السكوت اللي حل في المكان بعد ما المقطورة اختفت كان مرعب، مكنش فيه غير صوت نَفس مروان المخضوض، وعيون ليليان اللي كانت لسه بتترعش من الصدمة.
مروان كان واقف مكانه في التراب، مبرق ومش مستوعب حاجة. الكلمة اللي آدم رماها في ودنه قبل ما يتعدل كانت زي طلقة رصاص اخترقت دماغه: "مين اللي كان سايق المقطورة دي وعايز يخلص منك". مروان كان بيكلم نفسه بـ جنون: "بدر؟ مستحيل.. بدر يعمل كدا؟ ده صاحبي! بس عمران.. المقطورة دي ميعملهاش غير عمران!".. الأفكار كانت بتدبح في عقله وهو مش قادر يقف على رجله.
آدم اتعدل بـ ثبات وثقة مرعبة، مد إيده ونفض هدومه بـ برود وهدوء تام، كأنه مكنش من ثانية واحدة بينه وبين الموت شعرة، وكأن قلبه ده مصنوع من حديد مبيتهزش.
قرب منه عمار، وشه كان شادد وجاد جداً، وبصلُه بـ نظرة فهموا فيها بعض من غير كلام. عمار مد إيده وعدل كرافتة اليونيفورم بتاعه، وبص لـ مروان بـ تريقة وسخرية مكتومة، لكن التزم الصمت التام وم نطقش ولا كلمة، ومشي جنب آدم خطوة بـ خطوة بـ كبرياء وهيبة الشوارع، وسابوا مروان وليليان واقفين وراهم.
في اللحظة دي.. وفي وسط الغبار اللي مالي الجو، كانت فيه حاجة حقيقية بدأت تتحرك جوه قلب ليليان.
ليليان فضلت واقفة مكانها، عينيها مكنتش قادرة تنزل من على ضهر آدم وهو بيبعد. النظرة اللي كانت بتبص بيها لـ "فارس زمان" المستضعف الخواف، اتمسحت تماماً. البنت كانت حاسة بـ نبضات قلبها بتدق بـ عنف في صدرها، ميكس غريب بين الرعب من الموت، والإعجاب بـ الراجل اللي رَمى روحه في النار عشان يحميها.. الدفء اللي حسته وهو حاضنها على الأرض عشان يحمي راسها، ساب أثر جوه روحه مستحيل يتمسح.
ليليان همست لـ نفسها بـ صوت دايب وهي بتبص على أثره: "أنت مين؟.. أنت مستحيل تكون فارس اللي أنا عارفاها.. مستحيل!"
تارا قربت من بعيد وهي بتجري وبتنهج بعد ما شافت لقطة المقطورة من بعيد، وقفت جنب ليليان وبصت لـ مروان اللي وشه باهت وميت من الرعب، وبصت لـ ليليان وقالت بـ ذهول: "ليليان! أنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟ وفارس عمل إيه هنا؟"
ليليان مَردتش على تارا.. فِضلت باصة في نفس الاتجاه اللي مشي فيه آدم، وعينيها فيها لمعة غامضة، لمعة خوف ممزوج بـ بداية حب حقيقي وولاء للشخص ده وبس.
مروان قام بـ عافية من على الأرض، وِشه جاب ألوان، وبص لـ تارا وليليان وقال بـ صوت مبحوح ومليان غل وخوف: "أنا لازم أمشي... لازم أمشي دلوقتي!"
وسابهم وجري على عربيتُه وهو بيموت من فكرة إن ضهره اِتكشف، وإن صاحبه وأقرب الناس ليه بـ يفصلوا له كفن!
مروان ركب عربيتُه بـ إيد بـترتعش، قفل الأبواب عليه من جوه بـ رعب وهو بيبص حواليه في المرايات كأن الموت هيرجع يطارده تاني. دماغه كانت بتودي وتجيب، وفي اللحظة دي مراحش لـ بدر.. الصدمة والكسرة النفسية إنه يِكتشف إن صاحبه باعه لـ الموت شلّت تفكيره. دور العربية وطار بيها على بيته، دخل أوضته وقفل على نفسه وهو بيموت من فكرة إن "بدر" الثعلب قرر ينهي حياته.
في الناحية التانية، الجو كان بدأ يِلل، والنور الأحمر بتاع الغروب مالي السما.
آدم ساب عمار يرجع الحارة، وأخد عربيتُه وراح مكان بعيد تماماً عن أنوار المدينة ونفوذ ولاد الذوات.. راح المقابر.
المكان كان ساكت، السكون فيه يِخوف، مفيش غير صوت الهوى وهو بـيخبط في شجر السدر القديم. آدم مشي بـ خطوات هادية وثقيلة، هيبته مكنتش هيبة انتقام هنا.. كانت هيبة حزن ملوش آخر. وصل قدام القبر اللي محفور عليه اسم: (الفقيد فارس محمود الراوي).
آدم وطى على ركبه بـ بطء قدام التراب. طلع من جيبه باقة ورد صغيرة، ورد بلدي أبيض ونظيف شبه قلب فارس. حط الورد جنب القبر بـ إيد حنينة جداً، ولمس صخرة القبر بـ كفه، وسَند راسه عليها.
الدموع اللي حبسها قدام عمار والمدرسة وكلاب بدر، نزلت هنا بـ كل ضعف. صوته طلع مبحوح، واطي، ومليان كسرة ووجع وهو بيكلم أخوه التوأم:
"فارس... أنا عرفتهم يا اخويا. عرفت الكلاب اللي كسروا قلبك ورموك للموت. بدر وعمران... هما اللي عملوا كدا. ومروان طلع مجرد عيل غبي اِستغلوه عشان يِداروا وراه وساختهم.. أنا انقذت مروان النهاردة يا فارس، مَش عشان بحبه، بس عشان هخليه السكينة اللي هقطع بيها رقبة بدر وعمران."
آدم رفع راسه بـ بطء، مسح دموعه بـ قسوة، وعينيه رجعت اِحمرت وبقت بـتطلع شرار في ضلمة المدافن. ضغط بـ كف إيده على التراب كأنه بـ يقسم يمين الدم، وقال بـ نبرة رجولية فخمة وزلزال يِخوف:
"وحياتك عندي يا توأمي... وحياة كل دمعة أمي نزلتها عليك، لَـ اِخلي أيامهم الجاية كلها جحيم. عمران ده أنا هفرتكه بـ إيدي دي، وبدر هخليه يِركع تحت رجلي وهو بـيتمنى الموت ومبيلاقيهوش.. نام وارتاح يا حبيبي.. آدم رجع، واللعب الجاي كله بـ الدم."
وقف بـ طوله الفارع، لبس نظارته السودا رغم إن الليل ليل، ولف ضهره ومشي بـ خطوات تزلزل الأرض، وهو جاهز رسمياً للـ مجزرة الجاية.
ليليان دخلت فيلتها وهى مش شايفة قدامها، الصدمة كانت لسه ملجم لسانها. طلعت أوضتها بـ سرعة، قفلت الباب ورمت الشنطة على الأرض، وقعدت على السرير وحطت إيديها الاثنين على وشها. نَفَس آدم وهو حاضنها وبيرميها بعيد عن المقطورة لسه معلم في ذاكرتها، ودقات قلبها مش عايزة تهدى.
فجأة... الموبيل بتاعها عمل صوت "Notification" لـ رسالة واتساب.
سحبت الموبيل بـ إيد بـترتعش وفتحت الشاشة، وعينيها وسعت لما لقت الرقم اللي بيكلمها هو رقم فارس.
فتحت الشات، لقت رسالة مكتوبة بـ إيجاز وبرود:
فارس: "أنتِ كويسة؟ وصلتي بيتك تمام؟"
ليليان فضلت باصة للرسالة ثواني، مش مصدقة إن "فارس" اللي كان دايماً بيكلمها بـ ضعف وخوف، بيكلمها دلوقتي بـ نبرة هادية ومسؤولة، كأنه راجل بجد بيطمن على حاجة تخصه. كتبت بـ سرعة وتوتر:
ليليان: "أنا كويسة.. الحمد لله روحت. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا فارس.. أنت عرضت حياتك للخطر عشاني النهاردة. لو مكانتش موجود أنت وصاحبك أنا مكنتش عارفة كان ممكن يحصلي إيه."
آدم كان قاعد في عربيتُه بره المقابر، بيبص للشاشة بـ ملامح جامدة، وكتب بـ برود وهو بيكمل اللعبة بـ ذكاء:
فارس: "مفيش داعي للشكر، أي حد مكاني كان هيعمل كده. المهم ميكونش حصلك حاجة من الخضة."
ليليان: "لأ أنا تمام.. بس المقطورة دي كانت غريبة أوي، دي كانت جاية علينا بـ قصد! مروان قالي كلام غريب قبل ما يجري.. هو في إيه يا فارس؟ أنت تقصد إيه بـ الكلمة اللي قولتهالوا؟"
آدم سَند ضهره لورا، وكتب بـ مكر:
فارس: "ماتشغليش بالك بـ مروان يا ليليان، وماتفكريش في اللي حصل كتير.. نامي وارتاحي، والمدرسة بكرة فيها كلام كتير."
ليليان: "فارس.. أنت اتغيرت أوي. مبقتش فارس اللي أنا عارفاها.. الطريقة اللي بتتصرف بيها، قوتك، برودك.. أنت بقيت حد تاني خالص."
آدم ابتسم ابتسامة باردة وكتب رسالة قفلت الكلام بـ غموض فخم:
فارس: "الإنسان بـ يتغير لما بـ يكتشف إن الطيبة في وسط الكلاب.. بـ تِتاكل. نامي يا ليليان.. وبكرة أشوفك في المدرسة."
ليليان فضلت باصة للكلمة الأخيرة: "الطيبة في وسط الكلاب بـ تِتاكل".. الكلمة نزلت على قلبها بـ هيبة غير طبيعية. قفلت الموبيل وحضنته لـ صدرها، وبقت بتبص للسقف وهي غرقانة في التفكير في الشخص الغامض ده اللي سحرها بـ بروده وقوته، من غير ما يكون فيه بينهم أي علاقة رسمية أو كلام حب.. مجرد إعجاب خفي بـ "راجل" بـ يحميها بـ روحه.
تاني يوم الصبح، الجو في المدرسة كان هادي بس مشحون بـ همسات الطلاب عن المقطورة اللي كانت هتدوس مروان وليليان امبارح.
ليليان دخلت من البوابة، وشها كان رايق وفيه هدوء غريب، بس عينيها كانت بـ تِلتفت بـ قلق مستنية تلمح فارس وعمار. مشيت خطوات لحد ما وصلت جنب مبنى الفصول، وفجأة ظهر قدامها مروان.
مروان مكنش مروان بتاع كل يوم؛ مكنش فيه نظرة الغرور والشر، وشه كان هادي، ولابس اليونيفورم بـ تظبيط، وإيده المتجبسة ساندها بـ قلة حيلة. قرب منها وبص لها بـ نبرة هادية جداً وقال: "صباح الخير يا ليليان.. كويسة النهاردة بعد خضة امبارح؟"
ليليان وقفت وبصت له بـ ثبات، وأخدت نفس طويل وقررت تنهي اللعبة دي تماماً عشان قلبها مبقاش مستحمل كدب، وقالت بـ نبرة قاطعة بس محترمة:
"صباح النور يا مروان.. الحمد لله كويسة. مروان.. أنا كنت مستنياك عشان أقولك حاجة مهمة. إحنا المفروض ننهي علاقتنا دي تماماً، ومينفعش نفضل مع بعض.. أنت عارف، وأنا عارفة، إن مفيش أساساً أي مشاعر ما بيننا، وكل اللي كان بينا كان مجرد شكل قدام المدرسة وبس.. أنا بجد مش قادرة أكمل في التمثيلية دي."
ليليان كانت مستنية مروان يِثور، يِزعق، أو يِمسك إيدها بـ غشومية زي عادته.. لكن الصدمة إن مروان عينه نزلت الأرض، وطلعت منه تنهيدة طويلة مليانة ندم.
رفع عينه وبص لـ ليليان بـ نظرة مكسورة وصادقة لأول مرة، وقال بـ صوت واطي وموزون:
"أنا بحترم رأيك يا ليليان... وعندك حق، مكنش فيه مشاعر، وأنا كنت بـ جريكِ معايا بـ نفوذ أهلي وبس. عارفة يا ليليان؟ أنا امبارح لما شوفت الموت بـ عيني، ولما شوفت فارس اللي كنت بـ دمره بـ التنمر بـ يرمي نفسه عشان يِنقذ حياتي... حسيت إني كنت بني آدم قذر.. بني آدم مش سوي نفسياً بـ يِتغدى على وجع الناس عشان يِداري نقصه."
ليليان عينيها وسعت بـ ذهول كامل، وحطت إيدها على بوقها مش مصدقة إن ده مروان البلطجي اللي بـ يِتكلم بـ النضج والندم ده!
مروان كمل كلامه وهو بيبص حواليه بـ حذر: "أنا عايز اتغير بجد يا ليليان... عايز أكون نسخة أحسن من نفسي، وهرجع لكل واحد أذيته وأبوس على راسه.. فارس وعمار امبارح مَش بس انقذوا جسمي من تحت العجل، دول انقذوا روحي من الجحيم اللي كنت عايش فيه.. أنا أسف على كل يوم ضايقتك فيه، ومن النهاردة.. اعتبريني أخ ليكي، وضهر ليكي لو عوزتي أي حاجة."
مروان هز راسه بـ احترام، ولف ضهره ومشي بـ خطوات هادية من غير ما يستنى منها رد، وساب ليليان واقفة في نص الممر، مبرقة بـ صدمة، ودموع خفيفة لمعت في عينيها من كتر التأثر بـ القوة السحرية اللي فارس (آدم) بـ يغير بيها الناس من حواليه!
في الكافتيريا الخارجية للمدرسة، كان آدم قاعد على التربيزة بـ بروده وهيبته المعتادة، حاطط نظارته الشمسية السودا وساند ضهره لورا بكل كبرياء، وجنبه عمار اللي كان مقضيها فرقعة لبان بـ صياعة وهو بيبص على ولاد الذوات بـ تريقة.
فجأة، ظهر مروان.
خطواته كانت بطيئة، وشه باين عليه الإرهاق بس ملامحه كانت هادية وصافية لأول مرة. قرب من تربيزة آدم وعمار، وقف لثواني بـ قلة حيلة، وبعدين سحب كرسي وقعد قدامهم بـ انكسار واحترام.
عمار رفع حاجب وبصله بـ لؤم، لكن آدم مِتحركش، فِضل باصص لـ مروان من ورا النظارة السودا بـ هدوء يخوف.
مروان بلع ريقه وبص لـ آدم (فارس) وقال بـ صوت واطي ومبحوح: "فارس.. أنا جيت هنا مخصوص عشان أتكلم معاك أنت وعمار قدام الكل. أنا عارف إن كلمة أسف مش هتكفي، وعارف إن اللي عملته فيك زمان وفكرة إني كنت بـ دمرك بـ التنمر بتاعي دي قذارة.. أنا بجد اِكتشفت إني كنت شخص مريض وغير سوي نفسياً، وكنت بـ طلع نقصي عليك.. أنا أسف يا فارس، أسف على كل اللي عملته، والنعمة أنا مستعد من النهاردة أكون صاحب ليك، وأثبتلك بـ الأفعال إني اتغيرت تماماً ومش هسمح لـ كائن يضايقك تاني."
عمار طلع اللبانة من بوقه بـ صباعه وبص لـ مروان بـ تريقة وقال: "جرى إيه يا كابتن؟ مسامح كريم وكل حاجة، بس النحنحة دي مَش بـ تأكل معانا عيش.. إحنا ولاد حارة وبـ نفهم في الأصول، والوش الطيب ده لسه جديد علينا."
آدم رفع إيده بـ هدوء لـ عمار عشان يسكت، وعمار سكت فوراً بـ احترام لـ كلمة آدم.
آدم قلع النظارة الشمسية بـ بطء شديد، ومال بـ جسمه كله على التربيزة، وعينيه الحادة اِثبتت في عيون مروان بـ نظرة تقيلة، مرعبة، ومليانة مكر فخم، وقال بـ نبرة صوت رجولية ومبحوحة هزت التربيزة:
"تمام يا مروان... وأنا قَبِلت أسفك، وطالما جيت بـ نيتك وعايز تِنضف، فأنا هقولك كلمتين وضميري لله.. عشان تعرف أنت كنت بـ تصاحب مين، ومين اللي لابس قناع الملاك وبـ يفصل لك كفنك بـ إيده."
مروان حواجبه عقدت بـ استغراب وخوف: "قصدك إيه يا فارس؟"
آدم سَند ضهره لورا، وشاور بـ عينه لـ عمار، وقال لـ مروان بـ يقين قاتل:
"المقطورة اللي كانت هتدوسك أنت وليليان امبارح، مكنتش حادثة يا صاحبي.. دي كانت مِتخططة بـ المتر عشان تموت فيها. عمار امبارح كان ماشي في ممرات المدرسة، ولمح عمران البلدوزر قاعد في فصل فاضي مع شلته وبـ يِتفقوا على قتلك بـ الحرف الواحد.. وعمران مَش بـ يتحرك من دماغه يا مروان، عمران بـ يِنفذ أوامر الراس الكبيرة.. بدر السيوفي."
مروان وشه اِتخطف تماماً، وجسمه شِد وبقت ملامحه بـ تِرتعش بـ صدمة مرعبة: "بدر؟! مستحيل.. بدر يعمل فيا كدا؟ ده أخويا وصاحب عمري!"
عمار مِيل عليه وقال بـ لؤم وصياعة شوارع: "أخوك مين يا عبيط أنت؟ ده بـ يِبيعك في سوق الخضار بـ بلاش! الواد عمران قالها لـ شلته بـ الحرف: مروان ملوش مكان معانا لأنه قلبُه خفيف ومَرضيش يِلطخ إيده بـ الدم في حوار فارس الأولاني.. وبدر أساساً هيموت على ليليان، وعايز يخلص منك عشان يِفضي لنفسه السكة ويلبس الجريمة فينا إحنا!"
آدم كمل بـ ابتسامة باردة وشريرة جداً ظهرت على شفايفه:
"بدر السيوفي اِستغلك عشان تِكون الوش القذر للتنمر، ولما لقاك مَش هتنفع في القتل، قرر يدبحك بـ دم بارد يا مروان.. صاحب عمرك بايعك لـ عزرائيل عشان بنت ونفوذ.. فوق لنفسك وشوف مين حبيبك ومين اللي عايز يِدفنك."
مروان كان قاعد، الدموع هربت من عينيه من كتر الصدمة والغل، سنانه بقت بـتخبط في بعضها بـ قهر، وإيده السليمة اتكتمت على التربيزة لدرجة إن عروقها برزت بـ دم حقيقي.. الغدر جه من أكتر حد كان بـ يثق فيه!
آدم ساب الكافتيريا وعمار ومروان غرقانين في غلهم، وقام بـ خطواته الرزينة والقاتلة، ركب عربيتُه المرسيدس السودا وطار بيها في شوارع القاهرة بـ سرعة وعصبية مكتومة. الجو بره كان مغيم، والضلمة بدأت تِفرش في الشوارع كأنها بـ تِعكس السواد اللي مالي قلبه.
وفي طريق جانبي هادي، آدم كَسَر دريكسيون العربية ووقف على جنب بـ عنف خلى الكاوتش يِصرخ على الأسفلت. سَند ضهره على الكرسي الجلد، وغمض عينيه لثواني بـ يِحاول يتنفس بـ هدوء، بس الحقيقة كانت بـتخنقُه.
مد إيده وسحب موبايل فارس من جيب الجاكيت، وفتحه بـ صوابع مشدودة. فتح الشات بتاعه هو و"ليليان" لما كلمها ليلة امبارح بـ قناع فارس. فِضل باصص للكلام، وباصص لـ اسمها وصورتها الرقيقة.
وفجأة... ملامحه اِتحولت لـ وحش كاسر. عينيه الحمرا ضيقت بـ غضب حقيقي وغل، وعروق جبهته برزت وهو بيكلم نفسه بـ صوت فخم، واطي، ومرعب رن جوه كابينة العربية المقفولة:
"هل فعلاً البنت دي تِستاهل إنهم يِقتلوك يا فارس؟ عشان كنت قريب منها وبـ تحبها وصاحبها بس؟ الكلاب دول اِستخسروك في الدنيا لمجرد إن عينك جت في عين بنت هما بـ يتمنوها؟"
آدم ضغط على الموبيل في إيده بـ غل كأنه عايز يِكسره، وطلعت منه ضحكة باردة ومخيفة جداً وهو بيبص لصورة ليليان، وكمل بـ نبرة رجولية حادة:
"بس أنا مَش أنت يا توأمي... أنا غيرك تماماً. أنت كنت طيب وهما داسوا عليك، أنا بقى الشيطان اللي هيطلع لهم من تحت الأرض. أنا هقرب منها فعلاً يا فارس... هخليها تِعشقني وتِتمنى الرضا من عيني، هخلي بدر وعمران يِشوفوها وهي في حضني وبـ تِبعد عنهم، عشان يتحرقوا بـ نفس النار اللي حرقوا بيها قلبك.. هخليهم يِتمنوا الموت مليون مرة وميلاقوهوش."
سكت لثانية، ونبرة صوته اتخطفت لـ حزن حارق وكسرة نفس، سَند جبهته على الدريكسيون وهو بـ يِفتكر ملامح أخوه وضحكته، وهمس بـ وجع بـ يِقطع القلب:
"عارف يا فارس؟ موتك خلاني وحيد تماماً في الدنيا دي.. مبقاش ليا ضهر ولا حد أكلمه بـ نيتي.. بس أوعدك.. أوعدك يا نصي التاني إني هريحك قريب جداً في قبرك، وكل كلب اِشترك في دبحك.. نهايته بـ تِكتب تحت رجلي دلوقتي."
آدم مسح وشه بـ قسوة، قفل الموبيل ورماه جنبه على الكرسي بـ إهمال، وعينيه بقت زي الجمر المطفي في الضلمة. دور العربية بـ زمجرة مرعبة وطار بـ سرعة جنونية نحو القصر، وهو جاهز لـ نقلة الشطرنج الجاية اللي هتحرق الرقعة كلها!
في الصالون الرئيسي لقصر محمود الراوي، كان الجو هادي، محمود قاعد بـ نفوذه المعتاد وياسمين مراته قاعدة جنبه بـ تشرب قهوتها بـ برود الذوات. فجأة، الهدوء ده اتفرتك بـ صوت فتح الباب الرئيسي بـ عنف خلى الحراس بره يِتخضوا.
دخلت بنت... ملامحها كانت نسخة أنثوية فخمة وصاعقة من آدم وفارس! نفس العيون الحادة، نفس الكبرياء، ونفس الطول الفارع. كانت لابسة كوت طويل شيك جداً، وشعرها ثاير، ووشها أحمر وعينيها بـتطلع شرار وغضب يعمي.
ياسمين الراوي اتخَطفت، والفنجان اتهز في إيدها، وقفت بـ صدمة وقالت: "سيرين؟! أنتِ... أنتِ جيتي إمتى من السفر؟!"
سيرين مَشيت بـ خطوات بـتِرزع في الأرض، وقفت قدام أمها وبصت لها بـ قرف وقالت بـ صوت حاد بـ يِقطع زي الموس: "ماما... أنا بجد مش محتاجة أسمع صوتك دلوقتي، ولا طايقة أشوف الوش المزيف ده!"
لفت وشها بـ سرعة لـ محمود الراوي اللي فِضل قاعد مكانه بـ جمود، وزعقت فيه بـ حِزق وقهر هز نجف الصالون: "أنت إزاي جالك قلب؟! إزاي يِجيلك قلب كـ أب إنك متقولش لـ أخت إن أخوها التوأم انتحر ومات؟! إزاااي؟!"
محمود الراوي حرك رقبتُه بـ برود، وبص لـ بنته بـ نظرة خالية من أي مشاعر وقال بـ رزانة تقيلة تِستفز: "أنتِ في دراستك في بريطانيا يا سيرين.. ومكنش فيه أي داعي إني أقولك أو أحكيلك وأعطل مستقبلك بـ كلام ملوش لزمة دلوقتي."
سيرين ضحكت ضحكة هستيرية مليانة وجع، وكان جنبها على التربيزة كوباية مية إزاز فخمة.. مدت إيدها ومسكت الكوباية وضغطت عليها بـ كف إيدها بـ غل وقوة غاشمة مِش طبيعية لدرجة إن الإزاز طق بـ صوت عالي، وزعقت في وشه:
"أنت مجنون؟! هو ده مبرر؟! هو ده مبرر إنك تِداري عليا إن حتة مني ماتت تحت التراب؟! خمس سنين... خمس سنين وأنت متبري مني أنا وآدم! رميت آدم لـ خالته في عشوائيات الدرب الأحمر عشان تِخلص من صياعته، ورميتني أنا في لندن بحجة الدراسة، وفضّلت فارس جمبك وحبسته في القصر ده لمجرد إنك كنت شايفه أكمل واحد فينا! لمجرد إنك قررت بـ نرجسيتك إن فارس هو الوريث الوحيد لـ اسم محمود الراوي، وإننا إحنا مَش عيالك ولا نِشبهك لمجرد إنك عايز كدا؟! جاتلك القسوة دي كلها منيييين؟!"
لفت بـ عيون مليانة دموع وشرار لـ أمها ياسمين وقالت بـ قهر: "وأنتِ... أنتِ إزاي موافقة على كل الجبروت ده وساكتة يا ست هانم؟! سيبتيه يِفرمنا ويِفرك عيلتنا عشان المظاهر والنفوذ؟!"
محمود الراوي وشه شِد، وقبل ما ينطق، سيرين مسحت دموعها بـ حِدة وبصت لـ أبوها بـ شك وقالت: "آدم... آدم عارف إن فارس مات ولا لسه مرمي في الحارة ميعرفش؟!"
"تك... تك... تك"
صوت خطوات هادية ورزينة اِتمشت من ورا الستارة عند الباب الفخم. اتفتح الباب بـ كامل قُطره، ودخل آدم.
كان لابس يونيفورم المدرسة الفخم بـ كبرياء، وشايل الشنطة على كتف واحد بـ إهمال صايع. أول ما عينه جت في نص الصالون وشاف سيرين واقفة بـ الكوت بتاعها والدموع في عينيها... آدم رجله اتسمرت في الأرض لـ ثانية. النظرة الباردة اللي بـيقابل بيها الكون اتهزت، وعينيه لمعت بـ لهفة، وبحلق فيها وقال بـ صوت رجولي واطي ومبحوح:
"سيري؟"
سيرين لفت وشها بـ سرعة أول ما سمعت صوته. في الكسر من الثانية ده... كل نظرات الغضب، والشرار، والغل اللي كانت بـتوزعها على محمود وياسمين اتمسحت تماماً من على وشها. ملامحها اِتحولت لـ نظرة اشتياق، ولهفة، وحب حقيقي لـ توأمها اللي فاضل ليها في الدنيا.
سيرين رمت الشنطة من إيدها، وبـ اندفاع وشهقة بكاء عالية جريت عليه بـ أقصى سرعتها، وترمت في حضنه وقالت بـ صوت بـيِقَطّع القلب وهي بـتِقفل إيديها على ضهره بـ عنف: "آااادم!"
آدم ساب الشنطة تِقع من على كتفه، وقفل ضلوعه ودراعاته القوية عليها، ودفن راسه في كتفها وهو بـ يِتنفّس ريحتها بـ غل واشتياق، وسابوا محمود الراوي ومراته قاعدين زي التماثيل بـيتفرجوا على الوحوش اللي صنعوها بـ قسوتهم وهي بـتحضن بعضها!
آدم مسك إيد أخته سيرين بـ حنية وجاذبية مِش بـ يِطلعها لأي حد في الدنيا، وشَدّها من وسط نظرات محمود الراوي وياسمين المذهولة، وخرجوا هما الاتنين لـ جنينة القصر الواسعة عشان يتكلموا بـ راحتهم بعيد عن خناق الصالون.
الجو بره كان نسمته ساقعة، والهدوء مالي المكان. سيرين كانت لسه بـ تِمسح دموعها بـ عصبية، وآدم وقف قدامها، حط إيديه في جيوب بنطلونه، وبص لـ عينيها بـ جمود وثبات وقال بـ صوته المبحوح والرجولي:
"اهدي يا سيري.. وفوقي معايا عشان اللي هقولهولك ده مفيش مخلوق في القصر يعرفه."
سيرين بصت له بـ تساؤل وهي بـ تِنهج: "في إيه يا آدم؟"
آدم مِيل عليها وقال بـ نبرة صوت واطية ومرعبة: "فارس مَش انتحر يا سيرين.. فارس مقتول.. والكلاب ولاد الذوات اللي في مدرسته هما اللي دبروا لـ موته ورموه من السطح عشان يِبان انتحار، وأنا بقالي أسبوع لابس اليونيفورم ده وبـ دخل المدرسة بـ اسم 'فارس' وقناعه عشان أجيب قرارهُم واحد واحد."
سيرين عينيها وسعت بـ رعب وصدمة زلزلت كيانها، ملامحها اِتخطفت، والغل رجع ملى عيونها تاني. اِتجهت لـ آدم ومسكت ياقة قميصه بـ غضب حقيقي وزعقت بـ صوت مكتوم: "يعني أخويا اتقتل؟! دبحوا حتة مننا يا آدم وأنت ساكت؟!"
آدم مسك إيديها بـ ثبات ونزلهم بـ هدوء، وعينيه لمعت بـ شرار الانتقام الفخم وقال: "آدم محمود الراوي مبيسكتش على دم أخوه يا بنت الراوي.. أنا انقذت الشاهد الوحيد امبارح من الموت، وقريب جداً هنتقم من كل كلب لمس شعره من فارس.. اللعبة شغال فيها بـ دماغي، ومستني اللحظة اللي هفرتك فيها عروشهم."
سيرين بصت لـ آدم بـ نظرة فخر ممزوجة بـ غل أسود وعنيف، ملامحها اِتحولت لـ جمود يشبه جمود آدم بالظبط. لفت ضهرها بـ كبرياء وقالت بـ حسم: "لو الحكاية فيها دم وعِرض أخويا... يبقى أنا مَش هقعد أتفرج عليك من بعيد يا آدم."
سيرين سابته في الجنينة، وبـ خطوات سريعة وثابتة رجعت دخلت الصالون الفخم بتاع القصر بـ هيبتها الشياكة. وقفت قدام محمود الراوي اللي كان لسه قاعد بـ يدخن سيجاره بـ برود، وبصت له بـ عيون مفيهاش أي ذرة خوف أو احترام، وقالت بـ نبرة صوت حادة وفخمة جداً هزت الحوائط:
"بكرة الصبح يا سيادة المستشار... بكرة الصبح ملفي بـ أوراقه بـ كُل حاجة يكون في المدرسة الإنترناشونال اللي فيها آدم... أنا هخش المدرسة بنفسي مع ادم من بكرة، وبنفوذك أو بـ وسايطك تِخلص الليلة دي النهاردة.. زي ما دخلت صاحبه الصايع، هتدخلني أنا كمان."
محمود الراوي رفع عينه وبص لـ بنته بـ صمت مرعب.. شاف فيها نفس نبرة الأمر والجبروت اللي بـ يتكلم بيها هو، وعرف إن الجينات اللي رماها في بريطانيا رجعت له على شكل وحش كاسر مَش هتعرف تقف قدامه. أخد نَفس من السيجار وبص لها بـ تحدي وقال: "والدراسة في لندن؟"
سيرين ضحكت ضحكة باردة وقاتلة شبه ضحكة آدم، وقالت وهي بـ تِعدل الجاكيت بتاعها بـ كبرياء فخم:
"لندن بـ اللي فيها مَش أغلى من اسم عيلة الراوي اللي أنت خايف عليه.. جهز الورق يا سيادة المستشار، لأن بكرة... المدرسة دي هيدخلها كابوس جديد مكنوش بـ يِحلموا بيه في أسوأ كوابيسهم."
ولفت ضهرها وطلعت على أوضتها بـ كل شموخ، وسابت الأب قاعد مذهول من جبروت ولاده اللي بدأوا يِتجمعوا عشان يِحرقوا الأخضر واليابس.
الساعة كانت عَدّت واحدة بالليل. القصر كله كان غرقان في السكون، والضلمة مغطية الأركان.
جوه أوضة آدم، كان الإضاءة خافتة جداً ومريحة للأعصاب. آدم كان نايم على السرير بـ بنطلون أسود وتيشرت خفيف، حاطط إيد تحت راسه وباصص للسقف الأبيض بـ شرود، وعقله بـ يِرتب خيوط بكرة ودخول سيرين المدرسة.
فجأة، شاشة موبايل فارس المنور على الكومودينو نورت بـ رسالة واتساب. آدم مَد إيده بـ بطء وسحب الموبيل، وفتح الشات. كانت ليليان.
ليليان: "صاحي يا فارس؟"
آدم كتب بـ صوابعه بـ هدوء وبرود:
فارس: "صاحي.. في حاجة؟"
الرد جه منها بـ توتر خفيف بس فيه رجاء:
ليليان: "لأ مفيش.. بس مخنوقة شوية ومش جايلى نوم من تفكير امبارح.. عادي لو اتكلمنا فون؟"
آدم بص للرسالة لثواني، نَفَس طويل طلع منه، وكتب كلمة واحدة بـ ثقة:
فارس: "عادي."
مفيش ثانية، والموبيل اِتهز في إيده بـ مكالمة ورقمها منور. آدم رفع الموبيل على ودنه، وسند ضهره على السرير وقال بـ صوته الرجولي، الواطي، والمبحوح بـ نبرة ليل دافية: "ألو.. يا ليليان."
صوت ليليان طلع من الناحية التانية رقيق، هادي، وفيه نبرة كسوف وخوف دايب: "ألو.. هاي يا فارس. أسفة بجد لو كنت بزعجك في وقت زي ده.. بس حقيقي حاسة إن دماغي هتنفجر ومكنش فيه حد ممكن أتكلم معاه غيرك."
آدم اتنفس بـ بطء وقال: "مفيش إزعاج.. اتكلمي، سامعك."
وفي اللحظة دي.. بدأت خيوط الليل تدوب. ليليان بدأت تتكلم بـ تلقائية وعفوية لأول مرة، حكت له عن خوفها، عن الضغط اللي بـ تحسه في المدرسة وسط شلة بدر وتارا، وعن إحساسها إن كل حاجة حواليها مزيفة ومفيش حاجة حقيقية غير اللحظة اللي هو شَدّها فيها من دراعها وانقذها من الموت.
وآدم.. آدم اللي قلبُه اِتحول لـ حجر وصخر بـ سبب الانتقام، لقى نفسه بـ يِسمع لها بـ هدوء مِش طبيعي. النبرة الباردة والمخيفة اتمسحت، وحل مكانها صوت رزين، حنين بـ ذكاء، بـ يِرد على كلماتها بـ جمل قصيرة بس مليانة أمان. آدم لقى نفسه بـ يِنسى للحظات إنه "آدم" المنتقم، وحس بـ نَقاء البنت دي اللي بـ تِرمي كُل أسرارها وتوترها في حضن صوته.
الكلام سحبهم... والوقت عَدّى بـ سرعة مِش طبيعية. المكالمة دخلت في أكتر من ساعتين! يتكلموا في كُل حاجة وفي لا شيء.. مجرد روحين بـ يِتونسوا بـ بعض في ضلمة الليل.
وعلى الساعة تلاتة والفجر بـ يِقرب، صوت ليليان بدأ يِبطء.. كلامها بقى متقطع ودايب، ونَفَسها بقى هادي ومنتظم جداً.
آدم سكت وفِضل حاطط الموبيل على ودنه بـ يِسمع نَفَسها الدافي الهادي اللي طالع من السمعة.. عرف إنها خلاص استسلمت للنوم وهي بـ تِكلمه، وحست بـ الأمان اللي خلاها تنام على نبرة صوته.
ابتسامة هادية جداً، حقيقية وصافية لأول مرة من سنين، ظهرت على شفايف آدم في الضلمة. مَش حِقد، ومَش مَكر.. كانت ابتسامة راجل بـ يِتأمل براءة طفلة.
همس بصوت دافي جداً كأنه بـ يِطبطب عليها: "تصبحي على خير يا ليليان..."
وقفل السكة بـ هدوء، وحط الموبيل جنبه، وغمض عينيه وهو حاسس إن المعركة بتاعة بكرة مَش بس عشان دم أخوه... دي بقت كمان عشان يِحمي البراءة دي من وساخة الكلاب اللي حواليها.
تاني يوم الصبح، شمس النهار كانت ساطعة، وحوش المدرسة الإنترناشونال كان زحمة ومقلوب بـ طابور الصباح المعتاد. الطلاب كلهم واقفين في صفوف، تارا وبدر واقفين في الأول بـ نفوذهم، وعمار واقف ورا في آخر الصف بـ نضارته السودا وفرقعة اللبانة وهو بيبص حواليه بـ صياعة مستني اللحظة.
وفجأة... البوابة الرئيسية للمدرسة اِتفتحت.
دخل آدم بـ خطواته الرزينة، الفخمة، واللي بتهز الأسفلت. كان لابس يونيفورم المدرسة بـ كبرياء وهدوء يخوف، والشنطة على كتف واحد بـ إهمال.. بس المرة دي، مكنش ماشي لوحده.
جنبه بالملي، كانت ماشية سيرين.
البنت كانت خطفت العين من أول خطوة! يونيفورم المدرسة عليها كان طالع بـ شياكة وإناقة بريطانية صاعقة، واثقة في نفسها بـ شكل مرعب، رافعة راسها لـ فوق وعينيها الحادة والذكية بـ تِلقط كُل تفصيلة في الحوش. ميكس الجمال الأوروبي مع جبروت عيلة الراوي خلا كُل الطلاب يلفوا وشهم ويبحلقوا فيها بـ ذهول، والهمسات بدأت تزيد بـ جنون: "مين دي؟.. دي شبه فارس أوي!.. دي برنسيسة دي ولا إيه؟"
تارا عينيه وسعت بـ غل وغيرة أول ما شافت سيرين وشياكتها اللي غطت على الكل، وبدر حواجبه عقدت بـ شك وهو بيبص لـ ملامح البنت اللي بـ تطلع نار وجاذبية.
في اللحظة دي، مدير المدرسة قرب من المايك في الإذاعة الصباحية، خبط عليه بـ صباعه عشان الكل يسكت، وصوته طلع في السبيكرز مالي المدرسة كلها:
"صباح الخير يا طلبة.. قبل ما نبدأ يومنا الدراسي، أحب ترحبوا معانا بـ الطالبة الجديدة اللي لسه منقولة لينا بـ أوراق خاصة وقادمة من لندن.. رحبوا بـ الزميلة الجديدة: سيرين محمود الراوي."
الاسم نزل على الطابور زي الصاعقة!
"محمود الراوي!".. الكلمة رنت في ودان بدر السيوفي بـ رعب خفي. لف وشه بـ سرعة وبص لـ سيرين اللي كانت واقفة جنب آدم (فارس)، وسيرين في اللحظة دي لفت وشها وبصت لـ بدر بـ نظرة حادة، ساقعة، ومليانة غل وشرار، كأنها بـ تقوله: "إحنا جينا نهد عرشك يا سيوفي".
آدم مِتحركش من على وشه أي تعبير، فِضل باصص لـ قدام بـ برود الشيطان وثبات الجبال، بس ابتسامة مكر خفيفة جداً ظهرت على طرف شفايفه وهو شايف الخوف بـ يدب في عيون بدر لأول مرة، وعرف إن اللعبة رسمياً بقوا هما اللي سايقينها بـ الجبروت والصياعة.
عمار من ورا فرقع لبانته بـ صوت عالي وابتسم بـ لؤم وهو بيكلم نفسه: "يا ميت مسا يا ولاد الذوات.. الكابوس وصل ومعاه الحكّام بتوعه.. اللعب الجاي على كبير."
Ahmed Mostafa Kamel