مرّت الليلة كأنها دهر. لم تنم سارة؛ كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها مثل دقات ساعة جنائزية. مع خيوط الفجر الأولى التي صبغت سماء "وادي الصفصاف" بلون رمادي كئيب، سُمعت طرقات على الباب السفلي للمرسم. لم تكن طرقات عادية، بل كانت منتظمة، هادئة، وبها نبرة من الثقة التي لا تهتز.
نزلت سارة السلالم الخشبية وهي تشعر بقلبها يقرع قفصها الصدري. فتحت الباب ببطء، لتجد أمامها رجلاً يبدو وكأنه خرج للتو من صورة فوتوغرافية قديمة.
كان "عمّار".
طويل القامة، يرتدي معطفاً من الصوف الفاخر، وشعره الأبيض مصفف بعناية فائقة. عيناه كانتا زرقاوين باهتتين، تشبهان لون جليد البحيرات المتجمدة، لكنهما كانتا حادتين لدرجة تجعل المرء يشعر بأنه "مكشوف".
قال بصوت رخيم وهادئ،"سيدتي المرممة.. أعتذر عن الإزعاج في هذه الساعة المبكرة لكنني سمعتُ أن يداكِ تعيدان الحياة للأشياء الميتة."
تجمّدت سارة للحظة. هل كان يقصد اللوحات؟ أم كان يشير إلى الصندوق الذي نبشته ليلة أمس؟
قالت بصوت حاولت قدر الإمكان جعله ثابتاً."تفضل يا سيد عمّار،"
دخل الرجل المرسم، وجال ببصره في الأرجاء. توقف أمام طاولة العمل، تماماً فوق المكان الذي خبأت فيه سارة الرسائل على عجل تحت قطعة قماش. استنشق الهواء بعمق، ثم قال بابتسامة غامضة:
"رائحة زيت الكتان.. والتربنتين.. و... ورق قديم؟ إن للمرسم رائحة تشبه رائحة الذكريات."
وضع على الطاولة إطاراً ضخماً مغطى بقطعة قماش مخملية سوداء.
"هذه لوحة عائلية من الخمسينيات، أصابها التلف بفعل الزمن. أريدكِ أن تعيدي لها ألقها، لكن بشرط واحد.."
اقترب منها خطوة، فاحت منه رائحة تبغ "الغليون" الثقيلة، وهي نفس الرائحة التي شعرت بها سارة خلف بابها ليلة أمس.
"لا تزيلي طبقات الطلاء القديمة بعنف. أريد أن أرى ما الذي يختبئ تحت 'الجلد' الأصلي للوحة. هل تفهمينني يا سارة؟"
عندما سحب القماش عن اللوحة، شعرت سارة بأن الأرض تميد تحت قدميها. كانت اللوحة لامرأة تجلس في حديقة، ترتدي ثوباً أحمر قانياً، وشريطاً مخملياً أسود في شعرها. كانت ليلى. لكن ما روع سارة حقاً هو أن ملامح المرأة في اللوحة لم تكن تشبه ليلى فحسب.. بل كانت مطابقة تماماً لوجه سارة في المرآة.
سأل عمّار، وعيناه تلمعان ببريق مفترس،"لماذا تنظرين إليها هكذا؟،هل رأيتِ هذا الوجه من قبل؟"