بعد أن تبدد دخان كيانات "سنامن" وعاد السكون القاتل ليلف أركان الغرفة، سقط أثير على ركبتيه من فرط الإنهاك وطاقته الفضية المتغيرة تنبض بضعف. لم تتركه أميليا؛ بل جثت بجانبه فوراً، ووضعت كفيها المرتجفتين على كتفه المصاب، وعيناها تفيضان بالدموع والخوف عليه. تلاقت عيناهما لأول مرة عن قرب بلا حجاب؛ الفضي المتوهج بالحزن، والعسلي البشري الباكي.
تحدثت أميليا بنبرة متهدجة وهي تحاول لمس ملامحه المتجسدة:
"أنت تنزف ماذا افعل؟!.. يا الهي.. أرجوك أخبرني ماذا افعل؟، ما الذي يحدث؟ ومن تكون تلك الكيانات المرعبة؟ لقد نادوك باسمك.. أثير؟ هل هذا هو اسمك الحقيقي؟"
نظر أثير إلى كفيها اللتين تلمسانه، وشعر بأن طينته الظلامية تتطهر بالكامل في تلك اللحظة. تنهد بصوت عميق كأنه يخرج من جوفه بصعوبه، وقال بصوته الفخم العتيق:
"نعم يا أميليا.. أنا أثير، حارسكِ وقرينكِ الخفي من عالم الظلال، و تلك الكيانات هي أبناء قبيلتي، قبيلة 'سنامن' التي ولدتُ من رحم عتمتها. طوال عشرين عاماً كنت أحميكِ في خفاء صامت، لكن عناقنا الليلة، ودمعتي التي سقطت بنور حبكِ الصافي علي وجنتيك، كشفا أمري أمام عيونهم. لقد خالفتُ قانون الظلال العظمى، وعقوبة هذا هي الفناء الشامل لي، والموت لكِ."
امتدت يد أثير الفخمة لتمسح دمعة سقطت على وجنتها، وتابع بيقين ملكي:
"لكنني أقسمتُ بميثاق الدم القديم، قبل قرون من هذا الزمن حين كنا معاً في العالم الماضي، أنني لن أسمح لعتمة الكون أن تؤذيكِ. والآن، وقد استيقظت روحكِ ورددتِ لي العناق، أصبحنا كياناً واحداً.. نوراً وظلّاً لا يمكن فصلهما."
أدرك أثير أن الوقت لم يعد في صالحهما؛ فالقبيلة لن تتأخر في حشد جيوشها للعودة واقتلاع هذا التمرد من جذوره. التفت نحو أميليا وطلب منها بلهجة جادة وحازمة أن تجلس في منتصف الغرفة، وتجلب معها الدفتر العتيق والمخطوطات التي كانت تقرأها في المكتبة.
بدأ أثير طقوس الاستعداد للمواجهة الكبرى. تحرك في أرجاء الغرفة بخطوات مهيبة، وبدأ يطلق ما تبقى من طاقته الظلامية المتطهرة ليرسم "حجاباً حامياً" حول جدران الغرفة ونوافذها. كانت خيوط النور الفضي تمتزج بسواد ظله، لتصنع شبكة غير مرئية تحمي الغرفة من أي اختراق فجائي قد تشنه القبيلة.
التفت نحو أميليا وقال لها:
"أميليا، المعركة القادمة لن تكون كسابقتها؛ الزعيم سيهبط بنفسه، وجيوش الظلام لن ترحم هدوء هذا العالم البشري. أحتاج منكِ أن تظلي قوية، وألا يسمح الخوف لروحكِ بالانكسار.
إن حبكِ وثقتكِ بي هما الوقود الخارق الذي يمنح ظلامي هذا النور الفضي المدمر. كلما زاد يقينكِ بنا، كلما اشتد سيفي في وجههم."
جلست أميليا وأومأت برأسها بشجاعة لم تعهدها في نفسها من قبل سألت:
"لقد قلت حياة سابقة صحيح؟"
أردف عليها وهو لا يزال في طقوسه:
"نعم، لماذا؟!"
"ماذا كنت تقصد حينها؟!"
أوقف كل ما يفعله ونظر إليها نظرة تحمل كل معاني الذكريات:"كنا سويا في حياة سابقة وعهد لا اذكر ولكن ما اعرفه أنني قد مت في حرب وملك الغازي علي مملكتنا هو كان قاتلي، وانت عندما سمعتي خبر وفاتي لم تصدقي و كنتي وحالة يأس من الحياة واقسمتي علي شئ واحد كرستي حياتك السابقة فيه وهو الانتقام لقد اقسمتي علي أن تجعلي من قتلني يعيش اسوأ ايام حياته و بالفعل علمتي أنه الملك و تزوجتيه وجعلني أيامه الأولي اسعد ايام حياته قبل أن تقوليه بسم فتاك يفتك بأعضاءه ويقوله ببطئ شديد وعندما علموا انك انت من قتلتِ الملك اخذوكي وقاموا بأعدامك ولكنك لم تكوني خائفة بالعكس كنتي سعيدة ومتشوقة وتمنيتي أن نكون معا في حياة اخري مهما كنا ماذا تمنياتي أن نُجمع مرة أخري"
انهي حديثه ثم إدارة ظهره ليري ردة فعلها ولو يتوقع أن تبكي هكذا، ثم أردف وقال:"هذا كل شئ لا وقت أمامنا اميليا"، جففت اميليا دموعها و شعرت أن الخوف الذي كان يتملكها قد تحول إلى قوة صلبة بفضل وجوده المتجسد بجانبها. فتحت مذكراتها وبدأت تقرأ معه الرموز القديمة، محاولين استدعاء ذكريات حياتهما السابقة؛ ليعرفا كيف واجها الظلام معاً في الماضي، وكيف يمكنهما دحره الآن.
مع هبوط الليل في اليوم التالي، تحولت أجواء المدينة الهادئة إلى نذير شؤم مرعب. في الخارج، بدأت الغيوم السوداء المتفحمة تتراكم في السماء بشكل غريب ومفاجئ، وحجبت ضوء القمر بالكامل. بدأت الرياح تعصف بعنف، وتضرب نوافذ المنزل كأنها أيادٍ خفية تحاول الكسر والدخول.
داخل الغرفة، وقف أثير في المنتصف، وشعره الداكن يتطاير مع الضغط الجوي المتزايد. فجأة، اتسعت عيناه الفضيتان ووقعت نظراته على الشقوق الفضية في شبكة الحماية التي صنعها؛ لقد بدأت تتآكل وتتحول إلى اللون الأحمر الدموي.
استمع أثير إلى دويّ قرع طبول الحرب القادم من وراء أثير العوالم، وهو صوت مرعب يعلن هبوط زعيم "سنامن" بكامل جيوشه الخالصة. نظر إلى أميليا التي وقفت خلفه متمسكة بذراعه، وشعر بنبضات قلبها المتسارعة وهي ترد له القبضة بقوة.
انشق سقف الغرفة ببطء وينفتح ويتمدد، وبدأت خيوط العتمة الكثيفة تتدلى كحبال المشنقة، تزامناً مع ظهور الضوء المرعب الأحمر وضخم يفوق كل ما رأوه سابقاً. انحنى أثير بجسده مستعداً، ورفع سيفه الفضي المشتعل عائداً لذروة هيبته الملكية، وقال بصوت هز كيان الفتاة:
"لقد وصلوا يا أميليا.. تمسكي بي جيداً، فإما أن ننتصر الليلة ونستعيد حريتنا للأبد، أو نَفْنَى معاً في جوف الظلال!" واردف بصوت قائد:"مستعدة يا اميليا؟"
قالت اميليا بصوت واثق به:"مستعدة يا اثير!"...
وهج ✨