الساعة كانت عَدّت اتنين بعد نص الليل. الأوضة الكبيرة بتاعة فارس كانت ضلمة كحل، مفيش فيها غير النور الأزرق الباهت اللي طالع من شاشة اللابتوب الفخم اللي محطوط على المكتب.
آدم كان قاعد على الكرسي الجلد، لابس بنطلون قطن أسود، ومقضيها حافي. الجو كان ساقع بس صدره كان قايد نار. ملامح الوش القوي اللي كان واقف بيها قدام بدر ومروان على بوابة المدرسة اتمسحت، وحل مكانها وش ولد مكسور، وحيد، وضهرُه ملوى من صدمة الفراق.
إيده كانت بتتحرك على الـ "Mouse" بـ بطء وهى بـترتعش. دخل على فايل مخفي على الهارد، مكتوب عليه اسم: "ذكريات".
ضغط مرتين... فتحت قدامه الصور والفيديوهات.
أول فيديو اشتغل، كان ليهم وهما عندهم حوالي عشر سنين، في حديقة القصر القديم. فارس كان واخد كورة في حضنه وبيجري ويضحك، ضحكته كانت صافية ومن القلب، وكان بيلف وشه للكاميرا ويقول: "يلا يا آدم.. بطل كسل وتعال العب معايا!".. وفي نفس الفيديو، ظهر آدم الصغير وهو بينط على ظهر أخوه بـ شقاوة وصياعة ويوقعه على النجيل، والاثنين يفضلوا يضحكوا ويهزروا في الأرض.
آدم وهو قاعد قدام الشاشة، دموعه نزلت فجأة. دموع سخنة وحارقة نزلت على خده من غير ما يحس.
بدأ يقلب في الصور بـ سرعة كأنه بيدور على أوكسجين. صورة ليهم في أول يوم مدرسة ابتدائي وهما ماسكين إيد بعض.. صورة لفارس وهو متكرم وماسك شهادة تقدير وعينه بتلمع بـ أمل ومستقبل، وصورة ثانية لآدم وهو لابس لِبس الشوارع المبهدل بعد ما قرر يسيب القصور ويعيش عيشة خشنة وسط عيال المدارس الحكومي.
آدم حط إيديه الاثنين على وشه، وانهار تماماً. كتم صرخته في كفوفه عشان أهله مايسمعوهوش بره، وبقى يبكي بـ عياط هيستيري يقطع النفس، جسمه كله كان بيتهز من الوجع. وطى راسه على المكتب جنب اللابتوب، وقال بصوت مبحوح ومكتوم، مليان عتاب لـ ربنا وهو بيموت من ذنب إنه ساب أخوه لوحده:
"يا رب... يا رب ليه مأخدتنيش أنا وسِبتُه هو؟ ليه سِبت اللي صاع واتبهدل في الشوارع، وأخدت الأنظف؟ فارس كان غلبان يا رب... كان طيب ومبيأذيش نملة، كان ليه حياة أنظف بكتير من حياتي، ومستقبل أحسن من مستقبلي بمليون مرة... أنا اللي كنت أستاهل الموت، أنا اللي قلبي مات من زمان... ليه سِبته للكلاب دي تاكله وأنا مش جنبه؟! ليه يا رب؟!"
فضل يعيط بـ حرقة لدقائق، وصوت الضحكة الصافية بتاعة فارس في الفيديو القديم شغالة في الخلفية كأنها سِكينة بـتُلم في قلبه.
وفجأة... الصوت قِطع، والفيديو خلص.
الأوضة رجعت للسكوت المرعب تاني. وفي اللحظة دي، آدم رفع راسه بـ بطء من على المكتب. الدموع فِضلت مغرقة وشه، بس عينيه... عينيه اتغيرت تماماً. العياط الهيستيري وقف في ثانية كأن في زرار اتطفا جواه.
عينيه احمرت زي الدم من كتر البُكا، ووسعوا وبقوا يبرقوا في الضلمة بـ نظرة جُحيمية تخوف. الغل والشر اللي في العالم كله اتجمع في النظرة دي. ملامح وشه شِدت، وعروق جبهته برزت وهو بيبص لـ صورتُه هو وفارس اللي على الشاشة.
مسح دموعه بـ كف إيده بـ عنف وقسوة، وطلع نفس طويل وصادق مليان صهد. اتعدل في قعدته بـ هيبة مرعبة، وقفل اللابتوب بـ هبدة قوية عملت صوت في الأوضة، وحط إيديه الاثنين على المكتب، وقال بنبرة صوت واطية جداً، هادية، ورَزينة بـ شكل يخوف.. النبرة اللي مفيهاش تراجع:
"خلاص يا فارس... وقت العياط خلص، ودموعي دي هيدفعوا تمنها بحور من دم كرامتهم. حياة توأمي مش هتروح كدا بـ بلاش.. من اللحظة دي، أنا اللي هحط كل قواعد اللعبة في المكان ده. اللي هيرفع عينه فيا هعماهاله، واللي هيفكر يلمس قناعك.. هنهي حياته."
وقف من على الكرسي بـ طوله وبنيانه القوي، وبص من الشباك على ضلمة الليل وابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، وقال:
"جهّز نفسك يا بدر... جهّز نفسك يا مروان... اللعب الجاي كله هيبقى على موتكم."
الشمس بتاعة الصبح كانت منورة حوش المدرسة، والهدوء اللي كان مسيطر بعد العلقة بتاعة امبارح كان باين على وشوش الطلاب. الكل مستني يشوف إيه اللي هيحصل النهارده.
من بعيد، كانت تارا واقفة جنب ليليان. تارا كانت واضحة جداً في وسط البنات؛ لبسها شيك لدرجة مستفزة، شعرها متسرح بطريقة بروفيشينال، وعينيها فيها نظرة ثقة وجرأة تخلي أي ولد يعمل حساب لكلامه معاها. ليليان كانت واقفة جنبها، باصة في الأرض وبتحكيلها بـ توتر عن اللي فارس عمله امبارح في الفصل وعلى البوابة.
تارا ابتسمت بـ لؤم وقالت لـ ليليان بصوت واطي: "اهدئي يا ليليان.. مروان غبي وأنتِ عارفة، بس فارس؟ فارس ده أنا عاجناه وخابزاه، تلاقيه بس بيحاول يعمل شو عشان يداري كسرة عينه.. سيبيهولي."
في اللحظة دي، دخل آدم من البوابة.
خطواته كانت أهدأ من امبارح، بس الهيبة زادت ضعف. قميصه مفتوح بـ برود، وعينيه الحمرا من قلة النوم والعياط كانت مديا له ملامح شريرة وفخمة جداً. مكنش باصص لحد، وماشي في اتجاه المبنى ورابط جأشه.
تارا سابت ليليان، وبدأت تتحرك بـ خطى بطيئة، فيها دلال وثقة مفرطة. قربت منه، وبمنتهى الذكاء والجرأة، مشيت جنبه بالملي، وميلت راسها ناحيته وهي بتبتسم وبتعدل شنطتها على كتفها، وقالت بنبرة صوت شيك وناعمة:
"حمد الله على السلامة يا فارس.. المدرسة كانت ضلمة من غيرك، والنهاردة شكلنا داخلين على أيام أكشن.. قولي، إيه اللوك الجديد ده؟ شكلك كبرت وابتديت تعمل عضلات كمان."
آدم مَوقفش مشي، ولا حتى لف وشه يبص عليها. فِضل باصص قدامه بـ جمود، وصوته طلع رجولي، ساقع، ومبحوح يقطع أي عشم:
"يهمك في إيه؟"
الكلمة نزلت على تارا زي مية بتلج. خطوتها تلتت للحظة من الصدمة، مكنتش متوقعة الرد الجاف ده من ولد كان زمان بيطاردها بنظراته. بس تارا مش من البنات اللي بتستسلم بـ سهولة، سرّعت خطوتها تاني عشان تطلع جنبه، وطلعت منها ضحكة رقيقة وساخرة، وقالت بـ ثقة وهي بتبص لوشه الحاد:
"يهمني؟.. تؤ، متخلّيش القلم اللي لويته لـ مروان امبارح ينسّيك نفسك يا فارس. أنت نسيت زمان لما كنت بتموت عشان بس أرد على مسج منك عشان كنت معجب بيا؟ ودلوقتي غيرت رأيك وبتتقل عليا؟"
وراحت ضاحكة ضحكتها الدلوعة وهي مستنية تشوف وشه وهو بيحمر من الكسرة أو الإحراج.
هنا... آدم وقف.
وقف بـ ثبات خلى تارا تقف هي كمان. آدم لف بـ جسمه كله ليها، وطلع إيديه من جيوبه. وطى براسه عليها شوية، وشال النظارة الشمسية بـ إيد واحدة بـ بطء شديد.
بص في عينيها بـ نظرة حادة وفارغة من أي إعجاب، نظرة خلت ضحكة تارا تموت على شفايفها ووشها يِشد بـ ذهول. آدم ابتسم ابتسامة هادية وساخرة جداً، وقال بنبرة فخمة خلت تارا تحس إنها صغيرة أوي قدامه:
"زمان ده كان زمان يا تارا... والظاهر إنك لسه عايشة في الماضي. الشخص اللي كان بيموت عشان تردي عليه... مابقاش موجود. فـ وفري الضحكة دي لـ حد تاني يكون بيلفت انتباهك... عشان أنا وقتي غالي أوي."
آدم لبس نظارته تاني بكل برود، وسابها واقفة في مكانها مبرقة، وِشها جاب ألوان من الكسرة والصدمة، ومشي ودخل مبنى المدرسة.
تارا فضلت واقفة مكانها، حاطة إيدها على وسطها وباصة في أثره بـ غيظ وغل غير طبيعي، وفي نفس الوقت جواها فضول مرعب وعلامة استفهام كبيرة: "مين ده؟! ده مستحيل يكون فارس!"
بعد الحوار اللي دار الصبح، تارا كانت قاعدة على ترابيزة في الجاردن، بتهز رجلها بـ عصبية وغل، وبتشرب عصير وهي هتنفجر. لمس كبريائها خلاها مش طايقة نفسها. في اللحظة دي، قرب منها مروان، وشه لسه باهت وإيده متجبسة، وقال بـ لؤم:
"مالك يا تارا؟ وِشك جايبي ألوان ليه؟ شكل فارس الجديد مقراش معاكي أونطة الصبح."
تارا جزت على سنانها وحكت له اللي فارس قالهولها بـ جفاف. مروان ضحك بـ غل وقالها: "طب ما تروحي تكسري عينه بطريقتك؟ روحي اتريقي عليه وذكّريه بأصله زي ما كنتِ بتعملي زمان.. الواد ده محتاج حد يحجمه."
تارا فكرت وفكرة مروان عجبتاها عشان ترد اعتبارها. قامت ودخلت الكافتيريا.
آدم كان قاعد لوحده على ترابيزة في ركن بعيد، قدامه طبق أكل خفيف وكوباية مية، حاطط سماعة واحدة في ودنه وباصص في لا شيء بـ روقان. تارا قربت بـ خطوات واثقة، وسحبت الكرسي اللي قباله وقعدت، حطت إيدها تحت رقبتها وبصت له بـ ابتسامة دلع مستفزة وقالت بـ صوت عالي شوية عشان اللي حواليهم يسمعوا:
"قولي يا فوفو.. إيه رأيك لو تتقبل فكرة إني أكون مِراتك مستقبلاً؟ أهو نلم شمل العيلتين والشركات الكبيرة.. ولا لسه هتقل؟" وراحت ضاحكة بـ سخافة.
آدم مرفعش عينه من الطبق، ساب المعلقة من إيده بـ هدوء شديد، ورفع عينه فيها بـ نظرة باردة وساخرة، وقال بنبرة صوت رجولية ورزينة:
"أنا الأول عايز أتقبل فكرة... إني شايفك بني آدمة."
الضحكة ماتت في زور تارا، وِشها اتخطف واتصدمت من الرد اللي نزّلها لسابع أرض.
وقبل ما تنطق بكلمة، الجو اتقلب. قرب من الترابيزة ولد ضخم من شلة مروان، واد جثة واسمه "شِبل". شبل دخل بـ غشومية، ومد إيده وبـ حرك حقد مَسك طبق الأكل بتاع آدم وقَلَبه على الترابيزة بـ وساخة عشان يذلّه قدام تارا.
آدم مِتحركش من مكانه، ولا حتى اتخض. بص للأكل المقلوب، وظهرت على شفايفه ابتسامة هادية وباردة جداً... ابتسامة تخوف اللي يفهمها.
تارا لما لقت المنظر، ضحكت بـ شماتة عشان تداري كسفتها وبصت لشبل وقالت: "مالك يا شبل؟ داخل سخن على فارس كده ليه يا كابتن؟"
شبل سَند إيديه الاثنين على الترابيزة، وطى على آدم وقال بـ صوت جَعر وبـ غل: "بعد اللي عمله امبارح مع مروان، الواد ده أنا هقتله هنا.. والنهارده مفيش خروج من المدرسة على رجلك يا روح أمك."
آدم طلع ضحكة خفيفة من صدره، ضحكة مليانة استهزاء وكبرياء. سَند ضهره لورا، حط رجل على رجل، وبص لـ شبل من فوق لتحت وقال بـ صوت مبحوح وفخم جداً:
"اسمك شِبل؟.. تمام. طب أنت عارف بيسموا مِرات الأسد إيه؟"
شبل حواجبة عقدت وبص له بـ غباء: "إيه؟"
آدم ابتسم بـ لؤم وصياعة شوارع تقيلة، وطى لقدام وقال بـ نبرة صدمت المكان:
"طبعاً أنت فاهم إني شتمت أمك... بس لسه دماغك مستوعبتش اللفة.
الكافتيريا كلها سكتت ثانية... وبعدين صدى همس وضحك مكتوم بدأ يظهر بين الطلاب. تارا عينيها وسعت من الصدمة وبصت لـ شبل بـ ذهول.
شبل فِضل واقف ثانيتين متنح، بيترجم الكلمة في دماغه.. وأول ما استوعب إن آدم شتم أمه بـ التلقيحة الذكية دي قدام المدرسة كلها، وِشه بقى أزرق وعروق رقبتُه غرزت لبره من كتر الغضب!
شبل مبقاش شايف قدامه، عقله طار من الشتيمة، وبـ غشومية وتور ملوش ملكة، هجم بـ جثته كلها على آدم وهو بيزعق: "أنا هفشخك يا فـ..."
وقبل ما يكمل الكلمة، وقبل ما إيده تلمس قميص آدم... الحركة كانت أسرع من الـموت.
آدم مِتحركش من على الكرسي، بـ خفة ميكانيكي صايع وسرعة خاطفة، إيده اليمين امتدت على الترابيزة ومسكت الشوكة الإستانلس اللي كانت جنب طبق الأكل المقلوب. وبـ قوة غاشمة وعافية شوارع، نزلت الشوكة زي الطلقة في نص كف إيد شبل المفرودة على الخشب!
"آااااااااااااااخ!"
الصرخة بتاعة شبل هزت حيطان الكافتيريا كلها. الشوكة غرزت وعدت من كف إيده لزقتها في خشب الترابيزة بالملي. شبل ركبه خانته ووطى بجسمه كله، وشه اتقلب أزرق وهو بيبص لإيده اللي اتسمرت في الترابيزة والدم بدأ يسيل منها.
تارا حطت إيدها على بوقها ورجعت لورا بالكرسي وركبها بتخبط في بعض من الرعب... المنظر كان سادي وفخم ومرعب.
آدم فِضل حاطط رجل على رجل، سَند كوعه على الركبة، وبص لـ شبل اللي بيبكي من الوجع وبيتنفض قدامه، وقال بـ نبرة صوت واطية، هادية، ومليانة سخرية:
"مش عيب... مش عيب لما ابن مِرات الأسد بنفسه يكون عايز يهجم عليا؟ أنت لسه منضفتش من وساخة الشوارع يا شِبل... فـ أنا جيت أنظفك."
في اللحظة دي، الباب بتاع الكافتيريا اتفتح بـ اندفاع، ودخل مدرس المشرف بعد ما سمع صوت الصرخة. جِري بـ رعب وقرب من الترابيزة وشاف شبل موطي وإيده غرقانة دم وفارس (آدم) قاعد بـ كل برود.
المدرس زعق بـ ذهول وخوف: "في إيه؟! فارس... حصل إيه هنا؟ وإيه الدم ده؟!"
آدم ملمحُه ماتغيرش، ولا اتهز. بص للمدرس، وشال رجل من على رجل بـ أدب مصطنع، ورفع إيده بـ هدوء وقال بـ نبرة باردة وابتسامة رايقة جداً:
"مفيش يا مستر... الموضوع كله إن شبل كان عايز يعمل فقرة سحر بالشوكة قدام تارا، فـ الغباء خانه والشوكة عوّرته في إيده... مش كده يا شبل؟"
آدم وهو بيقول الجملة الأخيرة، وطى وبص لـ شبل وضغط بـ صباعه بـ خفة على طرف الشوكة بـ تهديد صريح، فـ شبل جسمه اِتنفض وهز راسه بـ رعب وعياط وهو بيقول للمدرس: "آه.. آه يا مستر.. سحر.. أنا اللي غلطت!"
القاعة كلها ثانية واحدة سكتت... وبعدين انفجرت في ضحك هيستيري وتريقة على شبل اللي بقى عامل زي الفار المبلول ومسمعش كلام مروان. تارا كانت بتبص لـ آدم بـ نظرة رعب حقيقي، البنت عرفت إنها مش بتلاعب طالب.. دي بتلاعب شيطان بـ قناع بني آدم.
آدم وقف، سحب منديل من على الترابيزة ومسح صوابعه بـ روقان، وبص لـ المدرس وقال: "عن إذنك يا مستر.. أصل سحر شبل سد نفسي عن الأكل."
سابهم ومشي بـ خطوات تانية تزلزل الأرض، وساب الكافتيريا كلها بـ تتكلم عن "فارس" المرعب اللي مفيش حد بيقف قدامه وبيطلع سليم!
وقت المرواح جه، وآدم خرج من البوابة بـ نفس الهيبة والبرود، والكل بيبص له من بعيد لبعيد بعد لقطة الشوكة.. مفيش مخلوق جاله قلب يقرب منه. أول ما ركب العربية المرسيدس والباب اتقفل، آدم مطلعش موبايل فارس.. مد إيده في جيبه الداخلي وطلع موبايله الشخصي القديم، الموبيل اللي عليه حياته الحقيقية.
فتح الـ "Contacts" وجاب رقم متسجل باسم: "عمار الجدع".
رن رنة والتانية، والخط اتفتح، وجاله صوت عمار الخشن الصايع اللي كله ترحيب وجدعنة: "أبو الأوادم! حبيب أخوك.. إيه يا عم، غطست فين؟ بقالك يومين مابتظهرش في الحتة، والعيال هنا على القهوة بيسألوا عليك."
آدم أول ما سمع صوت عمار، ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة من يومين، وقال بنبرة هادية ورجولية:
"موجود يا صاحبي في الدنيا.. بقولك إيه، عايز أقابلك الليلة.. محتاجك في حوار كبير مش هينفع فيه كلام في التليفون."
عمار حس بالنبرة التقيلة في صوت آدم، فـ رد بـ جدعنة: "عيني ليك يا شق، مسافة السكة وأكون مستنيك على قهوة 'المعلم حنفي' اللي بنقعد عليها دايما.. متتأخرش."
على أول الشارع الحارة القديمة، تحت النور الأصفر الباهت بتاع عمود النور، كانت قهوة المعلم حنفي شغالة.. صوت رص الكراسي، وطقطقة حجر الشيشة، وصوت ضحك العيال مالي المكان.
آدم وصل وهو لابس لِبس الشارع العادي (تيشرت أسود وبنطلون جينز)، بس الهيبة اللي اكتسبها في الأيام اللي فاتت كانت واضحة على مشيته. لمحه عمار اللي كان قاعد في ركن بعيد على طرابيزة خشب، لابس شبشب وقميص كروهات مفتوح، وبيهز رجله.
أول ما آدم قرب، عمار قام وحضنه حضن وجع متبادل، وقعدوا. آدم مَضيعش وقت، وطى على الطرابيزة وبدأ يحكي لـ عمار كل حاجة من طقطق للسلام عليكم.. حكى له عن انتحار فارس، عن الكسرة اللي شافها في عين أخوه في المشرحة، عن المدرسة الإنترناشونال، وشلة مروان، وتارا، والشوكة اللي غرزها في إيد شبل، لحد ما وصل لـ "بدر" الثعلب المدبر.
عمار كان بيسمع وعينيه بـتوسع من الصدمة والغل، وإيده جزت على كوباية الشاي، وقال بـ حرقة: "ولاد الـ***.. كل ده يحصل لـ فارس الغلبان؟! وحياة أمي ما هنسيبهم يا آدم.. بس أنت ناوي على إيه؟"
آدم بص لـ عمار بـ نظرة حادة وثابتة وقال: "أنا هكلم أبويا يخلص حوار أوراقك ويدخلك معايا نفس المدرسة من الأسبوع الجاي.. أنا محتاجك تكون معايا جوه يا عمار. إحنا الاتنين بـ دماغ الشوارع وصياعتنا، هنفكك عروش ولاد الذوات دول واحد ورا التاني."
عمار أول ما سمع حوار المدرسة الإنترناشونال، صدمته اختفت وفجأة ضحك ضحكته الصايعة العالية وقال وهو بيخبط على الطرابيزة:
"أنا؟! عمار ابن حارة الدرب الأحمر يدخل مدرسة إنترناشونال بلبس شيك وبتاع؟ عيب عليك يا خويا.. إحنا مع بعض على الحلوة والمُرة.. واللعبة دي بتاعتي أصلًا.. بس قولي بـ ذمتك، المدرسة دي فيها بنات جامدين؟"
آدم لمحت في عينه الابتسامة الباردة الفخمة، وطلع ضحكة رجولية رايقة، وقال وهو بيقوم من على الكرسي:
"بنات طرش يا صاحبي.. بنات طرش وهيتجننوا من الصدمة لما يشوفوا دخلتنا."
عمار غمز له بـ صياعة: "إشطاط يا زميلي.. جهز الورق، وخلي المدرسة تجهز للـ زلزال."
في الجناح الشرقي من القصر، كان مكتب "محمود الراوي" باين عليه الهيبة والثراء الفاحش. الأوضة كلها خشب أرو قروي غامق، الحيطان متغطية بـ لوحات زيتية نادرة، والاضاءة خافتة ومركّزة بس على المكتب الضخم اللي وراه الكرسي الهيدروليك الجلد. محمود الراوي كان قاعد، لابس نظارة القراءة، وقدامه ملفات لـ صفقات بـ ملايين، والسيجار الكوبي شغال في إيده وبيطلع دخان كثيف.
الباب اتفتح بـ هدوء وثبات. دخل آدم بـ طوله وكتافه المفرودة.
محمود الراوي مرفعش عينه من الأوراق، أخد نفس من السيجار وقال بنبرة صوت رخيمة وتخوف: "سمعت بـ اللي حصل في المدرسة امبارح والنهاردة يا آدم.. لوي دراع مروان في الفصل، والنهاردة شوكة في إيد ولد تاني؟ أنت رايح تجيب حق أخوك ولا رايح تعملي خناقات شوارع وتِلم عليا نفوذ أهاليهم؟"
آدم مِتحركش من مكانه، قفل باب المكتب وراه، وتمشى بـ خطوات واثقة جداً لحد ما وصل قدام المكتب. مسحبش الكرسي يقعد، فِضل واقف بـ هيبته الكايرة، وحط إيديه في جيوب بنطلونه، وبص لـ أبوه بـ عينين حادة زي الصقر وقال بـ صوت رجولي ومبحوح:
"خناقات الشوارع دي هي اللي هجيب بيها حق فارس يا سيادة المستشار.. ولاد الذوات اللي أنت خايف على نفوذ أهاليهم، هما اللي موّتوا ابنك.. فارس منتحرش بـ سبب خنقة جو، فارس انتحر لأن كان فيه أندال بـ يكسروا عينه كل يوم، وأنا دخلت وسطهم وعرفت الخريطة بالملي."
محمود الراوي قلع النظارة بـ بطء، وسند ضهره لورا، وبص لـ آدم بـ نظرة تقيلة، وبدأ يحس إن الولد ده بـ ملامحه وقوته مبقاش الولد الصايع بتاع زمان، ده بقى وحش حقيقي. الأب سأله بـ اهتمام: "وصلت لـ إيه؟"
آدم وطى على المكتب بـ إيديه الاثنين، وعينيه لمعت بـ شرار الغضب والذكاء: "مروان اللي كان دايماً بـ يضرب فارس طلع مجرد ديل.. الكلب اللي بـ يتربط. الراس الكبيرة والثعلب المدبر هو ولد اسمه 'بدر'.. ابن عيلة السيوفي. بدر ده لابس قناع الملاك والطالب المثالي، لكن هو الشيطان اللي حرك كل حاجة من تحت الترابيزة عشان يبعد فارس عن البنت اللي بيحبها.. وأنا قريب جداً هجيب الدليل القاطع اللي يوديه ورا الشمس ويخليه يتمنى الموت وميلاقيهوش."
محمود الراوي عينه ضيقت، اسم عيلة السيوفي مش سهل، بس موت ابنه فارس كان حارق قلبه هو كمان. أخد نفس طويل من السيجار وقال: "تمام.. طالما بدأت اللعبة، اِقفلها بـ ذكاء وم تخليش اسم الراوي يِتهز.. محتاج مني إيه؟"
آدم اتعدل في وقفته بـ كبرياء فخم، وقال بـ نبرة قاطعة: "محتاج استخدم وسايطك ونفوذك النهاردة قبل بكره.. فيه ولد صاحبي من الحارة اسمه عمار، الولد ده ضهري وعيني بره وجوه، وعنده صياعة وحركة تخليه يجيبلي قرار بدر والسيوفي من تحت الأرض.. عايز أوراقه تِخلص ويدخل معايا المدرسة الإنترناشونال من الأسبوع الجاي.. هيدخل بـ اسم عيلتنا أو بـ أي طريقة، المهم يكون معايا في نفس الفصل."
محمود الراوي بص لـ آدم لثواني بـ صمت مرعب.. صمت بـ يِوزن فيه طلب ابنه. وبعدين طلع الدخان من بوقه وابتسم ابتسامة خبيثة وفخمة، سحب الموبيل بتاعه وضغط على رقم وقال لـ آدم بـ ثقة:
"اعتبر صحبك لابس اليونيفورم وقاعد جنبك يوم الأحد الصبح.. أنا مفيش مدرسة في البلد دي تقفل بابها قدام كلمة من محمود الراوي.. بس افتكر يا آدم، عمار هيدخل معاك عشان يِسندك، مش عشان تقلبوا المدرسة كباريه.. الحرب دي لازم تنتهي بـ كسر بدر وعيلته."
آدم ابتسم ابتسامته الباردة والقاتلة، ولف ضهره وخرج من المكتب وهو بيقول في سره: "يوم الأحد يا بدر... الحارة هتدخل قصرك، والزلزال اللي هيحصل، مستحيل دماغك المثالية دي تستوعبه."
صوت جرس الصبح كان لسه ضارب، والطلاب ولاد الذوات نازلين من عربياتهم الفخمة، الجو مكهرب ومستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل النهاردة بعد علقة شبل امبارح.
من بعيد، دخلت ليليان من البوابة الرئيسية. كانت ماشية بـ خطوات هادية، ملامحها رقيقة ومرتبكة، لابسة اليونيفورم بـ حشمة وأدب، وعينيها بتلف في الحوش بـ قلق، خايفة تلمح فارس (آدم) أو مروان بعد اللي حصل.
ليليان كانت ماشية في طريقها لمبنى المدرسة، فجأة.. ظهر قدامها بدر.
بدر كان واقف بـ كاريزما طاغية، لابس نظارة شمسية ماركة، وابتسامة الملاك الطيب على وشه. أول ما شافها، شال النظارة بـ شياكة، وقرب منها بـ خطوات مدروسة ومثالية، وقال بنبرة صوت ناعمة ودافية جداً:
"صباح الجمال والرقة يا ليليان.. منورة المدرسة كالعادة، وإن كنت حاسس إن عيونك فيها قلق النهاردة.. إيه، لسه أحداث امبارح وتصرف فارس العنيف مأثر فيكي؟"
ليليان هزت راسها بـ حيرة وبصت في الأرض، وقالت بـ خفة: "صباح النور يا بدر.. مفيش، بس بجد اللي حصل في الكافتيريا مرعب.. أنا مبقتش فاهمة فارس ده مين ولا بيعمل كدا ليه."
بدر قرب خطوة كمان، وعينيه لمعت بـ نظرة غريبة، نظرة تملّك فخمة مشاعرها حقيقية، وطى عليها شوية وقال بـ صوت واطي ومليان حنية مزيفة:
"متفكريش فيه يا ليليان... فارس (أو أياً كان مين ده) خلاص مبقاش يهمنا في حاجة. أنا هنا يا ليليان... وأنتِ عارفة إني دايماً في ضهرك، ومستحيل أسمح لـ أي مخلوق يضايقك أو يسببلك رعب بكلمة واحدة.. أنا... أنا بجد بخاف عليكي من النسمة."
ليليان بصت لـ بدر بـ صدمة خفيفة، التلميح في كلامه كان واضح وصريح، بدر ابن عيلة السيوفي، كبير المدرسة، بيلمح ليها بـ حبه واهتمامه بشكل مباشر. البنت قلبها دق بـ خوف، مكنتش متخيلة إن بدر بيحمل ليها المشاعر دي.
وقبل ما تنطق بـ كلمة، الجو اتكسر بـ اندفاع حيواني.
من ورا ليليان، ظهر مروان.
مروان كان واقف بـ وش أحمر من الغل، وإيده لسه عليها الشاش الأبيض. بـ غشومية وتملك وقح، مد إيده السليمة ومسك معصم إيد ليليان بـ قوة، وشَدّها من جنب بدر بـ اندفاع خلى ليليان تتأوه بـ خفة.
مروان زعق بـ عصبية وهو بيبص لـ ليليان بـ نظرة تملّك مريضة: "أنتِ واقفة هنا بتعملي إيه؟ وبتتكلمي معاه في إيه يا هانم؟! أنا مش قولتلك مبحبش أشوفك واقفة مع حد غيري؟!"
ليليان عينيها وسعت من الرعب، وحاولت تشيل إيد مروان وهي بتقول بـ بكاء: "مروان! سيب إيدي.. أنت مجنون؟ إحنا كنا بنتكلم عادي، سيبني!"
مروان مسمعش كلامها، شَدّها أكتر ومشي بيها بـ عصبية عشان يدخل مبنى المدرسة. بس قبل ما يمشي، لف وشه وبص لـ بدر بـ نظرة كره ونفاق مرعبة، نظرة كأنه بيقوله: "متحاولش تلعب معايا في حتة ليليان يا بدر.. دي ملكي."
بدر فضل واقف في مكانه، نظرة الملاك اختفت، وحل مكانها برود وجمود مرعبين. عينيه كانت بتبص على إيد مروان اللي ماسكة إيد ليليان، وعروق جبهته برزت من كتر الغل المكتوم.
بدر لبس نظارته الشمسية تاني بـ بطء، وطلعت منه ضحكة خفيفة وشريرة جداً، وقال في سره وهو بيمسح على شعره بـ كبرياء:
"لعبة الحيوانات دي مش هتنفع معاك يا مروان... وأنت اللي جيبته لنفسك. ليليان ملكي أنا... والمرة دي، مش هيكون فيه حبل غسيل.. المرة دي هيكون فيه مِشنقة."
الجو على البوابة كان لسه مشحون بعد ما مروان شَد ليليان ودخل، وبدر واقف وعينه بـتطلع شرار. لكن فجأة... الكل لفت انتباهه عربية مرسيدس سودا تانية خالص وقفت قدام البوابة، ونزل منها آدم (فارس) بـ هيبته وبروده المعتاد.
لكن الصدمة مكنتش في آدم... الصدمة كانت في الباب التاني للعربية اللي اتفتح ونزل منه "عمار".
عمار كان لابس يونيفورم المدرسة الإنترناشونال الفخم؛ الجاكيت الكحلي والبنطلون الرمادي والقميص الأبيض بـ الكرافتة. بس المشكلة مكنتش في اللبس، المشكلة كانت في "عمار" نفسه!
عمار كان ماشي مشية "رد السجون" الصايعة؛ كتافه بـتروح وتيجي بـ لقمة، وإيديه الإتنين حاططهم في جيوب البنطلون لدرجة إن البنطلون كان مسقّط منه شوية، ومقضيها لبانة بـ يِفرقعها بـ صوت عالي في بوقه. كان بيبص على مبنى المدرسة والقصور واللافتات بـ عينين مبرقة من الذهول والإنباهار، وكأنه داخل "دريم لاند" مش مدرسة.
آدم كان ماشي جنبه وباصص قدامه بـ برود، وعمار مِيل عليه وقال بصوت عالي وصايع وصل للطلاب اللي واقفين:
"يدين النبي يا أبو الأوادم! إيه المكان الطرش ده؟ دي مدرسة دي ولا منتجع سياحي ياض؟ والنعمة أنا حاسس إننا داخلين نعمل عمرة مش نتعلم.. إيه النظافة دي كلها؟! فين قشر اللب اللي على الأرض؟ فين عيل صايع بـ يِجري ورا زميله بـ مطواة؟ المكان ده ناقصه شوية وساخة عشان ينطق."
آدم كاتم ضحكته بـ العافية وقال من تحت ضهرسه: "اضبط مشيتك يا عمار.. ولم لسانك، الكل بيبص علينا."
عمار بص للطلاب ولاد الذوات اللي كانوا مبرقين له بـ قرف وذهول من طريقته، فـ عمار وقف في نص الحوش، حط إيده في وسطه، وبص لـ شلة عيال واقفه لابسه شيك جداً، وقالهم بـ نبرة كوميدية زفرة:
"جرى إيه يا كباتن؟ بتبصوا لي كده ليه كأني واكل ورث أبوكوا؟ ما تظبطوا عيونكوا دي بدل ما أجي أعمل معاكم الجلاشة على الصبح.. صباح الفل يا شبح أنت وهو."
العيال اتخضوا ورجعوا لورا، ومش مستوعبين الكائن اللي نزل عليهم من الميكروباص ده فجأة وبقى زميلهم.
في اللحظة دي، بدر كان لسه واقف بعيد، حواجبُه عقدت بـ شدة وهو بيبص لـ عمار ولـ آدم اللي ماشي جنبه. بدر بـ ذكائه لقط إن الولد ده مش من توبهم، وعلم بـ حاسة الشر اللي جواه إن آدم بدأ يِحرّك أحجار جديدة على الرقعة.
عمار لمح بدر وهو باصص لهم، فـ كوع آدم في جنبه وقال بـ صوت واطي: "آدم.. هو ده الواد 'بدر' البسكوتة اللي قولتلي عليه؟ اللي لابس نظارة شمس على الصبح كأنه طالع من عملية مية بيضا؟"
آدم ابتسم ابتسامته الباردة الفخمة وقال وهو بيكمل مشي: "هو بـذاته يا عمار.. بس بلاش تحتك بيه دلوقتي، سيبه يِغلي في مّيته."
عمار بصل لـ بدر ورفع له حاجب بـ تريقة، وفرقع اللبانة في الـهوا وقال: "ماشي يا أبو الأوادم.. بس وحياة سيدي العريان، البسكوتة ده مَش هيمشي من هنا غير وهو لابس طرحة."
ودخل عمار وآدم مبنى المدرسة وسط نظرات همس، وضحك، ورعب من الطلاب، وعمار شغال تريقة على كل لوحة وكل أسانسير بـ يقابله، لدرجة إنه وقف قدام الـ "Vending Machine" بتاعة العصير وبدأ يخبط عليها بـ إيده ويقول: "جرى إيه يا مكنة.. مفيش شاي كشري في أمك؟" وآدم هيموت من الضحك عليه.
بدر فِضل واقف جنب باب المبنى الرئيسي، لابس نظارته الشمسية، ومتابع خط السير بتاع آدم وعمار لحد ما اختفوا جوه الممر. ملامحه كانت زي لوح التلج، مفيش فيها أي تعبير، بس جواه كان بيحسب النقلة الجاية لآدم.
في اللحظة دي، الباب الحديدي التقيل بتاع المبنى اتفتح بـ بطء. ونزل منه عمران.
عمران مكنش طالب عادي؛ كان كتلة خرسانية ماشية على الأرض، طوله فارع، وكتافه عريضة لدرجة تِخوف. كان لابس قميص المدرسة الأبيض بس مبهدله بـ إهمال، وفي بوقه سيجارة أجنبي بـ يدخنها بـ برود ودم بارد وسط الحوش ومحدش من المدرسين قادر ينطق معاه بكلمة. ملامح وشه كانت جامدة، بـ تبان عليها "التغفيلة" أو عدم الاهتمام بـ أي حاجة في الدنيا، ملامح شخص مبيفكرش... هو بـ ينفذ وبس.
عمران وقف جنب بدر، أخد نفس عميق من السيجار، وطلّع الدخان من بوقه بـ بطء وهو باصص في اللاشيء، وقال بـ صوت أجش، تقيل، ومرعب:
"شايفك واقف كتير على البوابة يا بدر.. الشغلة كبرت في دماغك؟ ولا الحارة اللي دخلت مدرستنا دي زعلتك؟"
بدر مِلفش وشه لـ عمران، فِضل باصص قدامه على الحوش الفاضي، وابتسم ابتسامة خفيفة، هادية، ومليانة غل أرستقراطي فخم، وقال بـ نبرة صوت رَزينة ويقين يخوف:
"الحارة ملحوق عليها يا عمران.. الصراصير دايماً بـ تموت بـ رشة مبيد في الآخر. اللي مَش ملحوق عليه هو الغباء اللي بـ يسرح في الممرات بره وجوه."
عمران نزل السيجارة بـ صوابعه، وبص لـ بدر بـ نظرة عينيه المغفلة بس الحادة في نفس الوقت، وقال: "تقصد مروان؟"
بدر لف بـ جسمه كله لـ عمران، قلع النظارة الشمسية وحطها في جيب الجاكيت، وقرب منه خطوة. النظرة اللي في عين بدر في اللحظة دي كانت النظرة الحقيقية لـ "الشيطان الأكبر" للرواية، وقال بصوت واطي جداً، فخم، ومليان فحيح أفاعي:
"مروان نِسي حجمه يا عمران.. تلمس إيده لـ إيد ليليان النهاردة قدام عيني، كان معناه إنه بـ يكتب نهايته بـ خط إيده بـ غباء. الكلب لما بـ يشوف نفسه على صاحبه، مبيبقاش ليه لازمة في البيت.. وأنا خلاص، مبقتش مستحمل نباحه في المكان."
عمران عينه مِبرقيتش، فِضل محافظ على ملامحه الباردة والمغفلة، رجع السيجارة لـ بوقه تاني وأخد منها نَفس، وقال بـ هدوء مرعب وهو بـ يطفي رماد السيجارة بـ صباعه:
"عايزه يِتحسب علقة تانية زي بتاعة الفصل؟ ولا أخليه يِغيب عن الوعي وميرجعش؟"
بدر ابتسم ابتسامة دافية ومخيفة في نفس الوقت، حط إيده على كتف عمران الضخم وضغط عليها بـ ثقة وقال بـ فخامة:
"تؤ.. العلقة بـ تعمل عاهة، وأنا مابحبش الشغل الناقص. أنا عايزك تخلص على مروان.. تنهيه تماماً من الحسبة. بس بـ الشياكة بتاعتنا يا عمران.. عايز موته يِبان حادثة، أو خناقة شوارع ملهاش صاحب.. عشان نِرمي الجثة في حجر 'فارس الجديد' وصاحبه الصايع، ونخلص من الكل بـ ضربة واحدة."
عمران حرك رقبتُه بـ يِطقطقها، وطلع الدخان في الـهوا وبص لـ بدر بـ نظرة غامضة وقال بـ نبرة تقيلة:
"اِعتبر مروان مات يا بدر.. وجهز الكفن بتاعه بـ معرفتك، عشان أنا لما بـ إيدي بـ تِتحرك.. مابقتش بـ تعرف تقف."
بدر طبطب على كتفه، ولف ضهره ودخل المبنى بـ برود، وساب عمران واقف لوحده على السلم بـ يدخن السيجارة، وعينيه مثبتة على البوابة كأنه وحش مستني فريسته تخرج!
آدم وعمار كانوا طالعين على السلم الرخام بتاع مبنى الفصول الرئيسي. آدم ماشي بـ خطواته الثابتة والباردة اللي بتزلزل الممر، وعمار جنبه عمال يتلفت يمين وشمال، بيبص على السقوف المعلقة والإضاءة الحديثة، ولغاية دلوقتي لسه مطلعش اللبانة من بوقه.
وصلوا عند مكتب شؤون الطلاب بره الفصول عشان عمار يستلم الكارنيه الـ ID الخاص بيه اللي خلص في ثواني بـ نفوذ محمود الراوي.
كانت واقفة موظفة شابّة من بتاعة العلاقات العامة، شكلها شيك وبتتكلم بـ رقة مفرطة. أخدت الكارنيه وبصت لـ عمار بـ ابتسامة لَبقة، وقالتله وهي بـ تشاور على الكود اللي في ضهر الكارت:
"أهلاً بيك يا فندم في مدرستنا.. ده الـ ID الخاص بحضرتك، وبـ الكود ده تقدر تفتح الـ Wi-Fi طول اليوم في أي مكان في الكامبوس.. والـ Wi-Fi هنا غير محدود وسريع جداً."
عمار وقف ثانية.. ملامح وشه الصايعة اتخَطفت، وبحلق في الكارت وبعدين بحلق في البنت بـ تعبير ذهول كوميدي لا يُقاوم. شال اللبانة من بوقه بـ صباعه، وميل عليها على المكتب وقال بـ نبرته الخشنة النبرة بتاعة الحارة:
"بتقولي إيه يا أبلة؟ الـ Wi-Fi إيه اللي غير محدود؟ النعمة إحنا عندنا في الدرب الأحمر الـ Wi-Fi محسود! ده إحنا لو شغلنا فيديو دقيقتين على بعض، الباقة بـ تِتكل على الله والراوتر بـ يِفرقع في وشنا من عين الجيران.. أنتِ متأكدة إن المكن اللي هنا ده مبيتحسدش؟"
البنت الموظفة عينيها وسعت وبقت تبص لـ عمار بـ بربشة وذهول كامل، مش فاهمة المصطلحات ولا الطريقة اللي بيتكلم بيها، وحست إنها واقفة قدام كائن فضائي مش طالب إنترناشونال.
آدم اللي كان واقف وراه سَند ضهره على الحيطة، وحط إيده على وشه وهو بيموت من الضحك على شكل الموظفة وعلى صياعة عمار اللي مش هتعتق حد. آدم قرب بـ برود وسحب الكارت من إيد عمار وقال لـ البنت بـ نبرته الفخمة والمبحوحة:
"ميرسي يا فندم.. متآخذيهاش، هو بس لسه مأخدش على الجو هنا."
عمار وهو بيمشي مع آدم في الممر رايحين للفصل، بصل لـ آدم وقال بـ غيظ:
"جرى إيه يا أبو الأوادم؟ أنت بـ تسحبني ليه؟ دي كانت هتديني الباسورد بتاع المكنة الكبيرة! بعدين إيه 'غير محدود' دي؟ دول عايشين في لالة لاند والنعمة.. أنا لو قعدت هنا أسبوع كمان، هنسى طعم عيش الطابونة."
آدم ابتسم ابتسامته الباردة المحترفة، وطبطب على كتف عمار وقال بـ فخامة وهو بيفتح باب الفصل:
"ادخل يا فنان.. ادخل عشان اللعبة الحقيقية هتبدأ جوه الأوضة دي دلوقتي."
عمار قبل ما يدخل الفصل مع آدم، وقف على الباب وحك قفاه بـ صياعة وقال بصوت واطي: "بص يا أبو الأوادم.. ادخل أنت السنتر ده خد حضور وغياب، وأنا هاخد لي جولة استكشافية في المكان.. الحتة دي واسعة ولازم أفهم مداخلها ومخارجها عشان لو عوزنا نِخلع بـ أي مصلحة."
آدم هز راسه بـ موافقة وساب سماعة في ودنه ودخل الفصل بـ بروده المعتاد، وعمار لَف ضهره وبدأ يتمشى في ممرات الدور التاني بـ خطوته الواثقة والصايعة.
الممر كان هادي، والكل جوه الفصول. عمار كان ماشي بـ يِدندن بـ صوت واطي، لغاية ما لقطت عينه فصل في آخر الممر، الباب بتاعه كان موارب شوية، والأنوار جواه مطفية. عمار بـ حاسة الشارع والذكاء الفطري لقط صوت وشوشة حادة وجامدة طالعة من جوه.
لصق جسمه في الحيطة جنب الباب بـ خفة زي التعالب، ورمى ودنه مع الصوت تماماً.
جوه الفصل الفاضي، كان عمران واقف ساند ضهره على السبورة، والسيجارة لسه بين صوابعه، وقاعد قدامه اتنين من البيادق بتوعه على الدكك.
واحد من العيال اللي قاعدة قال بنبرة خوف وتوتر: "بس أنا مستغرب يا عمران.. مستغرب أوي إزاي فارس رجع المدرسة بالطريقة دي؟ والاستغراب الأكبر.. إنه مماتش أصلاً بعد اللي حصل! إحنا كنا متأكدين إن الحوار انتهى."
عمران أخد نَفس من السيجارة، وطلّع الدخان بـ برود وجمود، وصوته الأجش المرعب طلع وهو بيقول: "دي مَش قصتنا يا غبي.. عاش ولا مات، المهم إن القلم اللي أخدناه المرة اللي فاتت ميتكررش. بدر كلمته واحدة، ومروان كدا كدا مبقاش تبعنا.. وجوده في وسطنا بقى خطر."
الولد الثاني رد بـ حيرة: "طب ومروان إيه ذنبه؟"
عمران طلع ضحكة باردة ومخيفة، ورمى بقية السيجارة على الأرض وداس عليها بـ جزمته، وقال بـ فخامة مرعبة:
"مروان غبي.. حمار وبـ يِعرج. حتى لما فكرنا نخلص من فارس المرة اللي فاتت وننهي وجوده، مروان مَرضيش يتدخل معانا.. خاف. قال إيه؟ قال أنا آخري أتمنر عليه، أكسر عينه بـ كلمتين، أضربه علقة ماشي.. إنما إني آذي روح أو أقتل، مابعملش كدا! اللي قلبه خفيف زي مروان ملوش مكان في لعبة بدر.. وعشان كدا، مروان لازم يموت، والمرة دي التهمة هِتلبس في فارس وصاحبه الجديد."
بره الباب... عمار عينيه وسعت لـ ثانية، وجسمه شِد.
اللبانة وقفت في بوقه ومبقاش بـ يِفرقعها. الصدمة كانت تقيلة، بس عقل عمار الصايع لقط كل حاجة بالملي. عرف إن الكلاب اللي جوه دول هما اللي قتلوا (فارس)، وإن مروان رغم قذارته طلع بريء من دم أخو آدم، وإن بدر وعمران هما اللي بـ يِدبروا للموت في المدرسة دي!
عمار رجع لورا بـ خطوات هادية من غير ما يعمل أي صوت، وعينيه اسودت بـ غضب حقيقي وجدعنة شوارع.. الغضب اللي بـ يظهر لما حد يِلمس عِرض أخوه أو صاحبه.
عدل كرافتة اليونيفورم بـ إيد بـترتعش من كتر الغل، وطلع يِجري في الممر بـ سرعة في اتجاه الفصل اللي فيه آدم، وهو بـ يِقول في سره: "وحياة جلالة الله يا بدر أنت والبلدوزر بتاعك.. لَـ اِخلي أيامكم الجاية سواد.. الحكاية مِقرتش خناقة عيال.. دي مِقرت دم يا ولاد الـ***."
عمار دخل الفصل بـ خطوة سريعة، ملامحه الكوميدية كانت اتمسحت تماماً وحل مكانها وش خشن وعينين بتطلع نار. لقط آدم وهو قاعد في الدكة الأخيرة، حاطط سماعة في ودنه وباصص من الشباك بـ برود. عمار قرب، سحب الكرسي اللي جنبه بـ عنف عمل صوت خلى ليليان وتارا يلفوا يبصوا له بـ استغراب.
عمار مَداش اهتمام لحد، ميل بجسمه كله على آدم، وإيده كانت بـترتعش من كتر الغل، وقال بصوت واطي ومكتوم يادوب آدم يسمعه:
"آدم... اِخلع السماعة دي من ودنك وفوقلي.. الحكاية طلعت وسـ*** أوي وأكبر مننا كلنا."
آدم شال السماعة بـ بطء، ولف وشه لـ عمار. أول ما شاف ملامح عمار المشدودة، عينيه الحادة ضيقت، وعرف إن صاحبه جاب القرار. آدم وطى راسه وقال بنبرة هادية ومبحوحة تخوف:
"في إيه يا عمار؟ لمحت إيه بره؟"
عمار بلع ريقه بـ صعوبة وقال والغل بـياكل في سنانه:
"أنا شوفت الواد عمران البلدوزر.. كان قاعد في فصل فاضي مع اتنين من كلابه.. رميت ودني معاهم وعرفت اللي فيها يا صاحبي. الكلاب دول هما اللي خلصوا على فارس أخوك المرة اللي فاتت! هما اللي دبروا لـ موته بأمر من بدر السيوفي عشان يِبعدوه عن البنت.. ومروان طلع حمار ملوش في القتل، لما قالوا له تعال اِقتل معانا خاف وقال أنا آخري اتنمر وبس! وعشان مروان مَرضيش يِلطخ إيده بالدم وطلع بره اللعبة... بدر وعمران بـ يِدبروا يقتلوه النهاردة ويلبسوها فيك أنت وأنا!"
في اللحظة دي... الوقت وقف في الفصل بالنسبة لـ آدم.
ملامح وشه الحادة اِتحولت لـ صخر. عينيه الحمرا اسودت بـ شكل مرعب، والنظرة الباردة اتمسحت وحل مكانها نظرة "ملك الموت" وهو بـ يِوزع الأرواح. عروق رقبتُه وإيديه ظهرت وبقت بـتنفر لبره من كتر الصدمة والغل اللي كتمه في ثانية واحدة. القاتل الحقيقي لأخوه ظهر... بدر السيوفي هو اللي دبح فارس.
عمار بص لـ آدم بـ قلق وقال: "آدم... قسماً بالله أنا مستعد أجيب مطواتي من الحارة والنهاردة بره المدرسة أفرتك بطن عمران وبدر دول.. قولي هتعمل إيه؟"
آدم أخد نفس طويل، صادق وساقع جداً صِهدُه طلع في الجو. وبـ حركة مليانة هيبة وكبرياء وثبات مرعب، عدل ياقة قميصه الأبيض، وبص لـ عمار بـ نظرة غامضة وابتسامه باردة جداً ظهرت على طرف شفايفه... ابتسامة تخلي الركب تخبط في بعضها، وقال بصوت واطي، رزين، ومليان فخامة قاتلة:
"المطواة دي شغل عيال غلابة يا عمار... وإحنا مَش هنوسخ إيدينا بـ دم كلاب. بدر وعمران فاكرين إنهم بـ يِلعبوا شطرنج... وميعرفوش إن أنا اللي بـيعت لهم الرقعة أصلًا."
آدم لف وشه وبص لـ قدام... عينه لقطت مروان وهو قاعد في الدكة الأولى، لافف الشاش على إيده وباصص في الأرض بـ كسرة وخوف، ومش داري إن الكفن بتاعه بـ يِتفصل بره بـ أمر من صاحبه بدر.
آدم ميل على عمار تاني وقال بـ نبرة خبيثة وفخمة جداً:
"مروان لازم يعيش يا عمار... مَش حباً فيه، بس لأن الكلب ده هو الشاهد الوحيد اللي هيقطع رقبة بدر وعمران. هما عايزين يِقتلوه ويلبسوها فينا؟ تمام.. إحنا بقى هننقذ مروان من تحت إيديهم، ونخليه يشوف بـ عينه غدر صاحبه... ومروان لما يخاف على روحه، هو اللي هيجيب لنا دليل إدانة بدر من تحت الأرض ويسلمهولنا على طبق دهب."
عمار فرقع اللبانة بـ صياعة وابتسم بـ لؤم: "دماغ ألماس يا أبو الأوادم.. طب والبلدوزر عمران؟"
آدم لبس نظارته الشمسية السودا بـ برود، وسند ضهره لورا بكل ثقة وكبرياء، وقال:
"عمران ده سيبهولي أنا... أنا اللي هكسر عِظامه بـ إيدي دي عشان يعرف يعني إيه يِلمس شعرة من أخويا... جهز نفسك يا عمار، الحفلة هتبدأ وقت المرواح."
الشمس كانت بدأت تغيب، ووقت المرواح جه. مروان كان ماشي مع ليليان في طريق جانبي هادي وبعيد عن زحمة البوابة الرئيسية للمدرسة. مروان كان بيتكلم بعصبية وإيده المتجبسة ساندها على صدره، وليليان ماشية جنبه متوترة وباصة في الأرض.
على بعد ميت متر بس، كانت فيه عربية مقطورة ضخمة، إزازها متفيم أسود، دايرة ومستنية على أول الطريق. جوه كابينة المقطورة، كان عمران قاعد ورا الدريكسيون بملامحه المغفلة والباردة، وجنبه الولد من شلته اللي وشه كان جايب ألوان من الخوف.
الولد بص لـ عمران وقال بنبرة بترتعش: "عمران... أنت عارف إن بدر عامل الليلة دي كلها عشان ليليان؟ المقطورة لو دخلت في مروان، ليليان واقفه جنبه بالملي... أنت كدا هتقتلها معاه! بدر لو عرف هيفرتكنا!"
عمران مرفعش عينه من على مروان، داس دبرياج ونقل الغيار ببرود مرعب، وقال بصوته الأجش وهو بيضغط بنزينة على الآخر: "ميهمنيش... المهم مروان يموت، والأوامر تتنفذ. البنت تموت أو تعيش مش قصتي."
وفي ثانية، المقطورة طلعت بـ زئير مرعب، وسرعتها زادت في لحظات وهي متجهة مباشرةً ناحية مروان وليليان!
صوت الموتور العالي وخبط الكاوتش خلا مروان وليليان يلفوا وشهم بـ خضة. عينيهم وسعت من الصدمة والرعب لما شافوا المقطورة العملاقة جاية عليهم بأقصى سرعة ومفيش مسافة للهروب، رجليها اتسمرت في الأرض من الخوف!
"ليلياااان!"
في الكسر من الثانية الأخير، ظهر آدم وعمار كأنهم انشقوا من الأرض!
آدم بـ سرعة صقر حقيقية اندفع ناحية ليليان، مد إيده القوية وشَدّها من دراعها بـ قوة غاشمة وعافية، وأخدها في حضنه ورمى جسمه وجسمها بعيد على الرصيف النجيل، ووقعت ليليان بالكامل في حضنه وهو بيحمي راسها بـ إيده.
وفي نفس اللحظة، عمار رمى نفسه بـ صياعة وجدعنة شوارع على مروان، وزقه زقة دمرت التوازن بتاعه، ووقعوا هما الاتنين في التراب الناحية التانية، بالملي قبل ما كادر المقطورة يِفرتك عضم مروان!
المقطورة عدت بـ هوى مرعب وعملت عاصفة تراب، وجريت بأقصى سرعة واختفت بين الشوارع.
الجو هدي ومفيش غير صوت تنهيد وضربات قلب بتجري. عمار قام من على الأرض، بـ ينفض بنطلونه الرمادي الفخم بـ قرف، وبص لـ آدم اللي كان لسه على الأرض وحاضن ليليان بيحميها، فـ عمار كشر وشه وقال بنبرة كوميدية صايعة وزفرة:
"جرى إيه يا أبو الأوادم؟ إشمعنى أنت يا فارس انقذت البنت الجامدة دي ووقعت في حضنك، وخلتني أنا أنقذ العبيط ده وأتبهدل في التراب بـ لبسي النضيف؟ ما كنت سيبت المقطورة تِعمل منه كفتة ونخلص!"
مروان كان لسه قاعد في التراب، مرعوب وإيده وجعاه، بس أول ما سمع كلام عمار، بصلُه بـ غضب مضحك جداً ووشه أحمر بس مكنش قادر يتكلم من كسر عينه.
في اللحظة دي، ليليان بدأت تستوعب إنها شبه حاضنة آدم بالكامل على الأرض، ونَفَسُه الرجولي السخن كان في وشها. قامت بسرعة وبـ حركة مليانة إحراج وخجل، وشها بقى أحمر زي الطماطم، وعدلت هدومها وهي بـ تترعش، وبصت لـ آدم بـ عيون مليانة دموع وعِرفان، وقالت بصوت واطي ومبحوح من الخضة: "شـ.. شكراً يا فارس.. بجد لو مكانتش موجودة أنا كنت..."
آدم وقف على رجله بـ كل ثبات وبـ برود وفخامة، منفضش حتى هدومه، بصلها بـ نظرة هادية وهز راسه من غير ما يتكلم.
وبعدين لف نظارته الحادة وبص لـ مروان اللي كان لسه على الأرض. مروان بلع ريقه بـ صعوبة، الكبرياء والغرور اتمسحوا من وشه، وبص لـ آدم بـ كسرة عين ونبرة صادقة لأول مرة في حياته وقال: "شكراً يا فارس... شكراً إنك انقذت حياتنا."
آدم وطى عليه شوية، وعينيه لمعت من ورا النظارة بـ مكر الشيطان، وقال بصوت واطي وفخم رن في ودان مروان:
"الشكر ده خليه بعدين يا مروان... لما تعرف مين اللي كان سايق المقطورة دي وعايز يخلص منك."
Ahmed Mostafa Kamel