آدم كان قاعد في الأوضة بتاعته هو وعمار في الفندق، الجو كان هادي، وعمار كان واِقف بـ يِظبط الكاب بتاعه قدام المراية ويِطرقع لبانته كالعادة. وفجأة.. الباب خبط خبطات حادة وسريعة.
عمار اِتحرك وبص لـ آدم، وِفتح الباب.. وأول حاجة حصلت، إن عمران دخل بـ كُل غشومية وزَق عمار في صدره حَدفه لـ ورا بـ إيد واحدة، ودخل وسط الأوضة بـ ضخامته وهيبته المرعبة.
عمار رِجع لـ ورا وصاح بـ عصبية: "جرى إيه يا بلدوزر الغل أنتَ؟! مَ براحة يسطا!"، بس عمران مَ بَصش لـ عمار أصلاً؛ عينيه الحادة اِتثبتت على آدم اللي كان قاعد بـ كُل برود وثقة على الكرسي.
آدم رَفّع عينه، وبَص لـ ملامح عمران المِشدودة.. وِابتسم اِبتسامة باردة مِستفزة، حط رجل على رجل، وبدأ يِتكلم بـ صوته المبحوح والعميق وقال بـ تريقة:
"شكلك بائس أوي يا عمران.. وعينيك مَليانة تعب وكلام مَش قادر تِقوله.. عارف؟.. أنا بـ البساطة دي شايف المستقبل كويس أوي قدام عيني.. مستقبلك أنتَ، ومستقبل بدر السيوفي، وعيلة السيوفي كُلها.. ومن غيركم كُلكم، المستقبل ده هـ يكون أنظف وأحسن بكتير!"
عمران قَرّب منه خطوة، وبَص لـ برود آدم بـ غل واِنكسار مِتداري، وقال بـ صوته الخشن المكتوم:
"أنتَ عُمرك مَ هـ تِعرف إيه اللي أنا بـ أمر بيه يا فارس.. ولا عُمرك في حياتك هـ تِحس بيا وبالنار اللي بـ تِأكل في صدري كُل يوم!"
آدم طِلعت منه ضحكة قوية وساخرة سَمّعت الأوضة، واِتحولت ملامحه لـ جمود تام، وقرب بـ وشّه من عمران وقال بـ حدة زلزلت المكان:
"فارس الراوي.. حس بـ أكتر من اللي أنتَ حسيت بيه بـ مليون مرة يا عمران! فارس عاش مَكسور ومَظلوم ومَحدش رِحمه، فـ مَ تِجيش تِعِش عليا دور الضحية هنا!"
عمران وقف مَكانه لـ ثواني، وعينيه لمعت بـ نظرة سوداء مِليانة فلسفة مَ عشنهاش فيه قبل كدا.. أخد نَفَس طويل بـ يِكتم غيظه، وبَص في عيون آدم وقال بـ نبرة هادية بس تِخوف من كتر الوجع اللي فيها:
"فوق بقى واِصحى للواقع اللي حواليك يا فارس.. مَفيش أي حاجة في الدُنيا دي بـ تِمشي زي ما إحنا مِرتبين لها أو عايزينها.. كُل ما بـ تِعيش وتِكبر في الدُنيا دي بـ تِتبهدل، وبـ تِفهم وتِتأكد إن مَفيش نور من غير ضلمة بـ تِدب وراه وتِبلعه.."
عمران لَف ضهره وبَص لـ شباك الأوضة وِكمل المونولوج بتاعه بـ قهر مَكتوم:
"طالما فيه في الدُنيا دي مفهوم اسمه 'المكسب'.. يبقى حتماً ولابد هـ تِلاقي في الناحية التانية ناس مَفرومة، ومَغلوبة على أمرها، ومَدهوسة تحت الرجلين عشان غيرها يِكسب.. الحاجات الوحيدة اللي حقيقية ومَوجودة بـجد ومَفيش مَفر ولا هروب منها في الدُنيا دي.. هي الوجع، والمعاناة، والعبث المقرف اللي إحنا عايشين فيه كُلنا!"
الأوضة هديت تماماً بعد كلمات عمران.. عمار فِضل واِقف مَكانه ومَ بَقاش يِطرقع لبانته من كتر عُمق الكلام، وآدم فِضل مِثبت عينه في ضهر عمران، وِعرف إن البلدوزر وراه حكاية تانية خالص مَش مجرد أمر قتل من بدر السيوفي
عمران كان واِقف مِدي ضهره لـ آدم وهو بـ يِنهج بـ قهر بعد ما طَلّع كُل السواد والفلسفة اللي جواه، والأوضة كانت مِتكهربة بـ صمت رهيب.
فجأة.. وبـ كُل هدوء، آدم قام من على السرير، وقف على رجله بـ كُل طوله وبـ هيبته الواثقة.. وبدأ يِمشي بـ خطوات بطيئة ومِستفزة لحد ما بقى واِقف ورا ضهر عمران بـ الظبط. وفي ثانية، رَفّع إيديه وبدأ يِصقف بـ قوة وبـ إيقاع بطيء وجامد (سقـفة.. ورا سقـفة)، وصوت الـتأقيف مَلى الأوضة بـ تريقة غريبة!
آدم طِلعت منه ضحكة عالية ومَليانة برود أوروبي مستفز، وقاله بـ نبرة صوت مبحوحة ومستهزئة:
"هايل.. هايل بـجد يا عمران! برافو عليك.. أداء مسرحي مَلوش مثيل، والمونولوج بتاعك يِاخد جائزة أوسكار في النكد والعبث! بس للأسف.. لازم تِبذل جَهد أكبر من كدا بكتير، وتِشوف ليريكس ألعن من دي عشان العبد لله يِتأثر أو يِصعب عليه حالك!"
عمران لَف وشّه بـ سُرعة، وعينيه كانت حمرة وبـ تِطلع شرار مِليان بـ غل سِنين مَكتوم، وبَص لـ آدم من فوق لـ تحت بـ قرف وقاله بـ صوت خشن زي الرعد:
"وأنتَ مين أصلاً طلب منك تِتأثر يا فارس يا راوي؟! أنتَ فاكرني واِقف قُدامك بـ اِشحت منك حنية ولا بـ اِستعطف قلبك الحجر ده؟.. أنا مَ بـ اِستعطفش حد، بـالذات واحد زيك عايش في خِير أبوه ومَ يِعرفش يعني إيه الدُنيا تِفرمك بـجد!"
آدم اِبتسم اِبتسامة خفيفة وساخرة، وقَرّب وشّه من عمران أكتر لـ درجة إن مَكانش بـينهم غير سنتيمترات، وقاله بـ فحيح واطي وحاد يِرعب:
"خِير أبويا؟.. هه، أنتَ مَش فاهم حاجة ومَ تِعرفش أي حاجة عني وعن الجحيم اللي أنا شُفته يا عمران.. الدُنيا اللي أنتَ بـ تِقول إنها فَرَمتك دي.. أنا عشت في مفرمتها خمس سنين وكنت بـ آكل تُرابها.. فـ مَ تِعش عليا دور الفيلسوف الغلبان اللي شايل هموم الكوكب.. أنتَ في الآخر مجرد إيد بـ تِتنفذ، كَلب واِقف بـ تِحمى ضهر بدر السيوفي لإنك مَ تِملكش حرية نفسك!"
الكلمة دي نزلت على كبرياء عمران كأنها طلقة دمرت ثباته، عمار من وراهم اِتخض وقَرّب خطوة وهو حاطط إيده في جيبه لـو حصل ضرب نار بـين الاتنين عمالقة دول.
عمران ضغط على قَبضة إيده الضخمة لحد ما عروق دراعه بَدأت تِطقطق وبَص لـ آدم وقال بـ غيظ مَكتوم:
"الكلب اللي أنتَ بـ تِقول عليه ده.. يِقدر بـ إشارة واحدة يِنهي وجودك من الدُنيا دي كلها يا ابن الراوي.. مَ تِغركش قَعدتك وِبرودك، أنا صابر عليك لـ غرض في دماغي أنا، مَش لـ غرض حد تاني!"
آدم مَ تِهزش شعره واحدة منه، وفِضل مِثبت عينه ال باردة في عين عمران، والـتحدي بـينهم وصل لـ أعلى ليفل ممكن يِوصل له بني آدمين
آدم رجع خطوة لـ ورا بـ كُل برود وساب عينه مِثبتة على عمران، في اللحظة دي.. عمار اِتحرك بـ خطوات هادية وصايعة، وقف في النص بـين آدم وعمران، طرقّع لبانته بـ صوت عالي سَمّع الأوضة، وعدّل الكاب بتاعه بـ صوابعه، وبَص لـ جسم عمران الضخم وقال بـ نبرة مَكسوسة بـ هدوء الحارة:
"جرى إيه يا كابتن عمران؟.. أنتَ داخل زاققني في الباب، وِواقف تِرمي علينا حِكم ومواعظ من بتاعة الراديو بـتاع زمان.. مَ تِهدى على نفسك كدا يا زميلي وتِصلي على النبي في سرك.. الجتة دي مَ تِخايلش علينا في حارتنا، والـطول ده كُله بـ يِتقص بـ كلمة واحدة!"
عمران لَف نَظرته الحادة لـ عمار، وبَص له بـ اِحتقار وتقليل من الحجم وقال بـ خَشونة:
"أنتَ هـ تِعملي فيها راجل حارة وتِتكلم معايا يا عمار؟.. اِبعد من قدامي بدل ما أفرتك وشك ده وأخليك مَ تِعرفش تِرجع لـ حارتك تاني.. اِتلم لـ مصلحتك!"
عمار مَ تِهزش، بل بَص لـ عمران واِبتسم اِبتسامة صايعة ومَالت دماغه بـ ثقة وقال بـ صوت واطي وحاد:
"أنا مَش بـ اِعمل فيها راجل.. أنا راجل غَصب عن أي حد يا بلدوزر.. بس تعال هنا، أنتَ مَش صعبان عليك نفسك؟.. واِقف بـ تِقول مَفيش مكسب من غير ناس مَفرومة ومَغلوبة على أمرها.. طب ما أنتَ بـ الذات يا عمران الـنموذج الحي لـ البني آدم المَفروم المَغلوب على أمره! واِقف بـ تِتمنظر بـ صحتك وطولك، وأنتَ كُلك على بعضك مجرد عصفورة في قفص بدر السيوفي.. بـ يِصفرلك بـ الفلوس تِجري، وبـ يِشاورلك على حد تِروح تِعضه.. تِفتكر السلاسل اللي بدر ربطك بيها هـ تِنفعك لما الحساب يِجمع بـيننا؟"
عمران عينيه وسعت من كتر الصدمة، والكلمات بتاعة عمار لمست الجرح والذل اللي جواه بـ الملي، وجِز على سنانه وقال بـ غل:
"أنا مَحدش ربطني بـ سلاسل يا عمار.. وأنا مَ بـ اِخافش من حد.. بدر السيوفي مَ يِقدرش يِمشيني على مزاجه لولا إن فيه مَصالح بـيننا!"
عمار طِلعت منه ضحكة ساخرة وطرقّع لبانته تاني وقاله بـ تريقة:
"مَصالح؟!.. هه! اِضحك على نفسك يا زميلي كويّس.. المصالح دي بـ تِكون بـين راسين مِتساويين.. مَش بـين سيد والكلب بتاعه! أنتَ واِقف بـ تِدافع عن اللي دايس على كرامتك كُل يوم، وبـ تِتأسد علينا إحنا؟.. فوق لـ نفسك يا عمران واِصحى للواقع اللي أنتَ بـ تِقول عليه.. لإن لما المركب تِغرق، بدر هـ يِرميك لـ الحيتان أول واحد عشان يِفدي نفسه.. والعبد لله بـ يِقولهالك كاش كدا.. يوم ما تِفكر تِقرب من فارس أو تِعمل الحركة الغشيمة اللي بدر زاققك عليها.. أنا اللي هـ أقِف قدامك، وجتتك دي كلها مَش هـ تِهمني بـ بصلة!"
عمران فِضل واِقف يِنهج بـ عصبية، وبَص لـ عمار ولـ آدم، وحس لـ أول مرة إن الشامبـيونات دول مَ مَ بـ يِخافوش، وإن كُل كلامهم بـ يِضرب في عُمق العقدة والنقص اللي جواه والذل اللي مِستحمله من تلات سنين عشان أخته
الكلام لمس جرح عمران في مقتل، والـ Ego وكبرياؤه اتفرتكوا قدام برود آدم وصياعة عمار. عمران حس إنه اتعرى قدام نفسه، والغل عمى عينيه تماماً..
وفجأة! وبـ حركة سريعة وغادرة مفيش فيها أي رحمة، عمران سحب مطواة أو سكينة كبيرة وحادة كانت مِتدارية في جنبه، وِبرق بعينيه وِطلع بيها بـ غشومية عشان يِغرزها في صدر آدم ويِنهي الحكاية حالا!
لكن عمار كان صاحي ومِتوقع الغدر في أي ثانية.. وبـ سرعة البرق، إيده اِتمدت لـ الشنطة بتاعته اللي كانت جنبه، وِطلع منها سكينة ضخمة وتِقيلة، وِلمع الحديد في الجو بـ صوت خطير (تشششش!) وِصد بيها ضربة عمران بـ كُل قوة.. السكينة خبطت في السكينة، والشرار طار بـينهم في وسط الأوضة!
عمران كان بـ يِضغط بـ جِسمه الضخم وعروق إيده بـ تِطق من الغل، وبَص لـ عمار اللي كان مِثبت رجليه في الأرض بـ صياعة وقوة، وقال عمران بـ فحيح مكتوم:
"أنتَ فاكر نفسك هـ تِقدر تِقف قدام البلدوزر يا عمار؟.. السكينة دي هـ تِشرب من دمكم أنتوا الاثنين النهاردة!"
عمار جِز على سنانه وهو مِثبت الضربة وقال بـ ثقة وحوار حامي:
"قلت لك جِتتك دي مَ تِخايلش علينا يا عمران!.. الحديد بـ يِقابل الحديد، والراجل بـ يِبان في وقت الشدة.. مَش هـ تِخرج من الأوضة دي كسبان!"
وفي وسط خناقة الحديد دي وضغط عمران الغشيم.. عمار لَمح بـ طرف عينيه إزازة بيرسول (مبيد حشري) كانت مِرمية على الكومودينو جنبه، ومَعيرهاش عمران أي انتباه.
بـ حركة صايعة وسريعة من حواري الدرب الأحمر، عمار ساب السكينة الضخمة من إيده فجأة، فـ عمران اِختل توازنه لـ جزء من الثانية.. وفي نفس اللحظة، عمار لِقط إزازة البرسول بـ إيده الشمال، وطَلع ولاعة من جيبه بـ إيده اليمين، وِولع الولاعة ورَش البرسول بـ قوة في وش عمران!
(ففففشّشّشّشّ!!)
البرسول مع النار عِملوا شعلة لهب مرعبة ودب جحيم نار فجأة في وش عمران! النار لَسعت وش عمران وعينيه بـ الكامل، والريحة اِتكتبت بـ رعب.
عمران صرخ بـ صوت جهوري مِتألم ومَفزوع: "آآآآه!.. عيني!!.. وشي!!".. ورَمى السكينة من إيده وهو بـ يِتلوى من الحرق والوجع، ومَ بَقاش شايف قدامه. وبـ كُل رعب، جِرى بـ سُرعة على باب الأوضة، فِتحه وِطلم هربان بـ جلده في طرقة الفندق وهو بـ يِصرخ ويِمسح وشّه!
عمار وقف ونفخ في الولاعة بـ صياعة عشان يِطفيها، وحط إزازة البرسول مكانها، وبَص لـ آدم اللي كان واِقف ومِتابع اللقطة بـ كُل هدوء واِبتسامة إعجاب، وقال عمار وهو بـ يِعدل الكاب وبـ يِطرقّع لبانته:
"قال بلدوزر قال.. مَ يِعرفش إن عيال الحارة بـ تِقضيها بـ علم الكيميا والـبيرسول يا زميلي! قفا السيوفية كُله اِتفرتك النهاردة!
في نفس الثواني اللي عمران كان بـ يِجري فيها في الطرقة وهو بـ يِصوت، الباب اِتفتح بـ قوة ودخلت سيرين بـ سُرعة الصاروخ.. مَلامحها الهدية والباردة كانت مِتبدلة لـ قلق ورعب حقيقي أول ما سِمعت صوت الحركة والـتكسير.
جِريت بـ خطوات واسعة وقربت من آدم، وحطت إيديها على كتافه وبدأت تِقلبه بـ عينيها بـ فزع وهي بـ تِتأكد إنه مَ اِتلمسش، وقالت بـ صوت مَخضوض وِحاد لأول مرة:
"آدم!!.. أنتَ كويس؟! فيك أي حاجة؟! إيه الصوت اللي كان هنا ده، والريحة دي ريحة إيه؟! حد لَمسك؟!"
آدم بَص لـ لهفتها وخوفها عليه، وملامحه الصلبة هديت، ونزلت على وشه اِبتسامة هادية وِضحك بـ صوت واطي عشان يِطمنها، وقال بـ صوته المبحوح:
"أنا كويس يا سيرين.. اِهدّي مَ فيش أي حاجة فيا.. عمار لحقني في آخر ثانية، وطَبخ لـ البلدوزر طبخة كيميا خلت وشّه يِولع نار وِيطلع يِجري زي العجل."
سيرين أول ما سِمعت اسم (عمار)، حركتها وِلهفتها وقفت فجأة.. وبـ كُل بطء وِكبرياء، لَفّت راسها وِبصت لـ عمار اللي واِقف جنبهم بـ نظرة مَليانة قرف واِستحقار أوروبي تِجمد المية في الـصيف!
عمار كان واِقف بـ كُل صياعة، حاطط السكينة الضخمة في جيبه، وبـ يِطرقع لبانته بـ ثقة ويِعدل الكاب بتاعه، ولما شاف نظرة القرف بتاعت سيرين، مَ تِهزش.. بل اِبتسم اِبتسامة باردة مَالت دماغه وقال بـ صوته الصايع:
"جرى إيه يا دكتورة سيرين؟.. بـ تِبصيلي كدا ليه بـ قرف كأني دبانة واِقفة على الأكل؟.. ده بدل ما تِقولي الشُكر لله ثم لـ عمار وِإزازة البيرسول اللي حَمت ضهر أخوكي الشبح؟ العبد لله عمل بطولات النهاردة يِتكتب فيها قصائد في الدرب الأحمر!"
سيرين ضيقت عينيها بـ برود قاتل، ونفخت بـ نبرة مَليانة تَعالي وقالت بـ جفاف:
"أولاً.. مَ تِنطقش اسمي على لِسانك ده تاني يا عمار.. ثانياً، أخويا يِقدر يِحمي نفسه من مية بلدوزر زي عمران، ومَش مَحتاج لـ الهبل والـقرف اللي أنتَ عِملته في الأوضة ده.. ريحة المكان بَقت تِقرف بـ سببك!"
عمار حط إيده على صدره بـ صدمة مِزيفة وقال:
"أنا اللي ريحتي تِقرف يا سـيروو؟.. طب وحياة جَدك محمود الراوي، لولا البيرسول والولاعة بتوعي دول، كان زمان البلدوزر مِقور الأوضة علينا! بس تمام.. كتر خيرك يا ستي، مَش مِستني شُكر من الإنجليز أصلاً!"
آدم فِضل مِتابع الحوار المَشحون بـينهم وهو بـ يِضحك بـ خفة، ولَف وشّه لـ سيرين وقال بـ جدية:
"بس بـ كُل أمانة يا سيرين.. عمار صَد ضربة السكينة بـ مِعلمه.. وبدر السويفي بَدأ يِلعب على المكشوف واللعب هـ يِتحول لـ دَم من النهاردة."
سيرين لَفّت لـ آدم وعينيها اِتحولت لـ جمر م غضب مَكتوم وقالت بـ ثبات مرعب:
"بدر السويفي مَ بقاش فاضل له كتير في الدُنيا دي يا آدم.. والرحلة دي هـ تِكون مقبرته هو وكُلابه
في وسط كلام سيرين الحاد ونظراتها لعمار، الباب اللي كان موارب اِتفتح بـ قوة، ودخلت ليليان وهي بـ تِنهج بـ فزع، ملامحها كانت بيضا ومخطوفة من الرعب بعد ما شافت عمران بـ يِجري في الطرقة ووشه مِلسوع، وسِمعت إن الخناقة كانت في أوضة آدم.
مَ فكرتش لـ ثانية واحدة، ومَ همهاش وجود سيرين ولا عمار في الأوضة.. جِريت بـ كُل قوتها وارتَميت في حِضن آدم، وضمت رقبته بـ إيديها الاثنين وبَدأت تِعيط بـ دموع مَحبوسة وهي بـ تِترعش، وكأنها بـ تِتأكد إن السفينة بتاعتها مَ غِرقتش لسه.
آدم اِتفتجأت بـ الدخلة، بس بـ كُل حنان رَفع إيديه وضَمها لـ صدره بـ قوة، ودَفن وشه في شعرها وهو بـ يِهدّيها، ونبرة صوته المبحوحة اِتحولت لـ دفا كامل وقالها وهو بـ يِطبطب عليها:
"إشّشّ.. اِهدّي يا ليليان.. اِهدّي يا حبيبتي أنا كويس ومَ فيش فيا خربوش واحد.. اِهدّي مَ تِخافيش."
ليليان رَفعت راسها وهي لسه في حِضنه، وعينيها المِغرقة دموع بَصت لـ وشه وقالت بـ صوت بـ يِترعش من الوفاق والخوف:
"أنا شُفت عمران برة ووشه مِتحرق وبـ يِصرخ.. افتكرت إنه عِمل فيك حاجة.. افتكرت إنك اِتأذيت يا آدم.. أنا كنت بـ أموت من الرعب عليك!"
آدم اِبتسم اِبتسامة صافية ومَسح دموعها بـ صوابعه وقال بـ صوت واطي:
"قلت لك أنا مَ بـ اِتكسرش.. والبلدوزر بتاعهم اِتغسل ومِشي هربان."
في اللحظة دي.. سيرين رجعت خطوة لـ ورا، وملامحها الباردة اِترسمت عليها ابتسامة رضا هادية وخفيفة جداً وهي بـ تشوف إزاي أخوها لقى طوق النجاة بتاعه في حِضن ليليان، وعرفت إن اختيار آدم كان صَح بـ الملي.
أما عمار.. فـ مَ رَضيش يِفوت اللقطة من غير صياعته؛ حط إيديه الاثنين في جيبه، وطرقّع لبانته بـ صوت عالي، وبَص لـ سقف الأوضة وقال بـ نبرة مضحكة ومِستفزة:
"الله الله الله! عمار يِصد الحديد بـ الحديد، وعمار يِولع الـبيرسول ويِحرق وش الواد، وعمار يِتـقرف منه من الدكتورة الإنجليزية.. وفي الآخر الجائزة والحِضن يِروحوا لـ عم ادم الراوي اللي كان واِقف بـ يِتفرج! طب والعبد لله كدا مَلوش حِضن مِكافأة على الجهد العسكري اللي عِملته؟ وحياة جيلاني أنا مَظلوم في الليلة دي!"
ليليان أول ما سِمعت صوت عمار، وشها اِتحول لـ اللون الأحمر بـ سُرعة من كتر الكسوف، وبَعدت عن حِضن آدم بـ خفة وهي بـ تِمشي دموعها وتِبتسم بـ إحراج.
آدم لَف لـ عمار وبص له بـ عين حامية وضَحك وقال:
"اِتلم يا زفت بَدل ما أرفدك من الحارة كُلها النهاردة!"
عمار عدل الكاب وقال بـ صياعة: "ماشي يا عم.. مَقبولة منك عشان خاطر الأميرة بس.. المهم دلوقتي، إحنا هـ نِفضل قاعدين في ريحة المـبيد الحشري دي كتير؟ يلا بـينا نِنزل تحت لـ بدر السويفي ونِشوف قفاه هـ يِعمل إيه لما يِلمحنا واِقفين على رجلنا والبلدوزر بتاعه بـ يِتمحن برة!"
سيرين بَصت لـ آدم وهزت راسها بـ معنى إن كلام عمار صَح، والوقت بتاع المواجهة تحت الشمس بَدأ حالا
في الجانب الآخر من الفندق، وداخل الأوضة الخاصة بـ بدر السيوفي.. كانت الأجواء مَليانة بـ غموض مَكتوم.
بدر كان واِقف قدام الشباك، مَلامحه اللي كانت مَليانة غل وعصبية بَقت هادية فجأة بـ شكل يِخوف. كان ماسك موبايله على ودنه وبـ يِسمع لـ الكلام اللي بـ يِتقال له من الطرف التاني بـ تركيز شديد.. وفجأة، اِترسمت على وشه اِبتسامة خبيثة ومسمومة، اِبتسامة نصر حقيقية خلت عينه تِلمع بـ شر مَلوش حدود.
بدر عدل الموبايل واتكلم بـ نبرة صوته الواثقة والملعونة وقال:
"تمام أوي.. شُكراً ليك، معلوماتك دي فعلاً كَشفتلي الحقيقة كُلها ونَورت عيني على حَاجات مكانتش تخطر على بال.. كدا اللعبة بَقت مَكشوفة قدامي بـ الملي."
سِمع الرد من الطرف التاني، فـ بدر ضحك بـ خفة وكمل كلامه بـ برود وجبروت:
"لأ.. مَش هـ أتحرك دلوقتي خالص. أنا هـ أجل كُل حاجة.. كلها يومين بـ الظبط والرحلة دي تِخلص، وأول ما نِرجع المدرسة من هنا.. هـ أورّي ابن الراوي ده أنا مين بـ الظبط، وهـ أخليه يِندم على اليوم اللي فكر يِلبس فيه وش مَش وشه!"
بدر قفل السكة، وحط الموبايل على المكتب وبص لـ نفسه في المراية وهو بـ يِتوعد لـ آدم بـ مجزرة حقيقية في المدرسة، وِعرف إن كُل ورقة في إيد آدم بَقت مَكشوفة قدامه، ومَ بقاش فاضل غير التنفيذ الصَح وسط أرضه وسط عيلته في القاهرة.
بـ اللقطة دي، الشمس كانت غَطت الغردقة كُلها، والمعركة اِتأجلت لـ العودة.. بس العودة دي هـ تِكون مَليانة بـ دَم ونار مَحدش هـ يِقدر يِطفيها
بعد مرور يومين.. اِنتهت رحلة الغردقة، ورجعت الحافلات لـ القاهرة، ورجع كُل طالب لـ حياته.. بس الرجوع المرة دي مَكانش عادي، الرجوع كان بـداية لـ حرب الشوارع.
الشمس كانت لسه بـ تِطلع في سماء القاهرة، والطلاب كُلهم اِتجمعوا في ساحة المدرسة الكبيرة لـ بدء طابور الصباح المعتاد.. الهمسات كانت مَليانة بـ سيرة اللي حصل في الرحلة، والعيون كُلها بـ تِترقب.
وفجأة.. دَخل آدم من بوابة المدرسة بـ خطوته الرزينة والثابتة، وبـ كُل هيبته وجبروته المعتاد، وكان لابس لبس المدرسة المظبوط عليه، وِواقفة جنب منه بـ الظبط سيرين بـ برودها الأوروبي القاتل ونظراتها الحادة اللي بـ تِفلي المكان. أول ما آدم دخل، الساحة هديت لـ ثواني بـ سبب الهيبة اللي بـ تِمشي معاه.
ولكن.. الصمت ده مَ دامش أكتر من دقيقة!
فجأة، ومن غير أي إنذار.. أنوار الساحة الخارجية اِتطفت، وِاشتغل بروجكتور ضخم جداً وموجه أشعته القوية على المبنى الزجاجي الكبير بـتاع إدارة المدرسة، وِظهرت صورة بدر السويفي بـ حجم عملاق وهو قاعد في مكتبه وبـ يِبتسم اِبتسامته الملعونة والمسمومة.
صوت بدر اِتسمع في كُل سماعات المدرسة بـ صدى صوت قوي زلزل الكيان، وبدأ يِتكلم بـ كُل برود وتعالي:
"صباح الخير يا شباب.. يا رب تكونوا اِستمتعتوا بـ الرحلة.. بس أنا حابب أفتح عيونكم النهاردة على حقيقة غايبة عنكم كُلكم، حقيقة مَخفية ورا وش كداب اِتعود يِعيش وسطنا بـ القناع.. طبعاً كُلنا عارفين إن من فترة فاتت، حاول (فارس محمود الراوي) الانتحار.. وطبعاً عاش ورجع لينا تاني، وكُلنا شايفينه واِقف قدامنا وهو فاكر نفسه ند وجدير بـ مواجهة بدر السويفي.. بس لأ! دي مَش الحقيقة يا مغفلين!"
بدر ضحك بـ صوت عالي مِستفز، وشاور بـ إيده على الكاميرا وكأنه بـ يِشاور على آدم وسط الطابور وِكمل فضح المستور:
"الشخص اللي واِقف وسطكم النهاردة ده.. مَش فارس الراوي أصلاً! ده يبقـى آدم محمود الراوي.. الأخ التوأم التالت والمدفون لـ فارس! فارس الراوي اِنتحر ومَات بـ الفعل وشِبّع موت من كتر ضعفه وجبنه.. وآدم الغبي ده، جاي وِلبس وش أخوه وفاكر إنه بـ الذكاء ده هـ يِنتقم مني لإن عقله المريض مِصوره إني أنا السبب في موت أخوه.. بس أنا مَليش أي علاقة بـ كُل الهبل والـعبث ده!"
الطلاب كُلهم في الطابور بَدأوا يِلفوا وشوشهم بـ صدمة وذهول ويبصوا لـ آدم بـ رعب ونظرات مَذهولة، والهمسات عِليت كأنها خلية نحل.. سيرين جِزت على سنانها وعينيها اِتحولت لـ جمر نار، أما آدم فـ فِضل واِقف في مَكانه كأنه صخرة مَ بـ تِتحركش، وعينيه الـباردة مِثبتة على الشاشة بـ برود يِرعب بدر نفسه.
بدر رَجع لـ ورا على كرسيه على الشاشة، ونظرة عينه اِتحولت لـ غل حاقد وبَص لـ الناحية اللي واِقفة فيها ليليان وِكمل كلامه:
"وأول حاجة عملها الحشرة اللي اسمه آدم ده لما دخل وسطنا.. إنه جِري بـ رخص ورا فتاة أحلامي أنا.. البنت اللي كُلكم عارفين إنها تخص بدر السويفي.. ليليان! بدأ يِلعب بـ عواطفها ويِستغل نظافتها بـ الوش المَزيف بتاعه عشان يِضربني في حتتي.. وبدأ يتكلم أكتر واِكتر بـ نبرة مَليانة كدب..."
صوت بدر كان بيتردد في ساحة المدرسة كأنه طلقات رصاص، والكل واقف مذهول والبروجكتور عاكس صورته بوضوح مرعب على المبنى الزجاجي. بدر كمل كلامه بنبرة مليانة شماتة وتحدي:
"بدأ يلعب على فتاة أحلامي ليليان بالوش المزيف بتاعه، وهو فاكر إن بكده بيكسرني! بس تحبوا أقولكم آدم ده كان فين طول السنين اللي فاتت؟ تحبوا تعرفوا حقيقة الـ (Hero) اللي واقف وسطكم؟ الباشا ده طريد.. أبوه محمود الراوي رماه في الشارع وعاش خمس سنين كاملين في فقر وقرف الدرب الأحمر وسط البلطجية والمجرمين! مش بس كدا.. ده كمان خريج سجون وتاجر مخدرات! اتمسك في حجز الدرب الأحمر بـ حرز بضاعة ووسخ اسم عيلته، ولولا نفوذ وفلوس أبوه اللي طلعه عشان منظره قدام المجتمع، كان زمانه لسه مرمي ورا القضبان!"
الهمسات والشهقات في الطابور وصلت لأعلى ليفل، الطلاب بدأوا يرجعوا لورا ويبعدوا عن آدم وسيرين كأنهم واقفين جنب قنبلة موقوتة، والنظرات كلها اتوجهت لـ ليليان اللي كانت واقفة مكانها مذهولة، وشها اتقلب لونه وبقت تبص لـ آدم بعيون مليانة دموع وصدمة، مش من الحقيقة لإنها عارفاها، بس من كسرة النفس والفضيحة اللي بدر بيحاول يعملها فيه قدام المدرسة كلها.
بدر ضحك بسخرية وكمل كلامه وهو بيبص للكاميرا بجرأة:
"جاي بوش أخوه الميت عشان يعمل فيها صاحب حق، وهو في الأصل مجرد حشرة.. عيل سجون صايع جاي يفرض سيطرته على مدرسة السيوفية! فوقوا يا دكاترة ويا مهندسين المستقبل.. اللي واقف وسطكم ده مش فارس الراوي المدلل.. ده آدم الراوي، البلطجي بتاع الدرب الأحمر! ودلوقتي.. بعد ما الأقنعة كلها وقعت، وروني هتقفوا في طابوركم ده إزاي، وأنت يا ابن الراوي.. هترفع عينك في عيني إزاي بعد النهاردة؟"
فجأة.. الشاشة اِطفت، والأنوار رجعت اشتغلت ببطء في الساحة، وظهر بدر السويفي وهو واقف في بلكونة المبنى الإداري فوق، حاطط إيده في جيبه وبيرخي نظراته بكل كبرياء وشماتة على آدم اللي تحت.
الساحة كلها بقت هس.. مفيش صراخ، مفيش حركة، الكل مستني البركان اللي واقف على الأرض.. آدم محمود الراوي.
بدر كان واِقف في بلكونة المبنى الإداري فوق، حاطط إيده في جيبه ومِبتسم اِبتسامة النصر وهو مِستني يِشوف آدم مَكسور والطلاب بـ يِبعدوا عنه.. لكن النصر ده مَ دامش غير ثواني!
في وسط صَمت الطابور المَذهول، اِتحركت ليليان بـ خطوات ثابتة وقوية مَفيهاش أي تردد.. مَ بَصتش لـ نظرات الطلاب ولا هَمها كلام بدر المسموم؛ مشيت لحد ما وِصلت لـ آدم، وقفت جنب منه وجنب سيرين، وبـ كُل شجاعة وحُب مَكشوف قدام المدرسة كُلها.. مَدت إيدها ومَسكت إيد آدم وِتشابكت صوابعهم بـ قوة!
آدم لَف وشّه وبَص لـ ليليان بـ نظرة اِمتنان وعشق حقيقي لمع في عينيه، وعرف إنها مَ بـ تِتخلاش عنه مهما حصل.
وبعدها بـ ثانية، اِتحرك عمار بـ كُل شياكة وصياعة، طرقّع لبانته بـ صوت عالي سَمّع الطابور كُله، وعدّل الكاب بتاعه وبَص لـ بدر فوق بـ تريقة، وجِه وقف بـ جِسمه الصلب في ضهر آدم كأنه الحارس الشخصي والـسند اللي مَ بـ يِميلش.
المفاجأة الأكبر اللي شلت حركة بدر فوق.. كانت خروج مروان من وسط صفوف الطلاب! مروان مشي بـ هدوء وثقة، وعينيه مِثبتة على بدر بـ تحدي، وجِه وقف جنبهم بـ كُل كبرياء عشان يِعلن اِنضمامه لـ جبهة آدم الراوي بـ الكامل!
الساحة كُلها نَفَسها اِتكتم من المنظر.. "جدار الأوفياء" اِتقفل حوالين آدم؛ ليليان بـ حُبها، سيرين بـ هيبتها، عمار بـ شهامته، ومروان بـ وقفته.
آدم رَفّع وشّه بـ كُل بطء.. وبَص لـ بدر اللي واِقف فوق في البلكونة، والصدمة والغل بَدأوا يِظهروا على ملامحه بعد ما شاف إن خطته بـ الـبروجكتور فشلت في إنها تِكسر آدم. آدم اِبتسم لـ بدر اِبتسامة باردة جداً ومِستفزة.. اِبتسامة بـ تِقول له: "ورقتك اِتحرقت.. ودورك في اللعب جِه خلاص
بعد مرور ساعة كاملة من زلزال الطابور، الأجواء جوة المدرسة كانت مشحونة بـ ترقب مرعب. مكتب المدير كان مقلوب، وصدر أمر فوري بـ "استدعاء ولي أمر" لـ عيلة الراوي عشان الحكاية تتقفل.
في مكتب المدير الفخم، كان آدم واقف بـ طوله، وجنبه سيرين بـ ثباتها. لأول مرة في حياته، آدم كان حاسس بـ دقات قلبه بـ تعلو.. كان فيه شعور خفيف بـ الخوف والتوجس بـ يتسلل جواه من مواجهة أبوه؛ كان فاكر إن محمود الراوي جاي عشان يبهدله، أو يعاتبه ويهينه لأنه اتكشف وِوسخ اسم العيلة تاني قدام مجتمع السيوفية زي ما عمل في سجن الدرب الأحمر.
وفجأة.. الباب اِتفتح بـ هيبة طاغية هزت جدران المكتب.
دخل محمود الراوي.. بـ بدلته الكلاسيكية الفخمة، ونظراته الحادة اللي بـ تطلع شرار ونفوذ، وخطواته اللي بـ توحي إنه صاحب المكان مش مجرد زائر. بص لـ آدم وسيرين بـ نظرة سريعة غامضة ومَ نطقش بـ ولا كلمة ليهم.
المدير عدل نضارته بـ توتر، وبدأ يتكلم بـ نبرة بـ يحاول يخليها حازمة عشان يحمي برستيج المدرسة:
"أهلاً يا محمود بيه.. طبعاً أنتَ عرفت اللي حصل في الطابور.. الحقيقة اِتكشفت قدام الكل، والولد اللي واقف قدامنا ده (آدم) مش طالب رسمي عندنا في السجلات، هو داخل بـ اسم توأمه فارس الله يرحمه.. وبـناءً على قوانين المدرسة، لازم يـتطرد حالا ومَلوش قعاد وسطنا!"
محمود الراوي مَ اِتأثرش ولا اِتهزت فيه شعرة.. بَص لـ المدير بـ نظرة اِحتقار شديدة، وبـ كُل برود رَفّع إيده اللي لابس فيها ساعته الألماظ، وِحط على مكتب المدير ملف أسود فخم ومطبوع عليه بـ الذهب اسم (آدم محمود الراوي).
محمود الراوي سَند إيديه الاثنين على المكتب، وقَرّب بـ وشّه من المدير وقال بـ صوت رخيم وحاد زي الرعد:
"دا ملف ابني (آدم محمود الراوي) ورق كامل، وملف رسمي بـ نقله وتثبيته في المدرسة.. الكلام اللي هـ أقولهولك ده تـسمعه وتـنفذه بـ الحرف.. الملف ده لو مَ اِتقبلش حالا في السجلات، وابني فِضل قاعد في دراسته بـ كرامته.. أنا ممكن بـ المكالمة واحدة من موبايلي ده أشتري المدرسة دي كُلها بـ الأرض اللي واِقفة عليها.. وأشتريك أنتَ نفسك يا سيادة المدير وتحت جزمتي!"
المدير ريقّه نِشف تماماً، ووشه اِتقلب ألوان من الرعب والنفوذ اللي اِترمى في وشه، وبَص لـ الملف بـ إيد بـ تِترعش ومَ عِرفش يِنطق بـ حرف واحد!
آدم واِقف ورا ضهر أبوه، وبَص لـ اللقطة بـ ذهول وصدمة؛ الخوف اللي كان جواه اِتحول لـ نظرة ذهول من قوة وجبروت أبوه اللي رفض إن حد يِكسر عين ابنه أو يِطرده، حتى لو كان زعلان منه.. السيطرة رجعت لـ عيلة الراوي بـ السعر والنفوذ!
محمود الراوي لَف ضهره لـ المدير المَـرعوب، ومشي بـ خطواته الرزينة الهيبية لـ برة المكتب، وِخرج وراه آدم وسيرين. أول ما بقوا في الطرقة الفاضية بعيد عن العيون، محمود الراوي وقف.. بَص لـ آدم، وبعدين بَص لـ سيرين.. وعينيه الصلبة لأول مرة تِظهر فيها لِمعة حنان أبوي حقيقي مَ شافوهاش من سِنين.
قَرّب منهم خطوة، وِحط إيده اليمين على كتف آدم وإيده الشمال على كتف سيرين، وضغط عليهم بـ قوة وكأنه بـ يِرسخ جواه سند مَ بـ يِتهدش، وقال بـ صوت رخيم وعميق يِهز الجبال:
"اسمعوني أنتوا الاثنين كويس.. عيلة الراوي مَ بـ تِنكسرش، ومَحدش يِقدر يِعلم على عيل من صلبي طول ما أنا عايش على وش الأرض.. لو كُل العالم واِقف ضدكم.. أنا هـ أولع في العالم ده كُله عشانكم!"
الكلمة دي نزلت على قلب آدم وسيرين كأنها صاعقة دَوبت كُل الغل والـخوف والـوجع القديم.. ولأول مرة في حياتهم، آدم وسيرين بَصوا لـ أبوهم محمود الراوي بَصّة حنان صافية وعميقة، وحسوا بـالفعل إن فيه ضهر وسند حوت مَ يِقدرش حد يِلمسه. محمود الراوي اِبتسم اِبتسامة خفيفة مَ بـ تِظهرش بـ الساهل، وشال إيده ومشي بـ هيبته لـ برة المدرسة كُلها.
وفي نفس اللحظة اللي محمود الراوي بـ يِعدي فيها من البوابة.. سَمّع صوت ميكروفون المدرسة في الساحة كُلها، وكان صوت المدير بـ يِترعش وبـ يِقول بـ كُل ترحيب مجبر عليه:
"تنـويه هام لـ جميع الطلاب.. نَرجو منكم الترحيب بـ زميلكم والطالب الجديد معنا في المدرسة.. ادم محمود الراوي!"
الساحة كُلها اِتقلبت، والطلاب كُلهم بقوا بـ يِهمسوا بـ ذهول بعد ما خطة بدر السيوفي اِتفرتكت بـ النفوذ والـفلوس، وبدر كان واِقف فوق في البلكونة بـ يِغلي وعينيه بـ تِطلع نار بعد ما شاف إن آدم بقى رسمي وبـ حماية أبوه.
في وسط الأجواء دي، قَرّبت ليليان بـ خطواتها الرقيقة الساحرة من آدم، واِترسمت على وشها اِبتسامة صافية مَليانة حُب وفرحة، وقالت له بـ صوت ناعم كُله دلع وشقاوة:
"ألف مبروك يا بطل.. دلوقتي بقى أقدر وبـ كُل فخر أقولك يا (دومي) قدام المدرسة دي كُلها ومَحدش يِقدر يِفتح بوقه!"
آدم طِلعت منه ضحكة خفيفة ومِبتسمة من دلعها، بس وفجأة.. سيرين اِتمدت بـ إيدها وضَربت ليليان بـ خفة على دماغها (خبطة كدا تِفوقها)، وبَصت لها بـ برودها المعتاد والـمستفز وقالت بـ نبرة حادة بس مَليانة هزار:
"جرى إيه يا غبية أنتِ؟! اِتلمي لـ مصلحتك.. أنا بس الأخت الوحيدة اللي من حَقها تِدلع أخويا في المـكان ده! مَفيش (دومي) دي خالص قُدامي!"
ليليان مَسكت دماغها بـ ضحكة كـيوت وقعدت تِهزر معاها وتقولها: "خلاص يا ستي مَ تِقفشيش.. اِقسملك الدلع بـالنص طيب!"، وعمار ومروان من وراهم بقوا بـ يِضحكوا على ميكس الغيرة بـين سيرين وليليان.
آدم وسط الضحك والهزار ده كُله، رَفّع عينه وبَص لـ بدر السويفي اللي واِقف فوق.. ونظرته اِتحولت لـ جمود وتحدي؛ المعركة القانونية اِكسبها آدم، ودلوقتي جِه وقت الحساب التقيل تحت شمس القاهرة
في الجانب الآخر من العاصمة.. وبعيداً عن أجواء المدرسة.
كان عمران قاعد في شقته القديمة، حاطط شاش ومرهم على وشّه وعينيه اللي لسه ملسوعين من نار البرسول اللي عملها فيه عمار في الغردقة. كان بـ ينهج بـ غل، وجوا صدره نار قايدة وهو بـ يفتكر كلام عمار وآدم وإزاي عروه قدام نفسه ووصفوه بـ إنه "كلب لـ بدر السيوفي".
وفجأة.. تيار الصمت قَطعه صوت رنين موبايله.
عمران مسك الموبايل بـ إيد بـ تترعش وضغط على زرار الرد وحطه على ودنه من غير ما يتكلم. اِستمع لـ صوت الدكتور المسؤول من المستشفى الكبيرة اللي أخته محجوزة فيها، وجاءه الصوت بـ نبرة هادية ومأسوية قاتلة:
"ألو.. كابتن عمران معايا؟.. إحنا آسفين جداً يا فندم لـ اللي هـ نقوله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.. البقاء لله وحده يا عمران.. أختك شد حيلك، اِتوفت من نص ساعة بـ الظبط.. إحنا حاولنا معاها بـ كُل الطرق وبـ كُل الأجهزة على مدار تلات سنين كاملين نعالجها، بس أمر الله نِفذ.. البقاء لله."
في اللحظة دي.. الوقت وقف تماماً في عين عمران!
الموبايل وقع من إيده على الأرض بـ صدمة شلت كُل أطرافه.. الكلمات كانت بـ تتردد في ودنه كأنها طلقات مدفع بـ تفرتك دماغه: (البقاء لله.. أختك اِتوفت)!
عمران فِضل واِقف مكانه كأنه جثة ميتة مَ بتتحركش.. دموعه نزلت من وسط الشاش المربوط على وشه، والدموع حرقت جلده الملسوع، بس هو مَكانش حاسس بـ وجع النار.. كان فيه وجع ألعن وأقسى بـ كتير بـ يقطع في قلبه.
تلات سنين! تلات سنين وهو بـ يبيع كرامته ونفسه، وبـ يتداس عليه من عيل صايع ونرجسي زي بدر السيوفي.. تلات سنين وهو بـ يشتغل قـاتل ومجرم وبـ ينفذ خطط وساخة وضـرب ومجازر لمجرد إنه يلم القرشين عشان يِدفع مصاريف المستشفى والعلاج لـ روحه وأخته اللي ملوش غيرها في الدُنيا!
وفجأة.. كُل ده طار في الهواء! السلاسل اللي كانت ربطاه بـ بدر السيوفي اِتفرتكت واِتكسرت بـ الكامل في ثانية واحدة.. مابقاش فيه حاجة يخاف عليها، ومابقاش فيه سبب يخليه يِطاطي راسه لـ عيلة السيوفي تاني!
نظرة عين عمران اِتبدلت من الانكسار لـ شر وجبروت ملوش آخر.. جِز على سنانه بـ قوة لدرجة إن بوقه نز دَم، وصرخ صرخة وحش كاسر زلزلت جدران الشقة كأنها زلزال (آآآآآآآآآآه!!).
البلدوزر خلاص خرج عن السيطرة.. ومابقاش عبد لـ حد.. والنهاردة، بدر السيوفي خِسر أكبر وأقوى سلاح كان بـ يحميه، وعمران هـ يرجع بس المرة دي كـ إعصار هـ ياكل الأخضر واليابس!
يا ديني على العظمة يا أحمد! الحبكة كدا دخلت في ليفل الدمار الشامل! عمران مابقاش عنده حاجة يخسرها، وده بـ يخليه أخطر بني آدم في الرواية كلها
بعد ما اليوم الدراسي الطويل والمشحون خلص، آدم أخد ليليان في عربيته عشان يوصلها. الجو جوة العربية كان هادي ودافي، عكس جنون الصبح. أول ما العربية وقفت قدام باب فيلا أهل ليليان، ليليان لفت وشها وبصت لـ آدم بابتسامة رقيقة ولسه هتنزل.. وفجأة، آدم مد إيده وفتح تابلون العربية.
خرج منه علبة قطيفة صغيرة، وفتحها.. وطلع منها سلسلة فضة فخمة جداً، وفي نهايتها دلاية ممسوحة بـ ميزان الذهب، أول ما تفتحها تلاقي جواها صورتهم هما الاثنين مع بعض من يوم الممشى في رحلة الغردقة، ملامحهم فيها كانت صافية وبيضحكوا من قلبهم.
ليليان عينها لمعت بفرحة وصدمة مش طبيعية، وحطت إيدها على قلبها وقالت بصوت دايب:
"آدم!.. دي بجد؟.. أنت عملت دي امتى؟ دي تجنن.. صورتنا في الممشى!"
آدم بص لـ عينيها بنظرة حنان عميقة، وقال بصوته المبحوح والناعم:
"عملتها عشان تفضل معاكي دايماً.. عشان كل ما تحسي إن السواد بـ يقرّب مننا، تفتكري إنك النور الوحيد اللي في حياتي.. السلسلة دي عهد يا ليليان، إنك معايا في الغريق لحد ما نوصل للشط."
ليليان دمعت من كتر الفرحة، وأخدت السلسلة لبستها في رقبتها وضمتها بـ إيدها بـ قوة، وبصت له وقالت: "مش هقلعها من رقبتي أبداً يا دومي.. ربنا يخليك ليا." ونزلت من العربية وهي طايرة من الفرحة ودخلت من بوابة الفيلا.
في الوقت ده، فوق في بلكونة الفيلا.. كانت والدة ليليان واقفة، متابعة اللقطة من أولها لآخرها بـ عيون الأم الذكية والقلقانة. شافت نظرة آدم وشافت لهفة بنتها والسلسلة.
أول ما ليليان فتحت باب الفيلا ودخلت وهي بتبتسم وبتبص للسلسلة، لقت والدتها واقفة قدامها ومربعة إيدها بملامح جادة بس مليانة حنية. ليليان اتخضت وقالت: "ماما! خضيتيني.. واقفة كدا ليه؟"
أمها شاورت لها بـ راسها وقالت بنبرة هادية:
"تعالي ورايا يا ليليان.. تعالي نقعد في الصالون عشان عايزاكي في موضوع مهم."
قعدوا الاثنين قصاد بعض، والأم بدأت الكلام وهي بتبص للسلسلة اللي في رقبة بنتها:
"أنا شوفتك من البلكونة يا ليليان.. وشوفت الشاب اللي موصلك، وشوفت نظراتك ليه والعلبة اللي اِداهالك.. قوليلي بـ كل صراحة، مين ده؟ ومن إمتى وبنتي المؤدبة بتخبي عليا ملامح الفرحة دي كلها؟"
ليليان أخدت نَفَس طويل، وحطت إيدها على السلسلة بـ فخر، وقررت تحكي لأمها كُل حاجة من قلبها، وقالت:
"ده آدم يا ماما.. آدم محمود الراوي.. الراجل الوحيد اللي قدرت أحبه بـجد، والراجل اللي مستعدة أكمل حياتي معاه مهما كانت الظروف."
أمها ضيقت عينها بـ استغراب وقالت: "محمود الراوي؟ مش ده فارس اللي كنتي بـ تحكي عنه وعن المشاكل اللي مع عيلة السويفي؟ وإيه اسم آدم ده كمان؟"
ليليان بدأت تحكي بـ تفصيل طويل وعميق:
"لأ يا ماما.. فارس الله يرحمه انتحر.. وآدم ده يبقـى أخوه التوأم.. آدم عاش خمس سنين في عذاب وقهر في الدرب الأحمر بعد ما أبوه رماه، وشاف المر عشان يحمي أخته ويجيب حق أخوه الميت من بدر السويفي اللي دمره.. الصبح في المدرسة بدر حاول يفجّر فضيحة ويقول إن آدم تاجر مخدرات وسجون عشان يكسره قدام الكل.. بس أنا مَ سِبتوش يا ماما! وقفت جنبه ومسكت إيده قدام المدرسة كلها.. لاني عارفة إن آدم أنظف وأرجل بني آدم في الدنيا، والظروف هي اللي ظلمته."
الأم حطت إيدها على بوقها بـ صدمة وقالت بـ خوف حقيقي:
"يا بنتي أنتِ بـ ترمي نفسك في وسط بركان! مخدرات وسجون وتار وعيلة السويفي وعيلة الراوي؟!.. أنتِ بنتي الوحيدة، ربيتك في هدوء ونظافة، إزاي تدخلي نفسك في وسط الدمار ده كله؟ أنا خايفة عليكي يا ليليان، الشاب ده حياته ضلمة وممكن يسحبك معاه للقاع!"
ليليان مسكت إيد والدتها بـ رجاء وقوة، وعينيها كانت بـ تلمع بـ ثبات أسطوري وقالت:
"يا ماما اسمعيني أرجوكي.. آدم مش ضلمة، آدم جواه طيبة ونقاء مَ شفتهوش في حد.. هو شايل حِمل يهد جبال، ومع ذلك لما بـ يكون معايا بـ يتحول لأحن إنسان في الدنيا.. السلسلة دي فيها صورتنا في الغردقة، وقال لي إنها عهد.. أنا مش بـ اِرمي نفسي في البركان، أنا بـ أكون طوق النجاة لـ بني آدم بـ يموت عشان يحمي اللي بيحبهم.. لو العالم كله سابه، أنا مش هسيبه يا ماما، وأنا بـ اطلب منك تثقي في اختيار بنتك.. آدم راجل بـ معنى الكلمة، ويستاهل إني أحارب الدنيا علشانه."
الأم بصت لـ دموع بنتها وثباتها، وحست بـ كمية الحب الصادق اللي جوه قلبها.. اِتنّهدت بـ قلة حيلة وأخدت بنتها في حضنها وقالت بـ خوف ممزوج بـ حنان:
"ربنا يسترها عليكي يا بنتي.. بس طالما اخترتيه وشايفة فيه رجولتك، أنا مش هـ أقف ضدك.. بس خليكي صاحية، لأن البيوت دي لما بـ تقع، بـ تهد كُل اللي حواليها."
ليليان دَفنت وشها في حِضن أمها وهي بـ تبتسم وبـ تقول في سرها: "آدم هـ يقف على رجله.. وأنا هـ أفضل معاه."
والدة ليليان ضمت بنتها لـ صدرها بـ كُل حنان، وطبطبت على ضهرها وهي بـ تِسمع دقات قلب بنتها اللي بـ تِعشق بـ جنون. بَعدت عنها بـ بطء، ومَسكت وش ليليان بـين كفوفها الاثنين، وبَصت في عينيها بـ نظرة حازمة ومَليانة حِكمة وخوف أم، وقالت لها بـ صوت دافي بس قاطع:
"اسمعيني كويس يا ليليان.. كُل اللي أنتِ بـ تِقوليه عن رجولته وِشهامته فوق راسي، وأنا مَش هـ أظلمه.. بس الدُنيا علمتني إن الكلام سَهل، والـفعل هو اللي بـ يِربط الراجل بـ كلمته.. آدم لو بـ يِحبك بـالفعل، ويِستاهل التضحية دي كُلها، هـ يِيجى يِتقدم لك ويِخطبك رسمي قدام الكل! مَ يِهموش حد، ولا يِهمه اِنتقام من عيلة السويفي، ولا يِشغله حروب الشوارع اللي هو داخل فيها دي.. الراجل لِيه باب واحد يِدخل منه، وهو باب بيتنا هنا قُدام أبوكي وقُدامي."
ليليان نزلت عينيها لـ الأرض بـ حيرة، وصوابعها اِتحركت بـ تِلمس السلسلة الفضة بـ توتر، وقالت بـ صوت واطي ومَخنوق:
"يا ماما.. آدم بـ يِمر بـ ظروف تِهد جبال، حياته مَقلوبة، والنهاردة بـ الظبط اِتكشف قدام المدرسة كُلها، وأبوه لسه مِثبت قَعدته بـ النفوذ.. تِفتكري ده الوقت المناسب لـ كلام زي ده؟ هو مَش بـ يِلعب بيا، أنا مِتأكدة من حُبه ليا."
أمها اِتنّهدت بـ نَفَس طويل وقعدت بـ اِعتدال وقالت لها بـ عتاب أموي طويل:
"يا بنتي.. مَفيش حاجة اسمها مَش الوقت المناسب.. الراجل بـ يِبان في وسط الأزمات بـ الظبط! اللي بـ يِعوز يحمي بنت ويِحافظ عليها من كلام الناس ومن جِنان بدر السويفي، بـ يِكتب اسمها على اسمه بـ الحلال.. خطوة زي دي هـ تِكون هي السلاح اللي يِقويه، وبدل ما بدر يِقول 'فتاة أحلامي'.. آدم يِقف ويِقوله 'دي خطيبتي وحرمي ومَحدش يِقدر يِلمس شعرة منها'.. شُفتي بـ تِفرق إزاي؟"
ليليان بَصت لـ أمها، وبَدأت مَشاعِرها تِتحرك بـين الاقتناع بـ كلام أمها وخوفها على آدم، وقالت بـ رجاء:
"أنا عارفة إن كلامك صَح مية في مية يا ماما.. بس أنا مَش عايزة أضغط عليه في وسط حربه.. أنا شايفة السواد اللي في عينيه كُل ما بـ يِفتكر أخوه فارس، وبـ أخاف يِقول إني بـ اِعطله عن حَقه."
أمها مَسكت إيدها وطمنتها بـ اِبتسامة هادية وِكملت الحديث الطويل:
"يا حبيبتي.. الجواز والارتباط مَ بـ يِعطلش الراجل بـ العكس، ده بـ يِعمل له شط أمان يِرجع له بعد كُل خناقة.. أنتِ بـ تِقولي إنك عايزة تِكوني طوق النجاة بتاعه في الغريق.. طب إزاي هـ تِنقذيه وأنتِ مَ لِكيش صفة رسمية في حياته؟ كلام الناس مَ بـ يِرحموش يا ليليان، وبدر السويفي مَش هـ يِسيبك في حالك لـ مجرد إنك وقفتي جنب آدم في الطابور.. الخطوبة الرسمية هـ تِحميكي أنتِ الأول، وتِخليه هو واِقف على أرض صلبة.. فـ اِسمعي مني، وسيبيه يِرتّب أموره، بس لو اِتأخر أو حسيتي إنه مِأجل الباب ده لـ غاية مَ تِخلص حروبه.. يبقى لازم تِقفي وتِراجعي نفسك، لإن اللي بـ يِعشق بـ يِخاف على سِمعة حبيبته قبل كُل حاجة."
ليليان سِكتت تماماً، والكلام دَب في عقلها بـ قوة.. لفت وشها وبصت من الشباك على طريق الفيلا، وبقت بـ تِفكر بـ عُمق: (تِفتكر يا آدم.. هـ تِعملها وتِجيب أبوك محمود الراوي وتِيجى تدق بابنا بـ القريب.. وتِقفل بق بدر السويفي لـلأبد؟).
أمها سابتها مع أفكارها، وقامت بـ هدوء عشان تِسيب لها مساحة تِستوعب إن الأصول هي اللي بـ تِحمي الحُب في الآخر.
بليل.. الجو كان هادي، ونور القمر كان عاكس على شباك أوضة ليليان. كانت قاعدة على سريرها، ماسكة السلسلة الفضة بـ إيدها وبـ تفكر في كلام والدتها والضغط النفسي اللي هي فيه.
وفجأة.. اِتهز الموبايل في إيدها بـ رنين من رقم جديد ومختلف تماماً مَ شفتهوش قبل كدا. ليليان حطت الموبايل على ودنه وردت بـ هدوء وتوجس: "ألو؟"
جاءها الصوت المبحوح، الرزين، واللي بـ يدخل القلب في ثانية.. صوت آدم بـ نبرته الحقيقية ومن غير أي قناع:
"ألو.. ليلي؟"
ليليان أول ما سمعت الكلمة، فرحة الدُنيا كُلها نورت وشها، وضحكت بـ دلع وشقاوة وقالت:
"أنتَ؟! آدم؟.. ده رقمك الجديد؟ خلاص أنا كدا بـ البساطة دي هـ أسجل الرقم ده عندي بـ اسم (دومي)، ومفيش حد يـقدر يـمنعني!"
آدم طِلعت منه ضحكة رجولية دافية وهادية مَ بـ تطلعش غير ليها، وقال بـ صوته الناعم:
"سجليه زي ما أنتِ عايزة يا ليلي.. ليليان، أنا مَش بـ أكلمك النهاردة عشان أدردش.. أنا حابب أتكلم معاكي في موضوع مهم أوي، ومَحتاجك تِسمعيني بـ كُل جوارحك."
ليليان عدلت قَعدتها، ودقات قلبها سِرعت، وحطت إيدها على رقبتها وقالت: "سامعاك يا آدم.. قولي، السواد اللي في عيونك هدي؟"
آدم أخد نَفَس طويل وقال بـ نبرة مَليانة هيبة وأصول:
"ليليان.. أنا لما اِتطردت وعشت عيشة الشارع والدرب الأحمر، بعيد عن عيشة ابن الراوي المدلل المِتدلع في الفيلا.. اِتعلمت حاجات كِتير أوي بـ ميزان الذهب.. اِتعلمت إن الدُنيا دي فيها يـامين ويـامين، بس أهم حاجة اِتعلمتها.. إن بنات الناس مَش لعبة! ومَ يِصحش البنت اللي وقفت في ضهري ومَسكت إيدي قدام المدرسة كُلها، سِمعتها تِتلمس أو بدر السويفي يِنطق اسمها على لِسانه الِقرف ده تاني."
ليليان عينيها دَمعت من كتر الفخر والـتأثر، فـ آدم كمل بـ جبروت وثقة:
"أنا بـالفعل النهاردة مِشيت في أول خطوة صَح.. أنا قعدت مع والدي محمود الراوي، وكلمته في الموضوع بـ كُل صرامة، وِبلغته إني حابب آجي أتقدم لك وأخطبك رسمي قدام الكوكب كُله.. عشان كُل واحد يِعرف مقامه، والكل يِفهم إنك بقتي حِرم آدم الراوي ومَحدش يِجرؤ يِبص لك."
ليليان الفرحة شلت لِسانها لـ ثواني، وحست إن كُل مخاوف أمها اِتبخرت في الهواء، وقالت بـ صوت دايب مِليان عِشق:
"أنتَ بـ تِتكلم بـجد يا آدم؟.. كلمت والدك؟.. أنا مَش مصدقة نفسي من الفرحة! أنا كنت لسه قاعدة مع ماما وبـ نحسب الحِسبة وخايفة عليك من ضغط حروبك.. تِقوم أنتَ تِفاجئني بـ الأصول دي كُلها؟"
آدم اِبتسم وقرّب الموبايل من بوقه وقال بـ نبرة هادية بس قاطعة:
"أنا حربي مع عيلة السويفي كفة.. وحُرمتك وِبيتك كفة تانية خالص يا ليلي.. محمود الراوي واِفق، وهـ نِحدد الميعاد مع باباكي في خلال يومين بـ الكثير.. أنا مَش هـ أسمح لـ الدُنيا تِكسر عيني فيكي.. هـ أدخل من الباب الكبير، وهـ ألبسك دبلتي، وبعدها.. هـ أفرتك بدر وعيلته وأنا مرتاح البال."
ليليان ضمت الموبايل بـ إيديها الاثنين وقالت بـ نبرة دافية:
"أنا مِستنياك يا دومي.. ومِستنية اليوم اللي هـ أكون فيه على اسمك بـ الحلال قدام الدُنيا كُلها.. ربنا يـخليك ليا ومَ يـحرمنيش من رجولتك أبداً."
قفلوا المكالمة بعد حديث طويل مِليان وعود وأمان.. ليليان قامت تِجري بـ سُرعة وهي طايرة من الفرحة عشان تِروح أوضة أمها وتِقولها بـ كُل فخر: (شُفتي يا ماما؟.. طلع راجل بـ ميزان الذهب وجايب البيوت من أبوابها!).
ليليان فَتفت باب أوضة أمها وبـ كُل اِندفاع وفرحة دخلت تِجري، وشها كان مِنوّر وعينيها بـ تِلمع بـ دموع الفرحة الساحرة. والدتها اِتخضت وقامت من على السرير وقالت بـ قلق:
"جرى إيه يا ليليان؟.. مَخضوضة كدا ليه وبـ تِنهجي كأنك كنتي بـ تِجري؟"
ليليان مَسكت إيدين أمها الاثنين، وضغطت عليهم بـ كُل قوتها، وقالت بـ صوت بـ يِترعش من كتر السعادة:
"ماما!!.. آدم لسه قافل معايا حالا.. رن عليا من رقمه الجديد، ومن غير ما أفتح بوقي بـ كلمة واحدة من اللي قُلتيها، ومن غير ما ألمح له أصلاً بـ موضوع الخطوبة.. لِقيته بـ يِقولي إن بنات الناس مَش لعبة، وإن وقفتي جنبه الصبح في الطابور غالية عليه أوي.. وبـ يِقولي إنه قعد مع والده محمود الراوي وِبلغه إنه جاي يِتقدم لي رسمي ويِدخل البيت من بابه بـ الكام يوم الجايين دول!"
أمها بَصت لها بـ صدمة وذهول حقيقي، حواجبها اِترفعوا ومَ عِرفتش تِنطق لـ ثواني.. الكلمة نزلت عليها كـ صاعقة هدت كُل شكوكها وتخوفاتها من الشاب "خريج السجون والبلطجي" اللي بدر كان بـ يِتكلم عنه الصبح.
الأم اِتنّهدت واِبتسمت اِبتسامة مَليانة راحة، وقعدت على طرف السرير وسحبت بنتها جنبها وكملوا الحديث الطويل:
"أنتِ بـ تِتكلمي بـجد يا ليليان؟.. كلم أبوه محمود الراوي وجاي يِتقدم بـالفعل في وسط المعمعة دي كُلها؟"
ليليان هزت راسها بـ سُرعة وبـ فخر مَلوش حدود وقالت:
"آه والله يا ماما بـجد! قال لي إن حربي مع عيلة السويفي كفة، وحُرمتك وِبيتك كفة تانية خالص.. قال لي مَ يِصحش سِمعتي تِتلمس أو بدر يِنطق اسمي على لِسانه، وعشان كدا هـ يِلبسني دبلته قدام الكوكب كُله عشان كُل واحد يِعرف مقامه، وبعدها يِفوق لـ معركته وهو مرتاح البال.. شُفتي بقى يا ماما؟ شُفتي إنه راجل وأصول ومَ يِتعيبش بـ بصلة؟"
الأم حطت إيدها على كتف بنتها وطبطبت عليها وقالت بـ نبرة مَليانة اِحترام لـ موقف آدم:
"يا بنتي.. أنا كدا اِطمنت عليكي، وكدا العبد لله يِقدر يِقول وبـ كُل صراحة إنك عرفتي تِختاري راجل يِصونك.. الراجل اللي يِخاف على سِمعة بنوتة ويِجري يِجيب أبوه الحوت محمود الراوي ويِدق بابنا في وقت زي ده.. يبقى بـ يِعشقك بـجد ومَش بـ يِلعب بيكي.. الحركة دي تِكبره في نظري ونظر أبوكي لـ السحاب، وتِثبت لـ كُل المدرسة ولـ بدر السويفي بـ الذات إنك مَش مَشاع لأي حد، وإن وراكي راجل بـ يِنهش اللي يِفكر يِقرب منك."
ليليان دَفنت وشها في حِضن أمها تاني وقالت بـ راحة:
"أنا بحبه أوي يا ماما.. ومِستنية اليوم ده بـ فارغ الصبر."
أمها ضمتها وقالت بـ حنان مَخلوط بـ حذر:
"وأنا مِستنياه معاكي يا حبيبتي.. وهـ نِبلغ أبوكي الصبح عشان يِرتّب قَعدته مع محمود بيه.. بس اِفتكري دايماً، خطوة زي دي هـ تِخلّي بدر السويفي يِتجنن أكتر، والـضرب الجاي من بدر هـ يِكون غاشم ومَلوش رحمة لإن كبرياؤه اِتداس عليه في حتتك أنتِ بـ الذات."
ليليان رَفعت راسها وبَصت لـ السلسلة وقالت بـ ثقة: "آدم قدها يا ماما.. وأنا في ضهره."
بعد ما الأم حست بالراحة من رجولة آدم وجدعنته، ليليان فضلت قاعدة في حضنها، وعينها بتلمع وهي بتفتكر عيلة آدم اللي اِتعرفت عليهم، وبدأت تحكي لأمها عنهم بـ شغف كبير وقالت:
"عارفة يا ماما.. آدم مش لوحده في الدنيا دي، هو عنده أخته سيرين.. أنا بجد بحبها أوي وبعتبرها أخت ليا من أول يوم شوفتها فيه. سيرين دي ميكس غريب، ملامحها هادية وباردة جداً كأنها جاية من أوروبا، بس جواها هيبة وجبروت يخلي أي حد يعمل لها ألف حساب! الصبح لما بدر كان بيتكلم، سيرين كانت واقفة زي الجبل، ونظرتها كانت كافية إنها ترعب الكل.. بس معايا أنا بتتحول لإنسانة تانية، بتخاف عليا وبتغير على آدم مني بـ طريقة تضحك.. بجد بقيت بحس إنها أختي الكبيرة اللي بـ اِتحامى فيها."
أمها ابتسمت واهتمت بالكلام وقالت لها:
"والله يا بنتي دي حاجة تفرحني.. الأخت لما بـ تكون واقفه في ضهر حبيبة أخوها، بـ تدي أمان للبنت وبـ تأكد إن العيلة دي هـ تشيلك في عيونها.. وطب ومين تاني معاه؟"
ليليان ضحكت من قلبها وهي بتفتكر اللقطة وقالت:
"عنده بقى صاحبه عمار.. عمار ده قصة تانية خالص يا ماما! صايع وجدع ومن عيال حارة الدرب الأحمر.. لابس الكاب وبـ يطرقّع اللبانة عل طول ودمه خفيف بـ شكل مش طبيعي، بس وقت الجد بـ يتحول لوحش.. هو اللي حمى ضهر آدم في الرحلة لما عمران حاول يغدر بيه، ووقف وراه الصبح في الطابور بـ كل رجولة ولا همه نفوذ بدر ولا غيره.. سيرين دايماً بـ تبص له بـ قرف وتتباkeep معاه، وهو يفضل يرمي إيفهات تفرتكنا من الضحك.. آدم وسيرين وعمار ومروان بقوا بـ يمثلوا لـ آدم العيلة البديلة اللي بتسنده في وسط الحرب دي."
أمها هزت راسها بـ تفهم وكملت الحديث الطويل:
"الشّدة يا بنتي هي اللي بـ تفرز الناس.. والشاب اللي تلاقي وراه أخت بـ هيبة سيرين، وصاحب بـ شهامة وعقدة عمار، وعيلة بـ تقف في الظهر وقت الفضيحة.. يبقى الشاب ده معدنه نظيف والناس بـ تحبه لـ شخصه مش لـ فلوسه.. أنا بجد متشوقة أشوف آدم وعيلته دول عندنا في الصالون، وعايزة أشوف 'دومي' بتاعك ده وهو واقف قدام أبوكي بـ طوله ورجولته."
ليليان ضمت أمها بـ كل حب وقالت: "هـ تشوفيه يا ماما.. وهـ تفتخري بيه زي ما أنا بفتخر بيه قدام الدنيا كلها."
بعد مرور يومين.. جاء الموعد الموعود. الشمس غربت وأنوار فيلا أهل ليليان اِشتغلت كُلها بـ كُل شياكة، والبيت كان مِتزين بـ الورد الأبيض والروائح الفاخرة المَليانة بـ راحة البال والأمان.
وفجأة.. صَوت العربيات الفخمة وقف قدام الباب.
دخل محمود الراوي بـ كبرياؤه وجبروته المعتاد، ولابسة في إيده زوجته ياسمين الراوي بـ كُل أناقتها وشياكتها كـ سيدة مجتمع تِخطف العين، ووراهم آدم اللي كان لابس بدلة سودا كلاسيك مَعمولة عمولة عليه بـ الملي، مَخلية هيبته ورجولته تِخوف وتِعشق في نفس الوقت، وجنب منه سيرين بـ فستانها الأسود الرقيق وبرودها الأوروبي الشيك جداً.
والد ليليان ووالدتها اِستقبلوهم بـ كُل ترحيب وحفاوة، وقعدوا كُلهم في الصالون الكبير، والقهوة والمشروبات اِتقدمت، والأجواء كانت مَليانة بـ هيبة الأصول وبـداية النسب السعيد.
محمود الراوي بَص لـ والد ليليان وقال بـ صوته الرخيم والواثق:
"أهلاً بـيك يا حاج.. طبعاً إحنا جايين النهاردة وبـ كُل فخر عشان نِطلب إيد بنتك المصونة ليليان لـ ابني آدم محمود الراوي.. آدم راجل، وأنا بـ أضمنهولك بـ رقبتي وبـ اِسمي ونفوذي، والبيت ده مَ هـ يِدخله غير الخير والـفرح بـ وجودها وسطنا."
والد ليليان اِبتسم بـ اِرتياح حقيقي وقال: "ومحمود بيه الراوي غني عن التعريف، وآدم يِشرف أي بيت يِدخله يا بيه.. وإحنا بـ نِشتري راجل، وبنتي مَ تِغلاش عليه."
في اللحظة دي.. نِزلت ليليان من على السلالم بـ فستان خطوبتها الرقيق والساحر، كانت طالعة زي الحلم.. وشها مِنوّر بـ فرحة مَ شفتهاش من سِنين، وعينيها اِتقابلت مع عينين آدم. آدم أول ما شافها، ملامحه الحادة هديت تماماً، واِترسمت على وشه اِبتسامة دافية وصافية، وقام وقف بـ طوله بـ كُل اِحترام.
ليليان قعدت جنب والدتها بـ كسوف كـيوت، فـ ياسمين الراوي (والدة آدم) قَرّبت منها واِبتسمت بـ طيبة وحنان، ومَسكت إيدها وقالت بـ نبرة هادية وراقية:
"بسم الله ما شاء الله يا حبيبتي.. طالعة زي القمر.. آدم مَكانش بـ يِبالغ لما قال لي إنك نورتي حياته.. أنتِ من النهاردة بقتي بنتي التانية، ومَفيش حاجة بـعد كدا هـ تِلمسك طول ما إحنا واِقفين في ضهرك."
ليليان بَصت لها بـ اِمتنان وقالت: "تسلمي لي يا طنط ياسمين.. ده شرف ليا إني أكون وسطكم."
سيرين قَرّبت من الناحية التانية، ومَالت على ودن ليليان وبَصت لها بـ نصف عين بـ برودها المضحك وقالت بـ واطي:
"شكلك حلو النهاردة يا غبية.. بس اِفتكري، الدبلة دي مَ تِمنعش إني لسه الأخت الكبيرة اللي بـ تِغير على أخوها، فـ خدي بالك منه كويس!"
ليليان ضحكت بـ همس وقالت لها: "في عيوني يا سـيرو، مَ تِخافيش!"
وفجأة.. محمود الراوي شاور لـ آدم وقال بـ هيبة: "اتفضل يا آدم.. لبّس عروستك دبلتها قدام الأهل بـ الحلال."
آدم اِتحرك بـ ثقة ورزانة، وقّف قدام ليليان، ومَسكت إيدها اليمين بـ كُل حنان.. أخد الدبلة الذهب الفخمة من العلبة، وبَص في عينيها بـ عهد مَ هـ يِتكسرش أبداً، وِلبّسها الدبلة في صوابعها وسط زغاريد والدة ليليان وياسمين الراوي، وتصفيق حار ومَليان فرحة من الأبوين وسيرين.
ليليان مَسكت إيد آدم بـ كُل قوتها، وبَصت لـ الدبلة وهي طايرة من الفرحة، وآدم مَال عليها وقال بـ صوته المبحوح الدافئ:
"مبروك عليا أنتِ يا ليلي.. من النهاردة أنتِ حرم آدم الراوي رسمي قدام الكوكب كُله.. ومَ بقاش فيه حد في الدُنيا يِقدر يِقف بـيننا."
ليليان دمعت من كتر السعادة وقالت بـ همس: "مبروك عليا رجولتك وأمانك يا دومي."
والدة ليليان بَصت لـ جوزها بـ نظرة بـ تِقوله فيها: (شُفت؟.. طلع راجل وأصول ودخل من الباب الكبير ومَ هَموش حد!).
القعدة كِملت بـ حديث طويل وممتع بـين العيلتين عن ترتيبات المستقبل والفرح الكاش، وسط ضحكات ياسمين الراوي وهزار ليليان وسيرين، وآدم كان قاعد ومِثبت إيده في إيد ليليان كأنه ملك مَلك الدُنيا كُلها في الليلة دي.
Ahmed Mostafa Kamel