تأليف: ran
إستمتعوا~~
في أعالي جبل ناتاغومو، تحت قبة السماء الليلية الصافية، كان روي جالساً على جذع الشجرة عجوز، تتسلل جذورها بين الصخور كأصابع ميتة. كان القمر مكتملاً، ناصع البياض، يرسل أشعته الفضية فتخترق ظلمة الليل العاتية كسكين يقطع نسيجاً أسود. كان روي يتأمل ذلك المشهد الخلاب، لكن قلبه كان مثقلاً بذكرى كلماتها: "قد لا نلتقي مجدداً". تنهد بعمق، ثم همس بصوت يكاد يُسمع، فيه مرارة وحنين:
— غبية...
فجأة، قطع هدير الليل. قفز غيتو من بين الشجيرات كالسهم، شعره منكوش وعيناه واسعتان من الهلع، يلهث بشدة كأنه هرب من الموت نفسه.
— غيتو؟ ما الذي تفعله هنا؟ وأين هي؟
اقترب غيتو منه وأخذ يدور حوله في حلقات لامتناهية، ينبح بنبرة هستيرية، وكأنه يحاول أن يقول شيئاً لكنه لا يستطيع.
— وووف! وووف!
— إهدأ! – قالها روي بحزم، لكن غيتو ظل هائجاً، يقفز عليه ويدور في دوامات.
— لقد قلت إهدأ! – صاح روي هذه المرة، ثم مسك وجه غيتو بكلتا يديه، واضعاً بصره في عينيه تماماً حتى سكن الكلب قليلاً، لكن ذيله ظل يرتجف كأوراق الخريف.
جلس روي ببطء، متكئاً على جذع الشجرة، وعلى وجهه تعابير الحزن الممزوج بالاستسلام. همس لنفسه أكثر منه لغيتو:
— يبدو أنها رحلت... رحلت بعيداً جداً... وألصقتك معي.
ساد الصمت المكان لدقائق ثقيلة، لم يقطعها إلا صفير الريح الباردة بين الصخور.
— برأيك، هل هي سعيدة الآن؟ حيث ماتكون؟
كان غيتو لا يزال يلهث، فأجابه روي بمرارة:
— هل أنت جائع؟ أظن أن لدي بعض الشوكولاتا... لقد أخذت بعضها بينما كانت تقضي حاجتها تحت أحد الأشجار.قالها بسخرية باهتة.
لكن قبل أن يكمل، ظهرت سايتو فجأة من العدم، وكأن الأرض تفلقت لتلفظها. كانت ساقطة على الأرض بلا حراك، وجهها شاحب كالثلج، وثيابها ممزقة في بعض الأماكن. هرع روي إليها بحذر، والتقط فرعاً طويلاً بدأ يلمس جسدها به.
— هل... هل هي ميتة؟ لا... فقلبها لا يزال ينبض. غريب... ليس عليها جروح ظاهرة.
حملهما روي إلى منزله حيث يعيش رفقة عائلة العنكبوت، وترك غيتو يراقبها طوال الليل.
---
بعد ساعات، استفاقت سايتو على صوت لحس غيتو لوجهها بشراهة، وكأنه فتحت عينيها بثقل، ورأت سقف المنزل المتعفن قليلاً.
— غيتو! ما الذي قلته لك عن اللحس؟ ووجهي خاصة؟ – همست بتعب، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.
فجأة، دخل روي من الباب الخشبي الذي صرير على مفصلاته الصدئة، وألقى عليها شطيرة جبن باردة.
— كلي. فلا فائدة منك إن كنت مجرد جثة... رغم أن هذا سيكون أفضل بكثير. – قالها بصوت جاف، لكن عينيه تفحصتاها بقلق خفي.
جلست سايتو ببطء، وأخذت تأكل بنهم، بينما كان روي يقف في الزاوية، يحدق فيها في صمت مطبق. لم تطل الصمت طويلاً، بل ابتسمت قائلة بسخرية:
— أولن تسألني الكثير من الأسئلة كالعادة؟ متأكدة أن في رأسك العديد منها.
— فقط لا تموتي أو تفقدي وعيك مثل المرة الماضية. حينها سيكون الأمر مختلفاً. – قالها روي بهدوء، لكن نبرته كانت حازمة.
— وأيضاً، ممنوع عليك الخروج تحت أي ظرف. لكنني تأكدت أنه لن يدخل أحد عليك هنا..
— سأفعل. – أومأت سايتو، ثم عادت للأكل.
نظر إليها روي للحظات، بدت على وجهه تعابير استغراب، أو ربما تساؤل عن شيء لا يمكن قوله. ثم خرج دون كلمة.
---
مرت بضع ساعات، خرج فيها روي، بينما ظلت سايتو نائمة حتى ظهر اليوم التالي. حين عاد، وجدها جالسة على حافة السرير الخشبي، تمشط شعرها المتشابك بأصابعها.
— إلى متى ستظلين هنا؟ أولن تعودي إلى منزلكِ أو أي مكان قبل أن يلحظكِ أحدهم؟
ضحكت سايتو ضحكة قصيرة، ثم قالت بنبرة فيها تحدٍ:
— أوه، أولم أخبرك؟ لقد هربت بالفعل. بعد أن زيفت موتي بالطبع. – ابتسمت ابتسامة عريضة، وكأنها فخورة بمكرها.
— ماذا؟! لمَ لم تقولي ذلك منذ البداية؟! هل أنت جادة أصلاً؟ – انزعج روي واقترب منها.
— لكنك قلت أنك لن تسألني حتى أستعيد عافيتي أو ما شابه. – أبتسمت نفس الابتسامة ثانية، وكأنها تسخر منه برقة.
—!! لا يهم. على كل حال، لقد فعلت ما أخبرتني به. لم ألتقِ به مباشرة، لكنني عثرت على مسكنه وتركت له رسالة. وقد وصل الرد البارحة بينما كنتِ نائمة. خذي.
أخرج روي ظرفاً شمعياً مختوماً بختم غريب، ألقاه نحوها. فتحته سايتو بلهفة.
— أوه! إنه سيصل بعد أسبوع فحسب، تاداا! وقد أعطاني ورقتا لأسلمها لأحدهم فلحسن الحظ هو يعرف أحدا في الميتم.
— يبدو أن رابطتك مع خالك هذا حقيقية.
ضحكت سايتو بسخرية مرة أخرى، لكن عينيها أصبحتا أكثر جدية:
— يال لطافتك... أتظن حقاً أنه يفعل ذلك من أجلي؟ كل ما في الأمر أنني اتفقت معه أن يتكفل بي حتى أصل سن الرشد، مقابل الحصول على نصف ثروتي من والدتي. فهو مجرد رجل تبرأ منه والده، شرد بالكاد يجد قوت عيشه ومكان يأويه... كان سيتركني أموت في في الشارع أو يقدمني لجدي ليستعبدني لو لم أقدم له هذه السفقة.
ساد الصمت للحظة ثقيلة، ثم تابعت سايتو بنبرة خفيفة:
— على كل، لا تقلق. سأذهب غداً عند شروق الشمس. لن أزعجك ثانية. ولن تضطر للنوم وأنت مستلقٍ على الباب كالكلب الحارس.
لم يقل روي شيئاً، لكنه جلب كرسي وجلس عليه.
_أوه! هل ستنام هنا الليلة؟ كما تريد فالغرفة غرفتك في النهاية.
---
مر الوقت، وأشرقت الشمس. رافق روي سايتو إلى نهاية الجبل، حيث كانت أشعة الشمس لا تصل إليه تماماً، كأنها جدار من نار وظلال. توقفا هناك، عند حافة صخرية تطل على وادٍ سحيق.
— حسناً... إنها النهاية. – قالت سايتو دون أن تنظر إليه.
قفز غيتو فجأة نحو روي، بدأ بلحس وجهه ويديه بشراهة وسعادة، وكأنه يودعه للمرة الأخيرة. مسح روي رأسه بلطف، ثم همس:
— سأشتاق إليك أيضاً.
رفعت سايتو نظرها إليه، ثم أخرجت من جيبها عبوة زجاجية صغيرة شفافة، فيها سائل أحمر كثيف.
— خذ. هذا دمي. كلما أحسست أنك ستفقد السيطرة... شمَّه. لكن إياك ثم إياك أن تشربه. إنه سام، وسيقضي عليك في لحظات. وستموت ميتة مؤلمة للغاية...
أخذ روي العبوة في صمت، بكلتا يديه كأنها قنبلة موقوتة، وبقي يتأملها للحظات، ثم سأل بصوت خافت:
— لمَ لم تفعلي هذا من البداية؟ بدلاً من أن تأتي كل مرة؟
— حسناً... إنه سلاح خطير لحد ما. ولم أكن أثق بك في الواقع... لذا..
— هذا يعني أنني لن أراكِ ثانية، صحيح؟
— أجل... فقط... أردت أن أشكرك على كل شيء. لقد كانت مرافقتك ممتعة في الواقع، شعرت وكأنني أعرفك منذ الأزل... وهذا كل شيء. اعتني بنفسك.
اتسعت عينا روي للحظة، وظهرت فيهما بريق لأول مرة، كأنه رأى شيئاً جميلاً بعد ظلام طويل. لكنه لم ينطق بكلمة. اكتفى بوضع العبوة في جيبه الداخلي، ثم انصرف دون أن يلتفت، ودخل بين الأشجار كالشبح.
وقفت سايتو مكانها لحظات تحدق في الظل الذي ابتلعه، ثم همست لنفسها:
— وداعاً أيها السيء.
---
مرت الأيام. وصلت سايتو إلى دار الأيتام البعيدة عن الجبل ببضع كيلومترت. كان بناءً قديماً من الحجر الرمادي، نوافذه ضيقة وابواب من حديد. ومن حسن حظها كان العامل الذي يعرف خالها هناك بالفعل، فسهّل دخولها. حصلت على سرير حديدي في غرفة مزدحمة بأطفال يبدو عليهم الإهمال، لكنها لم تجد الاندماج معهم في يومها الأول. شعرت أن كل الأنظار تتربص بها،لكن فجأة أتت طفلة كانت تضع ضفيرتين ذات شعر بني ونمش على وجهها
—تتفضلي.–مدت يدها بإحراج وهي تحمل قطعة حلوى صغيرة بين يديها.
—شكرا. –أخذت سايتو قطعة الحلوى وهي تشعر ببعض الإحراج والسعادة في نفس الوقت.
وفي الليل، ننتقل إلى كوخ صغير على مشارف المدينة، حيث يعيش فتى شاب بعمر السابعة عشر تقريباً، شعره أشعث، وملابسه رثة بعض الشيء. كان يحاول إغلاق إحدى حقائب السفر العتيقة، يتمتم لنفسه بقلق:
— لا أدري حتى إلى أين يجب أن أذهب... فأنا لا أملك المال حتى. هل عليّ طلب العفو من والدي فقط؟ لكنهم سيرمونني باللوم كما فعلوا دائماً...
فجأة، شعر بظلٍ خلفه. التفت ببطء، فإذا بروي واقف على حافة النافذة، ذراعاه متقاطعتان، وعيناه الحمراوان تلمعان في الظلام كالجمر.
— يا إلهي!! – صرخ الفتى وكاد يسقط من على الكرسي.
— لقد رحلت. – قال روي ببرود، كأنه يتحدث عن طقس سيء.
— مماذا؟
لنعد بذكرياته قليلاً.
"لقد اشتريت بيتاً معزولاً عن المدينة فقط لأنني لم أتحمل تكلفة بيت هناك. واضطررت للانفصال عن حبيبتي بسبب ذلك،حتى أنها أرسلت رسالتا تسبني فيها. وبينما أنا أقرأ إحداها، إذ دخل عليَّ فتى من النافذة. كان وجهه شاحباً، وعيناه حمراوتان، وكان سيأكلني بالفعل حتى رأى الظرف الذي بين يديّ.
— أهذه صديقتك؟
— أنا؟ أعني... أجل، هي كذلك!
— في الواقع لقد التقيت فتاة اليوم، وأريد جعلها تتمسك بي دون أن أضطر لتعذيبها وسحق وجهها تكراراً ووضعها حتى تحترق في أشعة الشمس... برأيك ماذا أفعل؟
— مماذا؟! وما الذي يجعلها تحترق بأشعة الشمس أصلا؟!
— أوه... لأنني سأحولها إلى شيطانة.
— مماذا؟! ش... شيطانة؟! هي بالتأكيد ستفر هاربة!
— في حالتها... أظن أنها ستطعنني.
— !! إسمع... الفتيات رقيقات، يجب أن تعاملهن بلطف، وأن تسايرهن في كل ما يفعلنه. أأنت تعلم؟ هيهي.
ظننت أنه لن يعود ثانية لكنه عاد البارحة يبنما كنت سآكل شطيرة الجبن خاصتي.
—ككيف دخلت من الأساس؟! لقد كانت النافذة مغلقة!
—اوه، هذه؟ كان من السهل فتحها بخيوطي.
–أوه أجل نسيت لقد ظهرت فجأة وهي فاقدة للوعي.
اندهش الفتى:
—مماذا؟! أولم تأخذها إلى طبيب أو ماشابه؟ عليك الإعتناء بها على الأقل
—ألست طبيبا.
—لا!
إقترب روي منه حتى حاصره في الجدار.
قال في نفسه: يال غبائي! سيتخلص مني الآن بعد أن أصبحت بلا فائدة له!
—همم حسنا، هي كالقط على أية حال، لديها سبعت أرواح. سآخذ هذه الشطيرة معي. –ثم ذهب بسرعة مختفيا بين الظلال.
—أقسم أنني لن أضل في هذا المنزل!
حاليا:
—لقد قالت أنها إستمتعت معي وشكرتني على كل شيء أو ماشابه.
سقط الفتى من الإحباط وخيبة الأمل على كرسيه، وغطى وجهه بيديه:
— دعني أخمن... وبعدها قالت وداعاً وأنكما لن تلتقيا مجدداً.
— كيف عرفت؟! – نظر إليه روي بحدة، وأخرج شباكه كأنه يستعد للهجوم.
— مهلاً مهلاً! هذا مجرد تخمين، كان الأمر واضحاً يا رجل! – رفع الفتى يديه مستسلماً.
أخفض روي رأسه، وظهرت على وجهه خيبة أمل هو الآخر.
تنهد الفتى، ثم قال بنبرة نصيحة:
— حسناً... يمكنك التحجج بأمر ما، ومقابلتها، والاعتراف لها. فقط قل لها الحقيقة. الصراحة تصنع المعجزات أحياناً.
رفع روي رأسه، وبدا كأن فكرة أشرقت في عقله:
— معك حق! سأفعل ذلك. سأخبرها بأنني أعتبرها صديقاً جيداً!
دون انتظار رد، قام روي بغلق الحقيبة بشباكه، ثم قفز من النافذة كالظل واختفى في الليل.
صاح الفتى من بعده:
— مهلاً! أولم تكن تحبها أو ما شابه؟!أكان يسألني عن كيفية مصادقة شخص ما من البداية؟!
ثم نظر إلى أمتعته المبعثرة، وصرخ بإحباط:
— تباً! لا أصدق أنني سأبقى هنا فحسب بعد كل شيء!
---
بعد عدة أيام، في مخزن دار الأيتام، كانت سايتو جالسةً على كيس من القمح، بينما كان الأطفال يلعبون في الفناء الخارجي، وأصوات ضحكاتهم تخترق الجدران الرقيقة.
— أتصدقين أنه تمت محاولة اغتيالي البارحة أيضاً؟ لقد أشعلوا النيران في الملحق الذي أعيش فيه، ولم يتمكنوا من إطفائها إلا بعد مدة طويلة، أختاه.
، كانت ساي واقفتا وهي ترى المكان بتقزز.ساي، فتاة في نفس عمر سايتو تقريباً، ذات عيون زرقاء كالجوهر، وشعر أزرق كالليل، وخدين حمراوان كالتفاح.
تمتمت سايتو بانزعاج:
— لقد كثرت عمليات اغتيالك كثيراً... ألا تشكين أن أحد إخوتك من دبر ذلك؟
انتفضت ساي كمن لسعته أفعى:
— سايتو!! أخواي لن يفعلا ذلك بالتأكيد! صحيح أنهما يعاملانني بقسوة أحياناً، ولكن هذا لمصلحتي لأنهما يحبانني!
— يحبانك... بالتأكيد. – قالتها سايتو بنبرة ساخرة لكن ليست واضحة تماماً، وهي تفرك نصل سكين صغير كانت تخفيه تحت كمها.
ثم تابعت سايتو، وهي تشير إلى شعر ساي الطويل المفرود:
— وما خطب شعرك؟ لقد تجاوز كتفك بالفعل. ولماذا هو مفرود؟ أولم تكوني تفضلينه مجعداً وقصيراً؟
ابتسمت ساي بسذاجة:
— إنه يناسبني، أوليس كذلك؟ قال إخوتي إنني أبدو كالمتشردين بشعري القصير والمجعد.
ارتسم على وجه سايتو تعابير الغضب الخفي، لكنها لم تظهره بالكامل. مدت يدها وربتت على كتف ساي برفق:
— لا تنزعجي. أنت جميلة كما أنت.
لكنها فكرت في داخلها:
"أختي... إنكِ حقاً شخص مسكين. حتى أنتِ تدركين أن هذا غير صحيح. كونك طفلة غير شرعية جعل الإمبراطورة تدخل في اكتئاب حاد حتى توفيت. وبسبب ذلك، كرهكِ الشعب وأخواكِ الأكبران غير الشقيقين بشدة. حتى أنني أشك أن والدكِ يكن لكِ مشاعر من الأساس. لقد سخّر لكِ حارساً واحداً فقط، وماذا أيضاً؟ مجرد طفل من عائلة ساقطة."
كان هناك، خارجا، طفل في الثالثة عشرة تقريباً، يحمل سيفاً أطول يكاد يكون بطوله، واقفاً كتمثال، عيناه تراقبان كل حركة.
—كل ما في الأمر أنك لم تلتقي بهما، فإذا رأيتهما أقر أنك ستحبينهما.
—حقا؟ اتوق لرؤيتهما اذن. –أجابت سايتو بنبرة حادة.
ارتبكت ساي وخفضت صوتها:
— أوه... أمم... في الواقع، حسناً ربما لاحقاً. تعلمين، لقد حدثت الكثير من الأشياء، هربت من المنزل، وأصبحت مجرد يتيمة الآن. كما أنهما لا يعلمان بوجودكِ، لذا... هيهيهي.
— ماذا؟! هما لا يعلمان بوجودي حتى؟ أأنت جادة؟ أتشعرين بالإحراج مني؟ – صاحت سايتو في وجه ساي.
— الأمر ليس كما تظنين، في الواقع إنه...
— ماذا إذن؟ أنتِ تكونين ابنة الإمبراطور! أتدرين ماذا يعني هذا؟ أنتِ لديك الصلاحية لفعل ما تريدين، أنتِ أميرة! لا يمكن لأحد إعطاؤكِ طعاماً فاسداً، أو تحميمكِ بماء بارد، حتى إن إخوتك لا يمكنهم ضربكِ!
— ك... كيف علمتِ بذلك؟! –إنصمت ساي ورجعت خطوة للوراء.
— لا، فقط كان مجرد احتمال. – حاولت سايتو التهرب.
— لا! أنتِ كنتِ تتجسسين عليَّ! من أين؟ أكانت الدمية التي قدمتها لي؟ هل صنعتِ جهازاً يتنصت عليَّ من الأجهزة التي أعطيتكِ إياها؟
تنهدت سايتو بعمق، ثم وضعت يديها على كتفي ساي، وقالت بنبرة حازمة لكنها دافئة:
— نعم. لكن اسمعي... أنا أختكِ الكبيرة، لذا عليَّ الاطمئنان عليكِ. فكري في الأمر... أنا أريد مصلحتكِ.
—في الواقع، ليس الدمية فقط. –قالت سايتو ذلك في نفسها.
لكن ساي انفجرت باكية:
— ثم ماذا؟ أصبح متشردةً مثلكِ؟ كان عليكِ التضحية ببعض الأمور لتعيشي حياة هانئة... لكنكِ كنتِ مهووسة بفكرتكِ عن الحرية!
هربت ساي تذرف الدموع، بينما جلست سايتو على الأرض، واضعة يدها على وجهها، وتهمس لغيتو الذي كان يلعب بجوارها:
— إنها تقول الكثير من الكلمات الجارحة أحياناً... ثم نظرت إلى غيتو فأكملت: حسناً... جارحة للأشخاص العاديين. أما أنا، فقلبي حجري.
ثم نظر إليها غيتو بتساؤل.
— أنت تعرف... ليس من المفترض لها أن تعرف أنني ولدت لأؤكل. هي لا تزال صغيرة على هذه الأشياء.
لم تشعر سايتو بنفسها حتى بدأت تنام على كيس القمح، وغيتو بجانبها.
---
بعد لحظات قليلة، استيقظت سايتو على صوت صراخ مرعب، ورائحة مألوفة
— حريق! – صرخت، وقفزت من مكانها.
كان الباب الخشبي للمخزن مقفلاً من الخارج، وبدأ الدخان الأسود يتسلل من تحت الشقوق. حاولت سايتو كسر الباب، لكنه كان عالقا بسبب سقوط الجدران عليه. نظرت إلى الأعلى، فرأت أن السقف بأكمله بدأ يتهاوى.
— تبا! كسر سقف المخزن سيكون أسهل.
ركضت نحو الزاوية حيث كانت الأكياس متراكمة، وتسلقت فوقها، ثم بدأت تركل الجزء الرش الضعيف في السقف. تشقق ببطى حتى أحدثت فتحة صغيرة، كافية لرؤية الخارج. تحول غيتو إلى حشرة صغيرة وخرج من هناك
—سآتي قريبا، إذهب أنت أولا.
من هناك، رأت الجحيم: النيران في كل مكان، أجساد الأطفال الصغار ملقاة على الأرض، بعضهم يتحرك بصعوبة، والبعض الآخر صامت تماماً كانت الفتاة ذات الضفيرتين ملقاة معهم دون حراك. شعرت في غصة في قلبها لكنها إستمرت بالتحطيم
فجأة، فقدت سايتو توازنها وسقطت من فوق الأكياس، لتتدحرج على الأرض بينما سقطت فوقها أمتعة محترقة. امتلأ المخزن بالدخان الأسود السميك، وبدأت بالسعال والدوران، وشعرت أنها تفقد الوعي.
لكن فجأة تذكرت.
— هذه الرائحة... هي حقاً... نفسها التي كانت في الانفجار حين هروبي... ما الذي
فعلته!
فجأة توقف الوقت عن المضي لم تشعر سايتو بأي شيء حتى بالخزانة التي سقطت فوقها لتفقدها الوعي.
Rahaf .k