قدوم الملك

قدوم الملك

18 0

ساد الصمت المكان. انتهى التدريب لهذا اليوم.

كانت سايتو ممددة على الأرض بلا حراك، جفوناها مغمضتان في هدوء وسكينة... وكأن الموت قد زارها ثم نسى أن يأخذها معه.

حتى جاء غيتو.

بدأ يلعق وجهها بحماس كلبٍ متحمس.

— غيتو! هذا يكفي! ألم نتفق على التوقف عن اللعق؟ يع...

بدأت سايتو بمسح وجهها من اللعاب بتقزز مبالغ فيه.

— ولا تتكلم معي! لقد غدرتني وأخذت كيس الشوكولا، رغم توقيعنا على اتفاقية سلم!

ذهب غيتو مسرعًا من أمامها.

— أجل، اذهب الآن أيها الخائن!... هاه؟

فوجئت به يعود حاملاً كيس الشوكولا... لا يزال مغلقًا.

— يا إلهي! غيتو! أنت... أنت أروع شخص في هذا العالم! أرجوك لا تموت!

احتضنت سايتو غيتو بقوة لدرجة أنه كاد يختنق.

— لكن هذا لا يعني أنك لست محروماً من الحلويات لأسبوع! هيهيهي~

يقولون إن غيتو في تلك اللحظة بكى في صمت.

تغرب شمس ذلك اليوم بسرعة، ويقل عدد الناس في الخارج. الشياطين يستعدون للخروج، كالعادة.

كان أكازا على وشك مغادرة القلعة، حتى لاحظ أن قدمه أثقل من المعتاد.

نظر إلى الأسفل.

— سايتو؟!

— أنا فقط... فقط أريد الخروج مع معلمي.

رفعت وجهها إليه بنظرة بريئة... نظرة من يعرف بالضبط أي زر يضغط.

— لدي الكثير من المهام، وتدركين أنني لا أستطيع اصطحابك إليها.

ربت على رأسها مودعًا.

— أعدك أنني سأجد وقتاً شاغراً. حينها سأصطحبك لرؤية البحر. ما رأيك؟ أعتقد أنك لم تريه من قبل.

— حسنًا... لا بأس. كل ما في الأمر أنني لم أخرج طوال فترة غيابك... لكن لا بأس.

توقفت للحظة. ثم أضافت بنبرة أكثر لطفاً:

— كنت تستطيع على الأقل وضعي في حديقة للأطفال بينما تنهي عملك... لكن انسَ الأمر.

نظرت إليه بعينيها الكبيرتين كأنعا جرو يطلب المساعدة في وسط المطر.

صمت أكازا.

— ... ارتدي حذائك بسرعة.

— مرحى!

ذهب أكازا وسايتو إلى حديقة جميلة تعم بالعائلات والأطفال.

— حسنًا، ابقِ هنا حتى أعود. لن أتأخر كثيرًا.

*هل كان من الجيد إحضارها إلى هنا؟ جميع الأطفال هنا مع والديهم... ألن تشعر بالنقص أو ما شابه؟

— معلمي! انظر هناك! إنهم يلعبون بالرمال! هل يمكنني الذهاب للعب معهم؟

كانت عيناها تبرقان حماساً، وأي أثر للحزن قد تبخر كالسحاب.

— حسنًا، بالطبع. فقط انتبهي على نفسك.

*أعتقد أنني كنت أقلق نفسي من فراغ.

تودع سايتو أكازا، وهو يختفي بين الحشود.

— ممتاز! الآن كل ما علي فعله هو...

— ووف!

نبح غيتو، وذيله يهتز حماسة ورغبة في اللعب.

— همم... آه! عفواً يا رفاق، انظروا ماذا لدي هنا!

رفعت غيتو بين يديها.

— جرو لطيف صغير وظريف للغاية! ألا تريدون اللعب معه؟

— جرووو!

فرح الأطفال لرؤية غيتو، وبدأوا يلعبون معه.

— لطيف... الآن عليَّ الذهاب قبل أن يدرك غيتو غيابي..

تمشّت سايتو وحدها بين شوارع المدينة المضيئة كالألماس فلولا السماء الداكنة لظنت انها في الصباح.

وسط سرب كبير من الناس، توقفتعند رؤيتها لببغاوان جميلان، ألوانهما فاقعة كأنها أقواس قزح.

— عفواً يا عم، هل تبيع هذين الببغاوين؟

نظر إليها الرجل.

— ما الذي تفعلينه هنا يا صغيرة؟ أين والدتك؟

— في الواقع... أمي ميتة.

توقفت للحظة، ثم استكملت بنبرة أكثر حيوية:

— لكن لدي والداً رائعاً! وعيد ميلاده قد اقترب. وهو يحب الطيور، لذا تسللت هاربة منه لأشتري له ببغاءً هدية.

ابتسمت ببرائة.

—تمنى له عيد ميلاد سعيداً يا عم! هيهيهي~

لان وجه الرجل.

— أنا آسف لأمك... ولكن أتدرين؟ إنك طفلة لطيفة للغاية.

مد يده إلى القفص.

— أتمنى عيد ميلاد سعيداً لوالدك. وأتدرين أن هذا النوع يتعلم الكلمات بسرعة؟ تستطيعين تعليمه أن يقول "عيد ميلاد سعيد" لوالدك. وأيضاً... سأعطيك ببغاء هدية من عندي. ما رأيك؟

— أشكرك يا عم! أنت لطيف جداً!... وداعاً~

*كنت أفكر بالطلب من امرأة ما أن تشتري لي الببغاء الثاني أو ماشابه... كم أنا محظوظة.

ذهبت سايتو معها بقفصين يحويان ببغاوين ملونين. دخلت زقاقاً فارغاً.

كان الوقت قد حان.

— كيبوتسوجي موزان... كيبوتسوجي موزان...

بقيت تكرر الكلمات بصوت هامس.

بدأ الببغاوين بتكرارها.

أخرجت عبوة صغيرة تحتوي على دماء، ثم أخرجت أحد الطائرين من قفصه.

— أعتذر يا صغيري... هذا سيؤلم قليلاً.

بدأت تضخ القليل من تلك الدماء بإبرة رقيقة في الببغاء الأول. أعادته إلى قفصه، ثم كررت العملية مع الثاني.

بدأ الببغاوين بالتحول.

صحيح أن دماء موزان تحول الحيوانات أيضاً إلى شياطين... لكنه لا يستعملهم لأنهم ضعفاء جداً، ويسهل قتلهم. كما أنه لا يمكن السيطرة على عقولهم... لأنهم ببساطة لا يملكون عقولاً.

حملت سايتو قفص الببغاء الأول، وابتعدت عن الثاني.

— أنا آسفة... أعتذر بشدة.

تألم صوتها.

— فأنت ستموت بطريقة مؤلمة.

انتظرت بعض الوقت.

تحول الببغاء إلى شيطان. ثم...

— ك... كيبوتسوجي موزان!

صرخ الببغاء باسمه دون أن يصيبه مكروه.

— ممتاز!

أخرجت الببغاء بسرعة من القفص.

— أنا آسفة.

قطعت رأسه بسرة بإستخدام الخنجر.

توجهت إلى الببغاء الثاني. وجدت أن أحشاءه قد خرجت من فمه.

مات.

كنت أراقبه من بعيد. بعد نطقه الاسم، جرى له هذا... هذا يعني أنني أملك فعلاً هذه القدرة. وأن ذاك الشيطان لم يكن حليفاً لموزان حقاً.

سأثق به.

بقيت سايتو مع الببغاوين حتى تحولوا إلى رماد. أخذتهم الرياح بعيداً.

سأترك رسالة لـ (ساي) حتى أتأكد منه تماماً.

عادت سايتو إلى الحديقة.

ما رأته جعل دمها يغلي.

كان الأطفال يرمون لغيتو الكرة... وهو يجلبها. مراراً وتكراراً.

— ما الذي تفعلونه بحق الجحيم؟!

صرخت سايتو.

— أترونه خادماً لكم أم ماذا؟ أنا المخطئة لأنني تركته مع أطفال أغبياء مثلكم!

بدأ الأطفال بالبكاء.

وسرعان ما جاءت أمهاتهم.

— ما خطبك يا فتاة؟ أين والدتك بحق الجحيم؟!

قالتها إحداهن بشراسة.

— لا بد أنها رأتك مجرد عبء عليها... لذا تخلصت منك!

مر الوقت كالدهر. الثواني القليلة صارت كالساعات.

حتى جاء أكازا.

— سايتو؟! ما خطبك؟ ما الذي جرى؟ لماذا لا تلعبين مع الأطفال؟

— ... تعبت.

قالتها بصوت هامس.

— أريد فقط العودة إلى البيت.

مرت الأيام.

كانت شعلة سايتو منطفئة.

وهذه المرة... لم يكن تمثيلاً.

ما خطبك الآن؟ سايتو، والدتك ماتت عند ولادتك. لذا يعتبر أنها لم تتخلَّ عنك بإرادتها. ومنذ متى أصلاً تكنين لها كل هذه المشاعر؟

عليك الآن التركيز على ما هو مهم. فقط استعيدي رباطة جأشك.

— أعتقد أن الخروج من الغرفة قد يحسن مزاجي.

فتحت الباب.

صدمت.

— هاه؟ داكي؟ ألم تغادري عند قدوم معلمي؟ ما الذي أعادك إلى هنا؟

— هل أتيت إلى منزل والدك دون أن أدري؟ لذا لا تتدخلي في ما لا يعنيك.

— تقنياً... هو منزل والدي فعلاً.

— ...

صمتت داكي.

— منذ متى نمى لك هذا اللسان؟ على كل حال، سيدي موزان قادم... وقد اشتقت إليه كثيراً.

بدأت علامات السعادة والحب تظهر على وجهها.

— يع.

— هل قلتِ شيئاً لتوكِ؟

— لا. وبما أن والدي قادم، عليَّ أن أتجهز أنا أيضاً. هيهيهي... وداعاً~

أغلقت الباب بسرعة.

— يا إلهي... يا إلهي... يا إلهي!

ظلت تردد.

— ماذا علي أن أفعل الآن؟!

*بالتفكير في الأمر... كون ناكيمي لا تعرف بأمر قدرتي، لذا هي تظن أن موزان يعرف كل شيء بالفعل. لكن لا يمكنني التمسك بهذا الحبل الرفيع.

إن علم أنني أتسلل خفية... فماذا سيفعل؟

المشكلة الكبرى ليست في العقاب. بل إن علم عن أمر روي، فستكون نهايته. حتى لو لم يعرف ما خططنا إليه.

لا أعتقد أنه سيصدق كذبة أخترعها. فبمعرفته إلى أين تأخذ الآلة، سيعرف كل شيء.

فكري... فكري!

تنفست بعمق.

حسناً... تنفسي. كل ما يجب علي فعله الآن هو الإسراع. حتى إن مات الفتى في منتصف العملية، سأتمكن من إكمالها بطريقة أو بأخرى.

عضت شفتها.

مغفلة! كان عليَّ الذهاب إليه في هذه الأيام، بدل الجلوس في الزاوية والانقطاع عن الأكل!

لا بأس. سيستغرق موزان عدة أيام ليأتي، لذا علي استغلال كل الوقت لزيادة مدى مناعته من سيطرة موزان.

توقفت.

لكن هذا يعني أنني سأرحل أبكر مما توقعت.

نظرت إلى باب الغرفة.

وداعاً يا معلمي.

إلى الصورة الذهنية لأكازا.

وداعاً يا داكي. صحيح أنها فاسقة، وصارت تعاملني بقسوة... لكنها لم تحاول قتلي على الأقل. كما أنها كانت تعاملني جيداً.

جميعهم... كانوا يعاملونني جيداً.

كانوا عائلتي.

ثم تشوهت تعابيرها.

ما عدا ذلك الوغد دوما... أتمنى أن أراه يحترق في نيران الجحيم!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قاتل الشياطين بعد ثاني

المؤلف Rahaf .k
2026/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة