الفصل السابع "هدوء ما قبل الصدمة "

الفصل السابع "هدوء ما قبل الصدمة "

24 0

في طرقة المدرسة المؤدية لـ الفصول، كان آدم بـ يِطلع السِلم بـ خطوات هادية ورزينة، وعينيه بـ تِمسح المكان بـ حذر بعد معركة الكافتيريا والجاردن مَ خلصت. وفجأة، اِتبدلت خطوته لـ البُطء لما لقى تارا واِقفة قدامه بـ الظبط وسادة عليه الطريق.

​ملامح تارا مكانتش بـ المكر بتاع كُل مرة؛ كان باين عليها التوتر، وعينيها فيها رغبة قوية إنها تِثبت حاجة. قَرّبت منه خطوة، وقالت بـ نبرة صوت هادية ومَكسورة لأول مرة:

"فارس.. ممكن تِسمعني ثانية واحدة؟ من غير ما تِتريق أو تِصدني زي كُل مرة؟"

​آدم وقف، حط إيديه في جيوبه، وبَص لها بـ عينين باردة كـ الثلج، وقال بـ صوته المبحوح:

"قولي اللي عندك يا تارا.. مَع إن مَش عارف إيه اللي ممكن يِتقال بـيننا تاني بعد اللي حصل."

​تارا أخدت نَفَس طويل، وحاولت تِبان صادقة وهي بـ تِبص في عينيه وقالت:

"أنا مِستعدة أتغير يا فارس.. بـجد! مِستعدة أغير كُل حاجة فيا، وأكون إنسانية تانية أحسن بكتير من حالي دلوقتي.. مِستعدة أسيب شلة بدر، وأبطل كُل اللي كنت بـ أعمله.. بس عشانك أنتَ، وعشان أكون معاك.. وأنا.. أنا آسفة يا فارس، آسفة عن أي وقت تَنمرت فيه عليك زمان أو جيت عليك، أنا كنت غبية."

​آدم مَ اِتأثرش بـ نبرة الأسف دي؛ ملامحه فضلت صلبة، وقَرّب منها وقال بـ كُل جفاف ونُصح بارد:

"أنتِ لو هـ تِتغيري يا تارا.. هـ تِتغيري لـ نفسك، عشان تِنظفي من جوه ومَ تِأذيش حد.. مَش هـ تِتغيري ليا، لأن بـ بساطة، تغيرك ده مَ يِخصنيش في حاجة."

​وش تارا اِتخطف، واِتحولت نبرتها لـ نبرة مِليانة غيرة وحقد مَكتوم، وبصت له بـ حدة وقالت بـ عصبية:

"ليه كُل الصد ده؟ قولي.. إيه المميز فيها للدرجة دي؟ إيه المميز في ليليان عشان كُل الناس تِجري وراها؟ ليه كُل المدرسة، وكُل اللي حواليا شايفين إن ليليان دي البنت المثالية اللي مَفيش منها اثنين؟!"

​آدم أول ما سِمع اسم "ليليان" بـ الطريقة دي، اِفتكر لـ ثانية واحدة أخوه فارس، واِفتكر قد إيه فارس كان بـ يِموت في ترابها وشايفها الدُنيا كلها لحد آخر نَفَس في عمره.. عيون آدم اِتحولت لـ نظرة حزن وغضب مَكتومين، وبَص لـ تارا بـ كبرياء وقوة وقال:

"عشان هي بـ الفعل مثالية يا تارا.. قلبها نظيف ومَ بـ تِعرفش تِكره أو تِغدر بـ حد، والكل بـ يِحبها لإنها حقيقية، مَش لابسة وش مِش وشها."

​تارا قَرّبت أكتر، وعينيها بـ تِلمع بـ تحدي ويأس، وقالت بـ لؤم ونبرة مسمومة:

"طب لو أنا اِتغيرت بـجد، وبقيت أحسن منها بـ مية مرة.. وجيت في يوم ووقفت قدامك.. هـ تِختار مين بـيننا يا فارس؟ هـ تِختارني أنا.. ولا هـ تِختار ليليان؟"

​آدم بَص لـ إصرارها وغباءها بـ نظرة احتقار مِخلوطة بـ سخرية، واِبتسم اِبتسامة باردة مَستفزة، وقال بـ كُل هدوء وجبروت هز كيانها:

"هـ أختار نفسي.."

​ومَداش ليها ثانية واحدة تِرد أو تِستوعب الجملة اللي كسرت كبريائها بـ الكامل؛ لَف ضهره وبـ كُل ثقة وسابها واِتخطاها على السلم، ومِشي في الطرقة بـ خطى ثابتة.

​تارا فضلت واِقفة مكانها، عينيها بـ تِطلع شرار، وإيديها بـ تِترعش من كتر الإهانة والكسرة قدام نفسها، وِعرفت إن طريقتها بـ النعامة مَش هـ تِجيب معاه نتيجة

آدم ساب تارا واِستمر في صعود السلم لحد ما وِصل للدور بتاع فصله. أول ما حط رجله في الطرقة، لَمح تجمع من الطلاب واقفين حوالين لوحة الإعلانات الكبيرة بـ يِتكلموا بـ حماس. مشي بـ خطواته الرزينة وقَرّب، وبَص على اللوحة.. لقى إعلان مِتعلّق بـ خط عريض: "رحلة مدرسية إلى مدينة الغردقة لـ مدة أسبوع".

​آدم فِضل واقف بـ يِبص للورقة بـ ملامح مَ بـ تِفسرش هو بـ يِفكر في إيه، وفي نفس اللحظة.. ظهرت سيرين من وراه بـ هيبتها المعتادة، وقفت جنبه وبصت للورقة بـ طرف عينها، وبعدين لفت وشها وبصت لـ آدم وقالت بـ هدوء:

"الغردقة؟.. مَش بطالة، أهو الواحد يِغير جو القرف والدم اللي هنا ده شوية."

​ولسه آدم هـ يِرد عليها، فجأة.. ظهر عمار من وراهم وهو بـ يِجري بـ حماس، وطرقّع لبانته بـ صياعة، وحط إيده على كتف آدم وقال بـ صوت عالي وضَحكة مِسمعة الطرقة كلها:

"إيه ده؟! رحلة للغردقة يا زميلي؟ وسبعة أيام بـ لياليها؟.. سجل عندك يا برنس، أنا راشق معاك في السفرية دي يسطا! ده إحنا هـ نِعمل قلبان هناك، والعبد لله هـ يِظبط لكم الأداء على الآخر!"

​سيرين أول ما سمعت صوته وشافت طريقته، ملامحها اِتبدلت تماماً لـ نظرة قرف واِشمئزاز مِتعودة عليها معاه. لفت جسمها كُلها وبصت لـ ورقة الإعلان بـ تعالي، وبعدين بصت لـ عمار وقالت بـ نبرتها الأوروبية الباردة واللاذعة:

"بما إن الأشكال دي راشقة ورايحة.. يبقى أنا كدا كِنسلت ومَش رايحة خالص! الرحلة دي أكيد هـ تكون مقرفة وبـ يِتدير بـ عشوائية."

​عمار حط إيده على صدره بـ صدمة مَزيفة وقال بـ تريقة:

"أنا مقرف يا برنسيسة هاي كلاس؟ طب والله ده أنتِ اللي هـ تِخسري كورس الصياعة الشواطئية اللي كنت هـ أديهولك هناك! خليكي أنتِ هنا في كآبة لندن بتاعتك دي."

​آدم وقف يِتابع حوارهم بـ اِبتسامة خفيفة مِتدارية، وِعرف إن الرحلة دي لو طلعت، هـ تكون بداية لـ حسابات تانية خالص، خصوصاً إن عيلة السيوفي أكيد مَش هـ تِفوت فرصة زي دي برا المدرسة.

بَعْد تلت أيام.. جه أخيراً يوم الرحيل المرتقب لـ رحلة الغردقة.

​قدام بوابة المدرسة، كانت أتوبيسات السفر الكبيرة واِقفة والطلاب بـ يِتحركوا حواليها بـ دوشة وحماس. آدم دخل الأتوبيس بـ خطواته الهادية ورزانته المعتادة، وِوراه سيرين بـ كُل هيبتها. اِتحركوا لحد نص الأتوبيس، وقعدوا جنب بعض على نفس الكرسيين المتقابلين بـ راحة.

​وفجأة.. الأتوبيس هدي لـ ثواني في عيون آدم لما دخلت ليليان ومعاها واحدة صاحبتها. ليليان كانت ماشية وعينيها في الأرض بـ حزن، واِتحركت لحد ما قعدت هي وصاحبتها في المقعد المقابل بـ الظبط لـ آدم وسيرين.

​أول ما قعدت، رَفعت عينها بـ تِلقائية.. فـ جَت في عين آدم.

​في اللحظة دي، الدُنيا اِتأخرت حواليهم؛ آدم بَص لها بـ نظرة عميقة، مليانة كلام مَش قادر يِقوله، وهي بَصت له بـ نفس النظرة.. بصة طويلة اِتقابلت فيها كُل مشاعر العتاب، والوجع، والأمان المِتداري جوه قلوبهم. فضلو مِثبتين عينيهم في عيون بعض لـ ثواني مرت كأنها سنين.. لحد ما ليليان مَقدرتش تِتحمل أكتر، ولَفّت وشها الناحية التانية بـ حزن وقهر مَكتوم وهي بـ تِبص من شباك الأتوبيس.

​سيرين اللي كانت قاعدة بـ تِتابع المشهد ده كُله بـ ذكائها، لَفّت وشها وبصت لـ ملامح آدم المشدودة، وبعدين بصت لـ ليليان.. وفجأة، كَسرت شخصيتها الجادة والأوروبية الصارمة، وِاِبتسمت اِبتسامة خفيفة ودافية بـ تِلمع فيها نظرة مكر ذكي، كأنها بـ تِقول لـ أخوها: "وقعت ومَحدش سمى عليك يا ابن الراوي".

​لكن اللحظة الشاعرية والهادية دي مَ كملتش..

​لإن فجأة، رِكب عمار الأتوبيس بـ لغبطته وصخب المعتاد! كان حاطط شنطة سفر تقيلة على كتف واحد، ولابس كاب مِلوّح لـ ورا بـ صياعة، وبـ يِطرقع لبانته بـ صوت مِسمع الأتوبيس كُله. أول ما عينه جَت على مكانهم، اِتمشى بـ ضحكة واسعة وقعد في الكرسي اللي وراهم علطول.

​سيرين أول ما شافته بـ المنظر ده، لَفّت وشها ليه بـ لَمح البصر، وبصت لـ الكاب ولـ طريقته بـ قرف واِشمئزاز حقيقي، وقالت بـ نبرة لاذعة:

"أنا مَش عارفة إحنا رايحين رحلة مع المدرسة.. ولا رايحين سوق الجمعة بـ الأشكال دي؟ اِرحمنا من صوت اللبانة المقرف ده شوية!"

​عمار مَ اِتمسكش، وطرقّع لبانته بـ صوت أعلى بـ قصد وهو بـ يِضحك بـ صياعة، وبص لها من فوق لـ تحت وقال بـ تريقة كالعادة:

"جرى إيه يا برنسيسة لندن؟ ده كاب الماركة يا جـاهلة بـ أصول الموضة الشاطئية! وبعدين لبانتي دي هي اللي بـ تِظبط لي ريتم الدماغ في السفر.. خليكي أنتِ كدا قَافلة ومنشفة دماغك لحد ما تِوصلي هناك وتِتحمري من الشمس ونِضحك عليكي!"

​آدم أخد نَفَس طويل وِابتسم بـ خفة وهو بـ يِسمع مناقرتهم، في حين إن عينه مَ نزلتش من على اِنعكاس وش ليليان الحزين على إزاز الشباك.. والرحلة يدوب بـ تِتحرك، بس المؤشرات بـ تِقول إنها هـ تكون رحلة مَش هـ تِتنسي بـينهم

بعد كام ساعة من المشي على الطريق الصحراوي، السواقين دخلوا الأتوبيسات في أول بنزينة كبيرة عشان الاستراحة والطلاب ينزلوا يفكوا رجليهم ويشتروا حاجات. الأتوبيسات وقفت، والباب اتفتح، وبدأ الطلاب ينزلوا ويزحموا المكان، وكان من ضمنهم أتوبيس شلة بدر اللي واصلين في نفس التوقيت.

​بدر السيوفي نزل من الأتوبيس بتاعه بـ كبرياؤه المعتاد، وحواليه شلته ورجالته بـ يحاوطوه كأنه ملك. وقف يمسح المكان بعينيه الحادة، وفجأة، لمح ليليان وهي نازلة من الأتوبيس التاني. بدر ركز معاها، ولاحظ إنها مكانتش رايحة مع بقية الطلاب ناحية السوبر ماركت، بل كانت ماشية بـ خطى سريعة وتايهة، ولفت ورا مبنى البنزينة في حتة ضلمة ومعزولة عن الزحمة.

​بدر ساب شلته من غير ولا كلمة، واِتحرك وراها بـ خطوات سريعة وعينيه بـ تلاحق طرف فستانها. ولما لف ورا المبنى، وقف مكانه لثواني؛ لقى ليليان واقفة لوحدها، ساندة بـ إيدها على الحيطة، وبتعيط بـ قهر ودموعها مغرقة وشها.

​قلب بدر اِتحرك بـ غل وعشق مريض في نفس الوقت، قرب منها بـ خطوات بطيئة عشان مَ يلتفتش انتباهها، ولما بقى وراها بـ الظبط، قال بـ نبرة صوت ناعمة ومَليانة حنية مَزيفة:

"ليليان؟.. مالك؟.. بتعيطي ليه في الحتة المقطوعة دي لوحدك؟"

​ليليان اتخضت ولفت وشها بـ سرعة، ومسحت دموعها بـ إيد تِترعش، وحاولت تبعد عنه وهي مخنوقة:

"مفيش حاجة يا بدر.. سيبني لوحدي أرجوك، أنا عايزة أفضل لوحدي شوية."

​بدر قرب منها خطوة ومنعها تبعد، وبص في عينيها الحمرا من العياط وقال بـ اهتمام:

"مش هـ أسيبك وأنتِ بـ الحالة دي.. أتمنى من كُل قلبي مَ أكونش أنا السبب في دموعك دي بـ سبب خناقة المدرسة.. بس حتي لو أنا السبب في زعلك.. أنا آسف يا ليليان، مستعد أعمل أي حاجة عشان أشوف اِبتسامتك تاني، أنتِ عارفة قيمتك عندي إيه."

​ليليان بصت له بـ نظرة مليانة وجع ولخبطة، حست إن الدُنيا كُلها بـ تضغط عليها، وبـ دافع اليأس والكسرة اللي جواها، بصت في عينيه وقالت بـ صوت مكسور بس قاطع صدم كيانه:

"عارف يا بدر؟.. أنت مش السبب في عياطي.. السبب الحقيقي إني تعبانة.. تعبانة لدرجة إني مَ بقتش قادرة أداري أكتر من كدا.. أنا بـحب فارس يا بدر! بـحبه بـ كُل جوارحي وقلبي مَش شايف غيره في الدُنيا دي.. بس الوجع الأكبر، إن فارس مش بـ يبادلني نفس الإحساس، وشايفني مجرد وهم أو كدبة في حياته!"

​الكلمات نزلت على راس بدر كأنها صاعقة من السماء! الدم جمد في عروقه، وعينيه وسعت بـ صدمة وذهول مرعب، والغل والغيرة عموا قلبه في ثانية.. البنت اللي بـ يِموت في تراب رجليها ومنامش ليلتين بـ سببها، بـ تقف قدامه وبـ كُل عين قوية بـ تعترف بـ عشقها لـ خصمه اللدود "فارس"!

​بدر ملامحه اِتحولت لـ وحش كاسر، وعروق رقبته برزت من شدة العصبية، وقرب منها بـ غشومية وِلسا هيزعق لها ويفرغ كُل الغل اللي جوه قلبه فيها.. فجأة، حركته اتجمدت!

​لمح من بعيد سيرين الراوي وهي جاية بـ خطواتها الواثقة والهادية وبـ تدور بعينيها على ليليان. بدر عرف إن سيرين لو شافته واقف كدا وِبيتعافى على ليليان، الدُنيا هـ تِتفرتك في البنزينة وهـ تِعمل معاه جولة تانية قدام المدرسة كلها.

​بدر كتم غيظه بـ العافية، وبص لـ ليليان بـ نظرة كلها وعيد وِانتقام مَكتوم، وسابها ولَف ضهره ومِشي بـ سرعة واِختفى وسط زحمة الطلاب قبل ما سيرين تِوصل.

​ليليان أخدت نَفَس طويل ومسحت وعينيها وهي بـ تِترعش، وسيرين قربت منها بـ قلق مِتداري ورا هيبتها عشان تشوف مالها

سيرين قَرّبت بـ خطواتها الهادية، ووقفت جنب ليليان بـ الظبط وظهرها مفرود. رَبّعت إيديها وبصت قدامها بـ برود مِتداري وراه كمية حنان وأخوة رهيبة، ولفت راسها بـ بطء وبصت لـ عيون ليليان المِليانة دموع، وقالت بـ صَوتها الرزين المؤثر:

​"ليليان.. اِسمعيني كويس وبـ كُل جوارحك.. أنتِ غبية لو فاكرة إن آدم مَ بـ يِحبكيش! آدم حبّك بـالفعل.. ومن كُل صميم قلبه يا ليليان.. آدم لو مش بـ يِموت فيكي وبـ يِحترمك، مَكنش هـ يِخاطر بـ كُل خطته وبـ حياته ويِقف قدامك في المقابر ويِعرفك حقيقة إنه (آدم) مَش فارس.. الاعتراف ده لوحده كان كفيل يِخسره كُل حاجة، بس هو ضحى بـ كُل ده عشان مَ يِكدبش على البنت الوحيدة اللي دخلت قلبه."

​ليليان بصت لها بـ صدمة ودموعها وقفت لـ ثواني، وسيرين اِتنهدت بـ وجع وِكملت كلامها بـ نبرة مَليانة شجن:

"آدم عمره في حياته مَ حب حد بـ الطريقة دي، ولا هـ يِحب.. بقاله خمس سنين كاملين وهو قلبه مِكسور ومَشلوخ من جوه.. ولما فارس مات، وأخويا آدم راح بـنفسه المشرحة وشاف منظره وهو مِيت، نفسيته اِتدمرت بـ الكامل ومَابقاش باقي على الدُنيا.. يمكن آدم مَ حسش بـ طعم الحنان أو الأمان في حياته كلها غير لما أنتِ ظهرتي في وسط عتمته ونورتي حياته."

​ليليان نزلت راسها والدموع رجعت تِنزل تاني بـ حرقة، بس سيرين مَ سِكتتش؛ قَرّبت منها أكتر وقالت لها بـ نبرة صدمتها:

"وعلى فكرة يا ليليان.. لازم تِعرفي إن آدم قالي على كُل كلمة دارت بـينكم، وقالي إنه اِعترفلك بـ كُل حاجة في المقابر.. آدم عمره في حياته مَ خَبى عني حاجة واِستحالة يِخبي.. آدم حتى لما أنا كنت عايشة في لندن وهو كان مِرمي في وسط فقر الدرب الأحمر، بعد ما أبونا محمود الراوي طردنا كُلنا من البيت وتبهدلنا.. عمره مَ فوت يوم واحد بـ كُل قسوته، من غير ما يِكلمني ويِطمن عليا ويِكون سندي وهو في عز وجعه."

​سيرين سكتت لـ ثواني، وبصت لـ عيون ليليان بـ نظرة أخيرة قاطعة وقالت:

"البني آدم اللي ضحى بـ كبريائه وبـ سره عشانك، ومَ بـ يِسبش أخته في عز جحيمه.. اِستحالة يكون بـ يِلعب بيكي يا ليليان.. فكري بـ قلبك مَش بـ صدمتك."

​وسابتها واِتحركت بـ كُل هيبتها ورجعت ناحية الأتوبيس، وسابت ليليان واِقفة في الاستراحة وعقلها بـ يِلف بـ مية فكرة، ونظرتها لـ آدم اِتبدلت تماماً

بعد ما الكل رجع ركب الأتوبيس تاني عشان يكملوا السكة للغردقة، الأجواء رجعت تدب فيها الحركة. سيرين دخلت وهي شايلة في إيدها شنطة كبيرة مليانة كُل أنواع الشوكولاتات، والبيبسي، والعصاير اللي تِفتح النفس. اِتمشت بـ خطواتها الواثقة لحد ما وصلت عند الكرسي بتاع ليليان، وبـ كُل هدوء حطت الشنطة قدامها على الطرابيزة بـ صمت.

​ليليان بصت لـ الشنطة بـ استغراب، ورَفعت عينها لـ سيرين، فـ سيرين مَ ردتش بـ كلام.. بس لَفّت راسها وبصت لـ آدم بـ نظرة ذات معنى، وآدم ركب مكانه في الكرسي المقابل بـ كُل هدوء وهو بـ يِبص من الشباك وبـ يِدعي اللا مبالاة، بس ليليان بـ قلبها عرفت إن الشنطة دي طالعة من تحت إيد آدم ومن تفكيره فيها.

​بعد حبة وقت، والأتوبيس بـ يِشق الطريق، آدم أخد نَفَس طويل وطَلّع موبايله من جيبه. فتح الـ (Gallery) وبدأ يِقلب بـ صوابعه بـ حزن وِشجن مَكتوم في صور أخوه التوأم فارس.. كان بـ يِبص لـ ملامح أخوه اللي مات غدر بـ غل وِاشتياق يِقطع القلب.

​في اللحظة دي.. تارا كانت قاعدة بـ تِموت من غيظها وِغيرتها وراهم، ومَقدرتش تِكتم النقص اللي جواها أكتر من كدا. قامت من مكانها بـ خطوات مِستفزة، وقفت ورا كرسي آدم وبصت على شاشة الموبيل بـ لؤم، وقالت بـ صوت عالي سَمّع الأتوبيس والطلاب كُلهم بـ تريقة:

"هو أنتَ من كتر النرجسية والغرور اللي بقوا عندك دول.. بقيت بـ تِقعد تِتفرج على صور نفسك يا فارس؟.. للدرجة دي شايف إن مَفيش زيك؟"

​آدم مَ رَدش عليها بـ ولا كلمة، ولا حتى لَف راسه يِبص لـ وشها.. فضل بـ كُل برود وجبروت مِثبت عينه على صورة أخوه.

​لكن اللي مَ سِكتتش كانت سيرين!

​سيرين قامت من مكانها كأنها بركان اِتفجر بـ لمح البصر. وبـ حركة سريعة ومفاجئة مَحدش اِستوعبها، قَرّبت من تارا، وِمَسكت بق تارا بـ كُل غل وقسوة بـ إيدها اليمين وضغطت على سنانها لـ درجة إن تارا مَقدرتش تِنطق حرف، وبصت في عينيها بـ نظرة مَوت مرعبة، وقالت بـ فحيح صوت مَسموع وقاطع:

"أنا مَش قلت لك قبل كدا.. ومَليت عينك كويّس.. إني مَش عايزة أشوف وشك المِقرف ده، ولا أسمع صوتك بـ يِنطق كلمة واحدة مع فارس؟! أنتِ مَ بـ تِفهميش برضه؟!"

​وبـ كُل قوتها وغضبها.. زقتها زقة طرش حَدفتها وجابتها الأرض بـ طيران في ممر الأتوبيس قدام عيون الطلاب والكل واقف مِذهول ومِرعوب!

​تارا وقعت في الأرض بـ ذل وإهانة كَسرت عينها كلياً، ومَسكت بقها وهي بـ تِعيط من الوجع والكسرة قدام الكل، وسيرين لفت وقعدت في مكانها بـ كُل هيبة وبرود أوروبي، ورجعت حطت رجل على رجل كأن مَفيش أي حاجة حصلت

أخيراً، الأتوبيسات وصلت مدينة الغردقة بعد رحلة سفر طويلة.. الأتوبيسات وقفت قدام بوابة الفندق الفاخر المطل على البحر، والطلاب بدأوا ينزلوا بـ حماس وصخب عشان يستلموا مفاتيح الأوض.

​التقسيم اِتعمل على شكل جروبات؛ ليليان وسيرين كانوا مع بعض في أوضة واحدة واسعة ومطلة على البحر، وآدم وعمار خدو مفتاح أوضتهم سوا كـ جروب، وفي الجانب التاني كان بدر وعمران في أوضة تانية لوحدهم والأجواء بينهم كانت لسه مشحونة بـ صمت غريب.

​بعد حوالي ساعة كاملة من الراحة وتغيير الهدوم، بدأ الكل يِنزل يتجمع على الشاطئ عشان يِستمتعوا بـ شمس الغردقة والبحر الأزرق.

​آدم كان واقف على الرملة بـ هيبته ورزانته، لابس قميص صيفي خفيف وفاتح أول كام زرار منه، وعينيه بـ تِلمع بـ هدوء وهو بـ يِبص للبحر. فجأة.. جرى عليه عمار ووقف جنبه بـ الظبط، بس ملامح وش عمار كانت غريبة وصادمة! عينيه اِتفتحت على آخرها واِحمّرت من كتر البرق، وبُقه اِتفتح بـ بلاهة وذهول وهو بـ يِبص على الشاطئ، ومال بـ راسه على آدم ووشوشه بـ صوته الواطي الصايع:

"الحق.. الحق يسطا يا آدم!!.. بكيني!!.. بكيني بكيني بكيني ياض!!"

​آدم لَف راسه وبص لـ وش عمار المصدوم والمنبهر ده، ومَقدرش يِمسك نفسه؛ حط إيده اليمين على وشه وبدأ يِضحك بـ صوت عالي وجامد من قلب لأول مرة، وقال بـ صوت واطي وهو بـ يِزقه بـ خفة:

"يخرب بيتك يا عمار!.. يبني اِسكت واِتلم، فضحـتنا قدام الناس اللي واِقفة حوالينا دي كلها!"

​عمار لَف وشّه لـ آدم بـ اِعتراض وحماس أعمى، وطرقّع لبانته بـ سرعة وقال بـ صوت واطي مَسموع ليهم بس:

"اِسكت إيه يا آدم بس وحد الله في قلبك! اسكت إيه يا زميلي؟.. طب بَص.. بَص البنت اللي واِقفة هناك دي بـ السلمندر بتاعها.. دي حرفياً هربانة من فيديوهات هروب العجول بتاعة عيد الأضحى! أنا مَش عارف دي لابسة بكيني إزاي ومِقتنعة بـ نفسها كدا! دي لو نزلت المية هـ تِعمل تسونامي يِغرق الغردقة بـ اللي فيها!"

​آدم رَجع ضحك تاني بـ قوية على تشبيهات عمار القاتلة، وبص له وقال بـ نبرة هادية عشان يِعقلّه:

"اِثبت كدا يا فارس الحارة واِسترجل.. وخليك فاكر إحنا وسط الناس هنا، اِسمي فارس يا زوفت مَش آدم.. ركز في الكلام لـ نِروح في داهية بـ سبب البكيني بتاعك ده!"

​عمار عدّل الكاب بتاعه بـ صياعة وقال: "حاضر يا عم فارس.. بس برضه العجول هربانة على الشط رسمي والعبد لله نظره بـ يِضيع!"

​وفي وسط ضحكهم وصياعتهم دي، عين آدم بدأت تِتحرك بـ حذر على الشاطئ بـ يِلمح مكان سيرين وليليان عشان يِشوف الأجواء واصلة لـ فين

جوه الأوضة الخاصة بـ بدر وعمران في الفندق.. الأجواء كانت خنقة والضلمة مغطية المكان، مفيش غير خيط الدخان الأزرق اللي طالع من سيجارة عمران.

​بدر السيوفي كان واقف قدام الشباك، عينه على الشاطئ والغل بـ يِأكل في قلبه وهو بـ يِفتكر منظر ليليان وهي بـ تِعترف بـ حبها لـ "فارس"، ولَف بـ ملامح مريضة ومَليانة دَم، وبَص لـ عمران اللي قاعد على طرف السرير، وقال بـ صوت واطي وحاد كأنه بـ يِصدر أمر إعدام:

"أنا عايزك تِقضي على فارس الراوي يا عمران.. عايزك تِقتله، وتِنهي حكايته خالص في السفرية دي!"

​عمران بَص له من ورا دخان سيجارته بـ عينين جامدة مَ بـ تِرمشش، ومَلامحه مَ اِتأثرتش بـ الجملة، ونفخ الدخان بـ برود قاتل وقال بـ نبرة خشنة ومكتومة:

"عيني.. بس كدا؟ من عينيا يا بدوري."

​وبـ كُل هدوء، رَمى عمران راسه لـ ورا وسندها على ضهر السرير، وِغمض عينيه.. وفي ثانية، عقلة سَحب شريط ذكريات أسود مِليان ذل وِانكسار من تلات سنين فاتوا..

​(( فلاش باك - من تلت سنين ))

​الجو كان شتا وساقعة جداً قدام باب مستشفى حكومي مِتبهدل. عمران كان واقف بـ هدومه المِقطعة بتاعت (فرد أمن)، وبـ يِنهج وضامم أخته الصغيرة بـ إيديه لـ صدره بـ كُل قهر، والدموع مغرقة وشه وهو بـ يِصرخ في الدكاترة والممرضين عشان حد يِرضى يِستقبلها أو يِنقذها، بس مَحدش كان بـ يِعبره.

​فجأة.. ظهر من وراه بدر السيوفي بـ لبسه الغالي وعربيته الفخمة وهي واِقفة وراه. بدر بَص لـ منظر عمران بـ كبرياء، وقال بـ نبرة فيها سَيطرة:

"هات أختك دي.. وتَعالى ورايا حالا."

​عمران مَ فكرش مرتين؛ رِكب معاه، وبدر خَدهم وِوداهم لـ مستشفى اِنترناشيونال فخمة جداً. الدكاترة جِريوا بـ أخت عمران ودخلوها أوضة الكشف بـ سرعة بـ سبب اسم عيلة السيوفي وفلوسهم.

​عمران كان واقف بـ يِترعش، ولَف وشّه لـ بدر وقال بـ كُل اِمتنان وِانكسار:

"أنا مَش عارف أقولك إيه.. شُكراً.. شكراً بـجد إنك لِحقت أختي."

​بدر بَص لـ ملامح عمران المِتبهدلة بـ كُل برود ونظرة تعال نرجسية، وقاله بـ لؤم:

"وأنتَ فاكر إني هـ ألحق أختك دي بـ المَجان يا شاطر؟.. أنتَ كدا كدا شكل سنك لسه مَ عدّاش العشرين."

​عمران بَص في الأرض وقال بـ قلة حيلة:

"أنا عندي 17 سنة.. وبـ أصرف على أختي بـالعافية لإن أبويا وأمي متوفيين ومَلناش حد في الدنيا دي غير ربنا."

​بدر اِبتسم اِبتسامة شريرة، وحط إيده في جيبه وقال بـ فحيح واطي:

"تمام أوي.. أنتَ من النهاردة هـ تِنضم للمدرسة بتاعتي.. وهـ تكون الكلب بتاعي! تِحميني من أي حد يِقرب مني، وتِفرتك أي حد يِرفع عينه فيا.. تِكون ضلي اللي مَ بـ يِفارقنيش."

​عمران اِتسمر مكانه، والدموع اِتجمدت في عينيه من كمية الإهانة، وبص لـ بدر بـ صدمة وعزة نفس بـ تِنازع وقال بـ حدة:

"أنا مَش هـ أكون كلب لـ حد يا بدر.. أنا بـ اشتغل بـ شرفي!"

​في اللحظة دي.. باب أوضة الكشف اِتفتح، وطِلع الدكتور ومَلامحه قلقانة، وبَص لـ عمران وقال:

"يا كابتن.. أختك عندها مرض خطير ومتقدم في الجهاز العصبي، ومَحتاجة عملية جراحية سريعة بـ أجهزة خاصة.. والعملية دي هـ تِتكلف فوق الـ مليون جنيه حالا وإلا هـ تِروح مننا!"

​الرقم نزل على دماغ عمران كـ المَرزبة.. مليون جنيه! وهو مَ عاوش تمن عشا ليلته!

​بدر بَص لـ دموع عمران وسخر منه، ولَف ضهره وبدأ يِمشي لـ برا المستشفى بـ كُل لا مبالاة. عمران عقله طار، وبـ كُل ذل واِنكسار جِرى وراه وهو بـ يِبكي بـ قهر ويِصرخ وِيركع قدامه:

"بدر!!.. بدر أرجوك اِستنى!.. هـ أعملك كُل اللي أنتَ عايزه! هـ أكون كُل اللي أنتَ عايزه.. بس اِنقذ أختي! اِنقذها ومَ تِسبهاش تِموت!"

​بدر وقف بـ خطواته البطيئة، ولَف وشّه لـ عمران، وبَص لـ ركوعه واِنكساره بـ نظرة شريرة مَليانة نرجسية وانتصار مريض، وعرف إنه من اللحظة دي.. اِشترى روح عمران البلدوزر بـ فلوسه!

​(( عودة للواقع ))

​عمران فِتح عينيه بـ بطء في ضلمة أوضة الفندق.. بَص لـ ضهر بدر اللي لسه واِقف عند الشباك، واِبتسم اِبتسامة حادة وباردة كـ المَوت، وضغط على السيجارة بـ إيده الضخمة لحد ما طفاها تماماً، وقال في سره بـ غل سِنين:

"تلات سنين وأنا مستحمل ذُلّك عشان أختي يا بدر.. بس الدليل اللي في جيبي النهاردة هـ يِخليك أنتَ اللي تِركع تحت رجلي.. والكلب اللي أنتَ صَنعته بـ إيدك، هو اللي هـ يِقفل حبل المَشنقة على رقبتك

على الشاطئ وسط الأجواء الصيفية وصوت الموج، كان آدم قاعد على الشازلونج بعيد شوية عن الهيصة. ساند ضهره، وماسك موبايله بـ إيد تِترعش خفيف وهو بـ يِقلب في الصور القديمة.. لحد ما صابعه وقف عند صورة مَحدش في المدرسة يتخيل إنها موجودة.

​صورة قديمة جداً جمعت العيلة كلها قبل الشتات؛ كان فيها هو، وسيرين، وفارس، وأمهم ياسمين الراوي، وفي النص كان واقف أبوهم محمود الراوي.. محمود كالعادة بـ ملامحه الجادة الصارمة اللي زي الصخر، حتى في الصور العائلية مَعرفش يِتصنع الهدوء أو يِبتسم وسط عياله، كان دايماً بـ يِصدر هيبة مريضة بالتحكم.

​آدم بَص لـ ملامح أخوه فارس الصغير في الصورة.. وفي ثانية، غاب عن الشاطئ والبحر، وعقله سِحبه لـ يوم أسود عاشوه في قصر الراوي من سنين..

​(( فلاش باك - يوم تشتيت العيلة ))

​الجو كان كئيب قدام بوابات قصر محمود الراوي الكبيرة. فارس كان واقف لوحده، جسمه الصغير بـ يِترعش والدموع مغرقة وشه وهو بـ يِبص لـ أغرب وأقسى مشهد ممكن طفل يِشوفه.

​على الجانب اليمين، كانت خالته ماسكة إيد آدم وبـ تِجره بـ سُرعة وبـ تِاخد شنطه برا البوابة رايحين على فقر الدرب الأحمر.. وعلى الجانب الشمال، كانت سيرين مِركبينها عربية سوداء فخمة مع السكرتيرة الخاصة بـ محمود الراوي عشان تِاخدها وتِطلع بيها على المطار وتسافر لندن بـدون رجعة.

​فارس كان واقف في النص بـ يِبكي بـ قهر ويِصرخ بـ صوته الضعيف عشان مَ يِمشوش ويِسيبوه لوحده في الجحيم ده.

​في اللحظة دي.. ظهر من وراه بـ كُل جبروت وقسوة محمود الراوي. وقف جمبه وبَص لـ دموعه بـ نظرة احتقار وخيبة أمل، وقال بـ صوته الجهوري الحاد:

"أنتَ بـ تِعيط على إيه يا فارس؟.. أنتَ بـ تِعيط ومَش فاهم إنك أنتَ السبب الحقيقي في إنهم مِشيوا واِتطردوا من هنا؟!"

​فارس بَص لـ أبوه بـ رعب وِدموع، ومَقمدرش يِنطق، فـ كِمل محمود الراوي بـ قسوة تِخرم القلوب:

"أنا مَشيتهم وبَعدتهم عن القصر ده كُله.. عشان مَش عايز أحسسك طول ما أنتَ عايش إنهم أحسن منك وأعلى منك في كُل حاجة!.. لإنك بـ بساطة أضعف وأفشل واحد في إخواتك التوأم الثلاثة.. أنتَ حتة العجين الضعيفة اللي فيهم!"

