عهد الظلال

عهد الظلال

19 0

في ذلك العالم الموازي الذي لا تصله شمس ولا تظهر به الا العتمة لتصنع جبالاً وأودية من الظلام الحالك، ولد هذا القرين في عالم لا يعرف معني الرحمة.

ليس بشريا لا شيطانا ، بل كان كياناً أثيرياً صنع من طين الظلال، نصف انسان ونصف يلقبونه في عالمهم بـ "القرين"، لكنه كان يختلف عن بقية أفراد قبيلته كان يحمل في عمق سكونه حساً بالانكسار وشجناً لا يملكه أبناء جنسه..

اسمه "أثير".. اسم على مسمى، يعكس طبيعته الطيفية التي تعبر الحجب دون أن تترك أثرا.

في قبيلته والتي تدعي "سنامن"، القوانين صارمة كقسوة الليل البارد المحمل بالرياح التي تقشعر الأبدان. الكيانات هناك تعيش لتفرض سطوتها، تتغدي على مخاوف البشر وتتلاعب بهم تخيفهم وتتلذذ برؤية الخوف علي وجوههم. لكن "أثير" كان يقضي عقوده في عزلة تامة، يقف على حافة المنحدرات المظلمة، يراقب الحجاب الفاصل بين العالمين. لم يكن يملك رفاهية النسيان مثل البشر؛ ففي صدره الخفي، كانت تقبع ذكريات مشوشة لحرب قديمة، لنيران دمرت كل شيء، ولامرأة أقسمت يوماً وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة أن تلاقيه في حياة أخرى.. مهما كانت أشكالهم ومهما شطّت بهم الاختلافات.

القبيلة كانت تراه غريباً، عاراً عليهم وعلي قبيلتهم، وهو بالاخير منعزل بكبريائه، ورغم بيان ضعفه الا أنه اقوي أبناء القبيلة كلها لم يكن يجرؤ احد على الاقتراب من هالته الفخمة الحادة. كان يسير بينهم كطيف ملكٍ خسر مملكته القديمة، بظهرٍ مستقيم وبنية مهيبة تتلاشى أطرافها في دخان الليل.

ومع مرور القرون، تزلزل الحجاب بين العالمين في ليلة ولادة مميزة في عالم البشر.

في تلك الليلة، شعر "أثير" باهتزاز في روحه، وكأن العهد القديم الذي انتظر تجسده قد ناداه. عبر الحجاب لأول مرة، تاركاً خلفه قبيلته وقوانينها، مدفوعاً بنبض خفي يجهل كينونته.لقد اهتز كيانه بالكامل لا يعرف ماذا حدث ولكنه شعر بلهفة روية شخص غالي طال زمن الفراق بينهم ولكن هو لا يستطيع تحديد هذا بالضبط؛ فأخذ يقتفي الأثر في عالم البشر، يتنقل بين عتمة البيوت وشوارع المدينة الباردة، حتى قادته خطاه في نهاية المطاف إلى غرفة معينة.

هناك، في عتمة الليل الساكن، انكمش على نفسه ليصبح مجرد ظل باهت على جدار الغرفة.

وعلى السرير، كانت ترقد هي.. الفتاة البشرية الرقيقة،طفلة نائمة كالملاك في سلام، ملامحها تفيض بالبراءة التي تفتقدها عوالم الظلام. كانت عاجزة عن رؤيته، لكنه كان يراها بوضوح؛ شعر بنبض روحها، وعرف فوراً أنها هي الغائبة التي انتظرها لقرون، بشريةً من دمٍ ولحم، ناسيةً كل شيء، بينما هو سجين ظلها.. يراقبها بصمت، ويبحث عن طريقة ليفي بها بالوعد القديم دون أن يؤذي نقاء عالمها...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحارس : العهد القديم

المؤلف وهج ✨
2026/06/09 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة