كنتُ ظلًّا في نهارك .

كنتُ ظلًّا في نهارك .

17 0

•بيلا . "هل فقدتِ عقلكِ؟" صوت ميا اخترق الغرفة صلب خالٍ من المجاملة لم أنتظر منها احتواءً لم تحاول حتى أن تتفهّم نظرتُ إليها لا غضب في عينيّ، فقط يقين متعب. "أريد أن أراها أريد أن أودّعها بنفسي." التفتت إلي أميليا حدّقت في وجهي طويلاً : "والدكِ سيقتلكِ إن رآكِ هل نسيتِ من أين خرجتِ؟ أم تتخيّلين أن الأمور تغيّرت؟" لم أنسَ. لم أخرج من الجحيم لأني أقوى بل لأني أختنق والآن، في مكان لا أستطيع الوصول إليه إلا بالمجازفة بكل شيء. ميرال، بصوتها الهادئ كعادتها اقتربت مني: "أنتِ لستِ مضطرة لتخوضي هذا وحدكِ نحن هنا، لا يمكننا أن نعيدها ولا أن نصل بها إليكِ نملك القدرة على أن نحتويكِ فقط ابقي لا تخاطري بنفسكِ من أجل لحظة." ردتُ: "هي لم تكن لحظة هي أمي الوحيدة التي آمنت بي، رغم كل شيء والآن أُدفنت وأنا هنا أتنفس، ما معنى التنفس إذا كان الوحيد الذي يحتويني تحت التراب؟" لا أحد منهم عَلم ما يقول أنا أيضًا لم أكن أبحث عن إذن لكنّي كنت أحتاج أن أفهم: هل ما أفعله جنون؟ أم أن الجنون هو البقاء هنا وكأن شيئًا لم يحدث؟ ميا، بصوت أكثر هدوءًا هذه المرة: "ستُدفنين معها إن عدتِ." لم أجب. لكنني أطلقت تنهيدة ثقيلة، ونظرت إليهم جميعًا: "أنا لا أطلب منكم أن توافقن فقط أردت أن تعرفوا سأفكر فقط." قالت أميليا: "لا وقت للتفكير حين تكون الحياة على المحك." نظرت إليهم وجميعهن بانتظار شيء كلمة، نية، انكسار: "لا أطلب رأيًا فقط أخبرتكم بما أفكر به." رفعت أميليا حاجبها: "وهل فكّرتِ بما سيحدث لنا؟ لو اختفيتِ، ماذا سنفعل؟ ماذا سيحدث لبيتٍ تقفين فيه كأحد أعمدته؟" كلمتها اخترقتني. شعرت بوخز في صدري لكنها محقة ولأول مرة... شعرت بالذنب تجاههم لا تجاه نفسي. خفضت عيني تمتمتُ: "أنا فقط لا أعلم كيف أتحمّل ما أشعر به أنا لست بخير ولا أريد أن أكون بخير الآن." ميرال رفعت يدها عني ببطء ميا تراجعت إلى الخلف دون كلمة أميليا ظلت تحدّق في وجهي. "لن أذهب الآن فقط فكرت." أميليا بخفّة متعمدة: " فكري بهدوء، لا تفكّري بالهروب المخرج ليس سهلا." أومأت بمعنى حسنًا لم يكن استسلامًا، بل تأجيلًا خضعتُ لما أرادوا لا لأنني اقتنعت بل لأنني لا أملك طاقة جديدة لأقاوم أكثر. أنا متعبة... متعبة حدّ العجز عن شرح ما بي ، متعبة من التظاهر بالقوة، كل شيء ينهشني، ولا حق لي في الراحة ، ولدت لأركض في دوائر مغلقة لا نهاية لها ، الحياة تحكم عليّ أن أواصل السقوط دون أن أبلغ القاع وأكمل الركض دون أن أصل. سمحوا للوقت أن يمضي ينسجون لي محاولاتٍ واهية للتشتيت ، ضحكاتهم، أحاديثهم، اقتراحاتهم ، جميعها بدت بعيدة منفصلة عني جسدًا حاضرًا وروحًا غارقة في الأرض التي لم أعد أراها. حلّ الليل، قررتُ أن أذهب لأستشق الهواء خارجًا أخبرتهم أنني أحتاج الهواء لحظة واحدة فقط لم يشكّوا صدّقوا الهدوء الذي تلبّستهُ منذ ساعات. خرجتُ بخطٍ ثابتة لكنني أهرب ذاهبة حيث لا يجب أعرف ذلك الرغبة في الوصول أقوى من كل إدراك. وحدتي كاملة لم يكن ثمة صوت لم يكن هناك من يمنع إلى أن امتدت يد قوية وأوقفتني عن الركض نحو الشيء الذي شعرت أنّه الحقيقة الوحيدة. خطوتُ أكثر وتسارعت نبضاتي جسدي كله أصبح خفيفًا ، ثم .. أمسكني ، ذراعه سحبتني بقوة مفاجئه ، جسدي توقف ، قلبي ارتبك ، صوته لم يكن قاسيًا لكنه حاسمًا: "لا هروب مرتين." رفعت رأسي ، إدورد ، وجهه ساكن صوته متماسك، قلت بصوت واهن: "دعني." ضمّني بقوة لم يسأل لم يعاتب لم يحتج إلى تفسير ، ثم همس بجملة واحدة بدت تنتزع كل مقاومة في داخلي: "لا يوجد مخرج الألم ثابت لكن إن أردتِ أن تصرخي أنا هنا." لم أتكلم ، حاولت أن أسحب ذراعي لمقاومته لم يشتدّ ولم يرخِ قبضته كان واثقًا أنني لن أذهب. تابع بصوته ذاته نبرته اقتربت من قلبي أكثر: "أنتِ خرجتِ من هناك مرة وحدكِ تركتِ كل شيء خلفكِ، وتحملتِ ما لا يُحتمل فهل تظنين أن العودة اليوم ستمنحكِ شيئًا؟ ستعيد أحدًا؟ ستمسحين شيئًا مما حصل؟" أخفضت بصري ، أشعر بالخجل من كل ما أنا عليه لكنه لم يمنحني فرصة لأغرق أكثر. "أعلم أنكِ لا تبكين أمامهم أعلم كيف تنظرين إليهم وتحاولين الحفاظ على تماسككِ لا تسقطين كل لحظة من الداخل لكن الآن لا أحد يراكِ إلا أنا لا تكذبي على نفسك." لم أكن أقوى منه ولم أكن أريد أن أكون كذلك: "لقد ماتت." همست بصوتٍ خفيض بالكاد يُسمع . نظر إليّ طويلًا : "نعم وموتها ليس خطأكِ غيابكِ عن وداعها ليس خيانة أن تعيشي الآن ليس جريمة." ظل واقفًا لم يتحرك لم يخف من سكوتي ولم يستعجلني ، قلتُ له: "أردت أن ألمس يدها للمرة الأخيرة أن أسمع صوتها وهي نائمة أن أقول لها إنني لست بخير وإنني أحتاجها لكنّها رحلت أنا عاجزة حتى عن البكاء أمام أحد." اقترب أكثر ، عانقني ، حضنه صلبًا لا خفيفًا أراد أن يمنعني من السقوط نهائيًا: "اصرخي إن كنتِ لا تملكين كلمات فابكي إن لم تستطيعي، فقط ابقي هنا أنا لن أترككِ ليس لأنني أشفق عليكِ بل لأنني أراكِ كما أنتِ وأحتمل ذلك." شيء داخلي انكسر، لكن الانكسار لم يكن مريرًا هذه المرة حقيقيًا وأخيرًا، شعرت أنني لست وحدي في هذه الحرب. فعلًا، لن أهرب. تَخليتُ عن تماسكِ وبكيت الشيء المُتعب والمرهق يحرقني من الداخل ، بدأ يمسح على رأسي وكتفي يخبرني أنه لا بأس انا هنا ، صوته خرج منه واضحًا دافئًا بلا تردد: "لن تهربي وحدك سنذهب سويًا، أنا وأنتِ لا داعي للهرب فقط انتظري حتى ينامون خذي بعض أغراضك ولا تجلبي شيئًا لا يحمل قيمة سأكون بانتظارك." لم أجب لكن نظري لم يفارقه. في داخلي شيء استيقظ لم يكن يقينًا ولا أمانًا شيئًا لا اسم له. في تلك الليلة التزمتُ الصمت راقبتهم واحدًا تلو الآخر حتى غلبهم التعب ، لم أرتجف جسدي مشدودًا يمشي على حافة الخطر ، أخذت حقيبة صغيرة وضعت فيها ما لا أستطيع تركه خلفي وما لا يربطني بالماضي. وجدته ينتظر عند أطراف الطريق لم يتكلم وسرنا في الطريق ، ركبنا القطار في المحطة ، الضوء خافتاً والمقاعد شبه فارغة جلست قرب النافذة، جلس إلى جواري صامتًا. كلما نظرت نحوه أحسست بشيء غير مألوف يتحرك في صدري، صغير لكنه حي ، حين أمال رأسه قليلًا ونظر إليّ شعرت بذلك الشيء يكبر. لم يقل كلامًا كثيرًا حضوره يكفي ، طريقة جلوسه نظراته نحو الطريق حتى صمته يحمل معنى لم أشعر بأنني وحدي. حين توقّف القطار وهممتُ بالنزول شعرتُ أنني لا أنزل من عربة بل أُنزَع من مسافة عمرٍ بأكمله خطوتي الأولى على أرض هذه المدينة حملت شيئًا أثقل من الحقيبة الصغيرة في يدي. الرصيف، الهواء، رائحة الإسفلت، تفاصيل أعرفها لكنها لا ترحب بي إدورد إلى جانبي لم يتكلم يراقب وجهي بصمتٍ لا يُزعجني. سِرنا بصمت، كل حجر كل لافتة كل زاوية تفتح في ذاكرتي بابًا الشارع الطويل قرب الجسر المحلّ المغلق على زاوية الحي الحائط المتهالك الذي كنت أمرّ بجانبه حين أعود من المدرسة لم يتغير شيء. سوى أنا ، قلبي يزداد اضطرابًا كلما اقتربنا أشعر بثقل في صدري رغبة في التراجع واحتياج مؤلم للثبات خطوة بعد خطوة وكل تفصيل يشدني للخلف. حين وصلنا المشهد أبعد عن الهدوء أمام البيت تجمّع من الناس لا أفهم سببه رجال واقفون نساء يتهامسن عيون كثيرة وهمسات أكثر قلبي تسارع نظري انتقل بين الوجوه وكل خلية فيّ تتمنى أن ألمحها ، فقط لمحة ظلّ أي شيء. لكني لم أرَها. فقط شعور غريب تسلل داخلي شيئًا حدث أو على وشك أن يحدث. إدورد وقف بجانبي نظر إلى التجمع ثم قال بصوت منخفض: "لا داعي للاقتراب الآن. تجنّبًا لأي مشاكل سأذهب وأسأل انتظريني هنا." أومأت له دون أن أنطق لم أستطع الحديث تقدّم ومشى بينهم بثقةٍ وهدوء فيما بقيت واقفة مكانِي أراقب الوجوه علنّي اراها، أحاول فهم ما يجري دون أن أقترب. عاد بعد دقائق عيناه لم تعكسا شيئًا واضحًا اقترب وقال دون مقدمات: "هي هناك في المستشفى." لم أسأله كل سؤالٍ ذاب في داخلي وترك خلفه فقط صوتًا واحدًا يصرّ أن أتحرك. ********* استلقي بجانبها منذ ثلاث ساعات أحدثها عن أشياء كثيرة عن خوفي عن وحدتي عن البرد الذي بدأ يسكن أطراف قلبي . لكنها لا تجيب أمي لا تتحرك أراقبها بصمت أُراقب قمراً خمد ضوؤه فجأة ولا يعرف كيف يعيده للسماء. لا طرفة عين لا شهقة لا همسة. حتى تنفسها ذلك اللحن الذي كنت استدل به على الهدوء قد غاب أمد يدي إليها فارتد مرتجفة. جسدها كالصقيع. لا تتنفس لا أعلم ما بها سوى أنها باتت باردة كحواف الشتاء وأن الحياة سقطت من شفتيها كسقوط آخر ضوء من شمعة تصارع الريح. لكنها تشبه صفحة طواها القدر فجأة وتركني أقرأ الفراغ وأتظاهر أنني ما زلت أفهم شيئا من الحياة . مددتُ يدي لعلّي ألمس منها شيئًا يطمئنني، لكنها باردة ، باردة على نحوٍ يقتل كل وهم لم أعد أحتمل. همست أركض في ظلمة: "أمي عودي أنا هنا عدتُ لأخبرك أنّ قلبي لم يرحل عنكِ أبدًا فقط اختبأ." بكيتُ كما لم أفعل من قبل. ليس بكاء ضعف بل بكاء ندم، بكاء امرأة وصلت متأخرة عن كل شيء. "أردتِ أن أكون قوية فهربتُ كنتُ أبحث عنكِ في كل زاوية غادرتها لم أكن شجاعة بل جبانة تائه ، والآن لم أعد أعلم من أنا دونك." لقد أصبح هذا كثيرًا عليّ ، أكثر مما يحتمله صدري أكثر مما يحتمله إنسان. ارتجاف كتفيّ إنذارًا صامتً ، إنذارًا بأنني أنهار رغم أن دمعي لم يجف بعد ورغم سخونة وجهي من البكاء المتكرر. ثم... انفرطت دموعي كأنفراط الخيوط القديمة وسقطت الإبرة من يدي كما سقطت الكلمات من فمي ، "لماذا رحلتِ؟ لماذا تركتيني هكذا؟ ألم تعيدني أن تبقي؟ ألم تقولي إنكِ ستكوني هنا دومًا؟ الآن من سيضمد جرحي البأس ؟" جسدي ينزف وعيناي تكملان ما بدأه ، كنتُ بائسة بما يكفي لأصدق أن الحياة إن أخذت مني عزيزتي ، فعليها على الأقل أن تعفيني من الألم، إن سلبت مني احلامي ، فلتمنحني الأمان كتعويضٍ ناقص. لكن أن تأخذهما معًا أن تُسقط كل من أحببت وتتركني عالقةً هنا بنصف نبضٍ ونصف ظل ، فهذا كثير ، أكثر من أن يُحتمَل. كيف سأستمر؟ وأنا أحمل هذا اليوم ككفنٍ داخلي، كقبري الذي أمشي به حيّة هذا اليوم الذي يجعلني أرى الجنة وأنا خارجها وأتذوق الجحيم وأنا أتنفّس. أسندت رأسي إلى الجدار، أسقطت ذراعي الجريحة على حجري وعيناي بقيتا ضائعتين في فراغٍ لا قرار له. "اخرجي." صوتُ أبي خالٍ من أيّ نبرة تشير إلى أنه كان يومًا يعرف طعم الحنان. رفعت رأسي نحوه بلا استعطاف بلا دمع لم يتبقّ في وجهي ما يصلح للانهيار التقينا نظرةً بنظرة عيناه لا تسأل لا تسامح لا تمنح مساحة للفهم. "أبي..." نطقتها كآخر أمل لي لكنّه لم يرد. تقدّم خطوة نحوي: "أنتِ السبب." تلك الكلمة لم تصفعني بل اخترقتني كما تخترق السهام الصدر مباشرة. "أمكِ ماتت وأنتِ لستِ هنا كنتِ في مكانٍ آخر كما أنتِ دائمًا في رأسك في وهمك في هروبك الدائم من كل شيء." وقفت جسدي ثابت لكنّ روحي ترتجف: "لم أهرب كنت أختنق." رفع يده مشيرًا إليّ لا ليضرب بل ليُدين: "جميعنا كنا نختنق لكننا لم نرحل أمك بقيت رغم أنها تموت كلّ يوم على أمل رجوعكِ ،بقيت وأنتِ تركتِها تموت وحدها." صمتُّ، لكنّ صدري لم يصمت، يصدر صوت احتراق بطيء لا يسمعه سواه. "أبي، أنا.. أنا لم أكن قادرة على البقاء، كنت أموت أنا الأخرى." نظر إليّ كما لو أنني أجرمت: "لا، أنتِ جبُنتِ تركتِ أمّك تنهار ورحلتِ مثلما يرحل الأنانيّون ثمّ تعودين الآن بعد أن انتهى كل شيء بعد أن انتهينا جميعًا ما عُدنا بحاجة لوجودك." شعرت بشيء داخلي ينكسر ليس لأنه قالها بل لأنه يعنيها. "لم تكونوا بحاجة لوجودي يومًا أنتم لم تريدوني إلا حين أكون صامتة، مطيعة، ميتة من الداخل." صوته ارتفع: "كاذبة! هي كانت تحيا لأجلك، وكل ما أعطتكِ إياه لم يكن كافيًا لتبقَي أعطتكِ صدرها، صحتها، حتى عقلها وفي النهاية، متى احتاجتكِ؟ في اللحظة الوحيدة التي احتاجت فيها يدكِ، كنتِ غائبة." الهواء ضاق عليّ كلماته كالحبال تلتفّ حول رقبتي، تمنع عني حتى الشعور بالذنب لأن الشعور تحوّل إلى اختناق صريح. نظرت إليه مباشرة هذه المرّة بلا خوف: "أنت السبب في موتها لا تغطِّ دمها المهدور بسببك بغيابي." لو استطاع قتلي بنظراته لفعل. دخل إدورد. صوته لم يكن مرتفعًا، لكنّه اخترق ذلك الهواء المتجمد: "توقف." أبي نظر إليه كأنه شيء طارئ: "وما شأنك؟" إدورد وقف بجانبي لكن ليس بجسده فقط بل بروحه كلها. "شأني أنها لم تكن وحيدة رغم أنكم تركتموها كذلك شأني أنها حاولت أن تبقى حيّة في بيت يعبد الخراب أنا هنا لأنك لم تكن." أبي أشار إليه بحدة: "اخرس، لا تعرف شيئًا." اقترب إدورد أكثر ينزع السلاح من يد قاتل: "بل أعلم، أعلم أن ما تطلق عليه حبًّا كان شرطًا للبقاء أعلم أن ابنتك كانت تُعاقب لأنها تحاول التنفّس بطريقة لا تعجبك." صرخ أبي: "هذه ابنتي!" رد إدورد بثبات: "بل هي إنسانة قبل أن تكون ملكك وإن لم تعرف كيف تكون أبًا فدعها تذهب قبل أن تُدمّر ما تبقى منها." لحظة صمت ثقيلة، لم يتحرك فيها أحد. ثم أضاف إدورد بصوت منخفض: "أنا آخذها، ليس لأنك وافقت، بل لأنك فشلت في كونك أب." لم يقاومه أبي، بقي في مكانه تلقّى الحقيقة عارية، كنتُ أدرك أن أبي يُجيد التخلي كما يفعل دائما مع أمي يجيد رمي أمي بالاتهامات التي فشل حملها على عاتقه. أمسكني إدورد من يدي. نظرتُ لأبي كنت أود أن أودّعه، لكنه قتل كل شيء في داخلي نحوه. "هيا بيلا." "إن خرجت من هذا الباب بصحبتها، فاقطعي نسبك من دمي، فما عادت لي ابنة." في لحظة تلك لم يكن الألم فقط في فقدان الأبوة، بل في إدراك أن جذور الروح قد جفت وأن الوعد الذي كان يوماً ملاذاً أصبح مرآة تكسرها الريح. الخذلان هنا ليس مجرد غياب بل سقوط ثقة تشدني إلى صلب الوجود فتبددت وتركتني أبحث عن ذاتي وسط ركام النسب الممزق. رد إدورد: "أخطأتَ ، ليست هي من خرجت من بابك بل إنسانيتك فإن كنت ترى أن الفتاه تُقصى إن قررت النجاة فابحث عن أبوّة تشبهك، أما هي فلا تبحث عنها فقد ولدت من وجع لا من صلب." ومضينا، خطوة بخطوة نغادر جنازة طويلة لم تنتهِ يومًا. الضوء الخافت انعكس على زجاج النافذة جالسة، صامتة، فارغة رأسي مستند إلى المقعد وقلبي لا يعرف إن كان لا يزال يعمل. مدّ إليّ إدورد ورقة: "أعطتكِ إيّاها الممرضة." نظرت إليها وهمست: "منها؟" أومأ مددت يدي لأخذها وبدأت افتحها لاقرأ لكنه سحبها. قال بصوتٍ لا يرتجف: "لا." نظرت إليه لم أفهم. "حين تقرئين هذه الرسالة ستسقطين من جديد وأنا لا أريدك أن تسقطي الليلة ليس قبل أن تعلمي أنكِ لم تعودي وحدك." أغلق الورقة ووضعها في جيب سُترتي ثم أمسك يدي لم أسحبها. أمسكت يدها منذ ساعات لا شيء يتحرك لا دفء، لا ارتجافة المرأة التي كانت وطنًا أصبحت الآن سؤالًا لا يُجاب نظرت إلى وجهها طويلًا أحاول أن أستخرج منها الحياة ولو بنظرة لكن كل شيء ساكن والسكون قاتل. -------------- •ميا . الصباح مشدودًا ثقيلًا رغم الضوء الذي تسلل إلى البيت. الهدوء الذي غلّف المكان لم يكن سلامًا بل نوعًا آخر من الصمت، ذلك الذي تسبق به العاصفة قدومها. جلست ميرال على الكرسي الخشبي قرب النافذة لم تأكل عينها ثابتة على الباب تنتظر أن يُفتح. أميليا قلبت فنجان قهوتها أكثر من مرة، ثم قالت بنبرة حادة: "ما الذي يعنيه هذا؟ أهذا طبيعي؟ أن تستيقظي لتجدي إحدانا قد اختفت؟" ردّت ميرال بهدوء، لكن فيه نفاد صبر: "هي لم تختفِ غادرت مع إدورد، لابد انه كذلك ." أُراقبهن بصمت تحدثتُ دون أن أرفع رأسي: "ولماذا لم تُخبرنا؟ لم تترك ملاحظة، لم تشرح شيئًا فقط اختفت." أجابت ميرال: "لأنها لا تملك لغة تشرح بها كل شيء كانت على وشك الانهيار ما رأيتموه البارحة ليس لحظة عادية كانت تحترق من الداخل." أميليا تمتمت وهي تضع الملعقة على الطاولة بقوة خفيفة: "لا أستوعب نحن هنا لنبدأ شيئًا جديدًا وها نحن نُفتّش عن واحدة منا وكأننا في لعبة باردة." نظرتُ إليهن: "لعبة؟ لا، ما يحدث لا يشبه أي شيء عشناه من قبل." سكتنَّ جميعًا. ظلت الطاولة مليئة بما لم يُمس، وظل الفراغ حولهنَ أكبر من عدد الكراسي. وقفتُ فجأة: "سأصعد قليلاً، أشعر بصداع غريب." لم تُجبني أحدهنَّ. كلٌّ منهنَّ غارقًا في منطقه الخاص. صعدتُ إلى الطابق العلوي الهدوء هنا أكثر حدّة. خطتُ ببطء في الممر الطويل حتى توقفت أمام باب صغير في نهايته فتحته دون سبب واضح غرفة غير مرتبة، لم يُمسّ فيها شيء منذ أيام. همّمت أن أُغادر، لكنّ ورقة على الأرض عند الطاولة جذبت انتباهي مطويّة بعناية وورقها باهت كما لو أنه نُسي هنا عمدًا. انحنت، التقطتها، فتحتها. الخطّ داكنًا، غليظًا، والحبر لا يزال يبدو حديثًا رغم القدم المتعمّد في الورقة. **"دخلتنّ أربعاً، لكنّ الباب لم يُقفل إحداكن عبرت دون أن تمشي، تخلّت عن نفسها وبقيت على هيئة صدى. لا تعدّوا الوجوه فالغياب لا يُقاس بالبصر، العدّ يبدأ حين يصمت اسمٌ في قلبه، والفقد لا يُعلن نفسه بل يتسلّل. لا تركضوا خلف الأضواء، ليست كل إشراقة نجاة، وبعض الظلال يُخلق من العيون لا من الشمس. من قرأت هذه الكلمات، قد رآها من كتبها وإن نطقتِ، تذوبين كمن سبقك."** وقفت في مكاني الورقة ترتجف بين يدي لكني لم أكن خائفة. كنت أفهم كل جملة، كل علامة، كل تلميح. "عبرت دون ان تمشي" ليست بيلا ، بيلا خرجت بجسدها لكن بقيت داخلنا ليست هي من يتحدث عنها النص. "العدّ يبدأ حين يصمت اسم قلبه" نحن نحسب أنفسنا أربعة لكن الرقم الآن مُضلل إحدانا لم تكن هنا أصلًا ليست كما نظن. كل شيء في داخلي انتظم لحظة واحدة. أنا أفهم. ولن أقول شيئًا لأن الجملة الأخيرة كانت واضحة جدًا طويت الورقة أعدت طيّها بنفس الدقة. وضعتها في جيبي. خرجت من الغرفة بنفس الخطوات البطيئة لكن هذه المرة أسمع كل شيء. وأراقب كل واحدة منهن. لم أعد أتحمّل نفسي الأفكار تهاجمني من كل جانب وكل شيء يبدو مُراقَبًا حتى داخلي. خرجت وحدي إلى الحديقة الأرض صلبة والهواء بارد لكن على الأقل لا أحد يثرثر. جلستُ على الأرض قرب الشجرة واسندتُ رأسي عليه لعلي افرغ افكار رأسي ، "تبدين منهكة." رفعت رأسي، أليكس. لم أُجب اقترب خطوة ثم وقف متقاطع الذراعين كأنه ينظر إلى مشكلة يجب تفكيكها. "هل تعلمين؟ الوهن لا يليق بكِ أنتِ من النوع الذي يجب أن ينهار بصمت." رددت مباشرة: "وأنت من النوع الذي يجب أن يُصفع قبل أن يتكلم." ضحك: "جميل لسانك ما زال حيًا، رغم كل هذا التآكل فيكِ." "اقترب أكثر، وستعرف أن يدي أيضًا ليست ميتة." نظر إليّ مطولًا عيناه لا تهربان يدرسني لا يتحدث فقط. "أنتِ تتظاهرين بالقوة لكنّي رأيت ما خلف عينيكِ. تحترقين وتظنين أن أحدًا لن يشمّ رائحة الرماد." "ما الذي تريده؟ وضح، لأني لا أطيق الغموض ولا المراوغة." اقترب أكثر قال بصوت خافت، لكنه عميق ومزعج: "أريد أن أريكِ ما لن يريكِ أحد إياه الوجه الآخر لكل شيء هذا المكان ليس كما تظنين والصديقات اللواتي تُحبّينهن واحدة منهن لم تعُد." شعرت بشيء يرتجّ في داخلي لكني لم أظهر شيئًا. "ما الذي تعرفه؟ تتحدث وكأنك تراقبنا ، مَن أنت حقًا؟" "أنا من لن تصدقيه حتى تَسقطي ومن يُحذّرك رغم أنه لا يُفترض به أن يفعل." قلت بنبرة حادة من دون أن أبتعد: "احذر أليكس أنا لست مثل بيلا ولا تُشبه أي شيء تتوقع أن تخضع له." ابتسم لكن عينيه لم تبتسما: "أنتِ لا تخضعين لكنّك ستصرخين." رفعت حاجبي: "جرب." أطلق ضحكة خافتة : "تعجبني تلك النبرة لكن لا تنسي الذين يفهمون لا يُسمح لهم بالبقاء طويلًا وأنتِ فهمتِ أكثر مما يجب." لم يتحرّك ظل واقفًا أمامي عينه عليّ لا تسأل لا تترجّى لا تهتم في وقفته شيء يهدد شيء يقول إن الوقت ليس في صالحي. "كفاكِ جلوسًا انهضي." نظرت إليه مطولًا: "من تظنّ نفسك؟" ردّ بلا تردد: "الشخص الوحيد هنا الذي لا يكذب على نفسه." نبرة صوته خالية من التعاطف خالية حتى من الاهتمام كأنه يصف طقسًا، لا إنسانة. قلت: "ولِمَ تكلّمت إذًا؟ تابع طريقك لا وقت لدي لمن يحب سماع صوته." اقترب حتى اصبح فوق رأسي. "لأنكِ تعطّلين كل شيء، فقط بجلوسك هنا." نظرت إليه بحدة. "أعطّل ماذا بالضبط؟ مشروعك القذر؟" ابتسم بسخرية: "أخيرًا بدأنا نسمي الأشياء كما هي." وقفتُ لأراه بشكل أفضل ، أنهُ يُخيفني حقًا كلماتهُ غريبه يحاول التلميح لشيء لا أفهمه. قال بصوت أخفض: "ما أفعله لا يهمّكِ بعد لكنني أحتاجكِ، لا لأنكِ مميزة بل لأنكِ صالحة لما هو قادم." قلت بحدّة نظري لا يرتد: "صالحة؟ لست أداة في مشروعك ولا جُملة في خطّتك." ردّ بثبات: "بل أنتِ أداة ممتازة مشكلتكِ الوحيدة أنكِ ترفضين أن تكوني شيئًا مفيدًا." شعرت بكلماته في رأسي لا لأن فيها معنى بل لأن فيها وقاحة. "أنا لست واحدة من تلك الفتيات اللواتي ينحنين حين يقال لهن إنهن 'مفيدات' ابحث عن شخصٍ بلا عقل." قال وهو يمدّ يده ببطء كمن لا يتوقّع الرفض: "لن أكرّر العرض تعالي الآن أو خسرتِ ما تبقّى لكِ من وقت طبيعي." نظرت إليه لم أتحرك، "أتهدّدني؟" "أُنبهك." "لن أذهب معك." ردّ، بلا أي انفعال: "ستأتين ليس لأنكِ تثقين بي بل لأن كل من حولكِ سينهار قريبًا ولن يبقى أمامكِ سوى المكان الذي لم تريديه." ثم أضاف: "أنا لا أحتاج إعجابك، ولا احترامك، أنا فقط أعرف من سينجو ومن لا يستحق." تقدّم، أمسك ذراعي، شدّني نحوه، "اتخذي قراركِ الآن، هل تنزفين بين جثث من تحبّين؟ أم تقفين معي قبل أن يقع كل شيء؟" ________________________________ •إدورد . ما تزال نائمة على كتفي ، أحاول ألّا أتحرّك كثيرًا خشية أن أوقظها ليس احترامًا لنومها فقط بل لأنني أشتهي هذا الثبات هذه اللحظة التي تمنحني شعورًا خادعًا بأنها لي ولو لدقائق قليلة. لم تكن يومًا لي ولن تكون أعلم ذلك وأكرره في داخلي كلّما تسرّب لي أمل سخيف يخبرني أن الأمور قد تميل ذات يوم لصالح الأمنيات. الأقدار لا تعبأ بالرغبات تمشي على خطوطها وحدها تقف حيث لا نرجو وتلتفّ فجأة عند ما ظننّاه طريقًا مستقيمًا. كنت في عامي الأخير، عندما اضطررت لحضور ندوة في جامعتها بدلًا عن أستاذي المريض لم أكن أعرف من تكون ولا حتى سمعت باسمها كنت غريبًا متوتّرًا من نظرات الطلاب محاصرًا بمباني لا أعرف مداخلها كدت أتأخّر عن الندوة فتوقّفتُ عند أول شخص صادفته وسألتُه. كانت هي ، وقفت أمامي ترتدي وشاحًا رماديًا بسيطًا وملامحها تحمل دهشة خفيفة وهدوءًا لا يُفتعل. لم تكتفِ بالإشارة بل سارت معي حتى الباب: "إذا تاهت عنك الندوة، يمكنكَ ان تخبرني". ضحكتْ ثم اختفت. وتهتُ أنا بها، لم يكن موقفًا استثنائيًا على الورق ظلّ في رأسي كخدش لم يلتئم، أعود إليه حين يصيبني ضيق مفاجئ أو شعور بالتيه. في الأيام التالية أصبحتُ أراها صدفة تجلس في الحديقة تقرأ أو تتحدّث إلى صديقتها بعينين حادتين وابتسامة ناقصة في داخلها ألف سؤال لا تُجيب عنه. تابعتها دون أن تدري رأيت وجهها في كلّ حالة حين تضحك عيناها تبقيان ثابتتين لا تشاركان شفتيها. حين تأكل ترفع رأسها كل بضع دقائق، تتحقق من كل شيء. وحين تحزن تتوقّف عن الحركة كليًا كما لو أنّ الحياة انسحبت منها. ثم عدتُ إلى جامعتي كان من المُفترض أن ينتهي كلّ شيء عند ذلك الحد. لكنه لم ينتهِ. اليوم، بعد كل تلك السنوات تنام على كتفي ليس لأنّنا اجتزنا كلّ شيء لنصل بل لأنّ الحكاية أعقد من أن تُروى. لا أعرف إن كنت سأحظى بها يومًا ولا أعرف إن كانت تفكّر بي كما أفكّر بها. لكنّني أعرف أنّني منذ ذلك اليوم، لم أتعلّق بشيء أكثر منها. هي لا تعرف كل هذا ولا أظنّ أنّها بحاجة إلى أن تعرف وجودها هنا ساكنة، هادئة، كافٍ رغم كلّ شيء. _______________________________ •ميا . كل شيء من حولي صاخبًا بطريقة خانقة روائح دخان عرق ونقود متسخة تملأ الهواء أقدام تتحرك بلا هدف أصوات عالية وضحكات فارغة. أليكس إلى جواري يُصافح يُبادل يُراوغ ، هذا الوحل خلق له. نظرت إليه لا، لم يكن كما عهدته لم يكن يجرّني إلى الداخل فقط بل يُغرقني فيه. أشخاص يمرّون أمامي يرمقونني بنظرات غير مفهومة شك، اشتهاء، استنكار؟ لا أعلم ، شعرتُ بانقباضٍ في صدري يدي معلّقة بذراعه لكنها باردة، لا تشعر بشيء. رأيت رجلاً يتقدّم نحونا يرفع حاجبيه لأليكس الكلمات بينهما لم تكن مفهومة التوتّر تسرّب إلى أنفاسي. ثم حدث كل شيء بسرعة، صوت ارتطام وجه أليكس وهو يتقلّص تحت ضربة قاسية، جسده هوى أمامي كقطعة خشب مهترئة. سقط، لحظة الصمت بعد الارتطام أقسى من الضربة نفسها. وقفتُ لم أتحرّك. الصرخات بدأت تتصاعد الشتائم تنطلق أقدام تهرول لكنني جامدة. ليس خوفًا تأمّلت جسده الملقى على الأرض تأمّلت الفوضى التي سحبني إليها دون أن يسألني إن كنتُ أريد أن أرى هذا. هذا هو عالمه، وهذا ما أخفاه عنّي، انحنيتُ فوقه وأنا ألهث ، الدم لم يكن كثيرًا لكنه بدا مضطربًا مُنهارًا أكثر مما ينبغي لرجلٍ يُفترض، "أليكس". رمقته بنظرة حانقة ثم همست: "أحقًّا سقطت من أوّل لكمة؟ كنت أظنّك تُجيد القتال، لا جمع اللكمات!" تأوّه، فدفعت كتفه بخفة: "هيا انهض أنا لا أُجيد البطولة وحدي ولا أرغب بالبكاء على جثة في طريق العودة قف ولو من أجلي." صمت لحظة ثم انحنيت أكثر وقلت بصوت خافت أشبه برجاءٍ مُتعب: "لا أعرف الطريق لن أتمكن من العودة وحدي فلتأخذني إلى البيت ثم مُت بعدها إن شئت." نهايه الفصل التاسع .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وسـاوسـي المُـدَنـسهہ .

المؤلف YASMIN
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة