه بإزازة. أنا اتسمرت مكاني، جسمي كله بيرتعش. لقيتها لفت، ورمت الإزازة من إيدها، وقالتلي: متخافش... أنا قتلته عشان بيأذيك.

أنا... أنا ما زعلتش إنها قتلته... بس خوفت منها. سبتها وجريت تاني..."

سأله عيسى بتركيز: "طب تعرف توصف شكلها؟"

هز بوبو رأسه حائراً: "الدنيا كانت ضلمة... ووشها كان غرقان دم."

قال عيسى بهدوء: "حاول تفتكر أي ملامح ليها... أو حتى علامة مميزة فيها."

سكت بوبو طويلاً، يفكر وكأنه يبحث بين طبقات الظلام عن ملامح غائبة. بدا عيسى وكأنه فقد الأمل، وقبل أن يشكره ويأمر بأخذه، نطق الفتى فجأة، صوته متردد لكنه واثق: "عينيها... كان فيها نقطة... كأنها حَسنة."

استفهم عيسى متعجباً: "اللي هي جوه بؤبؤ العين؟ زي دي؟ ما دي عندنا كلنا يا بوبو... متشلنيش،شوف علانه تانيه"

هز بوبو رأسه نافياً: "لأ... لأ. مش دي التانيه كانت جنب النقطة الكبيرة... نقطة صغيرة خالص. كأنها حسنة جوا عينيها."

انعقد حاجبا عيسى متعجباً، ثم التفت إلى عادل ساخراً: "هو في حد بيطلعله حسنة في عينه؟"

ابتسم عادل بخفة، وأخذ يبحث بهاتفه حتى رفع رأسه قائلاً: "هي مش حسنة بارزة زي ما إنت فاهم... دي بتبقى نقطة صغننة لونها مختلف عن لون العين. غالباً بتكون موجودة جنب بؤبؤ العين بشوية... زي دي."

وأراه صورة على الهاتف توضح ما قاله. دقق فيها عيسى مطولاً، عيناه تضيّقان وكأنه يستعيد شيئاً عالقاً في ذاكرته، قبل أن يهمس في نفسه: "كأني شوفتها قبل كده...؟"

_________________

نهايه البارت ..

اعلان هام ..

لقرائى الحلوين ،لو حابين الروايه تستمر اتفاعلوا مع البارتات عشان تتشاف اكتر ،وتحيه خاصه للى بترك آثر جميل منه كل لما يمر من هنا سواء بنجمه او تعليق ،،بحبكم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صـائـدةُ الـرجـال (بِــلا رحــمــة)

المؤلف shimaa Reda
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة