حافة الإنهيار

حافة الإنهيار

30 0

Ran♡

استمتعوا~~

---

في أعماق الوعي، كان الظلام كثيفاً، ثقيلاً كالرصاص يضغط على صدرها. لم تشعر سايتو بجسدها، لم تشعر بالألم، لم تشعر بالخوف. فقط فراغ، فراغ مطلق كالموت، لكنها لم تكن ميتة.

كانت واقفة في وسط مساحة بيضاء لا نهاية لها، لا جدران، لا أرض، لا سماء. مجرد بياض يشع من كل مكان، أبيض ناصع كالثلج، لكنه لم يكن بارداً، بل كان دافئاً بشكل غريب، كأنه يحتضنها، أو كأنه يخنقها.

كان هناك صوت امرأة تبكي،حتى قاطعه صوت آخرلكنه لم يكن صوتها. كان أعمق، أبرد، خالياً من كل نغمة إنسانية، كأنه يخرج من قاع بئر مهجور.

"انظري... انظري إلى ما فعلتِ."

أمامها، ظهر المشهد. جثث الأطفال في دار الأيتام، وجوههم محترقة، عيونهم زجاجية، صامتة إلى الأبد. الفتاة ذات الضفيرتين كانت ممددة بينهم، ضفيرتاها متفحمتان، ويدها الصغيرة ما زالت ممدودة نحو حيث كانت سايتو واقفة، كأنها كانت تطلب المساعدة في آخر لحظة من حياتها.

شعرت سايتو بشيء يتحرك في صدرها. شيء ثقيل، بارد، كأن حجراً وُضع مكان قلبها.

— من تكون؟

صمت الصوت لوهلة. ثم جاء، أعمق، أكثر برودة:

— أليس هذا واضحاً؟ إنني أنتِ، أو لنقل جزءكِ المخفي. الجزء الذي تحاولين دفنه منذ سنوات، لكنه يخرج كلما أغلقتِ عينيكِ.

حاولت سايتو الصراخ، لكن لا صوت خرج. حاولت البكاء، لكن عينيها كانتا جافتين كالصحراء، كأرض لم تمطر منذ عقود.

— أتبكين؟ لا تستطيعين. لقد فقدتِ ذلك منذ مدة. فقدته إلى الأبد. مثل شكلكِ القديم، أو تظنين أن تغييركِ لشكلكِ ليبدو بشرياً يجعلكِ بشرية حقاً؟ بل هو دليل أكبر على أنكِ لم تعودي بشرية مطلقاً. الجلد الجديد لا يخفي الروح القديمة، يا صغيرتي.

— لا تحاولي إنكار الأمر، لقد أعجبكِ الوضع. رغم تمثيلكِ المتقن، إلا أنكِ لا تهلعين من رؤية الجثث، بالعكس... أرى تلك اللمعة المخفية في عينكِ. الأمر يعجبكِ، يثير الحماسة في داخلكِ، يجعل قلبكِ يدق بسرعة أكبر! أليس كذلك؟ انظري إلى يديكِ، إنهما ترتجفان، لكن ليس من الخوف... من الإثارة.

ارتجفت سايتو للمرة الأولى. همست بصوت مبحوح، كأنه يخرج من بين شقوق روحها المتكسرة:

— ماذا... ماذا فعلتِ؟

قهقه الصوت، ثم قال بنبرة هادئة كالسم:

— لم أفعل شيئاً. لقد كان أنتِ، أنتِ فقط. أنتِ من حركتِ يديكِ، أنتِ من أغمضتِ عيونهم، أنتِ من سحبتِ الروح من أجسادهم الصغيرة. أنا فقط... شاهدتُ.

نظرت سايتو إلى يديها. كانتا ترفرفان بخيوط سوداء رفيعة، كأنها ظلال حية تتحرك تحت جلدها، تتلوى كالثعابين، تبحث عن فريسة جديدة.

— أنا... لست شيطانة عادية... لست شيئاً عادياً... أنا وحش!

قهقه الصوت بصوت مرتفع، صوته بدا كطحن الزجاج، كصرير باب صدئ في ليلة عاصفة:

— بالطبع. أنتِ شيء آخر. شيء وُلد من خطأ، من كسر في قوانين هذا العالم. شيء لا ينبغي أن يكون موجوداً. أنتِ مثلي تماماً. نحن لسنا شياطين، ولا بشر. نحن الفجوة بين كل هذا. نحن الخطأ الذي يصحح نفسه بنفسه.

تجمدت سايتو. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط وقفت هناك، تنظر إلى جثث الأطفال، ثم إلى يديها المتلونتين بالظلال، وشعرت بشيء غريب.

لم تكن حزناً. لم تكن ندماً. لم تكن خوفاً.

شيء لم تشعر به من قبل.

شيء كان ينمو في صدرها كزهرة سامة، يتغذى على دمها، يملأها بثقل غريب.

همست بصوت خالٍ من أي نغمة، كصوت ميت يتحدث من قبره:

— أنا وحش... أنا من قتلتهم...

تغيرت نغمة الصوت فجأة. أصبح دافئاً، حنوناً، كصوت أم تحتضن طفلها في ليلة باردة:

— لا. أنتِ من أنقذتهم. قتلتهم لكي لا يعانوا كما عانيتِ. هذا هو قدركِ في هذا العالم، عليكِ إنقاذهم منه. أنتِ لا تقتلين، يا صغيرتي، أنتِ تحررين. كل روح تأخذينها هي روح هربت من جحيم أشد.

ثم بدأ البياض يتشقق، كزجاج ينكسر تحت وطأة حجر ثقيل، وتصدعت الأرض تحت قدميها، وسقطت سايتو في الهاوية من جديد.

— استيقظي...

لكنها لم تصرخ. كان سقوطها صامتاً، كسقوط ورقة خريف في ليلة لا ريح فيها.

— استيقظي، أنا لم آذن لكِ بالموت بعد...

لم تعد تصرخ أبداً. كانت تعلم أن لا فائدة من الصراخ في عالم لا يسمعها فيه أحد.

— استيقظي... أرجوكِ...

في تلك اللحظة بالذات، شهقت سايتو في الواقع، لتجد نفسها مستلقية في الغابة. ملابسها كانت محروقة قليلاً، ممزقة في بعض الأماكن، لكن جسدها لم يحتوي سوى على بضع كدمات، وكأن النار ابتعدت عنها عمداً. كانت رائحة الدخان لا تزال عالقة في شعرها، ورائحة الدماء تختلط برائحة التراب الرطب.

أول ما رأته كان وجه روي، الذي كان منحنياً فوقها، والدموع تتلألأ في عينيه الزرقاوين كنجمين يوشكان على السقوط.

— روي؟ – لامست سايتو وجهها لتجده مبتلاً، رطباً بدموع لم تكن دموعها. نظرت إلى أصابعها المبللة، ثم إليه. – أكنت تبكي؟

ابتعد روي عنها بسرعة كمن لسعته نار، وقام بمسح دموعه بسرعة، وأدار وجهه بعيداً، لكن احمرار عينيه خانقه.

— لا! هذا فقط... كان لعاب غيتو.

حينها قفز غيتو على سايتو بسرعة، وقام بلعق وجهها بحماسة،كان لسانه دافئاً، خشنًا، ويلهث دون توقف.

ضحكت سايتو ضحكة خفيفة، مبحوحة.

— حسناً! حسناً! سعيدة لسلامتكِ أيضاً. سعيدة للغاية.

وقف روي بعيداً، ينظر إليها من بعيد، ثم قال بصوته الجاف المعتاد، لكنه هذه المرة كان أخفض قليلاً، أكثر ليونة:

— أظن أن خالكِ ذاك قد وصل بالفعل. فهناك رجل مجنون يحاول دخول الميتم رغم تصدي الشرطة له. قلت أن هناك رابطة بالدم بينكما بالتأكيد.

ضحكت سايتو بسخرية، لكن عينيها كانتا لا تزالان خاليتان من البريق كأنهم عينان ميتتان.

— هاها، مضحك كثيراً.

— وقد كان نفس الشخص في الصورة التي قدمتها لي.

وقفت سايتو ببطء، وأزالت التراب عن ثيابها المحروقة، ثم قالت بنبرة خفيفة، كأنها تحاول تجاهل كل ما حدث:

— أوه! يبدو أنه هو بالفعل.

— ألن تذهبي له أو ما شابه؟

— لا. في الواقع أحتاج لبعض الهدوء. سأبحث عنه غداً في الصباح، حين تكون الشمس أعلى والرؤية أوضح.

— كما تريدين. مهلاً! – خطا خطوة نحوها، ثم توقف. – أولن تشكرينني على إنقاذكِ حياتكِ؟!.

— نعم... شكراً لكِ.

صمت روي للحظة، ثم قال بصوت أقل جفافاً:

— ... هل أنتِ بخير؟

نظرت سايتو بعيداً، إلى الأشجار التي لا تزال تحمل آثار الدخان، إلى السماء التي بدأت تتحول إلى ألوان الفجر، ثم قالت بصوت خافت، خالٍ من النغمة:

— أجل! أعني بالتأكيد، تعلم، لقد مررت بالكثير اليوم، ورؤيتي للجثث لا تزال تؤرقني حتى الآن.

نظر إليها روي للحظة طويلة، كأنه يقرأ شيئاً بين سطورها، ثم قال بهدوء:

— ... حسناً، أنا سأذهب للنوم، فالشمس قد سطعت منذ مدة، وأحدهم كان السبب في تأخيري عن موعد نومي مرتين!

ثم استدار ومشى نحو الغابة، وغيتو يتبعه، لكنه التفت في آخر لحظة ونظر إليها نظرة مختصرة، كأنه يريد أن يتأكد أنها لا تزال واقفة، لا تزال حية، لا تزال هنا.

---

في غرفة روي الباردة والمظلمة، كانت الحجرة ضيقة، جدرانها من الحجر البارد الرطب، ونافذة صغيرة تطل على الغابة المظلمة. كان روي نائماً على سريره الحديدي، وغيتو نائم بجانبه، وأذنيه تتحركان أحياناً في نومه كأنه يحلم بشيء.

بدا روي كأنه طفل بريء، واضعاً كلتا يديه أمامه على الوسادة، ومغمضاً عينيه بهدوء وسكينة، وتنفسه المنتظم يكاد يخفي حقيقة ما كان عليه. كان وجهه في النوم أكثر نعومة، أقل قسوة، كأنه يخلع دروعه مع كل شهيق وزفير.

كانت سايتو واقفة أمامه، مادّة كلتا ذراعيها، والخنجر ممسوك بإحكام بيديها، موجهاً نحو رقبته دون أن ترمش. عيناها الحمراوان الخاليتان من أي بريق، كأنهما بحيرتان من دماء راكدة تحت قمر ميت.

كاد الخنجر يقطع رقبته، على بعد شعرة من جلده، في اللحظة التي فتح فيها روي عينيه فجأة.

لكنه لم يجد شيئاً.

الغرفة فارغة. النافذة مغلقة. لا أثر لها. كأنها كانت مجرد ظل، كأنها لم تأتِ أبداً.

جلس روي بسرعة، قلبه يدق بسرعة، ينظر حوله في الظلام. لا شيء. فقط غيتو النائم، وصوت الريح من خارج النافذة.

همس لنفسه:

— كابوس...

---

خارجاً، كانت سايتو قد خرجت مسرعة في آخر لحظة، قبل أن تدرك ما تفعله. كانت تركض بين الأشجار، وأنفاسها تتقطع ليس بسبب الجري، بل لاصطدامها بالواقع، بالحقيقة التي لم تستطع مواجهتها.

كان العرق يتدفق من جبينها، والرعب يعلو وجهها، وكأنها رأت شبحاً في المرآة.

توقفت فجأة، وساندت ظهرها على جذع شجرة كبيرة، وهي تنظر إلى يديها المرتجفتين.

رفعت يديها أمام عينيها، ونظرت إليهما وكأنهما ليستا يديها، وكأنهما يدان لغريب، لقاتل، لوحش.

— مستحيل! لقد كدت أقتل روي بيدي هاتين! كيف لي أن فكرت في ذلك من الأساس؟ أنا... أنا وحش! عليَّ فعل شيء قبل أن أرتكب جريمة أخرى!

نهضت مجدداً، وبدأت تجري، تجري إلى أين؟ حتى هي لا تدري. قدماها قادتاها، كأن لها إرادة مستقلة، إلى منحدر طويل، في نهايته بحيرة ملوثة، مياهها سوداء كالحبر، تعكس سماء الفجر الباردة.

وقفت على حافته، وهي تنظر إلى القاع، إلى الظلام العميق الذي يبدو كفم جائع يفتح ليلتهمها.

— لا... لا خيار أمامي. أنا فقط... عليَّ فعل ذلك قبل أن أفقد السيطرة... قبل أن...

تذكرت مشهد محاولتها لقتل روي. كيف كانت واقفة أمامه، والخنجر في يدها،وكيف كان قلبها بارداً كالحجر.

لكن غيتو... ساي... معلمي... حتى روي... هم بحاجتي!

ترددت سايتو للحظة. نظرت إلى البحيرة السوداء، ثم إلى السماء التي بدأت تتلون بالبرتقالي والوردي. كان الفجر يقترب.

ثم قفزت.

في ذلك الجرف العميق، حيث أشعة الشمس بدأت تتسلل بين أغصان الأشجار، كان منظر الشمس الذهبية بين أوراق الشجر، وبريقها الخافت على سطح البحيرة الملوثة، آخر منظر رأته.

أو لنقل هذا ما ظنته.

فقبل أن يلامس جسدها سطح الماء، قبل أن تغرق في تلك الظلمة السائلة، جاء روي بسرعة خارقة، ومد يده، وأمسك بها في آخر لحظة.

كان جسده يحترق. أشعة الشمس كانت تلامس ظهره، تحرق جلده، تسلخه طبقة بعد طبقة. كان يتألم، كان يصر على أسنانه، لكنه لم يتركها. سحبها بقوة، ووضعها على الأرض بأمان، في مكان لا تصل إليه أشعة الشمس، تحت ظل شجرة عجوز.

سقط على ركبتيه بجانبها، يلهث، وظهره يحترق، ودخانه يتصاعد من جلده المحروق.

نظر إليها بعينين غاضبتين، لكن خلف الغضب كان هناك خوف، خوف حقيقي، خوف من أن يكون قد وصل متأخراً.

— أفقدتِ عقلَكِ؟! لو لم آتِ في آخر لحظة لمتِ أيتها المجنونة!

لكنها صاحت فيه بدلاً من أن تشكره:

— ما الذي أحضرك؟! لماذا أنقذتني؟ أنا لم أطلب هذا منكِ!

— ماذا؟ كنتِ تحاولين الانتحار حقاً إذن! ما الذي جرى لكِ؟!

بدأ يقترب نحوها وكاد يلمسها، لكنها صدته بيدها المرتجفة:

— لا تلمسني! إياك والاقتراب! ابتعد! أرجوكِ... وإلا!

أخرجت الخنجر، الذي كان لا يزال معها، ووضعته على رقبتها، حتى خرج بعض الدم، قطرة حمراء سقطت على ثوبها الممزق.

— سأنهي حياتي هنا والآن!

رفع روي يديه باستسلام، وتراجع خطوة إلى الوراء، وقال بصوت هادئ، محاولاً تهدئتها:

— حسناً! فقط انزليه، أنا لن أقترب.

بدأ بالابتعاد بهدوء، خطوة خطوة، ثم جلس على الأرض بعيداً عنها، تحت شجرة أخرى، ينظر إليها بعينين خائفتين.

نظرت إليه سايتو والخنجر لا يزال على رقبتها، وقالت بصوت مبحوح، مكسور:

— أنا... أنا فقط لا أريد أذية المزيد... أنا آسفة.

مدت سايتو الخنجر قاطعة رقبتها، لكن فجأة، خيوطاً بيضاء رفيعة سحبت الخنجر من يدها في الهواء، جاعلةً إياه في يد روي، وكأنها طارت إليه كالسحر.

نظرت إليه مذهولة، ثم هجمت عليه بسرعة تحاول استعادته:

— أعطني إياه!

لكنه كان أسرع. وقف ورمى الخنجر بعيداً، بعيداً جداً، حتى سمع صوت سقوطه في مكان بعيد، ثم قال بنبرة خفيفة، وهو يمسح العرق عن جبينه:

— أوبس.

جلست سايتو بعيداً، في مكان تصل إليه أشعة الشمس، حتى لا يستطيع الاقتراب منها. انكمشت على نفسها، مغطية وجهها بركبتيها، كطفلة تختبئ من وحوش الليل.

تنهد روي بيأس، وجلس على الأرض، وقال:

— أولن تخبرينني بما حدث الآن؟

صمتت.

— ...

— حسناً، أظن أننا سنبقى هنا للأبد.

مرت الساعات تلو الأخرى. الشمس ارتفعت في السماء، ثم بدأت في الانحدار نحو الغروب. والصمت القاتل يعم المكان، لم يقطعه إلا حفيف الأوراق، وزقزقة العصافير البعيدة، وأنفاسهما المتقطعة.

حتى نطقت أخيراً. كان صوتها خافتاً، مكسوراً، كأنه يخرج من بين أنقاض روحها:

— لطالما أردت أن أكون مجرد بشرية. لكن منذ مدة، مرضت مرضاً فشل الأطباء عن علاجه. قالوا أنه ليس هناك أمل، أن الموت قادم لا محالة. لكنني تعافيت بأعجوبة. كانت معجزة، لكن ليس بالنسبة لي.

تنفست بعمق، وواصلت:

— فقد تغير شكلي إلى شكل بشري كما تمنيت. أصبحت أشبه بهم، بشرتهم، شعرهم، عيونهم. لكن أصبح لدي قدرة ملعونة. أسنان شائكة تحول كل ما حولها لرماد، كأنه لم يكن موجوداً. ظننت أنني أصبحت شيطانة، لكنني لم أكن أتجدد عند إصابتي بجروح أو ما شابه، كما أنني لم أعد أشعر بالحزن أو الشفقة أو حتى السعادة.

رفعت عينيها إليه، وعيناه تلمعان في ضوء الغروب:

— فأنا لم أعد أبكي... حتى الشياطين تذرف الدموع ما عداي. أنا لقد... لقد قتلت الأطفال والناس في الميتم... لقد قضيت عليهم بيدي هاتين... أنا... أنا وحش.

جاء غيتو فجأة من بين الأشجار، لكن روي منعه من الاقتراب منها بإشارة من يده، ثم قال بنبرة هادئة، غريبة، كأنه يحاول أن يقلب الطاولة عليها:

— ألا ترين أن هذا رائع؟

رفعت رأسها، ونظرت إليه باستغراب ممزوج بالغضبج:

— ما الذي تهذي به؟

وقف روي، واقترب منها خطوة، لكنه توقف عند حافة الظل، وقال:

— أعني امتلاككِ لقدرة خارقة دون الحاجة لأكل البشر والمشي في أشعة الشمس بحرية، أليس هذا حلم كل شخص؟ أعني أنتِ أشبه ببطل خارق!

ضحكت سايتو ضحكة مريرة، باردة، كمن يضحك على جرحه:

— هه، بل شرير خارق.

— لا تكوني مغفلة. ألم تقولي أن قوتكِ كانت أسناناً تدمر الأشياء؟ لقد حدث حريق في الميتم، والشرطة قالت أنه من الجهة الغربية، بجانب باب الخروج والمطبخ. أما المكان الذي عثرت فيه عليكِ، فكان المخزن من الجهة الشرقية، أسفل الأرض. فكيف قد تكونين أنتِ الفاعل حتى؟ ظننت أنكِ أذكى من هذا.

توقفت سايتو، وفكرت للحظة، ثم قالت بتردد:

— لكن الرائحة و...

— أمازحينني؟ جميع النيران لها نفس الرائحة!

برقت عينا سايتو أخيراً.

عند تذكرها للرائحة، لم تكن نفسها تماماً. كانت مختلفة. هناك اختلاف طفيف،شيء خفي.

نظرت إلى روي، وإلى عينيه اللتين كانتا تنتظرانها بفارغ الصبر، وشعرت بشيء يتحرك في صدرها.

لم تكن حزناً. لكنها كانت شيئاً قريباً منه.

---

وقفت سايتو عند اكتمال القمر. كانت السماء صافية، والقمر مكتملاً، ناصع البياض، يرسل أشعته الفضية فوق البحيرة السوداء، فيخلق انعكاساً غريباً، كأن البحيرة أصبحت مرآة لسماء أخرى.

كانت سايتو واقفة، تنظر إلى القمر، وصمت يملأ المكان. لكن فجأة، ودون أن تنطق بأي شيء، ذهب إليها روي في صمت.

لكن قبل أن تتحدث أو تحدث ردت فعل،

مد روي يده، وضع كفه برفق على خدها، وأدار وجهها نحوه. كانت لمساته دافئة، ناعمة، كخيوط العنكبوت في الصباح الباكر، كنسيم الربيع الخفيف.

اقترب منها ببطء، حتى كادت أنفاسهما تتداخل. نظرت إليه بعينين واسعتين ومشتتتين، لم تفهم ما كان يفعله،حاولت الإبتعاد لكن صخرتا ورائها قد منعتها.

ثم رأتها.

دموعه.

كانت تنهمر من عينيه الزرقاوين. نعم، عيناه تغيرتا. الجزء الأحمر منهما عاد إلى اللون الأبيض النقي، وأصبحت عيناه كالمحيط الهادئ في المساء، كبحر لا أمواج فيه، مليء بالنجوم الساقطة.

انهمرت الدموع بهدوء، كقطرات الندى على وردة في فجر شتوي، تتلألأ في ضوء القمر الفضي. سقطت إحداها على خدها، وسارت ببطء نحو عينها، ثم تناثرت بين رموشها، وكأنها تمطرها بنفسها، وكأنه يغسلها من كل شيء.

وقفت سايتو جامدة، تشعر بقطراته تسيل على وجهها. كانت دافئة، غريبة، كأنها تمنحها شيئاً فقدته منذ زمن بعيد. شيء كانت تظن أنه مات بداخلها.

نظرت إلى عينيه المبللتين، ورأت فيهما شيئاً لم تراه من قبل. لم يكن شفقة،ولا حتى رحمة.

كان شيئاً آخر.

شيء يشبه أن يقول لها، دون كلمات، ودون وعود:

"إذا كنتِ لا تستطيعين البكاء... فسأبكي عنكِ."

سكتت للحظة، وشعرت بشيء غريب في صدرها. شيء لم تشعر به منذ سنوات.

ثم بدأت بالبكاء.

بينما كانت دموع روي تنهمر على عينيها ثم تنسكب في خديها حتى تسقط على الأرض، تتلألأ في ضوء القمر الفضي الذي شهد على تلك اللحظة النادرة.

.

سقطت على ركبتيها، وغمرها البكاء، وراح روي ينظر إليها، دموعه لا تزال تسيل، وهو لا يقول شيئاً، فقط يتركها تبكي، يتركها تشعر، يتركها تكون إنساناً ولو للحظة.

وفي تلك اللحظة، تحت قمر لم يشهد مثل هذا المشهد من قبل، على ضفاف بحيرة ملوثة تعكس السماء الصافية، بدأت سايتو تشعر بشيء جديد.

شيء لم تشعر به مطلقا.

شعرت بأن هناك شخصا يحبها بلا قيود، شخصا لها وحدها.

ملاحظة: هنا لايقصد بالحب الرومانسي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قاتل الشياطين بعد ثاني

المؤلف Rahaf .k
2026/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة