وسط الوهج الفضي الأسطوري المنبعث من عناقهما الممتزج بالدم، لم يتراجع أثير وأميليا. كانت يداهما متشابكتين بإحكام فوق مقبض "خنجر الغسق"، يدٌ بشرية دافئة تنزف وفاءً، ويدٌ أثيرية ملكية تشع ضياءً فضياً نقيا جدا.
تلاقت أعينهما في جزء من الثانية؛ الفضية والعسلية، ولم يكن هناك مكان للخوف، بل كان اليقين وحده ما يقودهما. صرخ الزعيم صرخة أخيرة حاول فيها حشد ما تبقى من ظلاله المتآكلة لصد النور، لكن أثير وأميليا اندفعا معاً ككتلة واحدة من النور والمواجهة، وغرسا نصل الخنجر المشع في قلب زعيم السنامن مباشرة!
انفجر من جسد الزعيم صاعقة فضية مرعبة مزقت كيانه المظلم إلى أشلاء من الرماد الراحل. ومع تلاشي الزعيم، دوت صيحات ذعر انبعثت من جحافل جيوش الفناء السبعة؛ فبدأت الأطياف السوداء تتفكك وتتلاشى كالدخان في مهب الريح.
انقشعت سحب الكبريت الثقيلة، وتحرك قرص الشمس ببطء ليعلن انجلاء الكسوف الكلي وانكسار بوابات الجحيم الأثيرية. وعاد ضياء النهار الصافي ليغمر التلال المهجورة، معلناً انتهاء عصر الخوف والملاحقة إلى الأبد.
سقط خنجر الغسق على الأرض بعد أن أدى مهمته وتلاشى نوره ليتحول إلى معدن ساكن. انهار أثير وأميليا معاً على العشب الأخضر، وكان جسد أميليا ينزف من أثر ضربة الزعيم، لكن المعجزة كانت تحدث في جسد أثير.
إن دماء أميليا النارية التي امتزجت بطاقته، وطعنة الخلاص التي وجهاها معاً، قد أحدثتا التحول الأعظم الذي لم يحدث منذ بدء الخليقة؛ لم يعد أثير كياناً من ظلام، ولم يعد "قريناً" خفياً محكوماً بالعتمة. بدأت هالته السوداء تختفي تماماً، وحل محلها قوامٌ مادي، بشري، دافئ.
تلاشت برودته المعهودة لتدب الحرارة في أطرافه، ولأول مرة، استمع أثير إلى صوت دقات قلبٍ حقيقي ينبض داخل صدره العريض.
التفت نحو أميليا وعيناه الفضيتان قد تحولتا إلى لون رمادي دافئ وساحر، يفيض بالحياة. امتدت يده البشريّة، دافئة وملموسة بالكامل لأول مرة، ووضعها على وجنتها يمسح دموعها، وقال بصوته الفخم الذي أصبح رخيماً وبشرياً:
"لقد انتهى الأمر يا نور روحي.. لم أعد ظلاً يحرسكِ من خلف الحجاب، بل صرتُ رجلاً من لحم ودم، أقف معكِ تحت ذات الشمس، ولن يفرقنا عالمٌ أو قبيلة بعد اليوم."
بكت أميليا من فرط الفرحة والراحة، وارتمت في حضنه مجدداً، لكن هذه المرة كان عناقاً مختلفاً؛ لم يكن عناقاً أثيرياً تتطاير منه الشظايا، بل كان عناقاً بشرياً دافئاً، ملموساً، تشعر فيه بأنفاسه الحقيقية وضغطة يديه القويتين اللتين تحيطا بها بحبٍّ صمد لألف عام.
مرت أشهرٌ على تلك الليلة الملحمية، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي في المدينة، دون أن يدري أحد من البشر بحرب الفناء التي دارت على أطرافها.
وفي ممرات الجامعة القديمة، كانت أميليا تسير بملامح هادئة، يملؤها السلام والأمان الذي طالما بحثت عنه. لم تعد تنظر إلى الزوايا المظلمة بترقب، ولم تعد الظلال تخيفها.
كانت تحتضن مذكراتها التي خلدت فيها قصة حارسها السري، متوجهة نحو البوابة الرئيسية.
وعند مخرج الجامعة، تحت أشعة الشمس الذهبية الدافئة، كان هناك رجلٌ شاهق الطول، عريض المنكبين، يرتدي معطفاً أسود فخماً، وشعره الداكن ينسدل على جبينه، بينما عيناه الرماديتان الساحرتان تراقبانها بابتسامة دافئة تحمل عمق قرون من الوفاء.
مشت أميليا نحوه بخطى واثقة، ووضعت يدها في يده الدافئة، وتشابكت أصابعهما معاً تحت الضياء. نظر إليها أثير وهمس بامتنان:
"إلى أين يا ملكتي؟"
ابتسمت أميليا ونظرت إلى الأفق الرحب وقالت بيقين:
"إلى حياة جديدة بالطبع سنصَنعها معاً.. من الدم، والنور، والحرية الأبدية."
ابتسم:"بالطبع .... لا يوجد شئ يوقفنا أو يوقف هذا الحب الدائم فقط انا وانت ،و انت وانا"
꧂النهاية...تمت꧁
وهج ✨