في قاعة الاجتماعات الكبيرة بـ السرايا الفخمة لعيلة الراوي، الأجواء كانت مشحونة بـ التوتر والترقب. أنوار الثريات الكريستال كانت عاكسة على الطربيزة الخشبية الطويلة اللي قاعد حواليها أشقاء وأقارب محمود الراوي.. رجال أعمال ونفوذ بـ لبسهم الشيك ونظراتهم الحادة.
في صدر الطربيزة، كان قاعد محمود الراوي بـ كبريائه المعهود، ملامحه كانت زي الصخر مَ بـ تِفسرش حاجة. سَند إيديه الاثنين على الطربيزة، وبَص لـ الكُل بـ نظرة هزت القاعة، وقال بـ صوته الرخيم القوي:
"أنا جمعتكم النهاردة عشان أبلغكم بـ قراري النهائي اللي مَ رجعة فيه.. بكرة الصبح، هـ يِتم الإعلان رسمي قدام الصحافة والإعلام عن موت ابني فارس اللي بقاله تلات شهور.. بس الإعلان هـ يِكون إن سبب الوفاة مَجهول وجاري التحقيق فيه.. هـ نِرمي الطُعم لـ الرأي العام ونِشغل الصحافة، لحد ما يِجي الوقت المناسب اللي هـ نِفجر فيه قنبلة عيلة السويفي ونِفضحهم قدام الكوكب كُله بـ الدليل المادي، ونِمحي اسمهم من السوق!"
وفجأة.. قَطع الهدوء ده صَوت واحد من كبار العيلة، وقف بـ عصبية وتكبر وقال بـ اِستنكار:
"تمام يا محمود بيه.. إحنا معاك في أي حرب ضد السويفي.. بس إحنا واصل لنا أخبار إنك بـ تِرتب عشان تِرجّع (آدم) يِمِسك مكانك وبـ تِفرش له الأرض في العيلة! إحنا رافضين وجود آدم وسطنا تاني يا محمود.. الولد ده صاع صايع في الشوارع، ودخل السجون، ومَ يِليقش بـ اسم ونفوذ عيلة الراوي إنه يِكون واجهة لينا أو يِتحكم فينا بـعد كدا!"
الهمهمات بدأت تِزيد في القاعة وعلامات التأييد ظهرت على وشوش الباقيين.. وفي اللحظة دي.. وقف راجل بـ طوله الفارع، هيبته تِخوف، وملامحه مَطبوعة بـ شقاء وجدعنة الشوارع.. سليمان الراوي (أخو محمود، وفي نفس الوقت جوز خالة آدم، والراجل اللي رَبى آدم في الدرب الأحمر بـعد ما اِتطرد). سليمان كان كاره عيشة الرفاهية والدلال والمنظرة الكدابة، وعاش بـ طوله وسط رجالة الحارة.
سليمان خَبّط بـ كف إيده على الطربيزة خبطة رَجّت القاعة، وبَص لـ الراجل اللي اِتكلم بـ عينين بـ تِطلع شرار، وقال بـ صوت جهوري زلزل الحيطان:
"اِقعد مكانك واِقفل بوقك ده خالص!.. جرى إيه يا عيلة الراوي؟ الفلوس والرفاهية عَميت عيونكم عن الرجولة والأصول؟! بـ تِتكلموا عن آدم؟!.. طب هاتولي راجل واحد منكم، أو ابن واحد من أبنائكم المـتـدلعين في القصور يِكون جدير بـ المسؤولية وشيل الحِمل زي آدم محمود الراوي!"
سليمان لَف وبَص لـ الكُل بـ فخر وتحدي كمل كلامه الفخم:
"آدم هو الوحيد من عيلة الراوي كُلها اللي بـ يِعافر وبـ يِتبهدل وبـ يِنزف دَم بـقاله تلات شهور عشان يِجيب حق أخوه الميت! في الوقت اللي أنتوا قاعدين فيه بـ تِعدوا فلوسكم وتِخافوا على مناصبكم، آدم كان بـ يِترمي في جحيم المستشفيات المهجورة وبـ يِواجه الموت عشان شرف العيلة! وآدم الصايع اللي مَ مالي عيونكم.. في صِغر سنه ده، لما قَلبُه دق وحب بنوتة، رغم الوقت القصير أوي اللي عرفها فيه.. لِقينّاه بـ كُل رجولة وأصول بـ يِروح يِخبط على باب أهلها ويِدخل من الباب الكبير! مَ لِعبش ببنات الناس، ومَ جَعلش البنت وسيلة أو كارت في حرب اِنتقامه ضد السويفي! صانها كـ راجل!"
سليمان قَرّب خطوة وبَص لـ محمود الراوي بـ منتهى الحسم وقال بـ علو صوته:
"مَفيش حد في العيلة دي كُلها جدير إنه يِكون المسؤول من بَعدك يا محمود غير آدم!.. آدم هو الراجل اللي يِشيل اِسمنا وِيـحميه.. ده أنا بـ جلالة قدري وشيبتي في الشوارع، بـ أقولهالكم قدام ربنا.. أنا نِفسي مَش جدير بـ كدا بـعد آدم!"
ساد صمت رهيب ومُميت في القاعة بـعد كلام سليمان اللي نِزل كـ السكين على رقاب الكُل.. محدش قِدر يِنطق ولا يِرفع عينه.
