part 8

part 8

12 0

بعد عام واحد:

في مرسمها الجديد المطلّ على شاطئ بعيد، حيث صوت الموج يطغى على صرخات الماضي، كانت سارة تجلس أمام نافذة مفتوحة. لم تعد رائحة زيت الكتان تخنقها، بل أصبحت رائحة الملح والحرية هي سيدة المكان.

على الطاولة الخشبية بجانبها، وضع "الصندوق". لم يعد مخيفاً، فقد أُفرغ من رسائل الخوف ومن تلك الخصلة التي كانت تشبه القيد. وبجانبها، كانت ليلى تجلس في شرفتها، وجهها المحفور بتجاعيد سبعين عاماً من العزلة يمتص أشعة الشمس بنهم، وكأنها تعوض كل دقيقة قضتها تحت الأرض.

أمسكت سارة بالصندوق، ومررت أصابعها على قاعدته المرممة. لم يعد هناك قاع مزدوج، ولا أسرار مدفونة. وضعت بداخله ريشة رسم واحدة، نظيفة تماماً، وصورة فوتوغرافية التقطتها لليلى وهي تبتسم لأول مرة في الحديقة.

أغلقت سارة الصندوق بهدوء، وصوت "الطقطقة" هذه المرة كان صوتاً للإغلاق، وليس للاكتشاف.

نظرت إلى اللوحة البيضاء الكبيرة التي بدأت برسمها. لم تستخدم فيها دماً، ولا أنسجة، ولا أصباغاً محرمة. استخدمت ألواناً اشتراها لها إدريس قبل رحيله الغامض؛ ألواناً نابضة بالحياة، شفافة كالمياه، وصافية كالسماء التي تلت الحريق.

رسمت سارة "وادي الصفصاف"، لكن ليس كقبر، بل كأطلال نبتت وسطها الزهور. وفي زاوية اللوحة، حيث يختبئ الظل عادةً، رسمت "ثقب مفتاح" صغيراً، لكنه لم يكن يطل على غرفة مظلمة، بل كان يخرج منه شعاع ضوء ساطع يكسر عتمة الإطار.

همست ليلى من خلفها بصوت استعاد رنينه: "هل انتهيتِ يا ابنتي؟"

التفتت سارة إليها، وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم وضعت توقيعها في أسفل اللوحة. لم يكن توقيعها مجرد اسم، بل كان عهداً.

لقد توقف الصدى أخيراً. والآن، لم يعد هناك سوى صوت الحاضر، ولوحة جديدة تنتظر أن تروي قصة لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بالحياة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجينة الكتان

المؤلف Mounir Mounir
2026/04/01 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة