الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"

الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"

20 2

‏حُبُّ النبيِّ على الأنامِ فريضةٌ لا تنسَ ذكر الهاشمي الأكرمِ إنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ وسيلةٌ فيها النجاةُ لكلِّ عبدٍ مُسلمِ صلُّوا على القمرِ المُنيرِ فإنّهُ نُورٌ تبدَّى في الغمامِ المُظلمِ - ابن الجوزي. ________________ أما اليوم؛ فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي، والعين التي تدمع عليَّ، والنفس التي تحبني لا لشيء سواي، فقليل لها مني أن أمنحها حياتي، فكيف أبخل عليها بقلبي؟! - المنفلوطي| النظرات _________________ بعدما أزاح منذر العُصبة عن عينيها، أخذت رحمة ترفرف بأهدابها عدة مرات حتى تعتاد الإضاءة، وما إن فتحت عينيها حتي توسعت حدقتيها بصدمة لما تراه أمامها اغلقت أجفانها مرة أخرى فقد شعرت أن عقلها خُيل لها مَن أمامها من شدة اشتياقها، وما إن فتحتهم مرة أخرى حتي رأته يقف أمامها مباشرة وعلي وجهه نفس ابتسامته العذبة لمع الدمع بعينيها ومدت يدها المرتعشة بعدم تصديق تتلمس وجهه وما إن شعرت بملمس جلده حتي أدركت أنه هنا، نزلت دموعها واندفعت لاحضانه بكل قوتها تردد باشتياق أضناها : _ مـصطفى! رفعها مصطفى بدوره حتى أصبحت لا تلامس الأرض أسفلها وقبل رأسها قُبلة أودعت حُبه لتلك القابعة بأحضانه قائلاً بحُب أخوي : _ قلب وروح مصطفى وحشتيني يا رحمة اوي... اوي كانت رحمة تشدد من مسكتها لقميصه من الخلف تشتم عبيره تشعر بقلبها يزداد نبضاته حتي ظنت أنه سيتوقف بأي لحظة، لا تصدق أنه هنا بجانبها بعد غياب طال لأكثر من عام يضمها بحُب كما كان يفعل تستشعر وجوده الذي لطالما أعطاها الأمان، أخيها هُنا بقُربها وهذا يكفيها! كان الجميع من حولها متأثراً بتلك المشاعر التي تنُم عن حُب خالص، أنزل مصطفى رحمة وابتعد عنها قليلاً ولكنه لم يفلتها من أحضانه وأخذ يمسح دمعاتها التي تساقطت فرحاً لرؤيته وقال بصوت مرحٍ حتي يخفف من المشاعر التي تعصف بكليهما : _ خلاص بقا كفاية عياط يعني اسيبك بتعيطي وارجع الاقيكي بتعيطي، ارحمي عيونك الحلوين دول! قال آخر كلماته وهو يقرصها بخفة من وجنتها بعد أن مسح دمعاتها فابتسمت رحمة بخفة وهنا تقدم منذر من خلفهم يقول بابتسامة جميلة ترتسم علي محياه : _ ايه رأيك في المفاجأة بقا! استدارت له رحمة بأعين تلتمع ببريق الحُب زاد من جمال عينيها ولخصت بنظرتها له كل معاني العشق والامتنان لذاك الرجل، انتبهت علي صوت أخيها وهو يقول ضامماً إياها لصدره : _بصراحة الفكرة فكرة أبو نسب، قالي وهو رايح يوصل أهله للمطار ياخدني ونفاجأك نظرت له رحمة وقالت بلهفةٍ : _ طب وماما دي هتفرح أوي لما تشوفك بادل كلاً من منذر ومصطفى النظرات الغامضة، وسحبها منذر من أحضان أخيها قائلاً بحُب : _ طب تعالي معايا نشوف المفاجأة التانية الأول ! قبل أن تُهم بالسير معه استدارت لأخيها تمسك بيده وهي بين أحضان زوجها فابتسم كلاهما عليها وتقدم ثلاثتهم بخطوات ثابتة تجاه القاعة المغلقة الخاصة بالمقهى، شجعها كلاً من مصطفى ومنذر بالدلوف أولاً وما إن فتحت الباب وجدت الصالة مطفأة الأنوار وما أن كادت تستدير حتى أضاءت القاعة فجأةً واندفع في وجهها الشرائط المُلونة الخاصة بالزينة يتبعه صوت كلا العائلتين يردد بفرحة علي وتيرة واحدة : _ كـل سـنة وانتي طيبة يا بـسكوتة! كانت بسمة رحمة تتسع رويداً وقلبها ينبض بفرحٍ وسعادة لم تدركها في حياتها إلا منذ أن ارتبطت بتلك العائلة! اندفع الجميع تباعاً يهنئوها بيوم مولودها بكل حُب، وكان آخر من هنئها والدتها الغالية فاحتضنتها بحُب أمومي خالص قائلةً : _ ربنا يسعدك يا رحمة وتفضل الفرحة مرسومة على وشك ويهنيكي يا بنتي ويحبب فيكي جميع خلقه كمان وكمان شددت رحمة من ضم والدتها لها بكل قوتها، سعيدة هي؟! لا هي لا تجد كلمة مناسبة لوصف ما تشعر به الآن جميع من تحبهم حولها تتمنى لو كان والدها هنا حتى تتكمل فرحتها للنهاية ولكن في نهاية الأمر هو في مكان أحسن من هنا و أكيد أنه يشعر بها! خرجت من أحضان والدتها علي صوت مريم المتحمس : _ يالا يا رحمة تعالي نطفي الشمع يالا! ابتسمت رحمة لها وتقدمت معها حول الطاولة الموضوع عليها الحلويات المخصصة لهذه الاحتفالات وقد كانت كبيرة تكفي الجميع وزيادة، توقفت أمامها مباشرة ووقف بجانبها أخيها والجانب الآخر والدتها يضماها من كتفها وصدح صوت الأغنية المخصصة للاحتفال يردد معه الجميع بكل فرحة! في ذلك الوقت كانت رحمة تبحث بنظرها على شخص بعينه فوجدته يقف على بُعد منها ينظر لها بحنو يراقب فرحتها تقابلت عينيها مع خاصته، تتمنى لو تذهب له تحتضنه وتخبره بكل كلمات العشق التي كُتبت منذ بداية الخليقة وهذا لا يكفيه فأي شعور سعيد روادها كان بسببه هو لا غيره فكيف توفيه بضعة كلمات حقه؟! قاطع تواصلهم البصري صوت أمها وهي تقول : _ يالا يا رحمة طفي الشمع! صدح صوت مريم مُعقباً وهي تقول : _ اتمني أُمنية الأول قبل ما تطفيه ابتسمت لها رحمة ثم وجهت بصرها له بشغف وقلبها يردد أُمنيتها الغالية وهو يبادلها نظرتها، ما إن انتهت من إطفاء الشموع حتي أخذ الجميع بعدها يُقدم لها الهدايا وهي تقابلها بابتسامة رقيقة وقلب ينبض بحُب، تقدم منها منذر بعد انتهاء الجميع من تقديم هداياهم وعلى ثغره ترتسم ابتسامة حانية جعلت قلبها يدق بصخب، قلص المسافة أكثر بينهما وقال بهمسٍ محب : _ مبسوطة؟! نظرت له رحمة بحُب وقالت بلهفةٍ  مشيرة لما حولها ولأخيها بصورة خاصة : _ أنت بتسأل بجد؟! ده أحلى يوم في حياتي كل الناس اللي بحبها حواليا، أنت حققت لي حلم كان نفسي أعيشه طول عمري يا منذر حسستني إني أتحب خليتني في عيون نفسي واللي حواليا جميلة  ، اا أنا مش عارفة أوصف لك أنا فرحانة ازاي حاسة اني هطير والله! فرحتها التي تشع من عينيها تحمسها في الحديث قبضة كفها على يده كل ذلك جعله يشعر بسعادة لا مثيل لها فهو يفعل كل ذلك حتى يرى تلك النظرة بعينيها تلك العيون التي طالما آرقت ليله وصحوه تلك العيون التي شهد الألم والعذاب بها كل مرة تبكي وتتذكر ماضٍ موجع، وقد أقسم من كل قلبه أنه سيحاول تبديل حزنها لفرح فكيف لتلك العيون أن تحزن! رفع كفها له مُقبلاً إياه بكل رقة و كأنه صُنعت من زجاج، ثم نظر لها نظرة تحمل حُب الدنيا أجمع لتلك القابع أمامه قائلاً : _ انتي تستاهلي كل الحلو يجي لك وميكفيش ولا يوفي حقك يا رحمة ،فرحتك دي عندي بالدنيا ثم تنحنح حتى لا تنجرف مشاعره أكثر من ذلك وخاصةً أمام الجميع، ثم قدم لها حقيبة صغيرة خاصة بالهدايا قائلاً بنبرة رخيمة : _خدي يالا افتحي الهدية بتاعتي وقولي لي رأيك! نظرت رحمة باندهاش وقالت بنبرة متأثرة : _ تعبت نفسك يا منذر كتير عليك اوي كلفت نفسك اوي _ لا ما أنا هاخد قصادها حاجة بس مش دلوقت افتحي بس يا ستي لأحسن خمس دقايق ومش ضامن نفسي لو استمريتي على النظرة دي! ابتسمت رحمة بيأس عليه ثم نظرت للهدية بفرحةٍ وحُب، وأخذت تفتحها بلفهةٍ وجدتها عُلبة قطيفة زرقاء تعجبت كثيرا وفتحتها بحذر، اتسعت عينيها باندهاش وهي ترى حلقة ذهبية رقيقة مزخرفة بشكل بسيط من النجوم ولكنه خاطف للانفاس، صدح صوته يخرجها من تأملها وهو يقول : _ أنا عارف الدبلة كانت بتضايقك واتحسستي منها لأنها مفرغة،فجبت دي قولي لي  عجبتك ولا تيجي تنقي واحدة تانية علي ذوقك انتي؟! ردت عليه بلهفةٍ وهي تخرجها من العُلبة الخاصة بها قائلةً : _ تانية ايه دي مفيش في جمالها، كفاية إنها ذوقك ومنك أنت يا منذر لمعت عيني منذر بفرح وسعادة وهو يرى سعادتها الجلية تلك، رفعت رحمة الخاتم الذهبي وهي تقول بحماس : _ يالا لبسهالي زي اللي فاتت! ابتسم منذر لها وأمسك يدها وقام بإلباسها الخاتم، وفي ذلك الوقت تقدم مصطفى منهم وهو يقول بمرح : _ جرا ايه يا ابو نسب أنا مراعي المشاعر الفياضة اللي بتنط منكم بس راعوني أنا شوية ده أنا حتى راجل جاي من سفر حتى! شهقت رحمة بخفة واقتربت منه قائلةً بلهفةٍ : _ متزعلش يا مصطفى حقك عليا، تعالى نقعد سوا واحكي لي عملت ايه وكل حاجة ماشي؟! قربها مصطفى منه يضم كتفها بذراعه وقال وهو ينظر لمنذر بمكر : _ قلب أخوكي يا بت يا رحمة والله، تعالي يا حبيبتي تعالي! ما إن سار بها عدة خطوات حتى أوقفته ملتفته لذاك الذي يتابعهم بجمود وقالت ببراءة : _ تعالى يا منذر واقف كدة ليه؟! نظر منذر لمصطفى بانتصار وتقدم منهما ساحباً إياها برفق من يدها قائلاً : _ تعالى يا نصفاني انتي! ربنا يكفينا شر عيون السناجل يارب قهقه مصطفى على حديثه متحركاً معهم وهو يشاكس منذر برحمة تارة وبالحديث تارة، فمنذ أن عاد راهن منذر أنه سيجعلها تنساه بمجرد رؤيتها له، ولكن يبدو أنه قد خسر الرهان مبكراً فنظرات أخته تلتمع تجاه ذلك الـمنذر بشكل لم يعهده فيها! _________________ _ماما مشوفتيش كريم من ساعة ما بدأنا نقدم الهدايا وهو خرج مرجعش! هكذا تشدقت مريم بكلماتها وهي تنظر لأمها تارة وللباب الذي رحل منه خطيبها تارة، تنهدت هالة بضيق فهي منذ أن غادر ومريم لا تنفك تسأل عنه كل دقيقتين تقريباً وتابعت بنزقٍ وهي تدفعها : _ بقولك ايه انتي صدعتيني يخربيت زنك ده، الله يكون في عونه، قومي ياختي شوفيه ولا كلميه في التليفون وارحمي دماغي مش كفاية عياط أخوكي عليا! ما إن تلفظت أمها بتلك الكلمات حتي نهضت مريم للخارج باحثةً عن كريم، تحت نظرات أمها الحانقة منها ومن تصرفاتها مال سمير علي هالة قائلاً بتعجب وهو يهدهد ابنه الذي يقبع بين أحضانه : _ الله! اومال البت مريم راحت فين؟! لوت هالة شفتيها بحركة معروفة وقالت بتهكم ساخر : _راحت تدور علي خطيبها ياخويا أكنه عيل صغير هيتوه الواد يا قلب أمه مبيعرفش يتنفس إلا لما يقولها، سبحان مين خلاه يستحمل هبلها وغيرتها دي! قهقه سمير عليها وقال من بين ضحكاته : _ عجبه يا ستي وبيحبها وهي بتحبه مالنا احنا بقا، وعلى رأي المثل هو راضي وهي راضية إيه دخلك بينهم يا قاضي! ضحكت هالة بغُلب وهي تلتقط صغيرها مقبلة إياه قائلةً : _على رأيك أنا مالي، خليني أنا في الواد المهلبية ده! وأخذت تدغدغ صغيرها وصوت ضحكاته البريئة تتعالى تُدخل البهجة في قلوب الجميع! _______________ توجهت مريم للخارج بعد كلمات أمها وكأنها كانت تنتظرها حتى تذهب خلفه، وما إن فتحت الباب حتي اندفعت بلهفةٍ للخارج غير واعية لذلك الذي كان علي وشك الدلوف فاصطدمت به بقوة جعلته ينقلب علي ظهره وتمسكت هي بالباب بقوةٍ، ثواني معدودة حتى أدركت الوضع فنظرت أمامها وجدته هو كـريم فاقتربت منه بسرعة وخوف وهي تراه يتألم من سقطته قائلةً : _ كـريم! أنت كويس فيه إيه بيوجعك نروح المستشفى؟! استنى هنده منذر يجي يوصلنا! وما إن كادت تتحرك حتي أوقفها قابضاً علي ملابسها وهو يمنعها بقوله : _ استنى كدة يا رياسة ماتاخد وتدي بشكل ودي معايا كدة! تحولت معالم الخوف للاستنكار الواضح ونهضت نافضةً يده القابضة على كم ملابسها وقالت وهي تراه يقف أمامها بكل شموخ : _ والله حرام عليك بقا توقع قلبي في رجليا وفي الاخر تهزر كدة! نظر لها كريم بحُب وقال : _ حقك عليا يا مريم، بس يعني مين اللي كان خارج وواخد في وشه وخلاني وقعت زرع بصل كدة! تحرجت مريم لكلماته فقالت باندفاع وغضب ما إن تذكرت السبب الأساسي في ذلك : _ أنا كنت طالعة أدور عليك على فكرة، خرجت من بدري وحتى مقولتش رايح فين! تنهد كريم وهو يقول بخفوت موضحاً لها بكل صراحة : _ أول حاجة أنا طلعت عشان أتأكد إن كل حاجة ماشية زي ما رتبت مع الراجل وبعدها اتحرجت أخش تاني انتوا عيلة مع بعضكوا أخش اعمل ايه! تقدمت مريم منه عدة خطوات تقول بثبات ونبرة قوية : _ وعلى فكرة انت من العيلة دي، انت خطيبي أنا وأنا بنت الناس اللي جوه دي يعني أنت في مقام إبنهم وقدام شوية جوز بنتهم وأبو ولادها فهمت ولا أعيد! مال عليها كريم وخُبث ينضح من عينيه جعل ثباتها ينقشع وتتوتر حدقتيها من قُربه وقال : _ لا عيدي أخر جملتين أصلهم كيفوني أوي! برغم خجلها ولكنها نظرت له بصلابة رافعةً سبابتها في وجهه وهي تقول بجمود برغم دقات قلبها التي تتعالى بصخبٍ : _ لا لا لحد هنا واستوب يا كيمو، مش عشان أحمد سافر ومبقاش فيه حظر تجوال عليك إني هسمح بأي تسيب ماشي! ابتسم كريم بفخر وحُب لها وقال بمرح : _ عُلم ويُنفذ يا فندم! رفعت مريم حاجبيها باعتراض فعدل كريم قوله _ الذي يخصها هي فقط وأصبحت تحبه منه فقط _ وهو يقول بنبرة مُحبة : _ أنت تؤمر يا رياسة! رفعت مريم كتفيها وقالت بترفع مرح : _ إذا كان خلاص عفوت عنك، وتعالى نتصور صورة هنا وبعدها ندخلهم يالا! قالتها ثم اندفعت إلى أحد الزوايا الملائمة خلفيتها لالتقاط الصور، وكريم خلفها يتنهد بحُب، فمنذ أن خُطبت له حولت حياته من روتينية مملة لمليئة بالشقاوة والحُب أضفت له الروح التي كان يفتقدها بعد وفاة والده وأخيه، ثم تقدم منها يقول بداخل نفسه متضرعاً لربه : _ النجمة البعيدة بقت أقرب ليا من رمش العين، يارب أجمعني بيها بالحلال واحفظها ليا يارب! ثم وقف معها ملتقطاً إحدى الصور التذكارية لهما يلتمع العشق والمشاكسة في نظرتهما لبعض! ______________ كان مصطفى جالساً يقص ما حدث معه لأخته وزوجها بابتسامة عذبة تزين وجهه : _ اول اسبوع قعدت مع ناس مكنوش طايقني وبيتلككوا عشان عربي، بس بعدها نقلت لبيت تاني واتعرفت على عرب كتير، احلى حاجة هناك إن لو اشتغلتي واجتهدتي بتلاقي نتيجة وبتعلي في المرتب والمكانة مش يجي لك ابن خالة المدير يترقى علي قفا واحد طافح الدم، لا الحمد لله هناك غير قدرت أثبت نفسي في السنة ونص دول وعرفت أقف على رجلي بفضل الله، كان اللي ناقصني وجودكم! ابتسمت له رحمة بحُب وهي تربت علي يده الموضوعة علي الطاولة أمامهم قائلةً : _ انت تعبت كتير يا مصطفى ولسه ربنا هيكرمك كمان وكمان أمن مصطفى على دعائها، ثم تحدث منذر يسأله بهدوء : _ وانت ناوي ايه في الخطوة اللي جاية بإذن الله؟! زم مصطفي شفتيه وقال بحيرةٍ : _ والله يا منذر حالياً أنا مرتاح هناك، بس أنا مش حابب أكرر حياة الغُربة طول عمري زي ما بابا الله يرحمه عمل، أنا سمعت إن فيه فرع للشركة اللي أنا شغال فيها في مصر ودولة عربية تانية أنا مش عارف هي فين، بس اللي فهمته إن أكتر الناس كفاءة يقدر يتنقل في أي فرع وأنا بحاول أثبت نفسي علي قد ما قدر، أمي هتحتاجني معاها هي وجدي خصوصاً لما البسكوتة دي تتجوز! نظر كلاً من منذر ورحمة بحُب أعربت عنه نظراتهما، واستمرت الجلسة بحُب وأُلفة طاغية علي وجه الجميع! ___________________ بعد مرور أسبوع تقريباً، كانت مريم ورحمة وكريم ومنذر في إحدى الأسواق التجارية يتجولون بحثاً عن أحد الفساتين فقد أقترب موعد الزفاف الخاص بصديقتهما آيات، توقف منذر أمام أحد المحلات وقال لهم : _ المحل ده أنا عارف صاحبه وخامات القماش عنده حلوة تعالوا نشوف! دخلت الفتاتان وكاد منذر يلحقهم ولكن أوقفه كريم وهو يقول باعتراض : _ منذر لو دخلت أنا مليش دعوة هو من معارفك ولا لا، وإلا هاخد مريم ونلف فحتة تانية! نظر له منذر وقال بنبرة متذمرة : _ يا بني بطل أوڨر شوية، انا وانت واحد، وبعدين انت لسه خطيبها يعني ملهاش حق عليك تجيب لها حاجة خلي القرشين دول هينفعوك قدام الجواز مصاريفه كتير يا صاحبي! ابتسم كريم له وقال بهدوء : _ أنا مستأذن أبوها يأخي، ومتقلقش مستورة والحمد لله، المهم زي مقولت ماشي! هز منذر رأسه يائساً على تيبس رأس صديقه وقال بنبرة مغلوبة على أمرها : _ ماشي يا سيدي، ويالا نخش بقا بقالنا ساعة واقفين ابتسم له كريم ثم دلف معه لداخل المحل، وتوجه كل منهما لنصفه الآخر ينتقي معها ما تريد! عند منذر كان يقف بجوار رحمة يترك لها كامل الحرية في انتقاء ما تريد ولكنها كانت مشتتة بشكل كبير فاستدارت له تقول بخفوت : _منذر تعالى اختار معايا أنا محتارة ابتسم لها منذر وأخذ يمرر أنظاره علي الفساتين المعروضة فوقع بصره علي إحداهما تأمله لوهلة متخيلاً إياها به فابتسم بحُب متلفتاً  لها وهو يقول بهدوء : _ بُصي يا رحمة كدة! نظرت لما يشير هو فوجدت فستان باللون القرمزي الهادئ مُزين من الصدر بزخرفة فضية الشكل يضيق من من الأعلى وينزل علي اتساع متدرج بقماش الدانتيل، نظرت له رحمة بتشوش وقالت : _ بلاش أحمر يا منذر حاسة إنه هيبقا اللون وحش عليا، خليني في الألوان الهادية أنا عايزة أجيب بني او رمادي حاجة هادية كدة! رفع منذر حاجبه بتهكم وقال وهو يلتقط الفستان من العلّاقة الخاصة به : _ بقولك ايه قيسي الفستان وبعدين نشوف لو وحش ولا حلو! جاءت إحدى الفتيات العاملة بالمكان تستأذنه وقامت بإنزال الفستان وقالت مشيرةً لرحمة باحترام : -اتفضلي حضرتك البروڨة من هنا! نظرت رحمة له برفض ولكن وجدت نظرته جامدة فتنهدت بغُلب تتقدم الفتاة إلي المكان المخصص للقياس يتابعها منذر بعينيه وهو يقول بسخرية : _بني و رمادي يا رحمة ليه رايحة عزا ولا فرح! شكلها أيام فُل عليا بعد الجواز أما عند كريم فقد كان الأمر مختلف فمريم منذ أن دلفت وقع عينيها علي واحد بعينه فستان من اللون اللاڨندر من خامة الشيفون يضيق من الصدر ويتسع من الخصر مزين بورود بيضاء، كان كريم يراقب لمعة عينيها بالفستان فابتسم بحُب وقال : _ لو عجبك هنده حد تقسيه وناخده ماشي؟! هزت مريم رأسها بحماس، وانتظرت حتي أنزلته إحدى الفتيات متقدمةً معها حتي ترتدى ذلك التحفة الفنية من وجهة نظرها! كان أول من انتهى مريم وأخذت تدور حول نفسها بسعادة متأملة نفسها في المرآه وقد التقطت عدة صور لنفسها حتى تراه من جميع الزوايا، تشدقت الفتاة التي دلفت تساعدها في إرتدائه قائلةً : _ شكله جميل عليكي يا فندم، الفستان ده جاي من تركيا ولسه عارضينه انهاردة وبجد تحسيه معمول عشانك! كانت مريم تستمع لها بفرحةٍ ولكنها تذكرت شئ ما كادت تتلافيه في غمرة سعادتها بذلك الفستان، فاستدارت لها تقول بخفوت : _ طب لو سمحتي ممكن تعرفي لي هو بكام؟! _ ثواني اشوف لحضرتك السعر من الكاشير! ما إن خرجت الفتاة حتى عصفت بمريم أفكار كثيرة فإذا تخطى سعره حد المعقول ماذا ستخبر كريم؟! فهي لا تريد أن تحمله فوق طاقته فهو يتحمل نفقات كثيرة ولا تريد أن تزيد أعبائه، وأثناء شرودها دخلت الفتاة مبتسمة بهدوء قائلةً : _الفستان سعره ٣٥٠٠ وعليه خصم ١٠٪ يعني سعره ٣١٥٠ جنيه شكرتها مريم بهدوء وقد طلبت منها معاونتها لخلعه، فتعجبت الفتاة وهي تقول : _ مش هتوريه لجوزك بره هو مستنيكي! تنهدت مريم وقالت وهي تلتفت تعطيها ظهرها قائلةً بثبات : _ مش مناسبني ،لو سمحتي ساعديني أنا اتأخرت عليهم! لوت الفتاة شفتيها بعدم تصديق وحاولت إثنائها عن قرارها ولكن مريم اعترضت بقوة، فخرجت الفتاة حاملة الفستان وخلفها مريم وقع بصرها على كريم وجدت نظراته غامضة بشكل أربكها، هربت من عينيه بحثاً عن منذر فوجدته يقف مع رحمة ويتحدث بهدوء وكأنه يقنعها بشئ ويبدو أنها انهت من اختيار فستانها، شعرت بأقدام كريم تقترب منها لا تعلم لم شعرت بالتوجس فابتلعت لُعابها بتوتر وهي تنظر له بابتسامة ضعيفة لم يبادلها كعادته بل قال بصوت أجش هادئ : _ فين الفستان يا مريم اللي كان عجبك؟! قبضت مريم علي كفها تخبره بابتسامة وثبات لا تملكه بداخها حالياً وقالت : _ مطلعش مناسب ليا، تعالى نروح محل تاني المول كبير! ابتسم كريم من زاوية فمه وقال بتهكم وهو يعقد يده أمامه : _ غريبة يعني مع إن البنت لما خرجت قالت ان الفستان حلو جدا عليكي! توترت مريم لوهلة ونظرت تجاه الفتاة  فوجدتها منكبة في الحديث مع شخص آخر خائفة هي إن كانت أخبرته بشئ ، فعادت تنظر له وهي تبرر له بقلب مضطرب : _ انت بتصدق يعني ما معظمهم بيقول كدة عشان يبيعوا و.. ويالا أنا هروح اشوف رحمة عجبها حاجة ولا لا! ثم التفتت تجاه وقوف صديقتها تتمنى الهروب من نظراته المغايرة لما اعتادته عليه وكأنها... معاتبة ومتألمة! ما إن همت بالرحيل من أمامه حتي توقفت محلها متصنمة وكأنه أُلقي عليها دلو من زمهرير في ليلة قارصة البرودة وهي تسمعه يقول بحُزن : _ سألتي ليه عن السعر يا مريم؟ تنفست مريم بعمق قبل أن تستدير له، لا تريد أن يظن أنها تقلل منه لا تريد أن يحزن وهي لا تقصد ذلك، ما إن التفتت له حتى ابتسمت بهدوء قائلةً بنبرة حاولت إخراجها طبيعية لا يشوبها التوتر : _ عادي يعني! أصل البنت قاعدة تشكر لي فيه جامد وفي الآخر مطلعش مناسب فقولت أسأل سعره كام يعني علي كل ده! نظر لها كريم بجمود وغموض شعرت مريم بالتوجس منه، قاطع تواصلهم صوت منذر من الخلف وهو يقول بهدوء : _ ها يا شباب خلصتوا ولا هتقعدوا سنة تقتنعوا بفستان زي الست هانم دي! وكزته رحمة بخفة فغمزها بعينه بعبثٍ جعلها تحرك رأسها بيأس عليه، فقال كريم ولم يزح عينيه من على خاصة مريم : _ لا مريم معجبهاش الفستان! نظرت رحمة لها بتعجب وقالت وهي تقترب منها : _ ليه ده انتي كنتي حباه اوي من اول ما دخلنا! زاغت نظرات مريم وهي تراه يبتسم بتهكم وقالت بتوتر طفيف : _ ما عادي يا رحمة مطلعش حلو عليا! _طب ايه هتروحوا مكان تاني ولا ايه؟! هكذا تشدق منذر بهدوء ونظراته تحاول أن يستشف ما في الأمر، فنظرات كريم لم تكن طبيعية بالمرة، وهنا تحدثت رحمة بهدوء وهي ترمق مريم بتمعن : _فيه محل كنت بورد ليه كام فستان هو كويس تعالوا نشوف هناك! انهت حديثها وقامت بسحب مريم من يدها تسبقهم، فقالت بخفوت وهي تميل علي أذن صديقتها : _ فيه ايه يا مريم؟! حصل حاجة بينك وبين كريم؟ نظرت لها مريم بتوتر وخوف من إحزانه ولكنها برغم ذلك قالت بهدوء : _ لا محصلش حاجة! نظرت لها رحمة نظرات ثاقبة هناك خطب ما هي متأكدة ولكنها آثرت الصمت احتراماً لخصوصية صديقتها! بعد دقائق من السير وصل الجميع لوجهتهم، فانتقت مريم أحد الفساتين الهادئة البسيطة جداً خلاف السابق، وكريم ينظر لها وهو يشعر بالحُزن ورأسه تعصف به هل لا يستطيع أن يوفر لها ما تريد؟! هل تراه قليل من نظرها؟! وجد صديقه يربت علي كتفه قائلاً بهدوء : _ انت كويس يا كريم؟ البت مريم زعلتك في حاجة! نظر له كريم وهو يبتسم بهدوء قائلاً  : _لا يا عم مفيش حاجة، أنا بس افتكرت حاجات ورايا كنت مسقطها فشايل همها اومأ منذر برأسه برغم عدم اقتناعه ولكنه نفض الأمر، انتهت مريم بانتقاء ما تريد وغادر الجميع بالسيارة الخاصة بمنذر تحت صمت قاتل خلاف النظرات السارقة التي تقتنصها مريم كل فترة لكريم ولكن لا يعيرها أي اهتمام.. حزينة هي؟! نعم، لا تقصد إحزانه تتمنى لو تسنح لها الفرصة معه بالحديث ولكنه يتجنبها وهذا يحزنها بشدة! ما إن وصل الجميع لوجهتهم، حتي نزل كريم بسرعة يستأذنهم بهدوء لأن هناك عمل طارئ وودعها بفتور غريب عليه ثم رحل، شعرت بالدموع تتجمع في مُقلتيها ولكنها لا تريد البكاء أمام أحد فاستأذنت بهدوء من أخيها وصديقتها وهرولت لمنزلها ،نظر منذر ورحمة لبعضهما بتيهٍ لما يحدث، خرج منه منذر أولاً وهو يتنهد قائلاً : _ يالا اركبي عشان اروحك! أشارت رحمة حيثما صعدت صديقتها قائلةً بحزن : _ طب مريم يا منذر! فتح لها باب السيارة وقال بهدوء : _ أنا حاولت أعرف فيه ايه، لكن محدش عايز يقول حاجة نسيبهم لغاية ما يهدوا ولو متحلتش نتدخل احنا يالا اركبي! صعدت رحمة بدورها للسيارة وهي تشعر بالحُزن تجاه صديقتها وأخذت تناجي ربها أن ييسر الأمور لها! _______________ مساءً كانت مريم تبكي وهي تنظر لهاتفها بألم وهي تبصر صورتها بذاك الفستان ياليتها لم تُعجب به حتي لا يعاملها بذاك الجفاء، سمعت صوت الباب فمسحت عينيها ودعت الطارق للدلوف ولم تكن غير والدتها فابتسمت لها بضعف ، قالت أمها وهي تتقدم من مكان جلوسها : _ سيبتك أهو تهدي أقدر أعرف بنتي الحلوة ايه اللي مزعلها اوي كدة ومخليها تعيط من ساعة ما جت من بره؟! لم ترد مريم عليها بل شردت في الأمر وشعرت بنغز الدموع في عينيها مرة أخرى ، وأثناء مراقبة أمها لها وقع بصرها علي تلك الصورة، فانتشلت الهاتف فابتسمت بحُب وقالت بتعجب : _ حلو الفستان ده يا حبيبتي، مجبتيهوش ليه؟! هنا نزلت دموع مريم وأجهشت بالبكاء، فتركت والدتها الهاتف بسرعة واحتضنتها بقلق وأخذت تمسد على ظهرها ولسانها يردد بآيات من الذكر الحكيم حتى تهدأ، وبعد مدة لا بأس بها كفت مريم عن البكاء فرفعت أمها وجهها لها وهي تمسح بقايا الدموع من وجنتها بحنان قائلةً : _ مالك يا نور عيني حصل ايه لكل الدموع دي؟ نظرت لها مريم وأفصحت عن كل شئ وتابعت بصوت متحشرج : _ لما رجعت كلمته بس لقيته بيتكلم بأسلوب ناشف اوي وبيقفل في الكلام.. اا انا مكنش قصدي والله حاجة وحشة ولا إني ازعله، أنا مغلطش يا ماما مش كدة؟! ابتسمت لها هالة بحنو وهي ترى نظراتها المترقبة وقالت بهدوء وحكمة : _ يمكن نيتك كانت خير وانتي متقصديش، بس انتي عارفة كريم حساس ازاي يا مريم وده شوفته فكل مرة بيجي هنا بيبقا محتار يخش بإيه عشان ميحسش أنه قليل، حتي الشقة سايب لك كل حاجة تعمليها براحتك ومش مأيدك بمبلغ سايبك تعملي اللي يفرحك.. لكن إنتي لما عملتي الحركة دي حسستيه إنه قليل في نظرك حتى لو مش قصدك كدة، لازم تتكلموا وتحطوا حد للموضوع ده لازم كل واحد فيكم يفهم للي قدامه تفكيره عشان قدام هتتعبوا اوي لو استمريتوا على كدة! مسحت مريم وجهها بضيق وهي تقول : _ مش عارفة أكلمه يا ماما بيقفل في الكلام، أعمل ايه يعني! تنهدت هالة وهي تقف متوجهةً للخارج قائلةً بهدوء : _ سيبيها على الله الوقت أتأخر نامي وبكرة يحلها الحلاّل ونشوف هنعمل ايه! وخرجت بعدما تأكدت أنها دلفت للنوم ولكن مريم عقلها كأن أبعد من ذلك تفكر به وكيف ستتحدث معه وماذا ستخبره تخشى أن تكبر المعضلة بينهما أكثر من ذلك أحبته هي ولا تتمنى سوى قُربه! ______________ في عصر اليوم الموالي، كان كريم يفتح باب منزله بوجه عابس مقتضب بعد يوم روتيني ممل لعدم سماعه صوتها، تنهد بضيق وما إن فتح الباب ودلف حتي تناهى لمسمعه صوتها ظن أنه يتوهم فابتسم بسخرية علي حاله، ودلف إلي بهو المنزل ولكنه تيبس محله وهو يراها أمامه لم يتوهم هي حقاً هنا! خرج من صدمته على صوت أمه وهي تدعوه قائلةً بحبور : _ تعالى يا كريم، شوف خطيبتك ومامتنا عملوا ايه وتعبوا نفسهم! ردت هالة علي حديثها بلطفٍ : _ متقوليش كدة يا ست حنان ده أحنا أهل ونسايب وفوق كل ده جيران والنبي وصى على سابع جار _ عليه أفضل الصلاة والسلام هكذا تشدق الجميع يصلون على الحبيب بقلبٍ ورع، تنحنح كريم مجلياً حلقه وهو يُلقي السلام ببحته المميزة جالساً على مقربةً منها، أخذ الحديث يدور من حوله ولكنه لا ينتبه له فقد تلاشى حُزنه ما إن رآها ينظر لها بعتابٍ رقيق وهي تبادله نظراته هي الأخرى، قاطع تواصلهم البصري صوت أمه وهي تقول بهدوء ما إن رأت نظراتهما : _ اطلعوا يا حبايبي البلكونة اتكلموا شوية واحنا قاعدين هنا! نظرت مريم لأمها تستأذنها فهزت والدتها رأسها بدورها موافقةً، نهض هو أولاً يحثها على الدلوف بصمت فقط يشير بيده تجاه الشرفة لبت مريم طلبه بهدوء تحت نظرات أمها ووالدته، قالت هالة بتضرع : _ ربنا يهدي سرهم يارب، ويتصالحوا علي خير! أمنت حنان علي دعائه ونظراتها تتابع إبنها ومخطوبته قائلةً : _يارب يا أم مريم لأحسن من امبارح وهو ضارب بوز يقطع الخميرة من البيت زمت هالة شفتيها بضيق ساخر وهي تقول : _ ومين سمعك عندي نفس العينة والله، ما جمع الا ما وفق فعلاً ضحكت الاثنتان بخفة وداخل كل قلب منهما يدعو بصلاح الحال لهما! كانت مريم جالسةً تنظر له بترقب، وهو يبادلها نظراتها بجمود، قاطعت الصمت السائد مريم متنهدتاً بضيق وهي تقول : _ايه هنفضل ساكتين كدة! قول حاجة يا كريم رد عليها كريم بنبرة جامدة : _ أقول ايه يا مريم؟! الكلام كله عندك انتي! فهميني يا بنت الناس ليه تسألي علي السعر ولما تعرفي مترضيش تاخديه للدرجة دي شيفاني قليل ومش هعرف اجيب لك اللي نفسك فيه؟! مالت مريم بجسدها بتحفز للأمام وهي تقول بصلابة : _ أولاً عمرك ما كنت قليل يا كريم لازم تفهم كدة، أنا لو شيفاك قليل زي ما بتقول عمري ما أفكر ارتبط بيك ولا أهلي يسلموني ليك كان يستمع لحديثها بقلبه لا بأذنه يستشعر صدق كلامها فلمَ فعلت ذلك؟! وكأنها قرأت ما يجول داخله فتابعت بتوتر طفيف ظهر في صوتها المغلف بالثبات الواهي : _ أ..أنا مكنتش أقصد إني احسسك بكدة يا كريم، أنا بس مكنتش عايزة أحملك فوق طاقتك انت من كام يوم كنت بتشتكي من الخسارة اللي حصلت لك في المطبعة وكلفتك كتير غير علاج مامتك وتوضيب الشقة، ليه اجي عليك وازود حملك أنا مش انانية يا كريم عشان اعمل كدة! نهض كريم بدوره ينظر من النافذة المطلة على الطريق وقال بصوت متألم : _ مكنتش عايز غير إني اشوف الفرحة اللي كانت في عينيكي وانتي ماسكة الفستان، لما طلعتي بعد ما رجعتيه شوفت فرحتك انطفت حسيت إني مستاهلكيش! ثم التفت لها ينظر في عينيها  وهو يتابع حديثه بصوت أجش : _ لما احس اني مش عارف ارسم الفرحة في عينيكي يبقا مستاهلكيش يا مريم! تقدمت مريم منه خطوة تقول بهدوء يخالف دقات قلبها التي تنبض بخوف : _ انا بقا عمري ما عرفت الفرحة اللي بجد الا لما انت دخلت حياتي يا كريم، عايزاك تفهم حاجة يا ابن الحلال أنا اه من بيت ناس مبسوطة صحيح  بس آخر حاجة تهمني الفلوس والمنظرة ، وعارفة ازاي ابويا بيطفح الدم عشان يقدر يوفر لي عيشة مرتاحة ثم نظرت لعمق عينيه اللامعة وهي تكمل بحُب : _ انا عمر ما جالي حاجة الا لما عرفت قيمتها يا كريم، وانت لازم تفهم ان لما بقيت معايا مقدرة انت ايه، انت قيمتك عندي كبيرة اوي مش بالفلوس اللي ممكن تروح في لحظة، لا قيمتك كبيرة عندي بمعدنك الطيب وإنك راجل اتسند عليه لما احتاجك ومتأكدة إني مش ممكن أميل، اوعى تفتكر إن سعادتي في حبة ورق هي أه مهمة بس مش كل حاجة بالنسبة لي أنا الأهم عندي انت افهم ده كويس! كان كريم يشعر بنفسه محلقاً في السماء كما الطير المهاجر قلبه يطرق بقوة بين أضلعه لا يصدق ما تتفوه به تلك الجنية التي سحرته بشخصها، تنهد بعمق لعله يهدئ من تلك المشاعر التي تعصف به وقال مستعيداً ثباته الواهي متحدثاً بعقلانية  : _ مريم أنا عارف إنك بتقولي ده من قلبك، بس المشاعر الحلوة دي أنا خايف ادبلها مرويهاش لما مقدرش اوفر لك ابسط الحاجات اللي انتي هتحتاجيها فكري بعقلك المرة دي وأنا مستني ردك! كاد أن يُهم بالرحيل بقلب حائر لما ألقاه على مسامعها لا يعلم هل ما فعله الصواب أم خطأ ولكنه أسلم حل لعله يرتاح بعدها ، تسمر محله على صوتها وهي تقول بهدوء : _ من يجي ٦ سنين كدة كنت في ٣ اعدادي، كنت راجعة فرحانة لاني خلصت امتحانات لقيت بابا قاعد وشكله زعلان اوي هو وعمو سعيد وجدو قاعد يهديهم، كنت مستغربة ايه اللي حصل عشان كل ده! بس يومها عرفت انهم كانوا شاريين بضاعة، وكانت تقريباً بكل الفلوس اللي معاهم بس المركب غرقت وهي محمله البضاعة وخسروا كل حاجة وكانوا لأول مرة ينسوا يأمنوا عليها يعني مفيش أمل لاي تعويض كل حاجة ضاعت ، ساعتها لقيت جدو بيقول جملة عجبتني اوي قال : " يا الله ترزقنا كما ترزق الطير تغدو خماص البطن ترجع بطانا" و قعد يقويهم عشان يقوموا تاني علي حيلهم ويشتغلوا، البيت في الوقت ده حاله اتشقلب أمي باعت دهبها ومنذر نزل يشتغل عشان يجيب مصاريفه عشان يعوضوا الخسارة ويقفوا علي رجليهم تاني، كانوا بيوفروا كل قرش لدرجة ان اللحمة والفراخ كانوا بيدخلوا في المناسبات بس، وبعدها بسنتين تقريباً ربنا كرمهم تاني ووقفوا علي رجليهم وربنا عوضنا علي الايام دي استدارت له بوجه مبتسم وهي تقترب منه قائلةً بثبات : _ انا في الفترة دي فهمت كويس قيمة كل قرش بيخش البيت وعرفت ان مفيش حاجة دايمة، أنا يمكن اه مندفعة حبتين بس عقلي حاكمني يا كريم، وأنا قلبي وعقلي الاتنين موافقين عليك من اول ما جيت لمنذر تطلبني منه! كان كريم ينظر لها بكل شغف و إعجاب ، أول مرة يرى بها ذلك الجانب العقلاني وللحق أحبه كثيراً وجعل قلبه يطمئن أخيراً بجوارها، اقترب منها عدة خطوات مُقلصاً المسافات دون وعي منه قائلاً  : _ يعني أفهم من كدة انك معايا! ابتسمت مريم له تهز رأسها موافقةً وهي تقول بمرحٍ ونظرات مُحبة : _ معاك يا سيدي، بس خمسة كدة بس عشان النفس الله يكرمك! قهقه كريم بصخب وفرحة وابتعد عنها محافظاً على مسافة آمنة بينهما،وقال وهو يرمقها بحُب : _ انت تؤمر يا رياسة! عقدت مريم يدها أمامها وقالت بعتاب مشاغب : _ لا الرياسة زعلان منك يا كيمو، بقا يا راجل بتخيرني أفكر بعقلي تاني! اخص عليك يخونك سندويتشات الكبدة والبيتزا اللي ما بينا! ابتسم لها كريم بحُب وقال بصدق : _ كنت خايف اوي يا مريم، خايف أظلمك معايا ومقدرش اسعدك، بس وعد شاهد عليه رب السما اللي فوقنا دي إني هحاول بكل ما عندي إني اكون لك خير الزوج وعمري ما زعلك أبداً غمزت له مريم بعبثٍ محبب له قائلةً : _ لو مش عايز هتزعلني تعالى دوق المهلبية اللي عاملاها لك وشكر فيا قدام حماتي كدة ارفع راسي يا كيمو! ضحك كريم بخفة وقال مشيراً لها للخارج بمرحٍ : _طب قدامي ياختي لما ندوق! تقدمته دالفةً لبهو المنزل حيث تجلس كلاً من أمها وحماتها وعلى وجهها ترتسم الراحة الآن فقد وضعت الأمور في نصابها الصحيح ونحت من قلبه القلق والخوف من القادم! ____________ في قاعة مخصصة للمناسبات، كانت مريم ورحمة بجوار صديقتهما يلتقطون الصور بسعادة وحُب فاليوم يوم زفافها كانت جميلة بحق بتلك الهالة المضيئة التي تحيطها، ما إن انتهوا من أخذ الصور حتى هنأتها رحمة بحُب يليها مريم ثم تركاها حتي تحظى ببعض الخصوصية مع زوجها تقدمت رحمة من منذر وأخيها وما إن اقتربت منهما حتي ضم مصطفى كتفيها بذراعه، فزفر منذر بضيق قائلاً بحنق زائف : _ انت ايه اللي جابك معانا، يعني أنا جوزها وطبيعي انت نظامك ايه يعني عامل زي اللقمة في الزور كدة ليه! نظر له مصطفى ببراءة الذئب : _ بقا كدة يا ابو نسب، يعني اليومين الاجازة اللي نزلتهم بلاش أقضيهم مع اختي وافك عن نفسي شوية! ثم نظر لرحمة يكمل بنفس الوتيرة : _ هو انا تقيل عليكم يا رحمة! توترت رحمة بشدة وقالت بلهفةٍ وبراءة حقيقة : _ متقولش كدة يا مصطفى ده منذر بيهزر معاك ثم التفتت لزوجها تمسك يده ضاغطةً عليها بخفة : _مش كدة يا منذر انت بتهزر مش قصدك صح! ابتسم منذر بحنو لها على برائتها المحببة له بشدة وقال متمسكاً بيدها أكثر : _متتوتريش كدة يا حبيبتي انا ومصطفى بنهزر مع بعض، مش كدة يا درش! ابتسم له مصطفى مومئاً برأسه بهدوء، فهدأت رحمة وتحركوا بعدها موضع جلوس مريم وكريم على الطاولة المخصصة لهم،  وما إن جلسوا حتى قال مصطفى  بمشاكسة موجهاً حديثه لكريم المنغمس بالحديث الخافت مع مريم : _  منـور يا ابو مصطفى والله! انتبه له كريم ومريم، فابتسم له كريم باصفرار قائلاً : _ ده نورك يا غالي! مالت مريم علي كريم تقول بغيرة : _ ابو مصطفى منين يعني!! نظر له كريم بتوعد فوجده يشاكسه بحاجبيه فاستدار لمريم وقال بهدوء : _ يا ستي مفيش حاجة، هو كان قايلي لو خلفت ولد سميه مصطفى ومن ساعتها وهو ماسكها لي وكأنها ذلة يعني! نظرت له مريم بتشكك للحظات ولكنها رأت الصدق بعينيه فابتسمت بهدوء وانتبهت على صوت مصطفى وهو يقول لها بهدوء وتريث : _ أنـا والله لما عرفت انكم اتخطبتوا فرحت اوي، ربنا يسعدكم ويتمم لكم علي خير ابتسمت له مريم بهدوء وقالت بثبات : _ اعبالك يا دكتور ان شاء الله! لوى مصطفي شفتيه بحسرة وقال بسخرية: _ مفيش حتي نملة عبرتني تقولوش جربة ، يالا كل تأخير فيه خير! ربت منذر على كتفه وقال بسخرية : _ أنت عارف لو تسلك وتشيل عينك من حياتي انا والواد الغلبان ده هتفرج عليك اسمع مني! _يعني انت شايف كدة؟! هنا تحدث كريم ينضم لهم قائلاً بمرح : _ عيب عليك يا جدع هنقولك أي حاجة يعني ، ركز بس انت مع نفسك وهي هتعمر معاك! رفع مصطفى حاجبيه بتهكم طفولي لهما جعل الجميع يضحك بمرح علي رد فعله _____________ بعد مرور قرابة اسبوعين، كانت فاتن تطعم مصطفى في فمه كما الطفل الصغير حتي صرخ معترضاً : _ خلاص يا ماما ابوس ركبك شبعت! نهضت فاتن تقنعه بالجلوس مرة أخرى قائلةً بحنو أمومي : _ تعالي كُل اللقمة دي وخلاص، انت كلها يومين وتسافر وأكل أمك هيوحشك تعالي كُل بقا! قبّل مصطفى يدها بحُب وقال بهدوء : _ يا ماما شبعت والله بجد، وبعدين مش الأكل اللي بيوحشني أكتر منك يا تونة يا قمر! احتضنته فاتن بحُب وشوق بالغ فهي لم تكتفِ من وجوده تريده بجانبها دائماً ولكنه قدر الله، قاطع لحظتهم الغالية دلوف رحمة وعلي وجهها تظهر الصدمة وهي تقول : _ ماما! مصطفى! المستشفى كلمتني و..... ______________ انتــهى الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة