part 3

part 3

13 0

بعد مغادرة "عمّار"، خيّم صمت ثقيل على المرسم، صمتٌ لم تكسره سوى دقات الساعة الخشبية التي بدت وكأنها تعد تنازلياً لشيء ما. وضعت سارة اللوحة الضخمة على حامل خشب الزان، وسلطت عليها كشافاً ضوئياً قوياً بقوة 5000 لومن لتكشف عيوب الطلاء.

كان وجه "ليلى" في اللوحة ينظر إليها بجمود مرعب. سحبت سارة مجهرها الرقمي، وبدأت بتمرير العدسة فوق منطقة "الثوب الأحمر القاني". على الشاشة الكبيرة، بدأت تظهر تفاصيل الألياف والتشققات (Craquelure) التي تحدث للوحات الزيتية عبر العقود.

لكن هناك شيء لم يكن منطقياً.

همست سارة ونبضاتها تتسارع."هذا ليس 'مغرة حمراء' (Red Ochre) ولا 'قرمزياً' (Crimson)..."

عادة ما تكون الأصباغ الزيتية مكونة من حبيبات معدنية دقيقة، لكن تحت التكبير المجهري بنسبة 400x، رأت سارة خلايا متفحمة، جزيئات داكنة لا تشبه أي صبغة تجارية استخدمت في الخمسينيات. كانت المادة تبدو وكأنها "عضوية"، مادة تجلطت ثم جفت وتصلبت لتصبح جزءاً من النسيج.

بيد مرتجفة، سحبت مشرطاً ذا نصل مجهري (Micro-scalpel) وقامت بكشط مليمتر واحد فقط من الطبقة العلوية للثوب الأحمر. وضعت الكشافة في أنبوب اختبار صغير وأضافت قطرات من "المذيب الكيميائي".

تغير لون السائل فوراً. لم يتحول إلى أحمر زاهٍ، بل إلى لون بني صدئ، وفاحت منه رائحة معدنية نفاذة.. رائحة يعرفها أي شخص جرح إصبعه يوماً.

تراجعت سارة إلى الوراء حتى اصطدمت بطاولتها،"إنه دم..لقد مزج دماءها بالزيت ليصنع هذا اللون!"

في تلك اللحظة، لمحت شيئاً آخر في زاوية اللوحة، تحت طبقة "الورنيش" السميكة. كان هناك بروز طفيف لا يراه إلا مرمم محترف. استخدمت ضوءاً فوق بنفسجي (UV Light)، وفجأة، ظهرت كتابة مخفية تحت الطلاء، كتبت بأسلوب "الرسم بالخفاء":

"أنا لا أزال أتنفس تحت هذا القماش.. أنقذيني يا سارة."

سقط أنبوب الاختبار من يدها وانحطم على الأرض. كيف عرفت ليلى اسم "سارة" قبل سبعين عاماً؟ هل كانت الرسالة موجهة لها شخصياً؟ أم أن القاتل هو من أضاف هذه العبارة مؤخراً ليلعب بعقلها؟

فجأة، انطفأت أنوار المرسم بالكامل. ساد ظلام دامس، ولم يتبقَ سوى ضوء الشاشة الذي يعرض صورة "الخلايا الميتة" المكبرة. ومن زاوية الغرفة المظلمة، سمعت سارة صوتاً مألوفاً.. صوت احتكاك عود ثقاب، ثم توهجت شعلة صغيرة كشفت عن وجه "عمّار" وهو يجلس على كرسيها الجلدي في الظل، يمسك بغليونه ويراقبها بهدوء.

قال وهو ينفث دخاناً أبيض كثيفاً، "التفاصيل هي ما تقتلكِ دائماً يا سارة،ألم أخبركِ ألا تزيلي طبقات الطلاء بعنف؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجينة الكتان

المؤلف Mounir Mounir
2026/04/01 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة