أطياف الماضي وبداية التحول

أطياف الماضي وبداية التحول

15 0

لم تعد ليالي أميليا هادئة كما كانت في السابق؛ فقد بدأ السلام الصامت الذي يلف غرفتها يتلاشى تدريجياً ليحل محله غموضٌ قادم من أعماق عقلها الباطن.

في تلك الليلة، غطت أميليا في نوم عميق، لكن روحها لم تكن مستقرة.

بدأت تراودها أحلامٌ مشوشة، غريبة، وبعيدة تماماً عن طبيعة حياتها البشرية الهادئة. كانت ترى في منامها سحباً ركامية سوداء تفوق الوصف، ونيراناً عظيمة تلتهم قلاعاً مبنية من الصخور القاتمة، وفي وسط ذلك الدمار، لمحت طيفاً ضخماً، قواماً مهيباً يملك عينين فضيتين تلمعان بحزن أزلي، يمد يده نحوها وكأنه يحاول التمسك بها قبل أن تطمسها العتمة، مستمعة لصوت عميق يناديها باسمها القديم.

استيقظت أميليا مذعورة فجأة، وجلست في فراشها وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقةلاهثة، ودموعها قد سالت على وجنتيها دون وعي منها؛ بكاءً نابعاً من غصة وشوق جارف لذلك الطيف ذي العينين الفضيتين.

نظرت أميليا نحو الزاوية المظلمة، وصرخت بصوت مرتعش يملؤه الشجن:

"من أنت؟؟ ولماذا أشعر أنني أبحث عنك منذ قرون؟ إن كنت تسمعني، أرجوك.. لا تتركني وحيدة في هذه العتمة. أقسم لك أنني لا أخافك.. ليتك تستطيع أن تريني أي إشارة تثبت لي أنك هنا."

في تلك اللحظة، تحرك الحجاب الفاصل بين العالمين بعنف لم يسبق له مثيل. إن كلام أميليا وقسمها النقي كانا بمثابة القوة التي كسرت الحاجز و التي جذبت "أثير" من وراء الحجاب.

اهتزت ظلال الغرفة، وخرج أثير من عتمة الزاوية، لكنه لم يخرج كظل هذه المرة؛ بل تجسد قوامه الفخم بالكامل في وضح العتمة.

كان شاهق الطول، عريض المنكبين، يرتدي عباءة من غسق الليل تتلاشى أطرافها كدخان أسود، وشعره الداكن ينسدل على جبينه، بينما عيناه الفضيتان كانت تشعان بوهج باهر ومحزن.

اتسعت عينا أميليا بذهول وهي تراه يتجسد أمامها لأول مرة بكامل هيبته المادية.

لم تتراجع، ولم تصرخ ذعراً، بل قادها ذلك الشوق القديم المستيقظ في روحها. دفعت غطاءها، وخطت خطوات سريعة نحو وسط الغرفة، ودون تردد، ارتمت بين ذراعيه مستسلمة لهذا الحضور الفخم.

تصلب "أثير" في مكانه لثانية من فرط الصدمة، لكن طين الظلال داخله ذاب تماماً؛ فرفع ذراعيه العريضتين وأحاط بجسدها الرقيق، وضمها إلى صدره بقوة وعمق كأنه يخبئها داخل عباءته المظلمة عن كل أذى بالعالم، بينما هي شددت من قبضتها على ظهره، وترد له الحضن بامتزاج روحي مهيب، دافنة رأسها في صدره الذي انبعثت منه رائحة المطر والرماد العطري بقوة.

وفي وسط هذا العناق الأسطوري الذي زلزل الحجاب الفاصل، انحنى أثير بجسده يتأمل ملامحها الباكية، واجتاحته غصة عجز وانكسار شديدة. ومن بين وهج عينيه الفضيتين، ولأول مرة في تاريخ كيانات الظلام، تجمعت طاقة الشجن داخله وسقطت دمعة أثيرية دافئة، لتلمس وجنتها وتترك عليها وهجاً فضياً خافتا قال بنحو:"لا تبكي انا هنا لأجلك لا تخافي..اتفقنا؟!".

بعد ذلك شعر أثير فجأة ببرودة غريبة تضرب أطراف الغرفة، فابتعد عنها ببطء وتلاشى في الظلال تاركاً إياها واقفة في وسط غرفتها، تلمس بقعة الدمعة الدافئة على وجنتها بذهول، وهي توقن أن حياتها لن تعود كما كانت أبداً.

بعد أن تراجع "أثير" وتلاشى في عتمة الزاوية، بقيت أميليا واقفة في منتصف غرفتها لعدة دقائق، عاجزة عن الحركة أو استيعاب ما جرى. كان جسدها لا يزال يرتجف، ليس خوفاً، بل من أثر ذلك الدفء العارم والمهيب الذي غمرها به. تشعر أنها رأته سابقا ولكن اين وكيف وهذا اول لقاء لهما.

رفعت أناملها الرقيقة وتلمست وجنتها مجدداً؛ كانت آثار دمعته الفضية الدافئة قد امتزجت ببشرتها، لكن رائحة المطر والرماد العطري بقيت عالقة في ملابسها، وفي الهواء المحيط بها كدليل ملموس على أنه لم يكن حُلماً.

مشيت بخطى واهنة نحو فراشها وجلست عليه، تائهة في تفاصيل ملامحه الشاهقة، وشعره الداكن، وعينيه الفضيتين اللتين حملتا حزناً يفوق عمر البشر. همست في جوف الصمت وعيناها تلمعان:

"لقد كان حقيقيا.. لقد رأيته."

في تلك اللحظة، كان أثير يختبئ في أعمق نقطة من ظلال الغرفة، متكوراً على ذاته التي كانت تضطرب بعنف غير مسبوق. إن هذا العناق المباشر، وامتزاج هالته المظلمة بنقائها البشري، قد أحدث شرخاً كبيراً في طاقته.

شعر بجسده الأثيري يغلي، وخيوط النور الفضي بدأت تنتشر في أطراف ظله كالعروق المضيئة. كان يعلم أن ما فعله هو الخيانة العظمى لقوانين قبيلة "سنامن"، خيانة عقوبتها الموت أو النفي الأبدي في أودية السعير السفلية.

نظر إلى كفيه الخفيتين اللتين لا تزالان تحتفظان بإحساس جسدها الرقيق، ولم يندم على شيء.

لو عادت به القرون للوراء، لكرر هذا العناق ألف مرة.

أما أميليا، فلم تستطع النوم في تلك الليلة. استندت بظهرها إلى وسادتها، ومسكت دفتر مذكراتها، وبدأت تخط بكلمات مرتجفة تفاصيل ما شعرت به.

كتبت عن الذراعين العريضتين اللتين أحاطتا بها، وعن الشعور بالعودة إلى موطن قديم كانت قد نسيته.

كانت تكتب وعينها تراقب الظلال على الجدار بترقب وتتسأل لماذا عندما رأته قامت بالنهوض فورا والذهاب إليه هناك اسئلة كثيرة في عقلها ليس لها إجابة تنتظره علي انا أن يكون لديه اجابات علي اسئلتها التي لا نهاية لها.

ولم يعلم كلاهما أن تلك الرائحة الفواحة وذاك الوهج الفضي الذي تركه عناقهما قد صعد كالدخان في قبائل العوالم الأخرى.

ومع اقتراب خيوط الفجر الأولى، بدأت برودة الغرفة تزداد بشكل غير طبيعي، برودة قاسية وجافة أطفأت دفء العناق تدريجياً. شعر "أثير" بها أولاً، وتصلب كيانه وهو يستمع إلى أصوات همسات خافتة، غاضبة، ومرعبة تتردد وراء الحجاب الفاصل.. أصوات يعرفها جيداً. إنها قبيلته، لقد تتبعوا أثر دمعته وعناقه، والستار أوشك أن ينكشف بالكامل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحارس : العهد القديم

المؤلف وهج ✨
2026/06/09 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة