العودة بخُفّي حُنين .

العودة بخُفّي حُنين .

22 0

حين ارتفع ضوء الصباح تسلّل عبر النوافذ المغطاة بستائر ناعمة كانت رائحة الخبز المحمّص تعبق في أرجاء المنزل ممزوجة بعبير الزعتر الطازج والجبن الدافئ. استيقظت الفتيات الأربع واحدة تلو الأخرى. أنينُ أرضية الغرفة المُتهالكة تحت وقع أقدامهن وكأنها تبكي وتنوح معهن على شيءٍ لم يفصح عنه بعد. • ميا . كنتُ أول مَن نهضت من سريرها، فورَ أن نهضت إكتشفت بأنني لا أزالُ مُتعبةً لذا تمددتُ مجدداً بتكاسل ثم قلتُ ساخرةً: "أخيرًا أستيقظتُ دون أن أسمع صراخ جارنا البغيض!" ضحكت أميليا وهي تمرّر أصابعها في شعرها الكثيف الفوضوي: "أعترفي كنتِ تفتقدين صراخه!" أجبتها بوقاحةٍ وأنا ارمي الوسادةَ نحوها: " مثلما تفتقدين والدك بعد أن طردك ؟" سادت لحظة صمت قصيرة  تداركتها "ميرال" بضحكة ناعسة كانت جالسة على طرف السرير تمرر أصابعها في شعرها المبعثر . قالت لوليتا وهي تضع الإبريق النحاسي على الطاولة: "أسرعت يا فتيات الفطور لا ينتظر والمدينة لن تهرب" جلست ميرال وهي تحرك ذراعيها بتكاسل: " لا بأس إن هربت فالمكان هادئ جدًا لدرجه اني أسمع صوت أفكاري وهذا أمر مقلق." ضحكتُ قائلة: "أوه أخيرا ستسمعين شيئًا ذكيًا ." ردّت أميليا بعينين نصف مغمضتين: " أحيانًا أشتاق لصوت الضجيج أكثر من اشتياقي للخبز ." قبل أن نجتمع حول الطاولة قد أعدت لوليتا الفطور ووضعت كل شيء بعناية على الطاولة الخشبية الكبيرة الطاولة مليئة بمأكولاتٍ مغرية. كل شيء خرج من لوحة فنية هناك الأطباق البيضاء المملوءة بالخبز المحمّص الساخن مع الزعتر الطازج وزيت الزيتون الأخضر اللامع  إلى جانب ذلك توجد أطباق من الجبن الطازج وبعض التوست المشبّع بالعسل الذي يعكس ضوء الشمس. أكواب كبيرة من الشاي الأخضر ، محاطة ببعض الزهور البيضاء الصغيرة على الأطراف ، لم تقتصر الأطعمة على المأكولات المعتادة بل تم إضافة بعض الفواكه الطازجة مثل التفاح والعنب والبرتقال . قالت لوليتا بابتسامة دافئة: " لنكتشفه اليوم لنبدأ بالفطور قبل أن يسرقنا الوقت فهنالك الكثير." أميليا التي تراقب المائدة عن كثب: "هل أنتنّ متأكدات من أن هذا ليس حلمًا؟ كل شيء هنا يبدو وكأنني في فيلم عن الطعام!" جلستُ بجانبها وانا ارفع كوب الشاي: " أعتقد أن هذه الوجبة تستحق أن تُسجّل في موسوعة الطعام لكن هل من الممكن أن يكون لدينا بعض المخبوزات الأخرى؟ فقط إذا لم تمانعنّ طبعًا!" ردّت ميرال بهدوء وهي تَسكب الزيت على الزعتر: "المطاعم لا تقدم هذه الوجبة نحن في قلب الطبيعة هنا ولذا يبدو كل شيء طازجًا ومختلفًا ." أجابتها أميليا بمزاح: "ماذا هل يجب علينا أن نناديها على الفطور لتفتح مطعمًا هنا؟" بيلا التي لم تكن قد قالت شيئًا بعد  تناولت قطعة من الخبز  وأخذت قضمة كبيرة ثم أغلقت عينيها في استمتاع: "هذه النكهة ، لا أستطيع أن أشرحها لكنّها تجعلني أشعر وكأنني في مكان آخر هل نحن في فرنسا أم أين ؟" تحدثت ميرال وهي تقطّع الخبز بعناية: " هذا الخبز يستحق أن يُكتب له قصيدة." ردت لوليتا: " الخبز من فرن جدّتي والزعتر من الجبل أما ابجبن فلا تسألن عنه فهو سرّ قديم في هذه القرية." اجابتها ميرال بمكر: " أهو مصنوع من لبن عنزة تتلو الأشعار؟" لوليتا مبتسمة: " بل من عنزة أوبرا تصرخ كل صباح كما لو أنها تغنّي الأوبرا حقًا ." انفجر الجميع بالضحك حتى بيلا ابتسمت. ثم أردفت قائلة: "أنتن هنا في هذا المكان تكتفيينّ بتجربة الطعام فقط بل ستكتشفنّ كل زاوية من هذا العالم الصغير ." أميليا رمقت لوليتا بنظرة ساخرة: " وهل سيتعين علينا تجنب المافيا والغموض طوال اليوم أيضًا؟" ضحكت لوليتا وردّت: " لا تخافي لن تلتقين بالمافيا في هذا الحي ولكن قد تجدين بعض الأسرار الصغيرة التي ستجعل الرحلة أكثر إثارة ." ميرال رفعت حاجبيها وقالت بنبرة فضولية: "أسرار؟ هنا؟ أنا أحبّ الأسرار." أضفتُ مازحة: " ما دام هناك سرّ فأنا جاهزة للتحدي فقط تأكدوا من أنني سأكون أول من يكتشفه !" بيلا قالت بهدوء بعد أن انتهت من شرب كوبها: "ربما تكون هذه الأسرار هي السبب في الهدوء المريب هنا، كل شيء يبدو مثاليًا إلى حد كبير." لوليتا ابتسمت وأخذت قضمة من الطعام، ثم نظرت الينا: "إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة لكن ليس كل ما نراه في هذا المكان هو كما يبدو عليه البعض يفضل التواجد في الظلال." بعدما فرغنا من الطعام نهضت لوليتا وقالت: "هيّا بنا سأريكن الحي، لكن لا ترفعن أصواتكنّ فالبيوت هنا تحفظ الكلام وربما تُعيده في الليل." خرجنا  من المنزل بهدوء وبدأت لوليتا تقودنا عبر الأزقة الضيّقة حيث البيوت القديمة التي تصطف في تناظر وأعمدة الإنارة التي كانت تلوح بلطف في الهواء "الحي هنا صغير، لكنّ لكل بيت قصة لكل حجر ذكرى." قالت لوليتا بينما كنا نتبعنها بتأمل. أميليا التي لا تملك الصبر على الغموض ابتسمت: "لا أستطيع الانتظار حتى نكتشف أول سرّ هل هو في هذا البيت؟ أم في ذاك؟" ميرال بمرح: "أعتقد أن كل مكان هنا يخفي شيئًا، ومن الجيد أننا هنا لنحل كل الألغاز." بيلا أضافت: "إن كان هناك لغز فأنا أتمنى ألا يكون غريبًا مثل أهل هذا المكان." ضحكنا معًا وبدأت الجولة في هذا الحي الهادئ.    تتدلّى من نوافذها نباتاتٌ خضراء كثّيفة ، كل منزل يحمل رائحة مختلفة هذا برائحة القهوة، وذاك بالياسمين، وآخر رائحةَ صمت طويل. قالت لوليتا: "هناك بيت السيد ألبرت، لا يتكلّم منذ عامين لكنه يسمع كل شيء  يُقال إنه كان موسيقيًا في شبابه وأقسم ألا يعزف مجددًا." همستُ : "أقسمتُ أنا أيضًا ألا أدرس رياضيات ثانية لكنهم لم يصدّقوني." ضحكت ميرال: "هذا لأنك كنتِ تكسرين الأقلام أكثر من حلّ المسائل." أشارت لوليتا إلى بيت بجدران مغطاة بكروم العنب: "وهذا بيت السيدة روزالين، تطهو أطباقاً تنتشرُ رائحتها حتى آخر الحي لكنها لا تأكلها تقول إن الطهو طقس للتأمل." اميليا تمتمت: "أظنني أحبّ هذه القرية." توقّفت لوليتا عند زقاق ضيّق ثم قالت بصوت أخفض: "وفي آخر ذاك الزقاق بيت سيرافينا ، ا مرأة لا أحد يعرف عمرها، ولا من أين جاءت لها ابنة اسمها ليرا ، لا أحد يراها كثيرًا لكن حين تظهر تترك شعورًا لا يُنسى." سألت بيلا: "هل هي طبيعيّة؟" أجابت لوليتا بنظرة هادئة: "كلمة طبيعيّة لم تعد تكفي لوصف الناس هنا البعض أرواحهم تسير قبل أجسادهم." أميليا بنبرة مسرحية: "رائع نعيش وسط الأشباح ونحن لم نُكمل فنجان القهوة بعد." لوليتا تابعت: "قيل إنّ ليرا لا تكبر وإنّها تحدّث الغرباء دون أن تقترب منهم تعشق الألوان لكنها لا ترتديها وفي بعض الليالي يسمع الناس صوت عزف من بيتهم رغم أنّ البيت بلا كهرباء." ميرال همست: "هل سنلتقيها؟" لوليتا: "إن أرادت هي ، نعم." وأضافت أميليا وهي تمزح: "يبدو أن كل شيء هنا له طعم غريب أهو طعم الخوف؟" ضحكتُ قائله : "نعم، لا بد أن نكتشفه جميعًا لا يمكن أن يكون خوفًا فقط." بيلا وهي  تراقب الأجواء بحذر: "أعتقد أن المكان يحمل شيئًا غريبًا لا أستطيع تفسيره تمامًا." لوليتا ابتسمت: "هكذا هي هذه المدينة أحيانًا تختلط الأشياء بين الحقيقة والخيال لكن المهم أن كل من يدخلها يصبح جزءًا منها." وقفنا متسمّرات أمام آخر بيت في الزقاق، الأضواء خافتة والمكان هادئ بشكل غريب حاولنا أن نلتقط الأنفاس ولكن هنالك حاله من الترقب بين الجميع. توجهت لوليتا نحو الباب ثم نظرت إليهن : "الآن، إذا أردتن الذهاب لرؤية سيرافينا لا ترفعن أصواتكن." وقفنا  أمام الباب العتيق نتبادل النظرات وكل واحدة منا تحمل في داخلها قلقًا لا يظهر على ملامحها . تقدّمت لوليتا بخطوات واثقة وابتسامة ساخرة مرسومة على وجهها وطرقت الباب بقوة ثلاث مرات ثم التفتت إلينا بمرحٍ مصطنع: "إن لم يفتحوا ، فربما نحتاج إلى قرع الجرس السحري أو التضحية بأميليا قربانًا." قهقهت أميليا وهي تضع يدها على صدرها بتمثيلٍ درامي: "ما أقسى هذا الاقتراح ، كنت أظن أننا أصدقاء!" ضحكت ميرال بخفّة وهي تحاول تخفيف التوتر في صدرها: "حسنًا، ربما لم يعجبهم ذوقنا في الأزياء أو في الحضور غير المعلن." طرقت لوليتا مرة أخرى هذه المرة بخفة وقالت مازحة: "أو ربما هذا منزل مسكون والأشباح مشغولة بسهرتها الأسبوعية." تظاهرنا بالضحك لكنّ قلوبنا لم تشاركنا المزاح هناك شيء لا يُقال ولكننا نشعر به. نظرتُ إلى النافذة المغلقة ضيقتُ عَينيّ لرؤية ما وراء الستائر المتربة بينما همستُ: "أحدهم هنا ، أشعر بذلك." التفتت إليّ بيلا وسألت بهدوء: "تشعرين أم تتمنين؟" لم أجبها تقدّمتُ  نحو الباب مرة أخيرة وضربتُ عليه ضربة قويه ثم قلتُ : "إن لم تفتحوا، سأغني ! أو أبدأ الرقص وهذه جريمة بحـق..." توقفتُ حين لم يأتِ أي رد لا صوت ، لا حركة ، لا شيء سوى الصمت . عادت لوليتا خطوة للخلف وعبست قليلًا: "غريب ، كنت أظن أنهم ينتظروننا." أميليا وهي تحاول أن تُضفي بعض المرح على الخيبة التي يحملنها قالت بصوتٍ مرتفع: "ربما كانوا جميعًا في سباتٍ شتوي لا أحد يفتح لا أحد يتنفس هل نحن في قرية أم في لوحة زيتية؟" ميرال ضحكت وقالت وهي ترفع يديها متظاهرة بالاستسلام: "ربما اعتقدوا أننا مندوبات مبيعات أو أننا نريد جمع التبرعات" تمتمتُ ببرودٍ ساخر: "أو ظنّوا أننا من برنامج كاميرا خفية وقرروا ألّا يكونوا الضحية." ضحكنا ولكن الضحك هشًا مشوبًا بالخذلان. أميليا تابعت وهي تضرب بحصاة صغيرة على الطريق: "كان ينبغي أن نحمل لافتة: 'لسنا خطرًا، فقط ضائعات!" بيلا علّقت بهدوء وهي تنظر نحو الطريق الذي قطعناه: "أحيانًا الأبواب المغلقة أصدق من الكلمات." عبستُ ثم قلتُ بنبرة فيها شيء من المزاح: "ربما لو كنتُ طرقت الباب وغنيت، لفتحوا لي فقط ليطلبوا مني أن أصمت!" ولما اقتربنا من مشارف المنزل  توقفت لوليتا فجأة وكأنّ شيئًا كان يُثقل صدرها منذ زمن. نظرت إلينا وقالت بصوت خافت: "هل يمكنني أن أسأل سؤالًا؟" توقفنا جميعًا التفتت الأنظار إليها. تَنهدت وبنبرة امتزج فيها التردد بالصدق: "منذ الأمس بل منذ لحظة وصولنا وأنا أشعر بالسؤال يخنقني لكنني خجلت من طرحه فقط لماذا جئتن إلى هنا؟ ما الذي جاء بكنّ إلى هذه القرية المنسية؟" ساد الصمت لوهلة تجمّدت الوجوهنا ، وضاعت الكلماتنا . لم نجبها ابدًا . السؤال كالمرآة التي عكست شيئًا لم يكن يجب أن يُرى شيء كان يُفضل الجميع أن يبقى مدفونًا. الطريق صامتًا كما شعورهن تمامًا الضياع لم يكن فقط في المكان بل فيهن أيضًا خطواتهن التي بدت ثقيلة تقودهن إلى المجهول كل واحدة منهن تبتعد أكثر عن الأخرى وكل واحدة تخفي سؤالًا وجوابًا وآلامًا تحت عباءة الضحك والمرح المصطنع. نظرت لوليتا إلى الارض ثم إلى السماء التي بدأ لونها يتحول إلى الرمادي الداكن لم يكن هناك شيء واضح لم يكن هناك أي تفسير لما يشعرن به وأنهن في حلقةٍ مُغلقة مهما حاولنَ التقدم يجدن أنفسهنَ في نقطة البداية تقدمت خطوة أخرى ومع كل خطوة شعرت وأن عبئًا إضافيًا يثقل قلبها رفعت عينيها في النهاية لتلتقي بعيون الفتيات كل واحدة تحمل في عينيها تلك المسافة البعيدة بين الأسئلة التي لم تُسأل والأجوبة التي لم تُقل. ولم تزل لوليتا في مكانها وقلبها يضغط عليها أكثر حتى تحولت الكلمات إلى ثقوب مظلمة في داخلها كانت ستقول شيئًا آخر الكلمات توقفت في حلقها وضاع المعنى قبل أن يصل. في النهاية قالت بصوتٍ مسموع: " أعتقد أننا جميعًا... ضائعات." والحقيقة أنه في تلك اللحظة، كل واحدة تعرف أن الضياع أكبر من مجرد ضياع في المكان ضياعًا في الماضي والمستقبل في كل شيء لكن أكثر ضياعًا هو ما لم يقل ما لم يُطرح من أسئلة وما لم يُكتشف بعد والجواب إذا كان موجودًا مختبئًا في أعماقهن في الزمان والمكان الذي عجزت الكلمات عن الوصول إليه. نهايه الفصل الثاني .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وسـاوسـي المُـدَنـسهہ .

المؤلف YASMIN
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة