كان الصمت في بلدة "وادي الصفصاف" ليس مجرد غياب للصوت، بل كان كياناً ثقيلاً يربض فوق الصدور. في مرسمها القابع في علية منزل ريفي قديم، كانت سارة تنحني فوق طاولة العمل، يحيط بها جيش من قوارير المذيبات، والزيوت، وفرش الرسم التي تشبه أصابع هيكل عظمي جاف.
كان المطر في الخارج يجلد النوافذ الخشبية، وصوت الريح يصفر عبر الشقوق مثل نُواح امرأة بعيدة. سارة، بشعرها المشتت وعينيها اللتين نال منهما السهر، لم تكن تنظر إلى لوحاتها، بل كانت تحدق في "الصندوق".
كان صندوقاً من خشب الجوز الداكن، متآكلاً عند الزوايا، وتفوح منه رائحة قوية تمزج بين العفن والبخور القديم. اشتراه لها "إدريس" بائع الأنتيكات الأبكم قبل يومين، ووضعه على طاولتها بهدوء مريب، ثم انسحب دون أن يطلب ثمناً، مكتفياً بإشارة بيده نحو القفل النحاسي المكسور.
همست سارة لنفسها"لماذا الآن؟". سحبت مشرط الترميم ذو النصل الدقيق. بدأت بوشم حواف القاعدة الخشبية. كانت تشعر أن الخشب "يقاوم"، كأنه يحاول حماية ما بداخله. ومع ضغطة قوية، سُمع صوت (طقطقة) جافة هزت أركان الغرفة الهادئة.
انفصلت اللوحة السفلية لتكشف عن فجوة ضيقة. سحبت سارة نفساً عميقاً وهي تمد أصابعها المرتجفة لتخرج رزمة من الأوراق الصفراء. لم تكن مجرد ورق؛ كانت ملمسها يشبه الجلد البشري الرقيق من فرط القدم. كانت مربوطة بخيط حريري أسود، وفي وسط الرزمة، سقطت خصلة شعر شقراء باهتة، مربوطة بشريط مخملي جاف تحول لونه من الأحمر القاني إلى البني المسود.
فتحت الرسالة الأولى. كانت الكلمات مكتوبة بخط يميل بشدة نحو اليسار، كأن صاحبه كان يكتب وهو يلتفت خلفه باستمرار.
"إلى من سيستبيح صمتي..
أكتب هذه السطور وأنا أسمع وقع أقدامه في الرواق. 'السيد الموقر' لا ينام، إنه يراقب الظلال على جدران غرفتي. يقول إنني أجمل لوحاته، لكنني أعرف ماذا يفعل باللوحات التي يمل منها. إنه يقشر الألوان عن وجوههن ليصنع منها مزيجاً جديداً. إذا وجدتم هذا الصندوق، فلا تبحثوا عني في القبور.. ابحثوا عني في 'اللوحة الكبرى' التي يعلقها فوق مدفأة قصره. أنا هناك، خلف طبقات الزيت والدم."
سقطت الرسالة من يد سارة. شعرت ببرودة مفاجئة تجتاح الغرفة، برودة لا علاقة لها بالطقس. نظرت نحو النافذة التي تطل على القصر الكبير القابع على التلة المقابلة. كان هناك ضوء واحد خافت يشتعل في العلية.
وفجأة، لمحت ظلاً يتحرك خلف زجاج القصر، ظل رجل طويل القامة، يحمل في يده ما يشبه ريشة رسم طويلة، وكان ينظر مباشرة نحو نافذتها.