​محمود نزل بـ نظرته المسمومة لـ ملامح فارس المكسورة، وقال بـ كُل جفاء ونرجسية:

"عارف يا فارس؟.. أنا لو كنت أعرف يوم ولادتكم إنك هـ تِكبر وتِطلع بـ الضعف والـخوف والـخيبة دي كلها.. أنا كنت قتلتك بـ إيدي يوم ولادتكم أنتوا التلاتة وِخلصت منك!"

​الكلمات دي نزلت على قلب فارس الطفل كأنها دبحته وهو صاحي، وفِضل واقف يِنزف بـ دموعه وهو بـ يِشوف إخواته بـ يِختفوا من قدام عينيه لـ الأبد بـ سببه!

​(( عودة للواقع ))

​آدم قفل الموبايل بـ قوة وضغط عليه بـ صوابعه لحد ما عروق إيده برزت بـ كُل غل. أخد نَفَس حامي مِليان بنار الانتقام، وبَص للبحر وعينيه بـ تِطلع شرار، وقال لـ نفسه بـ صوته المبحوح والعميق:

"لولا موت فارس.. ولولا حق أخويا اللي مَات مَكسور بـ سببك وبـ سبب تربيتك المريضة دي.. مَكنتش عمرى حطيت إيدي في إيدك يا محمود يا راوي.. أنتَ بني آدم مَ تِستحقش حتى تِنطق كلمة أب، وحسابك معايا هـ يكون ألعن من حساب بدر

في وسط الأفكار السوداء والغل اللي كان مالي دماغ آدم وهو بيبص للموبايل، فجأة.. الجو هدي حواليه تماماً ونور الشمس لمع في عينيه لما لَمح ليليان وهي بـ تِعدي بـ خطوات هادية من قدام الشازلونج بتاعه.

​ليليان وقفت لـ ثواني.. ولأول مرة من وقت ما اِعترف لها بـ حقيقته في المقابر، ولأول مرة من بعد ما صدمة الكدبة كَسرتها.. لَفّت وشها وبصت في عينيه بـ صَفاء، وِارتسمت على وشها ابتسامة دافية ورقيقة.. ابتسامة كانت بـ تِقول له فيها إن كلام سيرين وَصل لـ قلبها، وإنها بـدأت تِعذر الوجع اللي عاشه.

​آدم اِتسمر مكانه، وملامحه الصلبة اِتبدلت بـ لمح البصر.. وبَص لـ عينيها وِرد ليها الابتسامة بـ كُل حنان وراحة ظهرت على وشه لأول مرة من سنين.. وكأن الابتسامة دي كانت العهد الجديد اللي بـ يِتبني بـينهم على مية بيضا.

​لكن كالعادة.. مَفيش لحظة هادية بـ تِكمل في وجود عمار!

​عمار جِرى على آدم وطرقّع لبانته بـ صياعة، وبص للبحر وقال بـ ملل وفصلان:

"جرى إيه يا عم الرومانسي؟.. فكك من النظرات دي دلوقتي وتعالى ننزل المية نعوم شوية.. أنا زهقان وطقت في دماغي نِبل بطننا، بقالنا ساعة على الشط والعبد لله لسه مَ عمتش ولا نِزلت صباعه الصغير في البحر!"

​آدم لَف وشّه لـ عمار وهز راسه بـ قلة حيلة وهو بـ يِبتسم، وقال بـ صوته المبحوح:

"ماشي يا سيدي.. تعالى ننزل لما أشوف آخرة صياعتك دي إيه."

​الاثنين قاموا واِتحركوا على الرملة ونزلوا البحر.. عمار دخل بـ حماس وسط المية، ومِشي حبة لحد ما المية بـ الظبط وِصلت عند صدره ومَ عديتش الرقبة حتى، وكان آدم مِاديه ضهره وبـ يِغسل وشه بـ المية وهادي.

​فجأة.. عمار عينيه وسعت بـ رعب مَزيف وصاح بـ صرخة عالية ومفزوعة هزت الشاطئ كُله:

"الحقنيييي يا فارس يا راوي!!.. الحقني ياض أنا مَ بـ أعرفش أعوم أساساً!!.. هـ أغرق يا زميلي الحق عيال الحارة بـ تِضيع!!"

​الطلاب والناس اللي كانوا واِقفين على الشاطئ وبـ يِعوموا حواليهم، أشول ما شافوا منظر عمار وهو بـ يِصوت ويِلطم في المية وهي يدوب عند صدره ومَ عدّتش رقبته، اِتفرطوا من الضحك عليه، وصوت ضحكهم مَلى المكان على منظره الكوميدي.

​آدم لَف وشه بـ بطء، وبَص لـ شكل عمار وهو بـ يِلوّش بـ إيديه في المية، ومَقدرش يِمسك نفسه من الضحك؛ وبص له بـ طريقة مضحكة وبـ صوت عالي سَمّع الكل وقال بـ تريقة:

"مش لازم تِعلي صوتك وتِصوت وتِفضحنا كدا يا غبي!.. المية عند صدرك أصلاً وأنا واِقف جنبك وسامعك من غير الـشوشرة دي كُلها!.. اِثبت وبطل هبل!"

​عمار وقف ونفض المية من على وشه وقال بـ صياعة: "طب مَ تقول كدا من الصبح يا فنان.. خفت الأكوامان اللي جوايا يِطلع وِيغرق الغردقة!"

​الضحك والهزار رجع دَب بين آدم وعمار، وفي نفس الوقت كانت عيون ليليان بـ تِتابع آدم من بعيد وهي مَبسوطة بـ ضحكته الصافية دي لأول مرة

آدم نفض المية من على شعره بـ رجولة، وطِلع من البحر بـ خطوات ثابتة خلت كُل الأنظار تِتجه ناحيته بـ الهيبة الطبيعية اللي فيه.

​في الجانب التاني من الشاطئ، كانت تارا قاعدة وبـ تِتابع خروجه من المية بـ نظرات مَليانة إعجاب مَكشوف؛ عينيها مكانتش قادرة تِداري اِنبهارها بـ هيبته وجاذبيته، وفضلت مِثبتة عينها عليه بـ جرأة.

​لكن ليليان لَمحت البصات دي بـ ذكاء الأنثى، وعرفيت إن تارا بـ تحاول تِقرب بـ عينيها. بـ لمح البصر، وبـ كبرياء ودلال ثقيل، ليليان قامت من مكانها بـ خطى واثقة، وقَربت من آدم بـ كُل أريحية وهي بـ تِبتسم له اِبتسامة واسعة ودافية، وقفت قدامه بـ الظبط وسدت خط رؤية تارا عشان تِعلم على مكانها في حياته.

​ليليان بدأت تِتكلم معاه بـ نعومة وتِضحك بـ صوت هادي مَسموع ليهم، وقالت له وهي بـ تِبص في عينيه:

"نِعيمًا يا فارس.. البحر شكله كان حلو واللعب مع عمار مَ بـ يِخلصش."

​آدم بَص لـ عينيها اللامعة، وفِهم بـ ذكائه حركة "الغيرة" اللطيفة اللي هي عِملتها قدام تارا، فـ اِبتسم اِبتسامة رجولية هادية، وقَرّب منها خطوة وبص لها بـ نبرة صوت حنينة ومبحوحة، وقالها في نص الكلام:

"المية كانت حلوة فعلاً.. بس هـ تِكون أحلى بكتير بليل.. إيه رأيك نِخرج سوا بليل نِتمشى في الغردقة لوحدنا؟"

​أول ما آدم قال الجملة دي.. عقلا وشريط ذكريات ليليان سِحبها لـ ورا بـ ثانية كاملة لـ يوم مَ يِتنسيش في حياتها.. اِفتكرت اليوم اللي خَدها فيه بـ عربيته بـ كُل أمان، واِفتكرت شكل بوكيه الورد الصغير الرقيق اللي جابهولها بـ إيديه، وقعدتهم سوا على الكافيه والوقت اللي مر كأنه ثواني من كتر الراحة بـ وجوده جنبها.

​ليليان رِجعت من الذكرى دي والابتسامة زادت على وشها، وبصت في عيون آدم بـ كُل ثقة وحب مِتداري، وقالت له بـ نبرة رقيقة:

"مِوافقة طبعاً.. تمام، هـ أستناك بليل."

​تارا من بعيد كانت واِقفة هـ تِولع من كتر الغِل والكسرة، وهي بـ تشوف ليليان بـ تاخد آدم في حتتها بـ كُل سهولة، في حين إن آدم لَف وشّه وبَص لـ البحر وهو مِطمن إن قلبه بَدأ يِرجع له النبض من تاني

بليل.. الأجواء في الغردقة اِتبدلت تماماً؛ الجو بقى هادي ومِليان بـ نسمات الهوا الباردة اللي بـ تِاخد الروح، والسما كانت صافية والنجوم مِغرّقاها فوق البحر.

​آدم كان واقف قدام باب الفندق الكبير بـ خطواته الرزينة وهيبته الطاغية.. كان لابس قميص أسود شيك جداً ومظبوط عليه، ومَلامحه فيها ترقب وهدوء مَ عشهومش من زمان وهو بـ يِستناها.

​وفجأة.. الزمن وقف في عيون آدم!

​الباب اِفتح، وِنزلت ليليان بـ خطوات هادية ورقيقة خطفت أنفاسه بـ الكامل. كانت لابسة فستان صيفي رقيق جداً وِمتفصل عليها بـ شياكة، شعرها كان مِفرود على كتافها وبـ يِتحرك مع الهوا، وملامحها كانت هادية ومِبتسمة.. شكلها حرفياً كان كأنها أميرة هربانة من فيلم رومانسي عالمي، أو نِجمة نِزلت من السما عشان تِنور عتمة دنيته.

​آدم اِتسمر مكانه، وعينيه وسعت بـ صدمة وذهول حقيقي من كتر جمالها اللي خَطف قلبه وعقله في ثانية، ومَ بَقاش عارف يِنطق ولا كلمة وهو بـ يِتابع قُربها منه.

​ليليان قَرّبت منه بـ خطواتها الناعمة لحد ما وقفت قدامه بـ الظبط، وبصت لـ ملامحه المصدومة دي بـ دلال ودفا، وقالت بـ صوتها الرقيق وهي بـ تِبص في أعماق عينيه:

"ها يا آدم.. هـ تِوديني فين بليل؟"

​آدم أول ما سِمع الكلمة.. جسمه كُله اِتنفض بـ روعة؛ اِبتسم اِبتسامة واسعة وصافية مَلى وشّه كُله، ونظرة عينيه اِتحولت لـ حنان ملوش حدود لما كَلمته بـ اسمه الحقيقي "آدم".. الكلمة طِلعت من بوقها كأنها طوق نجاة لـ روحه المِتأذية، وبص لـ عينيها بـ كُل أمان وقرب منها خطوة وقال بـ صوته المبحوح والدافي:

"أنا أوديكي في المكان اللي أنتِ تِشاوري عليه وبس.. قوليلي أنتِ.. نفسك تِروحي فين يا ليليان؟"

​ليليان ضحكت بـ رقة، والاثنين اِتحركوا مع بعض بـ خطى ثابتة تحت نجوم الليل، والاسم الحقيقي لـ آدم بقى هو السر والأمان اللي بـ يِربط قلوبهم بـ شكل مَحدش يِقدر يِكسره تاني

آدم فِضل مِثبت عينيه الدافية في عيون ليليان لـ ثواني، وبعدين بَص للطريق قدامهم وقال بـ صوته المبحوح والرزين:

"طب بما إن الاختيار عليا.. فـ أنا قدامي مكانين قريبين مننا هنا في الغردقة وممكن يعجبوكي؛ في ممشى مكادي، وفي كريزي لاند.. ها، إيه رأيك؟ تختاروا أنهي فيهم يا برنسيسة؟"

​ليليان مالت بـ راسها بـ رقة، وفكرت لـ ثانية وهي بتبتسم، وبعدين بصت له وقالت بـ نبرتها الناعمة:

"أنا شايفة إن ممشى مكادي هيكون كويس أوي ومناسب بليل.. المكان هناك هادي، والبحر والجو الجميل هيكونوا حوالينا من كل ناحية، وأنا حابة نكون في مكان هادي نقدر نتكلم فيه بـ راحتنا يا آدم."

​آدم أول ما سمعها بتنطق اسمه تاني بـ الرقة دي، اِبتسم أكتر، وبـ كُل رجولة وأمان مَد إيديه اليمين ليها.. ليليان بَصت لـ إيده لـ جزء من الثانية، وقلبها دق بـ سُرعة، بس مَ توددتش؛ مَدت إيدها الصغيرة وبـ كُل رقة مَسكت إيده وتشابكت صوابعهم مع بعض.

​اللمسة دي كانت كفيلة تِمحي كُل التوتر والخوف اللي عاشوه الأيام اللي فاتت. وفضلوا مِثبتين إيديهم في إيدين بعض بـ كُل دفا، وبدأوا يِتمشوا بـ خطى هادية وبطيئة تحت ضوء النجوم ونسمات الهوا بتاعة البحر، والهدوء مغطي المكان حواليهم، لحد ما وِصلوا أخيراً لـ ممشى مكادي الفخم.

​الممشى كان ساحر بليل، الإضاءة الهادية مِعكوسة على سطح المية، وصوت الموج بـ يِخبط في الصخر بـ نغمة مريحة للأعصاب، والاثنين واِقفين جنب بعض وإيديهم لسه مَ سابتش بعض، وكأنهم بـ يِعلنو لـ الدُنيا إن دي بداية حكايتهم الحقيقية من غير أقنعة.

وقفوا هما الاثنين في نهاية الممشى، ساندين على السور الخشبي، والبحر قدامهم مِتمد بـ كُل سحره والنجوم مِعكوسة على المية. آدم لَف جسمه بـ الهداوة وبَص لـ ملامح ليليان اللي الهوا بـ يِطير شعرها، وبدأ الحوار بـ صوته المبحوح الدافئ:

​"أنا عارف إنك عشتي فترة صعبة يا ليليان.. وعارف إن الصدمة مَكانتش سهلة عليكي لما عِرفتي إن اللي كنتِ بـ تِتعاملي معاه طول الوقت ده مَش فارس.. أنا آسف لو كنت حطيتك في وسط دوامة مَلكيش ذنب فيها."

​ليليان بَصت للبحر واِتنهدت نَفَس طويل مِليان شجن، ولَفّت وشها وبصت في عينيه بـ كُل صفاء وقالت بـ نبرتها الناعمة:

"في الأول كنت بـ أموت من الوجع يا آدم.. كنت حاسة إن كُل حاجة عشتها كانت كدبة، وإن المشاعر اللي حسيتها كانت مِتوجهة لـ شخص مَش موجود.. بس لما سِمعت كلام سيرين، ولما فكرت بـ عقلي.. عِرفت إنك أنتَ اللي كنت معايا في كُل لقطة.. الورد، الخوف عليا، الكلام.. كُل ده كان طالع منك أنتَ مَش من فارس.. أنتَ ليه مَ اِتكلمتش من الأول؟"

​آدم بَص لـ إيديه اللي مَاسكة إيدها وضغط عليها بـ خفة وقال بـ نبرة مَليانة حزن مَكتوم:

"عشان مَكانش ينفع.. أنا جيت هنا وِلبست وش فارس لـ سبب واحد بس.. إني أرجع حق أخويا اللي مَات مَكسور ومَظلوم.. الدُنيا كُلها جَت عليه، حتى أبونا محمود الراوي كان بـ يِعامله كأنه نكرة.. لما فارس مَات، أنا حسيت إن روحي اِتسحبت مني، ومَ بقاش عندي حاجة أخسرها.. دخلت المدرسة دي وأنا ناوي أفرتك كُل اللي داسوا عليه.. ومَكنتش عامل حساب إن في بنت بـ الرقة والنظافة دي هـ تِطلع في طريقي وتِلغبط لي كُل حساباتي."

​دمعة صَغيرة نِزلت من عين ليليان، مَسحتها بـ سُرعة وبصت له بـ اِمتنان وقالت بـ صوت مكسور:

"سيرين قالت لي إنك اِعترفت لي في المقابر لإنك مَ حبتش تِكدب عليا.. الكلام ده حقيقي يا آدم؟ أنتَ بـجد حسيت بـ حاجة ناحيتي ولا كُل ده كان جزء من حمايتك لـ اسم أخوك؟"

​آدم وقف وبص في عينيها بـ كُل جِدية وجبروت اِتحول لـ حنية مَلهاش حدود، وقال بـ كُل صدق زلزل كيانها:

"أنا عُمري مَ كدبت عليكي في مشاعري يا ليليان.. أنا عشت خمس سنين في جحيم وفقر الدرب الأحمر، قلبي ده كان حتة حجر مَ بـ يِحنّش لـ حد.. مَ عشتش طعم الحنان ولا الأمان من يوم ما أمي ياسمين سابتنا.. بس لما ظهرتِ أنتِ في حياتي، حركتي فيا كُل حاجة ماتت من سنين.. أنا بـحبك يا ليليان.. بـحبك بـ صَدمتك بيا، بـ غضبك، بـ كُل حاجة فيكي.. وإذا كنت مَشيت من المقابر بـ كبرياء، فـ ده لاني حسيت إني مَ أستاهلكيش بعد ما خدعتك."

​ليليان قَرّبت منه خطوة، وعينيها لِمعت بـ دموع الفرحة والراحة اللي بقالها أيام مَ ضاقتهاش، وقالت بـ صوت يِترعش من كتر المشاعر:

"وأنا مَ بقيتش عايزة فارس يا آدم.. أنا بـحب آدم.. بـحب الراجل الصلب اللي بـ يِحمي أخته، وبـ يِجيب حق أخوه، واللي جاب لي بوكيه الورد الصغير بـ إيديه.. أنا مِستعدة أقف معاك في كُل اللي جاي، بس اِوعدني إنك مَ تِخبيش عني حاجة تاني."

​آدم اِبتسم اِبتسامة صافية مَليانة راحة، ورَفع إيده وحطها على شَعشها بـ كُل حنان وقال:

"اِوعدك يا أميرة قلبي.. من النهاردة مَفيش كدب.. أنتِ السر الوحيد النظيف في حياتي."

ليليان عدلت وقفتها وبصت لآدم بعمق، وسألته بنبرة هادية فيها فضول حقيقي:

"طب قولي يا آدم.. الدرب الأحمر كان عامل إزي؟ سيرين قالت لي إنك عشت هناك خمس سنين كاملين.. كنت بتفكر في إيه طول السنين دي وأنت بعيد عن أختك وبعيد عن حياتك القديمة؟"

​آدم سكت لثواني، ونظرته راحت لبعيد مع حركة الموج، وافتكر قسوة الأيام اللي عاشها هناك، وقال بصوت حاد ومبحوح:

"الدرب الأحمر علمني إن اللي ملوش ضهر بيموت يا ليليان.. هناك مفيش مكان للضعيف. محمود الراوي لما طردني، كان فاكر إنه بيكسرني وبيقضي عليا.. بس أنا هناك صنعت نفسي من جديد. كنت بشتغل الصبح وبتعلم بالليل، وعيني دايماً كانت على اللحظة اللي هقِف فيها قدامه وأوريه إن الواد اللي رماه في الشارع بقى أقوى منه ومن فلوسه كلها.. بس الوجع الحقيقي مكنش الفقر.. الوجع كان إني بعيد عن سيرين، وخايف عليها وهي في لندن لوحدها، وإني شايف فارس من بعيد وهو بيموت بالبطء تحت سياط تحكّم أبونا."

​ليليان حطت إيدها التانية فوق إيده الممسكة بإيدها، وقالت بنبرة مليانة حنية ومواساة:

"سيرين بتحبك أوي يا آدم.. دي لسه قيلالي في الاستراحة إنك مكنتش بتفوت يوم من غير ما تطمن عليها وتكلمها.. أنت كنت سندها حتى وأنت في عز جحيمك."

​آدم بصلها واِبتسم اِبتسامة خفيفة مكسورة وقال:

"سيرين دي حتة من قلبي.. هي وفارس كانوا كُل اللي باقيلي من ريحة أمي ياسمين.. محمود الراوي دمر أمنا قبل ما يدمرنا، وعشان كدا سيرين طلعت بالبرود والهيبة الأوروبية دي.. دي مش قسوة منها، ده درع حماية صنعتها لنفسها عشان مفيش حد يكسرها تاني بعد ما شافت كسر عيلتنا وهي صغيرة."

​ليليان اِتنهدت وقالت بشرود:

"وعشان كدا هي وقفت في الأتوبيس وفرتكت تارا لما اِتجرأت واتكلمت معاك بقلة أدب.. أنا وقتها كنت قاعدة ومذهولة من قوتها، بس في نفس الوقت حسيت بقد إيه أنتوا عيلة حقيقية وبتخافوا على بعض بجد.. تارا كانت فاكرة إنك بتتفرج على صور نفسك من كتر النرجسية، مكنتش فاهمة إنك بتبص لـ توأمك الحقيقي اللي فارق الدنيا."

​آدم عينيه لمعت بـ شرارة غضب خفيفة لما اِتفتكر تارا، وقال بجفاف:

"تارا دي بني آدمة مريضة بالنرجسية وحب الظهور.. هي مش شايفاني أنا أصلاً، هي بتموت من الغيرة لأن الكل شايفك أنتِ البنت المثالية ونظيفة القلب، وهي عايزة تاخد أي حاجة تخصك عشان تحس بالانتصار.. بس غباءها خلاها تقع في سكة سيرين، وسيرين مَ بترحمش."

​ليليان بّصت في عينيه وقالت بدلال خفيف وبـ نبرة طمنته:

"طب فكك من تارا ومن السيرة دي كلها دلوقتي.. قولي، وأنت بتشتري بوكيه الورد الصغير داك اليوم.. كنت بتفكر في إيه؟ كنت حاسس بـ إيه وأنت بتقدمه ليا وأنت لابس وش فارس؟"

​آدم ضحك بـ هداوة، وبص لملامحها الجميلة تحت ضوء القمر، وقال وعينيه مليانة عشق حقيقي وصادق:

"كنت حاسس إني بـخون نفسي وبـخونك.. كنت بقول جوايا: البنت دي متستاهلش الكدب ده كله.. الورد ده كان طالع من قلب آدم، بس كنت مجبور أقدمه بـ إيد فارس.. كنت بتموت في اليوم مية مرة وأنا شايف نظرة الحب في عينيكي وموجهة لأخويا، في حين إن قلبي أنا هو اللي كان بـيتحرق في الموقف.. عشان كدا مَقدرتش أكمل الكدبة دي في المقابر، وفجرت القنبلة عشان أكون صادق معاكي لأول مرة."

​ليليان اِبتسمت والدموع لمعت في عينيها من كتر التأثر بصدق كلامه، وقربت منه أكتر لحد ما كتفها لمس كتفه، وقالت بصوت واطي ودافي:

"والقنبلة دي هي اللي أنقذتني وأنقذتك يا آدم.. لولا صدمة المقابر، مكنتش هعرف الراجل الحقيقي اللي واقف قدامي دلوقتي.. أنا مبسوطة إننا هنا.. ومبسوطة إن اسمك آدم

آدم ضغط على إيديها الصغيرة بـ إيديه الاثنين بـ كُل حنان، وكأنه بـ يِستمد منها القوة عشان يِطلع السر المدفون جوه قلبه ومَحدش يِعرفه غيره.. بَص لـ عينيها بـ نظرة حزينة أوي وعميقة، وقال بـ صوته المبحوح المخنوق:

​"ليليان.. أنا مَش عايز أداري عليكي أي حاجة تاني.. أنتِ شوفتي فيا الراجل القوي اللي بـ يِحمي أخته ويِجيب حق أخوه، بس لازم تِعرفي الجانب الضلمة والمِتبهدل من حياتي في الدرب الأحمر.. أنا في وسط الفقر والجوع والبلطجة اللي عشتهم هناك بعد ما اِتطردت.. اِتحبست يا ليليان! اِتحبست شهر كامل في السجن!"

​ليليان عينها وسعت بـ صدمة وِخضة حقيقية، وحطت إيدها التانية على بوقها بـ ذهول وقالت بـ نبرة مَخضوضة:

"اِتحبست؟! ليه يا آدم؟.. إيه اللي حصل معاك هناك يِخليك تِدخل السجن؟!"

​آدم أخد نَفَس حامي مِليان بـ نار الوجع وبَص للأرض وقال بـ قلة حيلة:

"الظروف كانت ألعن وأقوى مني.. الدرب الأحمر كان بـ يِبلع الضعيف، وأنا كنت يدوب عيل صغير مَليان غل وعايز يِعيش بـ أي طريقة عشان يِقف على رجله.. في وسط السكة دي، اِتزقيت مع شلة شمال وبَدأت أتاجر في المخدرات.. كنت بـ أوزع وأبيع عشان أجمع قرشين.. وفي ليلة، الكبسة نزلت علينا واِتمسكت بـ الحرز والـبضاعة، ودخلت الحجز والكلبشات في إيدي."

​ليليان دموعها نزلت من كتر الوجع والخوف عليه وهي بـ تِتخيل شكله وهو في السن ده وسط المجرمين، وسألته بـ صوت بـ يِترعش:

"ومحمود الراوي؟.. أبوك مَ عِرفش؟.. مَ جاش يِنقذك من الجحيم ده؟"

​آدم طِلعت منه ضحكة مِليانة سخرية وقهر يِقطع القلب، وبَص لـ عينيها بـ غل وقسوة وقال:

"عِرف طبعاً.. البوليس لِقط اسم (آدم محمود الراوي)، والخبر وَصل له في ثانية وهو قاعد في مكتبه الفخم وسط الملايين.. تِفتكري جه يِجري عشان يِلحق ابنه اللحم والدم اللي مرمي في وسط البلطجية؟.. لأ يا ليليان! محمود الراوي سابني مِرمي في الحجز أسبوع كامل مَ بـ يِسالش فيا عشان يِربيني ويِكسر عيني!"

​آدم ضغط على سنانه وعروق رقبته برزت من شدة الكره وِكمل كلامه بـ صوت حاد:

"ولما قرر يِتدخل ويِطلعني بعد شهر.. مَ جاش يِاخدني في حضنه ويِقولي أنا آسف إني رميتك للشارع.. محمود الراوي دَفع الفلوس وشَغل نفوذه وطَلعني لـ سبب واحد بس يِقرف الكلب.. طَلعني لمجرد إنه مَ يِوسخش اسم العيلة والـبراند بتاعه في الجرايد والبيزنس! طَلعني عشان صورته قدام المجتمع مَ تِتهزش بـ إن ابنه تاجر مخدرات ومسجون.. مَش لمجرد إني ابنه اللي من صلبه وِبيضيع!"

​آدم سكت، ونَفَسه كان عالي ومَليان بـ نار الانتقام، وبَص لـ ليليان اللي كانت بـ تِعيط بـ حرقة من كتر القسوة والظلم اللي حست بيهم في حكايته، وقالها بـ صوت واطي كأنه بـ يِقسم:

"في اليوم اللي طِلعت فيه من السجن ده.. وشوفت نظرة التعالي والـقرف في عينيه وهو بـ يِقولي (أنا طلعتك عشان اسم الراوي مَ يِنزلش الأرض بـ سبب حشرة زيك).. في اليوم ده، أنا دَفنت آدم القديم تماماً.. وقررت إن محمود الراوي ده هـ يِكون حسابه معايا ألعن وأقسى من حساب بدر والسيوفية كلهم.. والنهاردة، أنا واِقف قدامك بـ كُل وساخة الماضي بتاعي.. لسه شايفة إن آدم يِستاهل حبك يا ليليان؟"

​ليليان مَ رديتش بـ كلام.. سَبت إيدها من إيديه بـ سُرعة، وقربت منه وارتَميت في حِضنه بـ كُل قوتها وضَمته لـ صدرها بـ دموعها وقهرها، وكأنها بـ تِقول له بـ الحِضن ده إنها بـ تِغسل كُل وجع السنين والظلم اللي عاشه، وإنها مَش هـ تِسيبه لوحده تاني أبداً.

ليليان رَفعت راسها من على صدره بـ بطء، وبصت في عينيه بـ نظرة مليانة حزن وتفكير، وسألته بـ صوت واطي وهادي:

"طب وفارس يا آدم؟.. فارس كان إيه دوره معاك في كُل اللي حصل ده؟ هل كان بـ يِجيلك؟ هل كان حاسس بـ اللي أنتَ فيه؟"

​آدم أخد نَفَس طويل مِليان بـ الذكريات المُرّة، ورجع سَند ضهره على السور وبَص للبحر، وملامحه اِتبدلت لـ حزن عميق وجرح لسه مَ قِفلش، وقال بـ صوته المبحوح:

"فارس كان ضحية محمود الراوي بـ الكامل يا ليليان.. الأب ده زَرع بـيننا كـ توأم مقارنة مريضة دمرت نفسية فارس.. آخر مرة فارس شافني فيها، جه زارني فـ وسط بيت خالتي في الدرب الأحمر.. كان واِقف مكسور، وعينيه مَليانة حيرة وغيرة مَخلوطة بـ قلة حيلة."

​آدم بلع ريقه بـ صعوبة وِكمل وهو بـ يِفتكر ملامح أخوه:

"بَص لي وقتها بـ نظرة عُمري مَ هـ أنساها.. وقالي جملة رَنّت في ودني لحد يومنا ده.. قالي: لو سَمحت يا آدم جاوبني بـ كُل صدق.. هل أنتَ أحسن مني وأقوى مني لإنك آدم الراوي؟.. ولا أنتَ آدم الراوي عشان كدا أنتَ أحسن مني؟"

​ليليان رَبعت إيديها وبصت له بـ ترقب وصدمة من فِكرة السؤال، فـ آدم كمل بـ نبرة حامية:

"أنا وقتها كنت شايط وتعبان من بهدلة الشغل والدرب الأحمر، بصيت له بـ نرفزة وقلت له بـ صوت عالي: إيه معنى كلامك ده يا فارس؟ وأنتَ بـ تِقول إيه بـ الظبط؟!.. لَف وشّه وبَص لـ فقر البيت المِتبهدل اللي أنا قاعد فيه، وقالي بـ كسرة يِقطع القلب: معنى كلامي.. إنك حتى وأنتَ مِرمي في الفقر والشارع، طالع صلب ومَ بـ تِتكسرش وكُلنا بـ نِعملك حساب.. لو أنا كنت مكانك في الدرب الأحمر، تِفتكر إنك كنت هـ تِقلي نفس الكلام؟ ولا أنتَ اللي كنت هـ تِكون فارس المفضل للعيلة والمجتمع.. بدل فارس الجبان المدلل اللي كُل الناس بـ تِقرف من ضعفه؟"

​آدم سكت لـ ثواني، وعينيه لِمعت بـ دموع مَحبوسة، وبص لـ ليليان وقال بـ وجع:

"فارس مَات وهو مَش عارف قيمته.. مَات وهو فاكر إن قوته في اسم العيلة مَش في ذاته.. عشان كدا أنا لَبست وشه في المدرسة.. عشان أثبت لـ كُل اللي اِتريقوا على ضعفه، إن اسم فارس الراوي يِقدر يِدوس على رقبة بدر والسيوفية كُلها.. أنا بـ آخد له حقه من الدُنيا اللي ظلمته، ومن الأب اللي حسسه إنه مَ يِسواش قرش."

​ليليان مَسكت إيده تاني وبصت له بـ إعجاب وحُب ملوش حدود وقالت:

"وأنتَ بـ تعمل كدا بـالفعل يا آدم.. فارس دلوقتي مرتاح لإن أخوه بـ يِرجع له حقه بـ كبرياء

آدم لَف جسمه بالكامل لـ ليليان، وملامحه اِتحولت لـ قسوة مرعبة خلت نبرة صوته المبحوح تطلع حادة وقاطعة زي السكينة، وبص في عينيها وعروق جبهته برزت وهو بـ يِرص خطة الدم بـ كُل جبروت:

"أنا مَش هـ أقِف لحد هنا يا ليليان.. الرحلة دي هـ تِكون نهاية لكابوس وبداية لـ جحيم هما اللي اختاروه بـ إيديهم.. أنا هـ أقتل عمران.. وهـ أقتل بدر.. وبعد ما أخلص منهم وأفرتك عيلة السيوفي كُلها وأشفي غليلي.. هـ أروح لـ محمود الراوي وأقتله بـ إيدي دي، وأنهي السلالة المريضة اللي دمرت حياتنا!"

​الكلام طلع من آدم كأنه حِمم بركانية، والغل اللي جوه قلبه كان واصل لـ مرحلة مَفيش تراجع عنها..

​لكن وفجأة.. ليليان مَدت إيدها وبـ كُل رقة وضعت كفها الدافئ على إيده المشدودة وضغطت عليها بـ حنان.. في اللحظة دي بـ الظبط، آدم حس بـ حاجة غريبة؛ كأن تيار مية ساقعة ونظيفة نزل على نار الغل اللي قايدة في صدره، جسمه اِرتخى، ونَفَسه العالي بَدأ يِهدى بـ التدرج لمجرد إن إيدها لِمست إيده وبصت لـ عيونه بـ نظرة مَليانة اِستيعاب ملوش حدود.

​ليليان اِتنّهدت بـ راحة، وبصت لـ ملامحه اللي هديت وقالت بـ نبرتها الساحرة والناعمة:

"عارف يا آدم؟.. أنا شايفة إنك بـ الظبط زي السفينة الغرقانة اللي بـ تِنزل لـ القاع وبـ تِاخد كُل حاجة معاها.. وفي نفس الوقت.. أنا مَش عايزة أطلع من الغريق ده.. أنا عايزة أغرق معاك يا آدم، ومَش هـ أسيب إيدك مهما كان السواد اللي أنتَ رايح له."

​آدم بَص لـ وشها بـ صدمة مِخلوطة بـ اِنبهار؛ البنت اللي كُل الناس شايفاها ملاك ومثالية، مِستعدة تِقبل سواده وتِغرق في جحيمه بـ كُل رضا.. قَرّب منها وعينيه بـ تِلمع بـ نظرة عشق حقيقية، وِضغط على إيدها وقال بـ صوت واطي ومِطمن:

"أنتِ مَش هـ تِغرقي يا ليليان.. السفينة دي لو هـ تِنزل للقاع، فـ هـ تِنزل عشان تِفرتك الحيتان اللي تحت.. بس طول ما أنتِ معايا، هـ تِكوني أنتِ النور الوحيد اللي بـ يِخليني أرجع لـ شط الأمان بعد كُل مجزرة

​تاني يوم الصبح..

​أشعة الشمس الذهبية بدأت تطلع وتتنشر فوق بحر الغردقة، ونورها دخل من شبابيك الفندق الكبيرة عشان يعلن عن بداية يوم جديد تماماً.. يوم ملوش علاقة بـ هدوء بالليل.

​آدم صحي من النوم بـ خطواته الرزينة المعتادة، وقف قدام مراية الأوضة يلبس هدومه وعينيه فيها نظرة حادة وثابتة؛ الغل اللي جواه ممتش، بس بقى مِتظبط بـ عهد الأمان اللي أخده من ليليان على الممشى. لَف وشه وبَص لـ عمار اللي كان لسه نايم على السرير التاني وبـ يشخر بـ صوت عالي وكأنه واخد قنبلة غاز، واِبتسم بـ خفة وهز راسه بـ قلة حيلة وهو بـ يقول لنفسه: "صاحي بـ البكيني ونايم بـ التسونامي".

​وفي الأوضة التانية.. كانت ليليان صاحية وبـ تبص من الشباك على البحر، والابتسامة مش مفارقة وشها وهي بـ تفتكر كلمتها لـ آدم: "مش عايزة أطلع من الغريق".. سيرين كانت قاعدة على الكرسي بـ تتابعها بـ ذكائها وهيبتها، وعرفت من ملامح ليليان الصافية إن أخوها آدم قدر يـشيل الخوف من قلب البنت دي بـ الكامل.

​أما في أوضة بدر وعمران.. فالوضع كان أشبه بـ زنزانة ميتة. بدر كان صاحي وعينيه حمرا من كتر قلة النوم والتفكير في إزاي يخلص من "فارس"، وبص لـ عمران اللي كان واقف بـ يربط كوتشينه بـ برود، وقاله بـ صوت واطي: "النهاردة يا عمران.. مَش عايز اليوم يخلص غير وفارس الراوي منتهي". عمران رَفّع عينه وبص لـ بدر بـ نظرة غامضة واِبتسم اِبتسامة باردة مَ تِتفسرش وقال: "كله بـ أوانه يا بدوري.. كله بـ أوانه".

​بدأ الطلاب ينزلوا لـ صالة الفندق والمطعم عشان يفطروا، والأجواء كانت بـ تظهر حماس الرحلة، بس تحت الوشوش دي كلها.. كان فيه حسابات تقيلة بـ تترتب، وكل واحد بـ يجهز سلاحه لـ جولة ضرب النار اللي جاية!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قناع فارس

المؤلف Ahmed Mostafa Kamel
2026/05/31 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة