ملاحظة: لاحظت أنني أتلط الفصول كثيرا في ماضي سايتو رغم أنه كان سيكون أطول بكثير. لذا قررت تلخيص ما تبقى منه في هذا الفصل وإن كنت قد نسيت أي معلومة فسأضيفها في الفصول القادمة لبدأ الأحداث.
استمتعوا~~
---
"هناك كائن يستحوذ على العقول."
هذا ما قالته ذلك اليوم. من يدري إن كانت قد ظنت ذلك فعلا أم أنها أرادت تصديقه فحسب حتى تسكت ألم شعورها بتأنيب الضمير. ربما كانت تبحث عن عذر، عن مخرج، عن أي شيء يخفف عنها وطأة ما فعلته. ربما كانت تريد أن تصدق أن هناك يداً خفية تقودها، أن هناك كياناً آخر يحرك جسدها، أن الوحش ليس هي.
أكملت سايتو حياتها. ذهبت للعيش مع خالها، ذلك الرجل الغريب الذي عرفها من النظرة الأولى، وكأن الدم ينادي الدم، وكأن الروح تعرف الروح. كان خالها رجلاً غريبا، يبدو أنه قد جاوز منتصف العمر، نحيل القامة، تعلو وجهه الشاحب ملامح هادئة لكنها مشدودة، ترسمها خطوط رفيعة من التجاعيد والندوب التي تروي حكايات من زمن بعيد. يغطي رأسه طربوش أسود مخملي يتدلى من تحته شعر أسود مائل إلى الرمادية، يتساقط على كتفيه بطريقة غير مرتبة. أما وجهه النحيف،تخترق عينه اليمنى نظارة مستديرة ذات طابع غريب، تبرز كعدسة بيضاء لامعة تتناقض مع الغموض الذي يكتنف ملامحه.كان شكله يخفي رجلا قضى عمره بين الظلال وسفك الدماء.شرد في شوارع المدينة سنوات طويلة، بالكاد يجد قوت عيشه ومكاناً يأويه،بسبب هروبه من تحكم والده المريض حتى جاءته فرصة الصفقة مع سايتو، تلك الصفقة التي منحته حياة جديدة مقابل نصف ثروتها.
ضلت سايتو تزور روي في كل ليلة خفية، تتسلل بين الأشجار كظل، تقفز من نافذته كما اعتادت، وكأن تلك الزيارات أصبحت طقساً مقدساً لا يمكن التخلي عنه. كان روي لم يعد مجرد شيطان تستغله، لم يعد مجرد أداة لحمايتها، بل أصبح شيئاً آخر،أصبح صديقا بل شريكها في الحياة.
لكن خالها علم بذلك في النهاية. كان ذكياً، حاد الملاحظة، لا يفوته شيء.
— أعلم بأمر صديقك الخفي. هو شيطان، أليس كذلك؟
سكت سايتو للحظة. كانت تقف في منتصف الغرفة، ويداها مشبوكتان خلف ظهرها، وعيناها تنظران إلى الأرض كطفلة خجلت من فعلتها.
— ....
تنهد خالها بعمق، وقال بنبرة هادئة، فيها قبول غريب:
— لا بأس. فقد عاهدت نفسي على أن لا أقتل شيطاناً بعد الآن.
رفعت سايتو رأسها، ونظرت إليه بذهول. كان هذا أكثر مما توقعت. ظنت أنه قد يرتكب حماقةو يحاول قتله أو ماشابه.
— روي، لا بأس، يمكنك الخروج.
خرج روي من الظل ببطء، كأنه يخرج من جدار من دخان. وقف في زاوية الغرفة، ذراعاه متقاطعتان، وعيناه الزرقاوان تفحصان خالها بحذر.
نظر روي إليه من رأسه إلى أخمص قدميه في صمت.
— مهلاً! أهو صبي؟!
—هل كبرت في العمر لدرجت أنك لم تعد ترى جيدا؟ يا أيها العجوز.
حسنا.. لم تكن علاقتهما بتلك الروعة كانا أشبه بالقط والفأر في القصص المصورة.
---
أصبح روي يقضي أغلب وقته في منزلها. كان يجلس في غرفة المعيشة، يقرأ رفقة سايتو القصص المصورة التي تحظرها ساي في كل مرة.
—روي أتدري أن بطلي المفضل هو الرجل العنكبوت–إبتسمت إبتسماتها المعتادة التي تخفي أكثر مما تبدي.
—ألم يكن الرجل الخفاش؟
—لا. هيهيهي~
أما خالها فكان كثير الغياب ويقضي أغلب الوقت خارج المنزل. كانا يتعاركان كثيرا وعلى أتفه الأشياء.
—لقد أكلت المثلجات خاصتي التي خبأتها وراء علبة الحليب!
