الفصل الثاني "زهايمر"

الفصل الثاني "زهايمر"

30 3

بعد ان انهت مريم حديثها تركت الفتاة هاتفها والتفتت اليها بابتسامة جميلة اخذت تتسع أثناء الحديث مما زاد من برائتها وقالت بنبرة تحمل الخجل : _انتي اللي عيونك حلوين والله يا مريوم تعالي اقعدي معايا انت لوحدك ولا معاكي صحابك؟ تقدمت مريم المقعد الفارغ بجانب تلك الفتاة وجلست بجانبها ووضعت حقيبتها امامها وردت بنبرة هادئة ومازالت بسمتها تحتل ثغرها : _ لا انا لوحدي يا جميل.. اسمك ايه؟ اراحت الفتاة ظهرها وقالت بنبرة ودودة مصحوبة بابتسامة صافية : _ اسمي رحمة.. رحمة حسين ثم نظرت لنفسها قائلةً ببراءة وتلقائيةً أعربت عن سجيتها الطيبة : _تعرفي انهاردة اول يوم البس الخمار هو مش خمار هو طرحة طويلة شوية كانت عندي هو ماما لحد دلوقتي مش موافقة وافقت اني اطول الطرحة كدة بس ان شاء الله تقتنع يعني مع الوقت ابقي ادعي لي معاكي ردت "مريم" بحب لتلك الفتاة العفوية فكلامها يدل علي نقاء سريرتها : _ هدعي لك من عيوني، بجد انتي جميلة اوي وحبيتك اوي خلاص ممكن نبقي صحاب ولا ايه! انهت كلامها بضحكة خفيفة ولكن حل محلها الصدمة وهي ترى ضحكتها تتلاشى وظهر التأثر وعدم التصديق على وجهها وقبل أن تتسائل مريم عما بها باغتتها رحمة بعناق قوي جعل مريم تتجمد من الصدمة ولكنها برغم ذلك ربتت علي ظهرها بهدوء وقلق ابتعدت عنها رحمة وقالت بنبرة حملت في طياتها الانكسار والخجل وقد هبطت دمعاتها جعل تعجب مريم يزداد : _ ا أنا آسفه اني حضنتك كدة بس انا عمري ما حد قالي نبقى صحاب وسمعت اكتر من مرة اني شخص محدش يستحمله واني رغاية و مملة صمتت لبرهة من الزمن ثم اكملت بنبرة تحمل المرارة : _بيقولوا اني مقرفة فمستغربة انك عايزة تعرفيني!! صمتت قليلا ثم تنهدت تنهيدة قوية والتفتت إلى مريم وابتسمت ببساطة بعدما مسحت دموعها المتعلقة بأهدابها وقالت بحرج لما تفوهت به : _ ايه اللي بقوله ليكي دلوقتي ده دوشتك معايا يا بنتي... بس اتأثرت انك حبتيني يعني! كل هذا "مريم " كانت تراقب ضعف ورقة هذة الفتاة هي رحمة اسم على مسمى قلبها رحيم كفؤاد الطير ولكنه مجروح! كيف يجعلك شخص ان تشعر بسوء لتلك الدرجة تنهدت " مريم" بثقل وقالت بنبرة متأثرة حانية : _ انتي تتحبي يا رحمة ومش بقول كلام وخلاص لا بجد انا اتشديت لعفويتك و انك بتحكي بسلاسة حتي حسيت اني اعرفك من زمان والله! مش عايزاكي تحسي انك متتحبيش الناس اللي قابلتيها في حياتك كانوا فترات... الصايغ بتاع الدهب بيعرض في الڨاترينا الدهب لكن الجواهر الغالية متعانة للي عايزها مخصوص مقدرها وعارفها كلنا جوانا الجوهرة دي محدش شايفها غير اللي بيقدرها وفاهم انه معاه جوهرة يعني غالية اوي وانتي غالية يا رحمة علّي قيمة نفسك كدة بكت "رحمة" وقالت بنبرة متحشرجة من البكاء : _ لا انا هحضنك تاني والله انتي اللي جوهرة وربنا بعتهالي ربنا يخليكي احتضنها مريم بهدوء وقالت ببغض وغضب طفيف : _ وبعدين ايه مقرفة دي ايه قلة الأخلاق دي ما انتي زي القمر اهو زاغت نظرات رحمة قليلا كأنها تتذكر ما عانته امامها وغلّف الانكسار عينيها  ثم تنهدت تستجمع شتات نفسها متابعةً بنبرة مضطربة وهي تشير لجسدها : _ وزني زايد شوية زي ما انتي شايفة فبيقرفوا مني نظرت مريم لها بذهول لقولها وتأملت جسدها النحيف نسبياً واردفت بنبرة ظهر فيها الغضب من تلك الكائنات التي تقع تحت مسمي البشر قائلةً : _ والله وزنك حلو اوي ومناسب جدا هم اللي اتعموا باين ولا ايه وكفاية ضحكتك اللي شدتني ماشاء الله ربنا يحفظك يعني انا مبحسدش انهت كلامها بضحكة خفيفة محاولة تهوين جراحها فابتسمت رحمة ابتسامه واسعة اكملت "مريم" كلماتها بحماس حقيقي قائلةً : _ هاتي رقمك بقى عشان منتلبخش وانسى اخده منك تبادلاتا الأرقام معاً واستمر اليوم الدراسي إلى بعد الظهر بساعة تقريبا فلم يكن اليوم مشحون بالمحاضرات ولكن نظراً لأول مرة وأول تجربة فقد شعرتا بالاجهاد والتعب ولكن على أي حال قد انتهى! ________________ عند باب الجامعة خرجت الفتاتان باجهاد واضح من حرارة الجو قالت" رحمة" بانهاك : _ هتروحي ازاي حد هياخدك ولا هتركبي! انا معايا عربية اخويا سابها لي انهارده عشان اول يوم ومتعبش وكدة تعالي اوصلك حركت مريم رأسها بنفي وردت عليها معترضةً بلُطف : _ لا لا انا بيتي بعيد اصلا وهتعبك معايا واصلا هطلب أوبر انهارده وبعد كدة هبقي اركب مواصلات عادي ردت رحمة باستفهام واهتمام حقيقي: _ انتي ساكنة فين؟ وبعدين الدنيا زحمة اوي وانهارده الجو صعب اخبرتها "مريم" بعنوان المنزل وبعد مناوشات استقرت "مريم" في عربة "رحمة" وتوجهتا الي المنزل فقد كانت رحمة تقبع بعد مريم بثلاثة أحياء فقط _ ايوة ده البيت هنا يا رحمة كان صوت مريم الذي خرج بنبرة هادئة كالعادة _ حمد الله على السلامة بيتك قريب مني اوي تقريبا ربع ساعة مشي ونتقابل لو كدة نروح سوا ان شاء الله هزت "مريم " رأسها بموافقة وقالت بنبرة تحمل اللهفة : _ان شاء الله.. منذر اهو داخل من الباب، صحيح ما تيجي شوية اعرفك علي ماما هي بتحب تتعرف علي اصحابي قالت رحمة بنبرة متعبة وابتسامة جميلة ترتسم على مُحياها : _ والله مش قادرة بجد مرة تانية ان شاء الله غير كدة مقولتش لماما تفهمت مريم اعتراضها ثم شكرتها بحُب مودعةً إياها، ثم توجهت الي منزلها ورحلت رحمة الي طريقها حيث يقبع منزلها _______________ وصلت رحمة إلى منزلها ودخلت من الباب وجدت البيت هادئ استغربت كثيرًا فهي تعيش مع جدها هي واخيها و والدتها بعد وفاة والدها ومنذ انتقالهم للعيش معه أصبح البيت يشبه الحرب، دبّ الخوف بقلبها وقالت بتعجب وخوف: _ الناس اللي هنا راحت فين.. يكونش جدي قتلهم؟! عند هذة الفكرة رمت رحمة حقيبتها علي الارض وجرت الي الداخل بسرعة ولكن تسمرت مكانها بخوف وفزع _ قفشتك يا حرامية.. بقي شغالة حقيرة زيك تسرق فلوسي كانت دقات قلب رحمة تكاد تصم الاذان من الفزع والرعب ولكن هذا الصوت مألوف لها؟ استدرات رحمة وقد هدأ رعبها كثيراً فقد أدركت ماهية ذاك الشخص جيداً، وعندما استدرات كليا حل التشنج علي معالم وجهها فقد شاهدت جدها يرتدي آنية من أواني المطبخ كأنها خوذة للحرب ويحمل عصا لتنظيف الارضية في يده، عند هذا فقدت تعقلها واندفعت اليه قائلةً بحنق كبير : _ ايه ده ايه كل ده لابس حلة ي جدي ومثبتني زي حرامي الغسيل بمقشة!! "اشكو إليك يارب " رفعت يدها إلى السماء ولكن وجدت العصا تضربها وقبل ان يكمل جدها الضرب هربت الي داخل الغرفة واغلقت عليها وصوت جدها يعلو بعصبية وحنق : _ جدك مين يا خسيسة يا صُعلوقة...انا حفيدتي حرامية وبيئة شبهك كدة خسئتِ يا صفيقة علا صوتها من الداخل وردت عليه بتهكم : _ صفيقة ايه دي؟! دي اتلغت من أيام الملك قوم واقعد استمر الطرق بعنف علي الباب فاستدارت لكي تغير ملابسها وترتاح ففي الفترة الأخيرة اعتادت الأمر ولكنها تصلبت وهي تجد امها جالسة علي السرير تبتلع حبات العنب وهي تشاهد العرض الهزلي أمامها تقدمت رحمة منها بجمود وجلست بجانبها قائلةً بنزق واضح : _ يا ماما جدي ضربني جامد انهارده وانتي قاعدة تتفرجي كدة! لوت امها شفتيها بتذمر وحنق وقالت بتهكم هي الأخرى : _ يعني جديد عليكي يعني وبعدين ما انا اتلسوعت واتدلقت الشوربة مني من عمايله، هو امبارح كان متفرج علي فيلم كله ضرب واكشن لاميتاب وصاحي قالب دور الضابط كدة ثم مسدت على قدمها قائلةً بنبرة مواسيةً : _ وبعدين جدك تعبان يا حبيبتي لو احنا مستحملنهوش مين هيستحمله يعني؟ انا هاخده للدكتور ان شاء الله عشان الموضوع بيزيد معاه وبقى ينسى بطريقة صعبة تنهدت رحمة تنهيدة عميقة وقالت بهدوء وحُزن  : _ ان شاء الله يا ماما لأحسن هو بيصعب عليا اوي ربنا يعافيه يارب ربتت امها علي قدمها بحنو بالغ وسألتها باهتمام : _ ان شاء الله يا حبيبتي هاه قولي لي عملتي ايه في الكلية انهاردة؟! تحمست رحمة كثيراً ثماعتدلت في جلستها وأخذت تقص علي أمها مقابلتها مع مريم وكيف انها رحبت بها واحبتها بدون مقابل واختتمت حديثها بنبرة مختنقة من الفرحة وهي لا تصدق ما حدث معها بشكل يُشعرك بالأسى الشديد لوصولها لتلك الدرجة من انعدام الثقة بالنفس : _ وقالت لي اني غالية زي الجوهرة واني شكلي حلو ووزني حلو وبعدها وصلتها طلعت ساكنة قريب من هنا وكانت عايزانى اطلع اتعرف علي مامتها بس قولت مرة تانية ولما اقول لماما التمعت عيني امها بالدموع وهي تري فرحة ابنتها الكبيرة فمرّ وقت طويل على رؤية لمعة عينيها تمالكت نفسها وابتسمت ببهوت قائلةً : _ ربنا مقدر لك كل ده يا رحمة وزي ما قالت صاحبتك دي ميقدرش الغالي غير اللي عارف قيمته بس.. انا مبسوطة عشانك وبصي لما تقولك تعالي عندنا متروحيش الا وانا معاكي استغربت رحمة من امها فهي كانت تتركها علي راحتها لتنتقي اصدقائها وتذهب إليهم _ ليه يا ماما هو فيه حاجة؟ تنهدت امها بثقل وقالت بهدوء : _ انتي كبرتي يا حبيبتي والزمن بقى وحش اوي وبعدين زي ما امها بتحب تتعرف علي أصحاب بنتها انا عايزة اعرف من البت اللي خطفت قلب بنتي وخلتها مبسوطة كدة عايزة اشوفها تستاهل الفرحة اللي في عينيكي يا رحمة ولا هتبقا زي الباقين! وقبل ان ترد رحمة عليها وجدتا صوت جلبة من الخارج فنهضت أمها وهي تبتسم قائلةً بمرحٍ : _  تعالي يالا فقرة السيرك بدأت، استعدي عشان نسلك اخوكي من تحت ايد جدك خرجت رحمة و والدتها من الغرفة وما ان تقدمتا من بهو المنزل حتي ابصرتا جدها وهو يضرب أخيها علي قدميه كالطالب كالمشاغب وأخيها يتألم بصوت عالٍ قائلاً : _ آه يا جدي بقى يا جدي رجلي حرام عليك انا متمدتش طول عمري اجي علي كبر اتمد آه صفعة علي مؤخرته بالعصا بقوة وتبع فعلته بقوله المتهكم : _ واعبطك كمان يا حرامي الشربات يا حثالة صدح صوت صرخته المتألمه جراء الضربة المباغتة له وكلا من رحمة ووالدتها يحاولان وأد ضحكتهما _ يـا فــاتن انا ابنك يا فـاتن ابوس ركبك انجديني ابوس صوابعك صوبع صوبع انجدينــي انهي كلامه بصرخة فقد باغته بضربة اخري أشد وهنا اندفت فاتن والدة رحمة تجاه أبيها وهي تقول بتوسل : - حقك عليا يا بابا انا هجيب لك جوز شربات جديد سيبه عشان خاطري اخذت تسحبه من يده الحاملة للعصا واقتربت رحمة تفك وثاق أخيها من الحبال وأمها مستمرة في اقناعه _ ماشي بس انا عايز تويتي عشان اكمل الكولكشن كان هذا صوت الجد الذي يصدح بحنق وهو عاقد ذراعيه امامها كما لو انه لديه الحق ولكن قاطعه صوت مصطفي الهامس ولكن قد سمعه الجد : _ كولكشن الله يرحم والديك يا جدي باغته الجد بضربة علي قدمه ثم انتقل إلى رحمة وعاد إلى مكان جلوسه كأن شيئًا لم يكن قالت رحمة بتذمر وعصبية : _ وانا مالي بتضربني ليه هو قليل الأدب انا مالي رد عليها الجد بأنف مرفوع وهو يضع قدم فوق الأخرى : _ مبقاش إلا الخدم يعلو صوتهم علي اسيادهم وقبل ان يكمل كلامه سمع صوت الأذان يصدح في الأجواء فنهض مسرعا لكي يتوضأ فهذه عادته ينسى كل شئ في الحياة حتي كنيته الا علاقته بربه لا ينساها ابدا _ الا صحيح يا مصطفي ايه اللي ربطك كدة زي الجاموسة اللي متعلقة في السلبَة بعد ما اتدبحت كان هذا صوت فاتن المستفهم المملوء بالضحك، تذمر مصطفي وظهر علي وجهه علامات الحنق واردف : _ انا دخلت لقيت مفيش صوت قولت يمكن روحتوا للدكتور دخلت وريحت علي الكنبة ولسه هرن عليكي محستش غير وجدي رابط رجلي ونازل فيا ضرب لغاية مقلبني علي وشي وبعدها طلعتوا من الاوضة تعالت ضحكات الاثنتين بقوة الي ان خرج الجد وقال بهدوء : _يالا عشان افرش واصلي وانتم قوموا صلوا علي طول يالا منك ليها قاموا جميعا واجتمعوا للصلاة وعم الهدوء النادر في هذا البيت الي حين اشعار آخر _______________ علي الجانب الاخر بعد ان رحلت رحمة وودعتها مريم هرولت الي المنزل لاحقة بمنذر _ زغلــول بِس بِس زغـلول كان هذا صوتها وهي تجري علي السلم لكي تصل إليه ولكن فجأة اصطدمت بحائط بشري وقبل ان تنزلق قدمها وجدت يد تسحبها من مرفقها بقوة للأمام _ ايه قطر ماشي بالراحة فيه ناس عايشة معاكي كان هذا صوت منذر الساخر منها وما ان اعتدلت و عادت الي ثباتها لوحت بيدها ساخرة منه قائلةً: _ يعم روح كدة بشعرك ده اللي شبه زغلول العشماوي كدة دفعها بيده في وجهها وقبل ان تشتد المشاحنة بينها فُتح الباب بقوة وصوت عمها سعيد الساخر يقول : _ يا فرحتي بيكم يا حبايبي داتكم نيلة علي طولكم يا اهبل انت وهي خشوا كفاية فضايح جدكوا نايم دفعت مريم منذر بقوة وهرولت الي الباب ضرب سعيد يده بالآخري تهكما لتلك التصرفات الطفولية ثم تابع بقوله : _ خش يا كبير يا عاقل انت كمان عليه العوض ومنه العوض دلف سعيد بعد إنهاء كلماته للداخل وتبعه منذر للداخل وجد مريم جالسة وبجانبها ابيه الذي يضمها الي صدره تقدم من مكان تواجدهم وجلس أمامهم بحنق منها ومن سخريتها من شعره المجعد الدائم _فهي تشبهه بشعر تلك الممثلة في فيلم بكيزة زغلول_ فهو يمتلك بجانب بنيته العضلية شعر مجعد الذي يطلق عليه البعض "الكيرلي" فقد عاني في صغره بسبب سخرية اقرانه منه ولكن بالرغم من ذلك لديه عيون عسلية مشربة بخضرة تحتار في تحديد لونها قاطع اللحظة الحميمة بينهما صوته القوي وهو يوجه كلامه لها : _ بت انا ساكت لك من الصبح وعامل حساب للبن خالتي اللي خلانا اخوات ده... بس مش هعمل لو اتكلمتي تاني علي شعري هعجنك نهره والده بقوة وقال بصوت جهوري: _ منـذر.. انا قاعد احترم نفسك واضبط كدة بدل ما اضبطك قاطعته مريم بقولها الذي خرج بنبرة متوترة فهي تعلم ان منذر لا يحب أن يقلل منه أحد مهما كان ولكنه يحترم اباه فلا يقدر ان ينبس بكلمة وقد ظهر ذلك جليا علي وجهه الذي اخفضه ارضا وجسده الذي اشتد من الغضب _انا اللي آسفة يا عمو انا اللي تماديت وألست عليه ثم نهضت من مكانها وجلست بجانب منذر وربتت علي كتفه قائلةً بندم : _ منذر انا آسفة والله متزعلش مني انت عارف اني دبش وغبية ولما بهزر معرفش بقول ايه متزعلش مني بقى انهت كلامها بنبرة ممزوجة بالبكاء فهو أثناء حديثها اشاح وجهه بعيد عنها ولكن ما ان لبكائها استدار بسرعة فهو لا يقدر علي احزانها مهما فعلت فهي مدللة البيت بأكمله وصغيرته التي تربت علي يده فهو لم يكن له اخوه ولا أصدقاء فكانت بالنسبة له دنيته : -  خلاص متعيطيش مش زعلان قالت بنبرة متحشرجة من البكاء : _ لا انت لسه زعلان مني اقترب منها واخذها بين ذراعيه وابتسم بحنو : _والله مش زعلان خلاص.. وبعدين احنا مش جدو قعدك قبل كدة وفهمك ان غلط نألس علي شكل حد نسيتي جملة "اتعيب علي الخالق أم المخلوق" كدة بنعيب علي مين هو الإنسان يقدر يخلق ولازم تفتكري الآيه اللي بتقول ﴿ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ﴾ [ التين: 4] رفعت مريم وجهها وقد كان محمر بشدة لخجلها منه ومن نفسها وقالت بنبرة خفيضة نظير خجلها : _انا آسفه والله مبعملش كنترول على لساني حقك عليا وبعد كدة هاخد بالي ان شاء الله ومش هألس علي حد تاني قاطعهم صوت عمها سعيد الهادئ : _طب بما انكم خلاص اتصالحتم قوموا كلوا يالا امك يا بت يا مريم باعته صنية مكرونة بشاميل ايه مقولكيش عليها اعتذرت منه مريم بشدة وقالت بنبرة متعبة الي حد ما : _ والله يا عمو تعبانة انهارده اوي الجو كان صعب في الكلية وزحمة اوي عايزة انام ولما اقوم اكل ان شاء الله رد عليها منذر بنبرة سريعة متلهفة : _صحيح عملتي ايه انهارده يومك عامل ازاي واتعرفتي علي حد ولا ايه قصت عليه يومها واخبرته عن رحمة وانها لطيفة وبريئة ولكن لم تخبره عن الجزء الخاص بشكواها من أصدقائها ان صح عليهم لقب أصدقاء فهو يعتبر أمر شخصي لا يصح ان يتنقله بين الجميع وما ان انهت كلامها بتوصيل رحمة لها حتي ابتسم لها وقال بنبرة هادئة : _طب الحمد لله وباين عليها بنت نضيفة ومتربية استفهمت مريم منه وهي عاقدة بين حاجبيها : _ايه اللي خلاك تقول كدة! ثم تابعت بنبرة ضاحكة ساخرة : _ده انا كنت متوقعة انك تقولي متسرعش و أحرس منها واني اخد بالي كعادتك يعني؟! أوضح لها بنبرة متريثة ومتعقلة : _ اصل انتي لما كنتي بتصاحبي حد وعشان مثلا علق لك شكلك حلو او اي كلام من الكلام الممحون اللي ميأكلش عيش ده وتيجي يا منذر دي طيبة يا منذر يا منذر جناحتها خرمت الكليتين يا منذر وتيجي وقت الجد هوب تلاقيهم فلسعوا ثم تنهد بقوة وارجع ظهره للخلف وشبك يديه خلف رأسه ونظر للأعلى واكمل بنبرة هادئة : _ لكن البنت دي باللي بتحكيه باين عليها متربية ومش تبع مصلحتها وده بان لما مردتش تطلع معاكي من غير ما تقول لمامتها وانها اصرت توصلك لغاية البيت دي القصة يعني حركت مريم رأسها بموافقة واستحسان لرأيه فهي تثق برأيه كثيرًا ثم استأذنت منهم وصعدت الي الطابق الخاص بمنزلها بعدما ذهبت مريم من منزل عمها نهض منذر فهو مازال غاضب من أبيه واتجه الي غرفته ولكن اوقفه صوت ابيه الرزين : _ ايه يا منذر مش هتاكل؟! رد بنبرة جامدة ولكن حافظ علي هدوئها احتراما لأبيه : _ لا شبعان الحمد لله هصلي العصر وهنزل الوكالة تاني فيه تجار من بورسعيد جايين قال سعيد بنبرة حانية : _ طب تعالي انا عايزك في كلمتين تحرك منذر بخطوات مدروسة إلى الاريكة وجلس بجانبه والده الذي اخذ يربت علي قدمه وهو يقول : _ متزعلش مني يا منذر يا بني ومن كلامي تنهد منذر تنهيدة قوية وقال بصوت يحمل في طياته الغضب : _ بابا حضرتك عارف اني مش صغير عشان تزعقلي كدة وانا مغلطتش هي اللي زودتها وكنت عايز اعرفها غلطها ابتسم والده ثم قال بحكمة قد اكتسبها في حياته : _ ما هو عشان اللي انت مش صغير عملت كدة وزعقت لك انعقد ما بين حاجبيه باستغراب وقبل ان يهم بسؤال وجد والده يكمل مضيفا الي حديثه : _ انت بتتعامل مع بنت ومش بنت عادية دي بنت عمك واختك مينفعش لو هي غلطت تزعقلها ولا تهينها بكلمة حتي لو بسيطة حتى لو هي غلطانة الراجل يا بني من مَلَكَ نفسه عند الغضب اخذ نفس عميق ثم اكمل بنبرة ظهر فيها الحب : _ انت كبير ومقامك كبير يا منذر، وعشان تحافظ عليه لازم تاخد بالك من تصرفاتك عشان محدش يركبك الغلط، متزعلش من ابوك بس خدها كلمة من راجل شاف كتير واتعامل مع ناس اكتر لسانك ده هو اللي بيديك قيمتك لو صونته صانك وان هنته هانك.. انت بتنسى نفسك مع مريم وبتتعامل كطفل ولا شاب مراهق لسه بينشأ مينفعش.. اه خليك حنين وهزر معاها بس كله بالعقل وحدود تحافظ علي هيبتك يا باشمهندس ياللي بتتعامل مع تجار وبضايع بالآلاف انهي كلامه بنبرة ظهر فيها العتاب فنهض منذر علي الفور يقبل رأس والده ثم قال بنبرة متأثرة ونادمة : _ حقك علي راسي يا بابا متزعلش مني ضحك ابيه ومسح علي رأسه : _ مش زعلان ياض ده انت ابني يالا تعالي نصلي سوا وتاكل وتنزل يالا نهض مع أباه وهو ممسك بذراعه وبداخله يؤنب نفسه علي هذا الموقف : في منزل مريم دلفت من الباب وجدت أسرتها تتناول الغداء علي طاولة الطعام ألقت السلام ووضعت الحقيبة علي المقعد اشار ابيها بجواره لكي تجلس وقال : _ تعالي يالا يا حبيبتي عشان تاكلي وبعدها تحكي لي عملتي ايه رفضت مريم وقالت بنبرة منهكة فقد وصل بها التعب مبلغه : _ مش قادرة يا ابو سمرة والله غدا ألقاك هاخد حلم سريع واصحي اكل انا وانت وماما وناهد وكلنا ضحك سمير عليها وهز رأسه بيأس عليها وقبل ان تنهض تحدثت أمها بهدوء : _ خلاص خشي نامي بس صلي الأول وبعدين لما تصحي ابقي انزلي لجدك كلي سوا لانه برده اجا من الشغل نام هزت رأسها بموافقة ثم نهضت بثقل وكسل وقبلت رأس ابيها وامها واخيها القابع في حضن والدتها ثم دلفت الي غرفتها لكي تحظى بقدر من الراحة ______________________ مساءً قبل منتصف الليل بقليل، كانت رحمة تجلس في غرفتها وبيدها الهاتف تراسل مريم صديقتها الجديدة التي احدثت في نفسها سعادة وحب لذاتها : _ بكرة اول محاضرة ٨ الصبح فلازم ننزل بدري أخرنا ٦ونص او ٧ الا ربع ردت عليها مريم بعدما ارسلت وجه مختنق من شدة الغضب : _ خلاص يا ست الكل عرفت مش هتأخر ان شاء الله كانت رحمة مبتسمة وتتخيل وجه مريم وهو حانق : - ان شاء الله.. هروح اقول لماما يالا سلام ودعتها مريم بالمثل وخرجت رحمة الي الصالة وجدت والدتها بجانب جدها وهي تحاول جعله يتناول الدواء _ يا بابا عشان خاطري والله ده دوا مش سم ولو عايزني اخد معاك هاخد كان صوت والدتها المتعب وبه نبرة تحمل البكاء رد الجد بحنق وخوف يبعد يدها بنفور: _ بردو هتقولي بابا! بابا مين يا بت انا لسه متجوزتش اصلا وبعدين باين انك عايزة تموتيني انا عارف وهتنقي البرشامة وتديني السم بكت والدتها لتلك المعاناة فهو يضغط علي اعصابها من الصباح وقد زاد الامر سوءا بتقمصه أشخاص اخرين وتهديده بتبليغ الشرطة والهروب من البيت وعندما علت وتيرة بكائها تقدمت رحمة تربت علي كتفها حتي تهدئها وهنا رق قلبه وقال بصوت متذمر ولكن تخلله نبرة حنان : _ خلاص متعيطيش! لم تهدأ وهنا تقدم منها وربت علي قدمها ولم يتحمل فأخذها بين ذراعيه و كأنها وجدت ملجأها فهو أبيها و حبيبها الأول لم تتحمل مرضه ونسيانه لها ولكن تظل أراده الله وقد كان الأمر في بدايته ليس بشديد الصعوبة فقد كان ينسى الاشياء المواعيد الي ان تطور الأمر وهنا لم تتحمل اخذ يمسد علي ظهرها ويقبل رأسها حتي قالت من بين شهقاتها : _ والله مش بكدب انت بابا.. والله العلاج ده عشان تبقى كويس وترجع تفتكر تاني والله ما بكدب قال بصوت متحشرج : _ خلاص هاخده بس متعيطيش وانا مصدقك عارفه ليه؟ أحاط وجهها بين يديه ومسح دموعها بأنامله: _ عشان ده اتوجع لما شاف دموعك ده صدق حتي لو ده ناسي أشار في الأول لقلبه ثم تبعه بأشارته لرأسه ثم أضاف بنبرة حزينة متحشرجة : _ ا انا خايف معرفش انا مين وانتم مين حاسس ان ممكن حد يغدر بيا عشان ناسي فبحاول احمي نفسي بأي شكل متزعليش مني ولو انا ابوكي بجد متسبنيش! هنا بكت رحمة بتأثر للموقف اجمع ووجدت شخص يحاوطها من الخلف فخرجت شهقة خافتة قائلةً : _ مصطفي جيت امتى؟ اجابها بنبرة هادئة وهو يُبصر جده ووالدته: _ من شوية لسه مخلص الوردية، تعالي بس نطيب خاطر جدك ده طلع عنده أحاسيس ومشاعر غير الضرب ! ضربته رحمة على يده بتذمر من وقاحته واتجهت الي امها التي تقبع بين احضان جدها ويبكيان بتأثر جلست علي المقعد المقابل لهما وبجانبها جلس أخيها مصطفي وجدت امها تقول : _ والله مش هسيبك أبدا ولا هزعلك أبدا بس انت تبقي كويس بس وانا مش عايزه حاجة تانيه قاطعتهما رحمة وهي تقول: _ والله يا جدو كلنا بنحبك وعايزينك تبقي بخير وبعدين انت دايما بتقول لي ان الناس بتروح وتيجي بس رب الناس عمره ما بيمشي حرك رأسه بموافقه قائلاً بهدوء : _ ونعم بالله يا بنتي ونعم بالله واستمرت الجلسة بتعريفهم له واخبارهم له بأنه الحاج إبراهيم الجمّال كان مدير مدرسة ولكن قد تقاعد عن العمل منذ ثلاث سنوات تقريبا _ طب انا هخش الحمام هو منين؟ كان صوت الحاج ابراهيم المستفهم وقد دله مصطفي اليه وهم يتناكفان قالت رحمة بصوت هادئ : _ ماما بكرة عندي محاضرات من ٨ الصبح ان شاء الله لحد الساعة ٢ كدة هزت امها رأسها بموافقة وتابعت بقولها : _ربنا يعينك يا بنتي وانا بكرة هودي جدك للدكتور عشان مصطفي اجازه معدش فيها سكات علي جدك سمعا صوت جلبة فاسرعتا اليها حتي وجدت جدها يضرب مصطفي بخُف الحمام : _ واقف تراقبني يا زبالة من خرم الحمام اه يا او**خ مليتوا البلد مليتوا البلد كان يكرر الجملة الأخيرة وهو يكمل ضربه لمصطفي نظرت الي امها بنظرة ذات معني - عندك حق مفيش فيها سكات انتهي اليوم علي الجميع منتظرين غد وما يحمل بجعبته __________ انتـهي الفصل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آنست أيامك

المؤلف Mariam Tarek
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 1: الفصل الأول "حج مبرور"
2024/06/18
الفصل 16: الفصل السادس عشر "الظُلم ظُلمات"
2024/06/18
الفصل 17: الفصل السابع عشر "مثل النجوم هي"
2024/06/18
الفصل 18: الفصل الثامن عشر "تقويم أفعالها"
2024/06/18
الفصل 19: الفصل التاسع عشر "مُصادمة لابُد منها"
2024/06/18
الفصل 20: الفصل العشرون "أدركت الحقيقة"
2024/06/18
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون "عرض زواج"
2024/06/18
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون "خُطبت له"
2024/06/18
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون "يخاف أن يظلمها"
2024/06/18
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون "أصبحت زوجته"
2024/06/18
الفصل 26: الفصل الأخير "تُزف له أخيراً"
2024/06/18
الفصل 15: الفصل الخامس عشر "أحلام واهية"
2024/06/18
الفصل 14: الفصل الرابع عشر "سَكَنَ إليها"
2024/06/18
الفصل 13: الفصل الثالث عشر "فرحة منتظرة"
2024/06/18
الفصل 2: الفصل الثاني "زهايمر"
2024/06/18
الفصل 3: الفصل الثالث "وجع روح"
2024/06/18
الفصل 4: الفصل الرابع "نُهام عصبي"
2024/06/18
الفصل 5: الفصل الخامس "شقائق النعمان"
2024/06/18
الفصل 6: الفصل السادس "بداية طريق"
2024/06/18
الفصل 7: الفصل السابع "فقدان حبيب"
2024/06/18
الفصل 8: الفصل الثامن "شعور بالأمان"
2024/06/18
الفصل 9: الفصل التاسع "دقة قلب"
2024/06/18
الفصل 10: الفصل العاشر "أتقبل أم ترفض ؟"
2024/06/18
الفصل 11: الفصل الحادي عشر "رد غير متوقع"
2024/06/18
الفصل 12: الفصل الثاني عشر "قراءة فاتحة"
2024/06/18
الفصل 27: فصل خـاص
2024/06/18

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة