رفيق الغسق

رفيق الغسق

13 0

لم يكن "أثير" مجرد ظلٍ عابر يراقب الغرفة من بعيد، بل أصبح، دون أن تدري الطفلة، جزءاً لا يتجزأ من طفولتها الصامتة.

كانت تُدعى "أميليا".. فتاة صغيرة تميزت بروحٍ حالمة وعينين تلمعان بفضول لا ينتمي لهذا العالم البشري. في سنواتها الأولى، عندما كانت أميليا في الخامسة من عمرها، بدأت تلاحظ أن ظلال غرفتها ليست كباقي الظلال. لم تكن تخاف العتمة كما يفعل الأطفال، بل كانت تجد فيها ونيساً.

في الليالي التي كانت تشعر فيها بالملل أو الوحدة، كانت تجلس على الأرض وتبسط كفيها الصغيرتين نحو الجدار، وفجأة، كان ظل "أثير" يتمدد برفق ليصنع لها أشكالاً متحركة؛ طيوراً تحلق، وجياداً تركض، وظلالاً تداعب أناملها الصغيرة. كانت أميليا تضحك بصوت خافت وهي تحاول الإمساك بتلك الفراشات الظليّة التي يصنعها لها في الهواء، وكان أثير، الملك المنعزل من قبيلة "سنامن"، يجد متعة خرافية في تلوين عالم هذه الطفلة بالنقاء، مبتعداً عن قسوة موطنه الأصلي.

كلما كبرت أميليا، كبر معها هذا الرابط السري. في مرحلة المدرسة، حين كانت تعود باكية من مضايقة زميلاتها، كانت تلجأ لغرفتها وتغلق الباب، لتجد أن ألعابها الخشبية تتحرك من مكانها بحركات بهلوانية لطيفة وكأن هناك يداً خفية تحاول إضحاكها ومسح دموعها. كانت تبتسم وسط بكائها، وتدرك أن لها رفيقاً سرياً لا يراه أحد غيرها.

ومع مرور السنوات، بدأت مرحلة النضج، وتحول اللعب البريء إلى وعي وإحساس أعمق بالأمان.

عندما وصلت أميليا إلى سن العشرين، نضجت ملامحها وتغيرت تفاصيل جسدها لتصبح شابة فاتنة، وبدأت خيالات الطفولة تتراجع ليحل محلها إدراك ناضج. لم يعد أثير يصنع لها أشكالاً على الجدار، بل صار حضوراً هادئاً، فخماً، ومريحاً إلى أبعد الحدود.

أصبحت أميليا تشعر به كطاقة دافئة تحيط بها كلما دخلت الغرفة. في ليالي الدراسة الطويلة والمجهدة، عندما كان الصداع يهاجم رأسها وتكاد تسقط من التعب، كانت تشعر بنسمة هواء باردة، محملة برائحة غامضة تشبه المطر البكر الممتزج بالرماد العطري القديم، تلامس جبينها الصغير، فيزول الألم فوراً وكأن يداً حانية ربتت عليها.

في إحدى الليالي، كانت أميليا تجلس أمام مرآتها، تمشط شعرها ببطء، وتتأمل الغرفة من خلال الانعكاس. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنطق بصوت عذب وناضج:

"لقد كبرتُ يا رفيقي.. ولم أعد تلك الطفلة التي تطارد فراشات الظلام على الجدار. لكنني لا زلت أعلم أنك هنا، ولا زلت أشعر بوجودك ولكن سؤالي من انت ولماذا لا تظهر لي؟؟"

في الزاوية المظلمة خلف الستارة، كان "أثير" يقف بقوامه المهيب وبنيته الأثيرية الفخمة، يستمع إلى كلماتها وعيناه الفضيتان تلمعان بشجن غامر. تذكر كيف كانت طفلة تحبو نحو ظله، وكيف أصبحت الآن شابة تشع نقاءً. كان يضع يده الخفية على صدره، يشعر بشئ غريب يتلوى في روحه، ويعلم أنه مستعد لحمايتها طوال حياته الأبدية، دون أن يدري أن سنوات اللعب والأمان هذه قد أوشكت على الانتهاء، وأن عيون قبيلته بدأت تلتفت للسر الذي يخبئه وراء الحجاب.

لم تكن علاقة أميليا برفيق غسقها مقتصرة على غرفتها المغلقة فحسب، بل كانت تشعر بأثره يمتد ليحمي خطواتها في عالم البشر الخارجي، كأنه هالة غير مرئية تحيط بجسدها.

في سنوات مراهقتها، حين كانت تضطر للعودة من دروسها المتأخرة في ليالي الشتاء حيث تخلو الشوارع من المارة وتكتسي بالبرودة والوحشة، كان الخوف يتسلل إلى قلبها الصغير. لكنها، وفي لحظة مفاجئة، كانت تشعر باعتدال الهواء من حولها، وبأن الظلال الممتدة من أعمدة الإنارة الشارعية لا تقترب منها، بل تبتعد عن طريقها بصورة غريبة، وكأن هناك صوتاً صامتاً يأمر العتمة بأن تتنحى إجلالاً لمرورها. كانت تلتفت خلفها، فلا تجد أحداً، لكن رائحة المطر والرماد العطري كانت تأتي مع نسمة هواء دافئة تطمئن روعها، فتبتسم وتكمل سيرها بخطى ثابتة، واثقة بأن حارسها يسير في ظلها، يسبق خطوتها بخطوة ليؤمن لها الطريق.

أما بالنسبة لـ "أثير"، فقد كان هذا التعايش بمثابة ميثاق سري يعقده مع روحه كل يوم.

كان يعلم أن القوانين الصارمة لعالمه تمنع تداخله بهذا الشكل مع البشر، وكان يدرك أن طاقته تستهلك في كل مرة يصنع لها شكلاً على الجدار ليضحكها، أو يتدخل ليغير حرارة الطقس من أجل راحتها. الكيانات من جنسه خُلقت لتبث الرعب، لتتغذى على الأنين والخوف، لكنه عندما كان ينظر إلى أميليا، كان يشعر أن طين الظلال الذي صُنع منه يتطهر بنور نقائها. كان مستعداً لأن ينتهي وجوده بالكامل، على أن يرى دمعة حزن واحدة تسيل على وجنتيها.

و بلوغها العشرين من عمرها، تحولت هذه العلاقة إلى نوع من التناغم الفخم والصامت.

حيث في الصباح، حين تستيقظ أميليا وتفتح نوافذ غرفتها لتدخل أشعة الشمس الدافئة، كان أثير ينكمش بمهارة خلف قطع الأثاث الثقيلة، حيث لا يمكن للضوء أن يلاشيه. كان يراقبها وهي تصفف شعرها، وهي تتحدث مع نفسها وتخطط ليومها، وأحياناً، كانت تترك له "رسائل بشرية بريئة". كانت تضع زهرة صغيرة قطفتها من الحديقة على حافة مكتبها في الزاوية المظلمة، وتقول بابتسامة ناعمة قبل أن تغادر الغرفة:

"هذه لك.. شكراً لأنك حارسي واتمني أن أراك يوما!."

وفور أن يغلق الباب وتصبح الغرفة خالية، كان ظل أثير يتمدد نحو الزاوية، ويحيط بالزهرة بهالة من الغسق البارد ليحافظ على نضارتها، فتبقى حية لأسابيع دون أن تذبل، كدليل ملموس على وجوده الذي عجزت عيناها عن رؤيته بالكامل.

وفي ليلة عيد ميلادها العشرين، حدث أمرٌ جعل الرابط بينهما يتخذ منحى أكثر عمقاً وشجناً.

كانت أميليا تجلس على سريرها في وقت متأخر، وبيدها دفتر مذكراتها القديم. كانت تقلب الصفحات وتتأمل رسوماتها الطفولية للأشكال الظلية التي كان يصنعها لها رفيقها السري. تنهدت بشوق، ونظرت إلى جدار الغرفة الصامت وقالت بنبرة تحمل رجاءً حاراً:

"أتساءل دائماً.. من أنت؟ ولماذا اخترتني أنا بالذات من بين كل البشر؟ هل كنا نعرف بعضنا في مكان آخر؟ في زمن آخر؟ أشعر أن روحي تحفظ وجودك منذ الأزل، وأن هذا الأمان ليس جديداً علي.. ليتني أستطيع رؤية وجهك ولو لمرة واحدة."

ساد صمت مطبق في الغرفة، صمتٌ ثقيل ومحمل بالمشاعر البالغة حد البكاء.

خلفها، في العتمة، كان أثير يقف بجسده المهيب الفخم، بظهره المستقيم الذي ينم عن كبرياء ملك، لكن ملامحه الأثيرية كانت تنضح بانكسار دفين. امتدت يده الطيفية لتقترب من خصلات شعرها دون أن تلمسها، وكأنه يمسح عليها. كان يود لو يصرخ بعمق صوته الذي يهز الأودية المظلمة ويقول لها: (أنا ملككِ القديم يا أميليا.. أنا من أقسمتِ له يوماً وسط النيران والدمار ألا تنسيه، وأنا من قضى القرون يبحث عن أثر روحكِ حتى وجدكِ).

لكنه كتم صوته، وتراجع خطوة للخلف، مكتفياً بأن يجعل ظله على الجدار ينحني برفق كتحية ملوك مخلصة، تاركاً إياها تغرق في نوم عميق، وهي متلحفة بطيف أمانه الخفي، دون أن تدرك أن هذا السلام الذي عاشت فيه لعشرين عاماً بات مهدداً، وأن الستار أوشك أن يُرفع عن الظلام ليكشف كل مستور.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحارس : العهد القديم

المؤلف وهج ✨
2026/06/09 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة