وصلت أميليا إلى التلال المهجورة في أطراف المدينة مع حلول فترة ما بعد الظهيرة، لكن الأجواء لم تكن تدل على نهار أبداً وكأن الظلام بدأ يرعب الشمس لتذهب عن الارض.
كانت السماء قد تلطخت بسوادٍ حبرِيّ مخيف، حيث التهم الكسوف الكلي أكثر من نصف قرص الشمس، وتحول ضياء النهار إلى غسقٍ زاحف يبعث القشعريرة في الأبدان. كانت الرياح تعصف بعنف، وتثير الغبار حول أنقاض القلعة الأثرية القديمة المتهدمة.
ترجلت أميليا نحو بقايا الجدران الصخرية المتآكلة، وهي تتبع الخريطة الروحية المحفورة في دفترها. كان ظل "أثير" يمتد أمامها على الأرض، يرشد خطوتها ويتجسد جزئياً كلما شعرت بالخوف ليحيط كتفيها بعباءته الدافئة.
همس أثير في عقلها بصوته العميق المحذر:
"احذري يا أميليا.. المكان مشحون بطاقة الماضي، وحراس الظلام الذين تركهم الزعيم ليرصدوا السلاح قد يشعرون باقترابنا. الوقت ينفد، والكسوف يكتمل بسرعة."
استجمعت أميليا شجاعتها، وأزاحت بيديها بعض الأعشاب البرية الجافة والصخور المتراكمة خلف محراب القلعة القديم، ليتكشف لها سلمٌ صخري هابط يمتد نحو عتمة سحيقة لا قاع لها. استنشقت نفساً عميقاً، وبدأت بالهبوط نحو المجهول.
كان السرداب تحت الأرض عبارة عن ممر مهيب مبني من الصخور القاتمة التي تشبه صخور العوالم السفلية. كانت الرطوبة شديدة، ورائحة المطر والرماد العطري العتيق تنبعث من الجدران، مما أكد لأميليا أن هذا المكان يخصها هي وأثير منذ قرون مضت.
في نهاية الممر، وصلت إلى قاعة دائرية واسعة، وفي منتصفها ترتفع منصة صخرية سوداء يحيط بها نور فضي باهر يرفض الانطفاء. وفوق المنصة، كان يقبع السلاح الأسطوري: "خنجر الغسق". كان نصله مصنوعاً من معدن روحي مصقول يلمع بنور يشبه النجوم، ومقبضه محفور عليه رموز ميثاق الدم القديم.
تقدمت أميليا بلهفة، لكن فجأة، اهتزت جدران السرداب الصخري بعنف شديد، وانبثق من الظلال حارسان ضخمان من أطياف السنامن البدائية! كانت أجسادهم متضخمة وعيونهم حمراء كالجمر، واندفوا نحو أميليا لمنعها من لمس السلاح.
لم يتردد أثير؛ تجسد بالكامل بكامل طوله وهيبته الفخمة رغم جراحه المنهكة، واستل سيفه الفضي ليدخل في مواجهة عنيفة وضارية لحمايتها.
تبادل أثير الضربات مع الحراس، وتطايرت شظايا الطاقة المظلمة في أرجاء السرداب. صرخ أثير بألم وهو يتلقى ضربة على كتفه المصاب، ونادى عليها بصوت هز الجدران:
"أميليا! خذي الخنجر فوراً! لن أستطيع الصمود لأكثر من ثوانٍ، طاقتي تتلاشى!"
ركضت أميليا نحو المنصة الصخرية، وتخطت الخوف الذي يشل حركتها، ومدت يدها المرتجفة نحو المقبض المشع. وفور أن تلاقت أصابعها البشرية بالمعدن الروحي، انطلقت صرخة من أعماق روحها؛ لقد اخترقت ذكريات الألف عام عقلها بالكامل، ورأت نفسها ملكة قديمة تسلم هذا الخنجر لأثير كعهد حماية. تلاحمت الطاقة، واشتعل الخنجر في يدها بنور فضي قاطع ومقدس.
التفتت أميليا والخنجر الأسطوري يشتعل في يدها بنور باهر، ووجهت نصل المشع نحو الحارسين المظلميين. فور أن انعكس نور الخنجر عليهما، صرخا بذعر وتآكلت أجسادهما الظلامية وتحولا إلى رماد تبدد في سكون السرداب.
سقط أثير على ركبتيه لشدة الإنهاك، فتجسده الكامل في هذا المكان المغلق استهلك آخر ما تبقى من قواه. أسرعت أميليا إليه، واحتمت بصدره العريض وهي تمسك الخنجر المشع، بينما أحاطها هو بذراعيه المنهكتين بقوة وعمق ليرد لها الحضن المليء بالشجن والخوف عليها.
همس أثير وعيناه الفضيتان تنظران إليها بفخر وعجز:
"لقد فعلتِها يا نور روحي.. استعدتِ السلاح الأسطوري."
لكن في تلك اللحظة بالذات، اهتزت الأرض تحت أقدامهما بعنف غير مسبوق، ودوى صوت قصف رعد خارق قادم من سطح الأرض أعلن الكارثة؛ لقد اكتمل الكسوف الكلي للشمس تماماً، وغرقت المدينة وعالم البشر في ظلام دامس وخالص.
استمع أثير إلى أصوات فتح بوابات الجحيم السبعة، وتصاعد فحيح ملايين الأطياف السوداء التي بدأت تهبط إلى الأرض بقيادة زعيمهم. نظر إلى أميليا وقال بنبرة تدمع لها القلوب:
"لقد اكتمل الكسوف وهبطت جيوش الفناء السبعة.. المعركة النهائية تبدأ الآن على السطح، وإما أن نحلق معاً في سماء الحرية، أو ندفن في هذا السرداب للأبد."
"لا تقلق سننجح معا انا وانت.."
وهج ✨