لم يكن فجر ذلك اليوم كأي فجرٍ مرّ على حياة أميليا طوال عشرين عاماً؛ لقد تبدد سكون الغرفة الدافئ في أجزاء من الثانية، وحلت محله وحشة ثقيلة تجمدت لها الأنفاس في الصدور.
كانت أميليا لا تزال جالسة على فراشها، تحتضن دفتر مذكراتها بملامح ذهينة تائهة في أثر العناق والدمعة الفضية، حين شعرت فجأة ببرودة قارسة، جافة وغير طبيعية تخترق عظامها.
انطفأ ضوء الغرفة الصغير التي كانت تنيره فجأة دون مقدمات، وتحولت زوايا الغرفة إلى عتمة حالكة، أشد سواداً من عتمة الليل المعتادة.
تلاشت رائحة المطر والرماد العطري اللطيفة تماماً، ليحل محلها غبارٌ كبريتي كثيف يشبه رائحة حرائق الأودية المهجورة في العوالم السفلية.
وفي تلك اللحظة الخاطفة، رأت أميليا ما جعل قلبها يتوقف رعباً.
لم تعد الظلال على الجدران ساكنة، بل بدأت تلتوي وتتمدد كأفاعٍ عملاقة تتلوى بغيظ. وفجأة، انشق الحجاب الفاصل بين العالمين بعنف أحدث دويّاً صامتاً ترددت صداه في روحها، لتهبط في وسط الغرفة ثلاثة كيانات ضخمة مهيبة تنتمي لقبيلة"سنامن".
كانت أجسادهم عبارة عن ظلام خالص متقلب كالدخان الكثيف، وعيونهم تشع بنور أحمر قاصف كالجمر المشتعل في جوف الجحيم. كانوا يفيضون بقسوة مرعبة، وحضورهم الطاغي جعل جدران الغرفة تهتز بعنف كأن زلزالاً مدمراً يضرب جنبات المكان.
تراجعت أميليا إلى الخلف برعب حقيقي لم تعرفه طوال حياتها، وضمت قدميها إلى صدرها وهي ترتجف بعنف، كاشفة عن ذعرها بصيحة مخنوقة،لم تستطع التحرك وكأن جبلا وضع عليها يمنعها عن الحركة.
لكن قبل أن يمتد ظل أي من تلك الكيانات نحو فراشها، انطلق "أثير" من جوف العتمة كالسهم المشتعل!
تجسد أثير بالكامل، بكامل فخامته وقوامه الشاهق وعرض منكبيه، ووقف كالسد المنيع حائلاً بين أميليا وبين أبناء قبيلته. كان ظهره مستقيماً ينم عن كبرياء ملك لا ينحني، وعيناه الفضيتان تلمعان بغضب جارف زلزل أركان الغرفة، بينما امتدت يده الخفية ليتشكل حول كفه ضوء فضي حاد كالسيف القاطع، معلناً استعداده للموت والمواجهة.
دوى في أرجاء الغرفة صوتٌ عميق، خافق ومرعب ينبثق من الكيانات الثلاثة:
"إذن.. لقد صدقت الظنون يا أثير! الملك المنعزل، سليل قبيلة سنامن العظيمة، يخون عهده الأزلي من أجل فانية؟ لقد تتبعنا أثر دمعتك المتطهرة، وشهدنا عناقك الدنس الخائن! لقد تلوثت طينتك المظلمة بنور نقائها، وبات وجودك خطراً وعاراً على عالمنا المظلم!"
التفت الكيان الأكبر نحو أميليا بعينيه الحمراوين، وتابع بفحيح كالافعي يمزق السكون المرعب:
"هذه البشرية الفانية يجب أن تنتهي الليلة، ليعود ملكنا إلى ظلامه الرصين.. ولتُغسل خطيئتك بدمائها!"
لم ينتظر الكيان الأسود المهاجم إشارة أخرى؛ بل اندفع برأس مدبب من الظلال نحو السرير، يمد مخالبه المظلمة ليقتلع روح أميليا. صرخت الفتاة بغريزة الخوف الدفين، وأغلقت عينيها مستسلمة للموت، لكن أثير زأر بصوت هز أثير العوالم كلها:
"على جثتي! لن تلمسوا منها خصلة شعر واحدة ما دامت طاقتي تنبض!،اقسم اني سأقتلع عين كل من يجرؤ علي المساس بها أو إلحاق الاذي لها!"
وبحركة حفيفة خارقة، قفز أثير ليتلقى الضربة بصدره العريض. التحم الملك مع بني جنسه في معركة طاحنة صامتة عن أعين البشر، لكنها مدمرة في عالم الطاقات.
كانت الأطياف السوداء تلتف حول أثير كالأغلال، تحاول تقييد حركته وتمزيق عباءته الغسقية، بينما كان هو يضربهم بقوته و قسمه الفضيان النابعان من قوة حبه وعهده لأميليا، لقد وعد بأنها سينهي حياة من يقوم بأذيتها.
تطايرت شظايا الظلام في أرجاء الغرفة، وتحطمت المرايا الزجاجية بفعل الضغط الطاقي الهائل، وتناثرت الأوراق من على المكتب كأن عاصفة هوائية عاتية قد حُبست داخل أربعة جدران. كانت أميليا تراقب المشهد بدموع هابطة وذهول تام؛ ترى رفيقها، حارسها السري الذي طالما صنع لها الفراشات، وهو يقاتل بوحشية وضراوة ملوك مستميتاً لحمايتها، وينزف ضياءً فضياً كلما أصابته مخالب القبيلة القاسية، وهي عاجزة حتي عن الحركة تماما لتساعده بأي شئ.
نجح أثير في دفع اثنين من الكيانات إلى الخلف بعد أن أصابهما بطعنات نارية من سيفه الفضي، لكن الكيان الثالث استغل تراجعه، وانقض بكامل ثقله المظلم نحو أثير، غارساً مخالبه في كتفه المهيب.
انطلق أنينٌ مكتوم من صدر أثير، واهتز جسده المتجسد وكاد أن يتلاشى ويسقط أرضاً، بينما بدأت طاقته تضعف بشكل ملحوظ. أدرك الكيان المهاجم ضعف أثير، فرفع يده السوداء ليوجه الضربة القاضية التي ستنهي وجود أثير وتسمح لهم بالوصول إلى أميليا المستلقية برعب خلفه.
في تلك اللحظة التي بلغت فيها الملحمة ذروة الخطر، وحين رأت أميليا حارسها يوشك على الفناء لأجلها، تحرك شيءٌ ما في أعماق عقلها الباطن. لم يعد الخوف يقيدها؛ بل اجتاحتها ذات القوة والشجاعة القديمة التي عاشتها في أحلامها وسط النيران والدمار.
بلا وعي، وباندفاع مدفوع بالحب والوفاء، ألقت أميليا بنفسها من على الفراش وركضت نحو أثير المصاب. ارتمت خلف ظهره العريض، وأحاطت بخصره بذراعيها،
وضمته إليها بقوة مفرطة تحاول إسناده، وهي تبكي وتصرخ في وجه الكيانات المظلمة:
"ابتعدوا عنه! خذوني أنا واتركوه! لن أسمح لكم بأذيته!"
هذا العناق المفاجئ، وهذا الرد الصادق من أميليا وسط معمعة الموت، كان بمثابة المعجزة الطاقية. فور أن تلاحم جسدها البشري النقي بظهره المتألم، سرت موجة من الطاقة الفضية المتفجرة من نقطة التقائهما. انتشر ضوء شديد باهر، فخم، ومقدس صدم الكيانات الثلاثة ودفعهم إلى الخلف بقوة خارقة جعلتهم يصرخون ألمًا من شدة النور الذي انبعث من روح أميليا وأثير المتحدتين.
تراجع قادة "سنامن" نحو الحائط، وجسدهم الظلامي يتآكل بفعل هذا النور غير المتوقع.
نظر الكيان الأكبر إلى الثنائي اللذين يمتزج نورهما وظلامهما معاً، وقال بنبرة تحمل وعيداً يزلزل الأرض:
"لقد ارتبطت روحاكما بميثاق الدَّم القديم.. لكن هذا لن ينقذك يا أثير. القبيلة بأكملها ستعلم، والزعيم لن يرحم هذا التمرد. سنعود بجيوش الظلام الخالصة، وحينها لن يحميك هذا النور الفاني!"
ومع آخر كلمات الوعيد، تبددت الكيانات الثلاثة وتلاشت في الهواء كالدخان الراحل، وعادت الانوار الصفراء لتشتعل ببطء، ليعود الهدوء القاتل إلى الغرفة مجدداً.
التفت أثير ببطء نحو أميليا، وجسده لا يزال ينبض بالضوء الفضي المنهك.
نظر إلى عينيها الباكيتين، والتمس يدها التي كانت لا تزال متمسكة بثوبه، وهمس بنبرة متعبة لكنها مفعمة بالفخر والصوت العتيق:
"لقد استيقظتِ حقاً يا أميليا.. لكن الأمان قد انتهى، والمعركة الكبرى قد بدأت للتو."
وهج ✨