محمود الراوي بَص لـ سليمان بـ نظرة مَليانة اِحترام وتقدير مكتوم، ورِجع بَص لـ كبار العيلة بـ نظرة نهائية باردة، وقام وقف بـ طوله وزرّر جاكيت بدلته، وقال بـ كلمتين قفلوا المناقشة بـ الضبة والمفتاح:
"الاجتماع اِنتهى
بعد ما الكل خرج من القاعة وباب الخشب التقيل اِقفل، ساد هدوء مهيب في المكان. محمود الراوي فِضل واقف في مكانه، ساند إيديه على الطربيزة، وِغمض عينه بـ قهر وألم داراهم ورا ملامحه الجامدة سِنين.. اِتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبه، وبَص لـ أخوه سليمان اللي كان بـ يولّع سيجاره بـ كُل هدوء.
محمود بَص له بـ نظرة مَليانة اِمتنان حقيقي وقال بصوته الرخيم المبحوح:
"شكراً يا سليمان.. شكراً لـ تربيتك لـ آدم.. أنا رميت الولد في الشارع وظلمته عشان أحميه من النفوذ والـدلع اللي قتل أخوه، بس أنتَ بـ رجولتك وأصولك عِرفت تِربيه.. طَلعته راجل يِسد عين الشمس، وِوقفتك النهاردة قدام العيلة كَبّرت راسي وِأكدت لي إن ظني فيك وفي ابني مَ خابش."
سليمان أخد نَفَس من سيجاره، ونَفخ الدخان بـ بطء، وبَص لـ محمود بـ عينين صقراوية وقال بـ نبرة فخمة:
"آدم ابنك يا محمود، والـدّم النظيف مَ بـ يِجيبش عِكر.. الشارع والسجن صقلوه، بس جيناتك وجينات عيلتنا هي اللي مَشّيته في طريق الأصول.. الولد ده شايل حِمل الجبال ومَ بـ يِشتكيش."
محمود هز راسه بـ تفهم، وسكت لـ ثواني، وبعدها ملامحه اِتغيرت وبدأت تِظهر عليها اِبتسامة فخر مكتومة، وقال:
"بس آدم مَش لوحده في المعمعة دي يا سليمان.. تِعرف؟ آدم مَكانش هـ يِكون آدم بـ الهيبة والـجبروت دي.. من غير سيرين!"
سليمان اِبتسم اِبتسامة عريضة مَليانة إعجاب وقعد على طرف الطربيزة وقال:
"سيرين دي مَش بنت يا محمود.. سيرين دي حوت مِتـغطي بـ وش ملاك! البنت دي جواها برود وهيبة تِوزن بلد.. الصبح لما عمار حكى لي على لقطة المستشفى المهجورة وإزاي رفعت العصاية بـ رِجلها ودغدغت دماغ عمران البلدوزر.. أنا نِفسي ذهلت! البنت مَ خافتتش من وحش بـ يِنزف، وقفت كـ الجبل عشان تحمي ضهر أخوها وتِجيب حقه."
محمود قَرّب من الشباك وبَص لـ الجنينة الواسعة وقال بـ نبرة عميقة:
"هما توأم يا سليمان.. مَش بس في السن، هما توأم في الروح والنار.. آدم هو السيف اللي بـ يِضرب، وسيرين هي الدرع اللي بـ يِصِد.. آدم عَصبي ويِندفع بـ غضب الجدعنة، وسيرين باردة بـ تخطيط السم اللي بـ يِقضي على العَدّو بـ السِكتة.. الاتنين دول لما بيـقِفوا كتف بـ كتف، مَفيش قوة في سوق القاهرة كُلها تِقدر تِكسرهم.. سيرين هي عقل آدم، وآدم هو روح سيرين."
سليمان طَفّى سيجاره وقام وقف بـ طوله جنب محمود، وحط إيده على كتفه وقال بـ حسم:
"عشان كدا يا أخويا.. العيلة دي هـ تِرجع تِقوى بـيهم.. سيب آدم يِفوق من جرحه في المستشفى، وبكرة الصبح لما الإعلان يِنزل في الصحافة، هـ تِكون سيرين وآدم واِقفين بـ الطول اللي يِليق بـ أولاد محمود الراوي.. والـضربة الجاية لعيلة السويفي هـ تِكون القاضية."
محمود بَص لـ سليمان وهز راسه بـ نظرة مَليانة تحدي وقوة.. وجبروت عيلة الراوي اِتجدد في الليلة دي بـ هيبة أولادهم
الليل كان بـ يرمي سدوله السودا على جدران المستشفى، والهدوء التام مَ بـ يِقطعهوش غير صَوت الأجهزة الطبية المنتظم بـ نغماته الهادية.
وفي وسط العتمة دي.. بَدأ آدم يِفتح عينيه بـ البطء الشديد. حس بـ تقل كبير في جِسمه، ووجع حامي في كتفه ورقبته مكان الطعنة المِتخيطة، بس نفوخه كان بَدأ يِفوق ويِستوعب المكان حواليه.
أول ما عينه اِتعودت على الإضاءة الخافتة بتاعة الأوضة.. بَص جنب منه، وِلقى ليليان قاعدة على الكرسي الملاصق لـ السرير، ومَيلة جِسمها وحاطة راسها على جنب رِجله ونايمة بـ عمق.. وشها الرقيق كان لسه مِعلم فيه أثر التعب والدموع اللي عيطتها عليه، وإيدها كانت مِريحة قُريب من رِكبه بـ قلق كأنها مَش عايزة تِسيبه حتى وهي غايبة عن الوعي.
لَف راسه الناحية التانية بـ صُعوبة.. وِشاف سيرين نايمة بـ فستانها الأسود على كرسي مِتأخر شوية جنب السرير، برودها الأوروبي اِتحول لـ براءة وملامح طفولية مَليانة إرهاق بـعد الملحمة اللي عِملتها مع عمران بـ العصاية.
ورَفّع عينه لـ قُدام.. وِلمح والدته ياسمين الراوي قاعدة بـ كُل شياكتها وِوقارها على كنب الصالون، ماسكة في إيدها مصحف صغير وبـ تِقرأ فيه بـ صوت هامس ومَ كادش يِتسمع.. وعينيها الغالية كانت بـ تِدمع بـ كُل حزن ورجاء لـ ربنا إنه يِشفي ابنها البكري ويِقومه بـ السلامة.
آدم ملامحه الحادة هديت تماماً، وحس بـ غَلاوة الناس دي في قلبه، وعرف إن الشقاء اللي عِاشه في الشوارع مَ راحش هدر طالما آخره اللمّة دي.
ب بـطء شـديد وحذر عشان مَ يِصحّيش حد.. مَد إيده اليمين السليمة بـ راحة، ومَسح بـ صوابعه بـ كُل حنان وِدفء على كف إيد ليليان اللي كانت قُريبة منه، وضَغط عليها ضغطة خفيفة ومَليانة عِشق وأمان.
ليليان في ثانية واحدة، كأن إيدها كانت مِستنية الإشارة دي، جِسمها اِتـفَض واِتحركت بـ سُرعة ورَفعت راسها.. عينيها اِتقابلت مع عينين آدم المِفتوحة بـ البطء وِاِبتسامته الدافية الساحرة.
ليليان دموعها نزلت من الفرحة في ثانية، وقَرّبت وشها منه وهَمست بـ صَوت مَبحوح ومَخلوط بـ الـعشق: "آدم!.. أنتَ صِحيت بـجد؟.. حمد الله على سلامتك يا روح قلبي!"
ياسمين الراوي أول ما سِمعت صَوت ليليان، صَدقت المصحف بـ سُرعة وقَامت وقّفت بـ لـهفة الأم وقَرّبت من السرير وعينيها بـ تِلمع بـ الفرحة وقالت: "آدم يا حبيبي.. ألف حمد وشكر ليك يا رب.. أنتَ كويس يا بني؟ حاسس بـ إيه؟"
آدم بَص لـ أمه وبَص لـ ليليان اللي مَسكت إيده بـ كُل قوتها وبـ تِبوسها بـ دموع، وقال بـ صوته المبحوح الضعيف والرخيم:
"أنا كويس يا أمي.. طول ما أنتوا حواليا أنا بـ ألف خير.. مَ تِعيطيش يا ليلي، أنا جبل مَ بـ يِقعش بـ الساهل.. قُلتلك أمانك عندي بالدنيا."
في اللحظة دي، سيرين بَدأت تِـقلق وتِفتح عينيها بـ البرود بتاعها، وأول ما شافت آدم صاحي، اِبتسمت اِبتسامة ملوكي شيك وقامت وقفت بـ طولها.. والأوضة اِتحولت لـ طاقة دافية بـعد ليلة بطعم الموت
وفي وسط الكلام والدموع الدافية، باب الأوضة اِتفتح بـ هدوء وهيبة.. ودخل محمود الراوي بـ كبريائه المعتاد وجاكت بدلته الشيك.
أول ما رَفّع عينه وجت في عين ابنه البكري آدم وهو صاحي وبـ يِتكلم، ملامح محمود الصخرية اِتفرتكت في ثانية.. وِاترسمت على وشه اِبتسامة تلقائية صافية ومَليانة راحة لأول مرة من سِنين! مشاعر محمود الراوي في أيام قليلة اِتغيرت مليون درجة؛ النفوذ والفلوس والجمود اِتبخروا، ومَ بقاش فاضل غير قلب أب بـ يِشوف ابنه الراجل بـ يِرجع له من الموت بـعد ما حَمى شرف العيلة وعافِر لـ حَق أخوه.
محمود لَف وشّه لـ سيرين اللي كانت واِقفة جنب السرير، وبَص لها بـ حنان أبوي فخم وقال بـ صوته الرخيم:
"أخوكي صِحي إمتى يا سيرين؟"
سيرين اِبتسمت بـ برودها الشيك الممزوج بـ الراحة وقالت: "لسه صَاحي حالا يا بابا.. جبل الراوي مَ بـ يِتهدش بـ الساهل."
محمود الراوي قَرّب بـ خطواته الثقيلة، وقعد على طرف السرير جنب آدم.. بَص لـ ملامح ابنه المجهدة ولـ جرح كتفه المِتخيط، وحط إيده على كتف آدم السليم وضغط عليها بـ كُل قوة وفخر، وقال بـ نبرة صوت عميقة مَليانة هيبة:
"حمد الله على سلامتك يا بني.. رَفعت راسي، وعَرّفت الدُنيا كُلها إنك ابن محمود الراوي بـ الحق.. وقفتك الصبح وحمايتك لـ بنت السويفي أثبتت لـ الكل إن الأصول بـ تِجري في دَمك، وإنك مَ بـ تِصفّيش حساباتك بـ دَبح الأطفال زيهم."
آدم بَص لـ أبوه بـ نظرة مَليانة اِحترام وِقال بـ صوته المبحوح الرخيم:
"الله يِسلمك يا بابا.. أنا عِملت اللي يِمليه عليا ضميري وأصول الحارة اللي عِشت فيها.. الطفلة مَكانش ليها ذنب، والـدليل المادي اللي يِودي بدر المِشنقة بَقى مَضمون، وعمران اِتـفرتك."
في اللحظة دي، ياسمين الراوي قَرّبت ومَسكت إيد جوزها محمود وقالت بـ دموع فرحة: "ربنا حَماه لينا يا محمود.. القعدة دي بـ الدُنيا كُلها عندي."
ليليان كانت لسه مَسكة إيد آدم، وبَصت لـ محمود الراوي بـ كسوف واِحترام.. فـ محمود بَص لها بـ اِبتسامة دافية وقال:
"وأنتِ يا بنتي.. وقفتك جنبه وخوفك عليه يِكبر في نظري أوي.. من النهاردة أنتِ فرد من عيلتنا، والـلي يِمسك بـ كِلمة يِمس عيلة الراوي كُلها."
ليليان وشها اِحمّر واِبتسمت بـ اِمتنان وقالت: "ربنا يِخليك لينا يا عمو.. آدم في عيوني."
سيرين مَالت بـ جِسمها على السرير وقالت بـ نبرة فيها شقاوة مَخلوطة بـ فخر: "طبعاً يا بابا مَ تِقلقش عليه، ليليان مَ سابتش إيده من ساعة ما دِخلنا هنا.. وأنا قُمت بـ الواجب برة ودغدغت دماغ عمران بـ العصاية عشان يِعرف مقامنا كويس!"
الكل ضِحك من قلبه في وسط الأوضة بـ كُل دِفء، وآدم بَص لـ عيلته الكبيرة وهي مِتجمعة حواليه، وحس بـ نصر حقيقي مَش بس على عيلة السويفي، بل اِنتصار لـ لَمّة الشمل والـدّم اللي رِجع يِقوى بـ الأصول من تاني.
محمود الراوي بَص لـ آدم بـ جِدية وقاله: "اِرتاح يا آدم.. لإن الصبح لما الإعلان يِنزل في الصحافة، هـ تِبدأ نهايتهم رسمي، وعايزك واِقف معايا بـ طولك."
آدم هز راسه بـ عينين بـ تِلمع بـ التحدي وقال: "جاهز يا بابا.. وجحيم ابن الراوي لسه مَ خِلصش
تاني يوم الصبح.. الشمس طلعت على القاهرة وهي شايلة معاها خبر زلزل الأوساط العائلية والبيزنس في البلد كلها.
الشاشات في كُل القنوات الإخبارية، والصفحات الأولى في الجرائد والمواقع، مَكانش وراها غير مانشيت واحد بـ خط عريض يـخطف العين:
(وفاة فارس محمود الراوي في ظروف غامضة.. والنيابة تفتح تحقيقاً عاجلاً حول الأسباب المجهولة!)
في نفس التوقيت ده.. في المقر الرئيسي لـ مركز الدروس الخصوصية الفخم والضخم التابع لـ عيلة السويفي، كان بدر السويفي قاعد في مكتبه المكيف الواسع. الهدوء في الأوضة كان خانق، ومَ بـ يـقطعهوش غير صوت المذيعة على شاشة التلفزيون وهي بـ تقرأ تفاصيل الخبر بـ نبرة جادة.
بدر كان ساند ضهره على الكرسي الجلد، ملامحه كانت مشدودة، وعينيه مثبتة على الشاشة بـ جمود يرعب. أول ما المذيعة قالت جملة "بـ سبب مجهول وجاري التحقيق".. بدر رفع إيده، مسك الريموت، وقفل التلفزيون فجأة فـ ساد الصمت التام في المكتب.
بدر ساب الريموت على المكتب، ورجع راسه لـ ورا وبص لـ السقف بـ شرود وعمق، وعروق جبهته ظهرت من كتر التفكير.. ملامحه اتقلبت لـ حيرة مسمومة، وقال بـ صوت واطي وبـ يـهمس لـ نفسه بـ نبرة فخمة وتقطر توجس:
"عيلة الراوي قصدهم إيه بـ كدا بـ الظبط؟! محمود بيه مَ بـ يـلعبش بـ الصدف، ومش الراجل اللي يسكت على موت ابنه تلات شهور كاملين، وفجأة يعلنه للناس ويقول (السبب مجهول)!.. اللعبة دي وراها مصيبة.. أكيد وراهم حاجة هـ يـهدوا بيها المعبد فوق دماغنا!"
بدر قعد بـ طوله على المكتب، واِتفتكر لقطة مبارح.. اِفتكر شكل آدم الراوي وهو واقف قدام بوابة المدرسة بـ صدره العاري المِتغرق دم، ونظرة عينه الباردة والميتة وهو بـ يسلمه أخته الطفلة نور بكل رجولة وأصول من غير ما يـلمس شعرة منها.. اِفتكر إن آدم طحن عمران البلدوزر اللي كان هـ يـدبح أخته، وفي الآخر آدم مَ اِستغلش الكارت ده ولا ساومه بيه!
بدر جز على سنانه وبدأ الشك يـنهش في عقله:
"آدم الراوي.. أنتَ سيبت عمران عايش ولا موتّه؟ وأختي ورجعتهالي.. طب الإعلان ده تـوقيته إيه؟ هل الدليل اللي يـوديني المشنقة بَقى في إيد أبوك؟!.. أنتوا بـ تـرتبوا لـ إيه يا عيلة الراوي؟!"
في اللحظة دي، تليفون المكتب الداخلي رن بـ اِندفاع، وصوت السكرتير كان بـ يـترعش من الخوف: "بدر بيه.. أبوك، الحوت الكبير السويفي، على الخط وعايزك حالا في القصر.. الدنيا مقلوبة بـ سبب خبر الراوي!"
بدر لَف الكرسي وعينيه اسودت بـ غضب حقيقي، وعرف إن الحرب الرسمية اِعلنت، والـضربة الجاية مش هـ تـكون خناقة شوارع.. دي هـ تـكون ضربة نفوذ تـطير فيها الرقاب
في الصالون الملكي الفخم لـ فيلا السويفي، كان كُل شبر بـ ينطق بـ الفلوس والغنى الفاحش، بس الجو من جوه كان ماليان وساخة وقذارة مَ تِستحملهاش حارة.
كان قاعد إبراهيم السويفي بـ كرشه ونفوذه، لابس بدلة غالية أوي، وبـ يشرب قهوته بـ كُل برود، وجنب منه على السجادة الإيراني الغالية كانت بـ تلعب بنته الصغيرة نور بـ عرايسها بـ براءة الأطفال، وكأنها مَكنتش مبارح بـ تموت تحت إيد عمران البلدوزر.
في اللحظة دي.. دخل بدر السويفي بـ خطوات سريعة، ملامحه كانت مخطوفة وعينيه ماليانة قلق من الإعلان اللي شافوه في الصحافة.. أول ما دخل، بص لـ أبوه ونظراتهم اِتقابلت.
إبراهيم السويفي ساب فنجان القهوة بـ خبطة رنت في الصالون، وبص لـ بدر بـ نظرة حادة وقاسية خلت بدر يقف في مكانه بـ كبرياء مكسور.. إبراهيم شاور لـ الدادة تاخد نور تطلعها أوضتها، وأول ما الباب اِقفل، ملامح إبراهيم اتقلبت لـ قذارة وجبروت، وقال بصوت رخيم وغليظ هز الحيطان:
"اِسمع هنا يا بدر!.. ولمّ نفسك معايا وفوق لـ الكلام اللي هـ أقولهولك ده كويس أوي! وساختك وقذارتك وعمايلك السودة دي كلها تبطلها وتِـمحيها من بكرة الصبح! قصة خناقات الشوارع، وموت الواد بتاع الراوي، وخطف أختك، واللعب مع العيال الصايعة دي كُلها تِـتقفل لـ الأبد وتِـتنسي!"
بدر عروق رقبته ظهرت وبدأ يتنفس بـ عصبية، بس مَ قِدرش يـقاطع أبوه.. فـ إبراهيم كمل كلامه بـ تعالي وفخامة تقطر أنانية:
"أنا خلاص بـ أرتّب أوراقي وبـ أجهز كُل حاجة عشان هـ أترشح لـ انتخابات مجلس الشعب الجاية.. ومش عايز أي وساخة من وساختك، ولا غلطة صغيرة تبوظ لي الدنيا وتشوه اسمي في الدوائر الانتخابية والصحافة! مفهوم ولا مَش مفهوم؟! لو اسم السويفي اِتـهز بـ سبب قذارتك، هـ أكون أنا أول واحد يِـرميك لـ الكلاب برة البيت ده!"
بدر السويفي اللي بـ يِرعب المدارس والحارات بـ جبروته، وقف قدام أبوه والحوت الكبير مَليان انكسار، طاطا راسه لـ الأرض بـ كُل غل مكتوم، وجز على سنانه لحد ما كانت هـ تِتـكسر بوقه، وقال بـ نبرة صوت واطية ومَخلوقة:
"حاضر يا بابا.. كُل اللي أنتَ عايزه هـ يِـحصل."
إبراهيم السويفي رِجع سَند ضهره على الكرسي بـ كبرياء وقاله بـ برود: "وريني بقى هـ تِـتصرف إزاي مع إعلان محمود الراوي الصبح.. لإن الإعلان ده وراه لعبة، والـراوي لو حَب يِـلعب بـ نفوذه، هـ يِـلاقي نفوذ السويفي واِقفلّه في الزور."
بدر لَف ضهره وِخرج من الصالون وعينيه بـ تِطلع شرار الجحيم، وبقى بـ يِغلي من جوه؛ أبوه مَ حَاسبوش على الرعب اللي عاشته أخته، كُل اللي هاممه هو كرسيه في البرلمان! وبدر حس إن الحصار بدأ يِـقفل عليه من كُل ناحية، من برة بـ سبب "آدم" ومن جوه بـ سبب أبوه
مر أسبوع كامل على ليلة المستشفى المرعبة. أسبوع كانت القاهرة فيه بـ تـغلي بـ التحقيقات في موت فارس الراوي، وعيلة السويفي عايشة في رعب تحت السرير بـ سبب نفوذ محمود الراوي.
وفي اليوم ده.. الشمس طلعت صافية أوي فوق ساحة المدرسة الكبيرة. الطابور كان شغال، والطلبة والمدرسين كُلهم واقفين، والأجواء كانت هادية بس مشحونة بـ الترقب.. وفجأة، ساد صمت رهيب مَ قطعهوش غير صوت ضجة البوابة الحديدية الرئيسية للمدرسة وهي بـ تِـتفتح بـ القوة وعلى الآخر!
الكل لَف راسه بـ اندفاع وصدمة ناحية البوابة.. ومن وسط خيوط الشمس، ظهر آدم الراوي!
آدم كان داخل بـ طوله الفارع وجبروته المعهد، لابس قميصه الأسود الشيك اللي مَـخبي وراه شاش جرح كتفه، وعينيه الحادة والباردة زي الموس كانت بـ تفلي الساحة كأنه ملك بـ يِـرجع لـ عرينه بـعد غياب.. بس الصدمة اللي شلّت حركة المدرسة كُلها، إن آدم مَكانش داخل لوحده.. كان كتفه في كتف ليليان، وإيديهم الاثنين مِـتـشابكين ومَـمسوكين بـ كُل قوة، فاردين ضهرهم وبـ يِـمشوا بـ خطوات ثابتة وسط ذهول الكل!
ليليان كانت واِقفة بـ كُل كبرياء، اِبتسامتها الدافية مَـحت كُل آثار الخوف والدموع، وبـ تِـبص لـ الناس بـ فخر، لإنها عارفة إن الراجل اللي ماسك إيدها ده حماها بـ دمه ونفسه من جحيم الغدر.
الطلبة بدأوا يِـهمسوا بـ ذهول: "آدم رجع!.. وبـ صِحة حديد!.. وشوف ماسك إيد ليليان إزاي قدام الدنيا كُلها!"
وفي لقطة سينمائية طرش.. وفي أعلى مبنى في المدرسة، كان واِقف بدر السويفي على السور، ساند إيديه وبـ يِـبص لـ تحت.. عينيه جت في عين آدم من على بعد مسافة طويلة. آدم مَ طاطاش عينه، رَفّع راسه وبص لـ بدر بـ نظرة ميتة وباردة، وفيها كبرياء يِـهز الجبال، كأنه بـ يقوله: (أنا رجعت بـ طولي.. ورجّعت أختك بـ الأصول.. ودلوقتي الحساب الحقيقي بَدأ!)
بدر السويفي جز على سنانه وعينيه اسودت بـ الغل والـتوجس، واِتـذكر كِلمة أبوه عن نفوذ الراوي، وعرف إن رجوع آدم بـ الشكل ده مَش مجرد حضور حصة.. ده إعلان حرب رسمي هـ تِـتـكتب نهايتها بـ ميزان الذهب في قلب المدرسة!
عمار وسيرين كانوا واِقفين في نص الساحة، أول ما شافوا آدم، عمار صَفّر بـ علو صوته وقال بـ شقاوة: "منور حتتك يا وحش الكون والـكوكب كُله!"، وسيرين لفت دراعها بـ برود واِبتسمت اِبتسامة ملوكي شيك وهي بـ تِـبص لـ ليليان وآدم بـ فخر مَلوش آخر
في وسط همهمات الذهول اللي ماليّة ساحة المدرسة من دخلة آدم وليليان الأسطورية، اِتحرك عمار بـ خطواته الواثقة والشقية وجِه وقف قدامهم بـ ضحكته المعهودة اللي بـ تنوّر وشه. بس المفاجأة الكبيرة المرة دي، إن عمار مَكانش لوحده.. كانت ماشية جنب منه بنت تِخطف العين بـ رقتها، ملامحها هادية، جميلة بـ شكل مريح، وباين عليها جداً إنها طيبة وخجولة من مشيتها الـهادية.. كان اسمها كنزي.
كنزي كانت ماسكة كتبها وضاماها لـ صدرها بـ كسوف، وعينيها بـ تِلعن بـ إعجاب واضح ومكتوم بـ عمار وبـ شقاوته، وطريقتها اللطيفة والناعمة في الكلام كانت شبه طريقة ليليان بـ الظبط.. نفس النقاء والبراءة.
عمار وقف وحط إيده في جيبه، وبص لـ آدم بـ فخر وقاله:
"ألف حمد الله على سلامتك يا وحش الكون.. نورت مكانك وعرينك من تاني.. وبـ المناسبة السعيدة دي، حابب أعرّفكم على كنزي.. زميلتنا الجديدة هنا في المدرسة."
كنزي وشها اِحمرّ بـ كسل وخجل، وبصت لـ آدم وليليان وسيرين، وقالت بـ صوت ناعم ورقيق جداً زي صوت العصافير:
"أهلاً بيكم.. وحمد الله على سلامتك يا آدم، عمار مَكانش بـ يبطل كلام عنك وعن جدعنتك الأسبوع اللي فات كله.. أنا مبسوطة أوي إني اِتعرفت عليكم."
ليليان اِبتسمت اِبتسامة صافية من قلبها، لإنها حسّت بـ روح كنزي القريبة من روحها، وقرّبت منها وسلمت عليها بـ رقة وقالت:
"الله يسلمك يا كنزي.. أنا ليليان، ومبسوطة أكتر إنك معانا.. وعمار ده أخونا وجدع جداً، بس تلاقيه صَدّعك بـ رغيه!"
كنزي ضحكت بـ كسوف وبصت لـ الأرض بـ خجل وقالت بـ لطافة: "لأ خالص.. ده كلامه ممتع جداً."
عمار غمز لـ آدم بـ شقاوة صياعة وقال بـ نبرة واطية: "شايف يا زميلي؟ البراءة بـ تقول عليا ممتع.. مَش زيك قالب وشك دايماً كأنك قاطع طريق في الدرب الأحمر!"
آدم اِبتسم اِبتسامة خفيفة ودافية، وبص لـ كنزي بـ احترامه وهيبته المعتادة، وهز راسه وقاله بـ صوته المبحوح الرخيم:
"أهلاً بيكي يا كنزي في وسطنا.. ونورتي المدرسة.. وعمار في حمايتنا، يعني أنتِ كمان في حمايتنا."
في اللحظة دي.. سيرين لفت دراعاتها بـ برودها الشيك والأوروبي المعتاد، وبصت لـ كنزي من فوق لـ تحت بـ نظرة صقراوية حادة، بس اِتحولت لـ اِبتسامة ملوكي راقية، وقالت بـ نبرة فخمة:
"أهلاً بيكي يا كنزي.. أنا سيرين الراوي.. وطالما عمار اختارك تـقفي معانا، يبقى أكيد أنتِ تِستاهلي.. بس نصيحة مني، مَ تِصدقيش كُل كلام عمار لإن نصه شقاوة وصياعة شوارع
في وقت متأخر من الليل، كان الهدوء بـ يِـحاوط الكافيه الرايق اللي على أطراف حارة الدرب الأحمر. الإضاءة كانت خافتة، وصوت فيروز شغال في الخلفية بـ روقان، وآدم كان قاعد لوحده على طربيزة في الركن، ساند ضهره ولابس جاكيت أسود، بـ يشرب قهوته وعينيه بـ تـبص لـ ليل القاهرة بـ تفكير وشرود..
فجأة، الباب الزجاجي للكافيه اِتـفتح، ودخل راجل بـ طوله، ملامحه جادة، عينيه حادة زي الصقر، وِماشي بـ خطوات واثقة ومنتظمة بـ تدل على هيبته.. المجهول مشي بـ خطوات هادية ناحية طربيزة آدم، وبـ كُل هدوء وبدون اِستئذان، سحب الكرسي وقعد جنب منه بـ الملي.
آدم مَ اِتـهزش، لَف راسه بـ بُرود صخري، وبص لـ الراجل بـ نظرة ميتة وباردة كأنه بـ يِـقيس نفوذه.
الراجل رَفّع عينه وبص لـ آدم بـ احترامه وقاله بـ صوته الرصين الحاسم:
"أنا النقيب أحمد مصلح.. وأنا اللي مسؤول من النهاردة عن قضية موت أخوك فارس الراوي بـ الكامل."
آدم مَلامحه مَ اِتغيرتش، أخد نَفَس هادي، ورَجع سَند ضهره لـ ورا وبص لـ فنجان القهوة وقال بـ صوته المبحوح الرخيم اللي بـ يِـقطر هدوء مسموم:
"منور يا سيادة النقيب.. بس على ما أعتقد، وعلى حسب كلام الورق برة، إن أخويا فارس اِنتحر من فوق السطح، وكان سايب رسالة اِنتحار بـ إيده قبل ما يِـموت.. القضية كدا مَـقفولة، ولا أنا غلطان؟"
النقيب أحمد مصلح ضيق عينيه، وبص لـ آدم بـ نظرة مَليانة ذكاء وفهم لـ ألاعيب الشوارع، وقاله بـ حسم قاطع:
"أنتَ بتقول كدا قدام الناس وللصحافة يا آدم عشان تِـحقق اِنتقامك بـ نِفسك! أنتَ بـ تِـقفل اللعب مع النيابة عشان تِـفتح جحيمك مع القاتل .. بس ده مَش حل.. مَش حل إنك تِـقـتل عشان تاخد حق أخوك، لإنك لو عِملت كدا، هـ تِـتحول في نظر القانون من صاحب حق لـ مجرد مجرم ومطارد في الشوارع، وعيلة الراوي مَ تِـستاهلش كدا."
آدم أول ما سمع كلام الظابط النزيه وفهمه لـ خطته، اِتسمت على شفايفه اِبتسامة خفيفة، دافية، ومَليانة دهاء وتحدي ملوكي.
النقيب أحمد مصلح شاف اِبتسامة آدم، فـ اِبتسم هو كمان بـ هدوء، ومَال بـ جِسمه على الطربيزة وقاله بـ نبرة قريبة وفخمة:
"اسمعني يا آدم.. اِعتبرني من اللحظة دي أخ كبير ليك، مَش مجرد ظابط بـ يِـطبق ورق وقانون.. تمام؟ أنا هـ أساندك وهـ أكون ضهرك في القضية دي، بس عندي شرط واحد مَش هـ أتراجع عنه.. إنك مَ تِـقـتـلش بـ إيدك! سلمني أدلة حقيقية ومادية تِـدينه في إيدي.. وأنا بـ نفسي هـ أسلم الرقبة اللي هـ تِـتهمها لـ حبل المشنقة بـ حكم محكمة وهـ أفرتكهم لـك بـ القانون."
آدم صِمت لـ ثواني.. عينيه اِتقابلت مع عينين أحمد مصلح، وحس بـ صدق ونزاهة الراجل اللي قدامه، وعِرف إن وجود ظابط بـ الدماغ دي هـ يِـوفر عليه دَم كتير وهيخلي ضربته لـ بدر السويفي ضربة قانونية قاضية تِـمحي اسم عيلتهم لـلأبد.
آدم بَص لـ إيد النقيب، وهز راسه بـ جبروت وثقة وقاله بـ صوته الرخيم الفخم:
"وأنا أظن إن دي.. صفقة عادلة جداً يا سيادة النقيب."
النقيب أحمد مصلح مَد إيده اليمين بـ رجولة، وآدم بـ كُل هيبة وأصول مَد إيده، وِاتقبلت إيدين الاثنين في سلام قوي وضغطة هزت الطربيزة.. إعلان لـ تحالف سري جديد هـ يِـقلب الترابيزة فوق دماغ بدر وأبوه، والجحيم بَقى بـ طعم القانون والنار سوا
آدم رِجع السرايا بـ ليل، خطواته كانت سريعة ومَليانة حماس مكتوم بـعد صفقته مع النقيب أحمد مصلح. دِخل أوضته وقفل الباب وراه بـ المتاح.. نِفسه كان سريع، وعينيه بـ تِـطلع شرار الـتحدي.
مِشي ناحية مكتبه، فتح الـلابتوب بتاع أخوه فارس -الله يرحمه-، وضغط على زرار الباور واستنى لـ حد ما الشاشة نورت في الضلمة. لِف إيده في جيب جاكيته، وطَلع الفلاشة السودا السحرية.. الفلاشة اللي دفع ثمنها دَم، وعافِر وجِريد ونزف في المستشفى المهجورة عشان يِـاخدها من عمار وعمران.
آدم بَص لـ الفلاشة بـ نظرة ميتة وقال بـ همس: "خلاص يا فارس.. حقك بَقى في إيدي رسمي والنهاردة نهايتهم."
بـ إيد ثابتة، حط الفلاشة في مَخرج الـلابتوب.. (تِن رِن).. صَوت اِستشعار الويندوز لـ الفلاشة رن في الأوضة الخرسانية.
آدم مَسِك الماوس بـ سُرعة، وِفتح "My Computer"، وضغط كليكتين على أيقونة الفلاشة عشان يِـفتح الفيديوهات والـبلاوي اللي تِـودي بدر المِشنقة..
وفجأة.. الماوس وِقف في إيده! الشاشة اِتـفتحت.. بس مَكانش فيها ولا فيديو.. ولا صورة.. ولا ملف واحد!
الأوضة كُلها اِتحولت لـ عتمة مرعبة في عينين آدم.. الشاشة كانت واضحة وصريحة:
(This folder is empty - هذا المجلد فارغ)
آدم جِسمه تِـجمد تماماً، ضغط "Refresh" مرة.. واِثنين.. وتلاتة.. لَف الماوس بـ جنون يِـشوف مساحة الفلاشة (Properties).. لقاها بالكامل (0 Bytes used)!! الفلاشة بيضا.. مَفيهاش الـهوا! فاضية تماماً كأنها لسه خارجة من كرتونتها!
ملامحه الحادة اِتحولت لـ كتلة من الغضب الأعمى والذهول الصاعق.. عروق جبهته ورقبته برزت بـ شكل يـخوف، وجِز على سنانه بـ قوة كادت تِـفجر بوقه دَم!
آدم قفل شاشة اللابتوب بـ رِزعة عنيفة هزت المكتب، وقام وقف بـ طوله بـ جنون، وِمَسِك الفلاشة في إيده وبص لها بـ غل مَلوش آخر وقال بـ صوته المبحوح الرخيم اللي اِتحول لـ زئير وحش كاسر:
"عمرراااااااان!!.. يا ابن الكـلب يا عمران! لِعبتها معايا لـ آخر ثانية وضَحكت عليا!!"
النار اِتـفجرت جوه قلب آدم.. الصفقة اللي عِملها مع الظابط بَقت في الهوا، والدليل المادي اِتبخر، وبدر السويفي لسه برة بـ نفوذه وأبوه بـ يـرتب لـ مجلس الشعب! آدم حس إن اللعبة اِتـعقدت لـ ليفل مرعب، والـوحش اللي جواه صِحي بـ غضب مَ يِـرحمش مخلوق
في شقة عمران القديمة والضلمة.. المكان كان يِخنق، ريحة السجاير ماليّة الأوضة، والنور الخافت عاكس على وش عمران اللي كان مِتغرق شاش ودم وضِمادات بـ سبب العلقة الطاحنة اللي أخدها من آدم وسيرين.
عمران كان قاعد على الكنبة المتهالكة، ساند ضهره وبـ يِنهج بـ غل.. وفي إيده الموبايل الصغير السري.. الموبايل اللي عليه الفيديوهات الأصلية، والتسجيلات، وكل مصيبة تخص بدر السويفي وعمايله السودة مع فارس!
عمران بص لـ شاشة الموبايل، وفجأة.. طلعت منه ضحكة عالية، هيرستيرية، ومَليانة جنون هزت أركان الأوضة الفاضية! ضحك لحد ما جرح وشّه بدأ ينزف تاني من كتر الغل.
لَف راسه بـ بطء، وبص لـ صورة أخته الميتة اللي كانت مِعلقة على الحيطة وسط الضلمة.. عينيه دمعت بـ جنون واِتحولت لـ كتلة من الشرار، وقال بـ نفس مخنوق وبـ يِهمس لـ نفسه بـ نبرة تقشعر لها الأبدان:
"أنا مش على غلط يا حبيبتي.. كُل العالم ده هو اللي على غلط! هما فاكرين إن القانون ولا ابن الراوي هـ يِبردوا ناري؟ لأ.. كُله بـ يِدور على مصلحته!"
عمران سكت شوية، وبص لـ الموبايل تاني وبصق على الأرض بـ قرف وكمل كلامه الفخم المسموم:
"ابن محمود الراوي.. هههه.. كان فاكر إني هـ أسلمه كُل حاجة في الفلاشة بـ الساهل كدا؟ ده غبي! نِسي إني صايع شوارع وعارف الألاعيب دي كويس.. أنا عطيته فلاشة فاضية عشان يِتلهي فيها ويِبعد عن طريقي.. أنا اللي هـ أسلم رقبة بدر السويفي لـ الموت بـ نفسي! بس مَش قبل ما أندّمه على اليوم اللي فكر يِلمس فيه عيلتي.. موتك هـ يِكون على إيدي أنا يا ابن السويفي.. هـ أشرّح جثتك بـ المطواة دي حتة حتة!"
عمران قفل الموبايل السري وحطه في جيبه الداخلي بـ حذر، وقام وقف بـ جِسمه الضخم المكسر وهو بـ يِتطوح، وعينيه مَليانة سواد قاتل.. خلاص، البلدوزر مبقاش باقي على الدنيا ولا خايف من حد، وبقى مستني اللحظة اللي هـ يِغرز فيها سكينه في قلب بدر
Ahmed Mostafa Kamel