—قلت أنني لم أفعل ذلك! أنا لا أحب ذوق الشوكولا في المثلجات أصلا!
—أهااا تريدين مني التصديق أنا فتاة في الثامنة عشرة تضع ضفيرة في شعرها وعيناها بنفسجية تتسلل ليلا لتسرق المثلجات التي أخبؤها في الثلاجة؟
—أجل. –إبتسمت سايتو إبتسامتها المستفزة المعتادة.
—إنك تجيدين تأليف القصص بسرعة حقا...
لكنهما كانا يعودان لبعضهما بسرعة.
في البداية، كان يبدو لي أنه مجرد خطر كبير عليها، مجرد شيطان سيأكلها عندما يتضور جوعاً، كما يفعل كل الشياطين. كنت أراها تخاطر بحياتها عند بقائها رفقة مخلوق لا يعرف الوفاء، من أجل وحش قد يلتهمها في أضعف لحظاتها.
لكن عند لقائي الأول به في تلك الليلة، تغير شعوري نحوه.
— روي، أعرفك على ساي. ساي، أعرفك على روي، هيهي~
كانت سايتو تضحك بتلك الضحكة الخفيفة،بدت متحمسة للغاية على عكس العادة. تقدمتُ نحوه، ومددت يدي بلطف، وابتسمت ابتسامة لبقة:
— سررت بلقائك، روي.
لكنه لم يرد.
وقف هناك، جامداً كتمثال، ينظر إليّ بعينيه الزرقاوين الباردتين، ولم يقبل ظهر يدي، ولم يقل كلمة واحدة.
شعرت بالغضب يتصاعد في صدري. كيف يتجرأ؟ من يظن نفسه؟ لكن سايتو تدخلت بسرعة، ووضعت يدها على كتفي، وقالت ضاحكة:
— أوه، أعتذر، نسيت. روي لا يحدث الفتيات.
نظرت إليها باستغراب:
— لكنكِ فتاة!
ابتسمت سايتو ابتسامة عريضة، وقالت بنبرة فيها الكثير من السخرية الذاتية:
— حسناً... أنا أشبه بصخرة بالنسبة له.
ضحكت، لكن في داخلي شعرت بالغضب. كيف يمكن لأختي أن تتحمل هذا؟ كيف يمكنها أن تقبل بمعاملة كهذه؟
لكن مع مرور الأيام، ومع تكرار اللقاءات، تغيرت نظرتي نحوه كليا.
بدأ يحمل الثقال عني عندما كنت أتعب، ويلتقط الأشياء الثقيلة دون أن يطلب منه أحد. كان يشتري لي المثلجات عندما كنت حزينة، ويضعها أمامي دون كلمة، ثم يغادر الغرفة كأنه لم يفعل شيئاً.كان يتظاهر بعدم إهتمامه بي كليا لكت تصرفاته كانت تظهر العكس.
لم أشعر بذلك اللطف الغير مشروط من ولد من قبل، ولم أعتد على أن يعاملني أحد وكأنني أستحق الحماية دون أن أطلبها.
لذا لا أكذب إن قلت أنني لم أعجب به.
وكما أنه من الواضح أنه كان يبادلني نفس الشعور. كان ينظر إليّ نظرات تطول أكثر من اللازم، ويثبت عينيه في عينيّ حتى أشعر بالارتباك وأبتعد. كان يقترب مني ببطء في بعض الأحيان ويطيل النظر فيي دون خجل أو إظهار أي مشاعر.
لحسن الحظ، أنهما لا يكنّان المشاعر لبعضهما. رغم أن علاقتهما قوية للغاية، قوية لدرجة أنني شعرت بالغيرة أحياناً، إلا أنها لم تكن علاقة حب.
—أختي هل أنت معجبة بروي؟
صمتت أختي لبرهة لكنها أجابت بالنفي في النهاية.
لا أنكر أنه غيرها كثيرا فأنا لم أرَ أختي سعيدة هكذا من قبل. فلطالما كانت من النوع المفسد للحفلات، الحريص أكثر من اللازم، التي تفحص كل زاوية قبل أن تجلس، وتفتش كل طبق قبل أن تأكل. كانت تعيش في خوف دائم، كأنها تنتظر هجوماً في أي لحظة.
لكنها تغيرت. تغيرت حقاً.
خاصة بعد لقائها بـتامايو أخيراً.
تلك الشيطانة الغامظة،أول وآخر من تخلص من سيطرة موزان كليا،الشيطانة التيي كانت تحمل في عينيها رغبة شديدة في الإنتقام. كانت تامايو هي المفتاح، هي الحل الدائم، هي الأمل الوحيد لإنقاذ روي من لعنته.
وبعد عناء طويل، تمكن روي من التخلص من لعنة موزان. لم يكن الأمر سهلاً، ولم يكن ممكناً دون تضحية.
لكن هذا كان بشرط: أن تقدم سايتو دمها لقتل موزان.
دمها هو الذي يملك نفس خواص الأشواك تلك، نفس القوة التدميرية التي حولت كل شيء إلى رماد.فعند رفضها لمساعدة شيطان دُنيوي.لذا كان هذا هو عرض سايتو الأخير.لكنها رفضت إعطائها دمائها حتى تنقذ أكازا أولا.لحسن حظها أنها إلتقت به مرة في الصدفة لكن مالم تتوقعه أنه لم يتذكرها لا هو ولا داكي عند لقائها بها في حي المتعة. موزان قد أفقدهم ذاكرتهم المتعلقة بسايتو جميعا.
---
بعد مدة، سافرت أختي إلى الخارج برفقة خالها.
كان السبب أن جدها علم بوجودها. ذلك العجوز الحاقد المجنون الذي كل ما يهمه هو إتباع عادات وتقاليد الأجداد. علم بمكان خال سايتو الهارب منذ ستوات.
و حاول أخذه بأي طريقة. أرسل حراسه، وجواسيسه، وحتى أعضاء من العشيرة. من يدري إن كان يريد إعادته أم التخلص منه.
ظنت أختي أنه لقاؤها الأخير بروي.جعلت سايتو يبكي لها تلك الليلة، نعم يبدو أنعا كلما ت البكاء تجعل روي يبكي بدلا منها.
لكن على عكس المتوقع،وضع أمتعته في العربة.
نعم رحل معها.
— بالمناسبة ماذا كان سبب جعلي ابكي البارحة بالمناسبة؟ –سأل روي متظاهرا بعدم معرفته للإجابة.
صمتت سايتو لوهلة وابتسمت إبتسامة خفيفة.
—لا شيء.
عاشت أختي السنوات الأخيرة بسعادة حقاً. فلقد حققت حلمها، حلمها القديم الذي كانت ترسمه دائما على الأوراق، حلمها بتكوين عائلة.
صحيح أنهم عاشو في الريف لكن المنزل كان واسعا وحصل روي على غرفة خاصة به يمنع على أي أحد دخولها حتى أختي. وسايتو على غرفة صغيرة لإختراعاتها الغريبة. نعم كانت مولعة بصنع الأشياء، حتى غيتو بدى سعيدا لوجود مرحاض يمكنه قضاء حاجته فيه أظن. حتى لو كانت عائلة غريبة نوعاً ما. رجل عاطل، وشيطان مكتئب،وحيوان يتصرف كالبشر، وأخت تخطط لكل شيء.
سعدت بشدة لرؤيتها سعيدة هكذا.
فهي أكثر من أخت بالنسبة لي.
عندما تعرضت والدتي لمكيدة من طرف الإمبراطورة، عندما قررت تلك المرأة الحاقدة التخلص من كل منافساتها، خبأتني أمي وأنا لا أزال رضيعة.
خبأتني داخل جسد أختي الرضيعة.
ولحسن حظي ولدت بقدرة تحويل الأشخاص إلى أرواح دون جسد، لتظل حية داخل وعاء آخر أو حية مؤقةً دونه.
وتركت كرة الإيثيلسفير خاصتها من أجلي.
لكنني أعرتها لأختي، حتى لا يأخذها أخواي و أتمكن من الوصول إليها بسرعة وفي أي مكان، بواسطة جهاز تتبع كرات الإيثيلسفير.
---
كرة الإيثيلسفير هي عبارة عن كرة بلورية صغيرة،ذات لون أزرق كاسماء، تقدمها نساء شعب الأطياف لأعز شخص لديهن قبل موتهن. تحمل في داخلها رسالة من صاحبها، وشيئاً من روحه، وقوة غامضة لا يمكن فهمها إلا لمن يستحقها.
فعندما يذكر الآخذ شيئاً مشتركاً بينه وبين صاحبها، يحصل حينها على تلك القوة. يمكن أن تكون قوة خارقة، أو معرفة مخفية، أو حتى مجرد شعور بالسلام. لكن لا يمكن لأي شخص غير المختار استخدامها.
لكنني إرتكبت خطأ فضيعا، إستأمنت سايتو عليها لكنها كادت تكسرها وأحدثت شقا فيها.
رأيت ذلك، ورأيت الخطر، فبسبب عدم معرفتي لهوية والدتي فأنا لم أجد المفتاح لفتحها وخشيت أن تنكسر قبل أن أفعل ذلك.
فكذبت عليها.
قلت لها أنني وجدت المفتاح لفتحها وأنها لم تحتوي سوى على كلمة "أحبك"فحسب. وأن أخواي قد كسرها عند إيجادهم لها.
لم يكن عليَّ فعل ذلك! لم يكن عليَّ أخذها منها!
لكنني رأيت في عينيها شيئاً خطيراً. رأيت أنها كانت على وشك تدميرها، تدمير آخر شيء تركته والدتي. كنت خائفة، خائفة من أن تفقدها، خائفة من أن أفقد والدتي للمرة الثانية.
لذا أخذتها.
وحاولت كل هذه السنوات فتحها لكن دون أدنى فائدة،ولم أجد أي أخبار عن والدتي.
---
وبسبب ذلك لم أتمكن من إيجادها قبل فوات الأوان. في النهاية، سعادتها لم تدم طويلاً.
تخاصمت سايتو مع روي، ككل مرة. كانا يتخاصمان كثيراً، يتصارعان كالأطفال، يرميان الكلمات الجارحة كالسهام. لكن هذه المرة كانت مختلفة.
لم يكن خلافاً عابراً. كان شيئاً أعمق، شيئاً أكثر إيلاماً. كلمات قاسية، واتهامات لم تقال من قبل، ونظرات باردة لم يتبادلاها أبداً.
مما جعل روي يرحل.
رحل دون أن ينظر إلى الوراء، دون أن يلقي كلمة وداع. فقط وقف، ومشى، واختفى بين الأشجار ، لكن هذه المرة كان يعلم أنها المرة الأخيرة.
في نفس المدة، صادق خالها مجموعة تابعة لطائفة معينة.
كانوا متعصبين، متشددين، يؤمنون بأن كل ما هو مختلف يجب أن يُحرق. أخبرهم خالها بأمر سر سايتو، بأمر قدرتها الغريبة، بأمر ذلك الوحش الذي يختبئ في داخلها.
فظنوا أنها شيطان من نوع ما.
وحاولوا حرقها حية.
كانت ليلة مروعة، ليلة اشتعلت فيها النيران في كل مكان، ليلة صرخت فيها سايتو بأعلى صوتها، لكن لا أحد سمعها.
قيدوها فجأة، وحاولوا حرق صدرها برمز الصليب ظنا منهم أن الشيطان سيختم داخلها ويسهل التخلص منه.
ملاحظة: أنا مسلمة وبحترم المسيحيين كل ما في الأمر أن قديما كانت هناك طوائف عديدة من الدين المسيحي ومنهم من كان يؤمن بمعتقدات غريبة لذا أنا لا أقصد الإساءة بتاتا.
هربت.
هربت بعيداً جداً، إلى حيث لا تصل النيران ولا وجه خالها الذي حاول قتلها في النهاية،فقط لاشيء مما سبق.
لكنها اختفت فجأة.
وبعد مدة من البحث، وعناء طويل، علمت أنه تم العثور على جثة فتاة ممزقة، لم تكن ملامحها واضحة بسبب طريقة موتها الشنيعة فقط عيناها الحمراوان كانتا تلمع في ذلك الزقاق.
لقد قتلها موزان بدمه.
نعم، موزان. ملك الشياطين ووالد سايتو البيولوجي، ذلك الكيان الشرير الذي ظنت أختي أنها تخلصت منه أخيرا من حياتها أخيرا، كان حتفها على يده في النهاية.
وقبلها بمدة قصيرة، سمعت عن مقتل روي.
من طرف قاتلي الشياطين.
لأنه عاد إلى الجبل، وأصبح أسوأ من ذي قبل. فقد السيطرة على نفسه، وفقد الأمل، وفقد كل شيء. تحول إلى شيطان هائج، يقتل كل من يقترب منه، حتى جاءوا وأطاحوا به.
---
بعد العزاء، عثرت على مذكرات أختي.
كانت مخبأة تحت وسادتها، في مكان لم أكن أعرفه. فتحتها وبدأت أقرأ، وصدمت مما رأيت.
لم أصدق مدى غبائي، وعدم ملاحظتي لكل ما حدث.
كل تلك السنوات، كل تلك المعاناة، كانت تخفيها عني. كانت تبتسم في وجهي، وتضحك معي، وتشاركني لحظاتها السعيدة حتى لو كانت بسيطة للغاية، بينما كانت تحترق من الداخل.
رغم أنها كانت تتعذب، رغم أنها كانت تنزف في صمت، إلا أنها لم ترد مني أن أتحمل العبء معها، ولو بقليل.
أرادت مني أن أكون سعيدة دوماً. أرادت مني أن أعيش طفولتي، وأن أضحك، وأن لا أعرف معنى الألم الذي عرفته هي.
لكن الآن، بعد كل هذا، بعد كل هذه السنوات من الصمت والكذب، بعد أن فقدت كل من أحببتهم، أقسم أنني سأقتله.
سأقتل كيبوتسوجي موزان.
عادت ساي بذكرياتها إلى الحاظر داخل القلعة اللانهائية وسط العراك الأخير بين قاتلي الشياطين والشياطين.
Rahaf .k