الطريق إلى اللاشيء .

الطريق إلى اللاشيء .

19 0

ليس كل ما يُكسبنا أمانًا يُبقينا أحياء وليست كل خسارةٍ هزيمة. إن الإنسان حين يُدرك أن القيد ليس فقط سجنًا ملموسًا، بل قد يكون حبيبًا، أو وطنًا، أو فكرة، أو ذاكرة. حينها فقط يصبح معنى الحرية أكثر إيلامًا ، وهنا ، يُطرح السؤال لا ليُجاب بل ليُقلِّب الداخل كما تُقلّب الرياح أوراق الخريف ثمّة خسارات في جوهرها تحرّر وإن جاءت في هيئة الفقد وثمّة قيود تُغلّفها العادة والمألوف لكنها في حقيقتها قبورٌ ببطاناتٍ حريرية. لقد اعتاد الإنسان منذ وعى ذاته أن يُفاضل بين الألم والمجهول يؤثر البقاء في دائرة الضمان حتى لو كانت دائرةً من نار. هو لا يهرب من الخسارة بقدر ما يهرب من الفراغ الذي تخلّفه من الصمت الذي يعقب الانفصال من السؤال الذي لا يجد له جوابًا فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في الخسارة ذاتها بل في عُري الروح بعدها ذلك الانكشاف المفاجئ حين تُسحب من تحتك كل التعريفات القديمة وكل الركائز التي أقنعت نفسك أنها أنت. وفي تلك اللحظة تصبح الحرية خيارًا مرًا لأنها ليست حرية العصافير بل حرية من مشى في الصحراء دون خارطة. فهل تختار أن تمشي حافيًا في المجهول وفي قلبك رعشة البدء؟ أم تبقى حيث الأمان المؤلم حيث تُطعمك القيود روتينها اليومي مقابل صمتك؟ في مفترق الخسارة والحرية لا يُوزَن الميزان بالعقل وحده بل بالجرأة بالرغبة في الولادة من جديد ، ولذلك كان السؤال: إذا كانت الخسارة تعني الحريّة هل ستقبل بها أم تبقى في القيد ؟ ________________________ لم يكن الليلُ حالكًا بما يكفي ليُخفي ارتجافة أيديهنّ ولا المطرُ غزيرًا بما يكفي ليغسل آثار الماضي عن وجوههنّ أربعة أقدار تهرول وسط الحقول المبللة، تتعثر بالطين، تتنفس بجوعٍ للبقاء، وتهرب دون وعيٍ حقيقي لماهية النجاة. الأصوات خلفهنّ لم تهدأ صفارات الشرطة تواصل عزفها حتى بعد أن ابتعدت الأجساد عن موقع الحادثة كل خطوة تُسقِط شيئًا. وعدًا، وجهًا، أو قطعة من الذات لم تعد تنتمي لصاحبتها لم يكن هناك ما يُنتظر سوى المجهول لكنّ المجهول، في تلك اللحظة بدا أقلّ رعبًا من الذي يعرفنه جيّدًا. عيون تبحث عن بيتٍ رأته في صورة ضحكات متقطّعة تخدع الظلام وشفاه تزمّّت بغيظ تشتم الطين والعالم معًا قلوب تلهث لكنّها تركض قبل الأجساد. في الأفق البعيد بدأ يظهر البيت المتداعي كأنّه ذكرى سيئة أُجبرت على العودة. توقّفت الخطوات للحظة المشهد أمامهنّ انتزع أنفاسهنّ كان البيت واقفًا هناك مائلًا سقفه متهالك وألوانه باهتة لم يعرف الدفء يومًا. لم تتفوّه إحداهنّ بكلمة النظرات تتلاقى مشحونةً بشيء يصعب تسميته خوف ، صدمه ، خيبه . • بيلا . تقدمتُ نحو الباب المتهالك أقدامي تلامس حواف الزمن نفسه لم يكن هناك حديث فقط الصمت يلفنا صديق غريب لنا ،المكان أمامنا بدا أشبه بكابوسٍ يلوح في الأفق عالق في ذكريات لم يطوها الزمان بعد الأرض تحت أقدامنا تشهد على عصورٍ مضت خطواتنا تطأ على أنفاس الماضي التي لم تجد طريقها للخروج . "هل هذا هو المكان؟" قالت ميا،    عيونها تلمع بالشكوك تمامًا كما أفكارها مشتتة بين احتمالاتٍ عديدة ، السؤال هو وحده من يحررنا من هذا الجو الغريب. أجابت ميرال بصوتٍ منخفض والكلمات تتسلل من بين شفتَيها بأدنى قدر من الصوت: "نعم يبدو هذا هو قد لا يكون كما تخيّلنا لكن لا يوجد خيار آخر ." توقفتُ قبل أن أفتح الباب ونظرتُ إلى باقي الفتيات في عينيّ شيء من الجدية ، وأردفت بصوتٍ هادئ: "نحتاج لهذا نحتاج إلى أن نكون بعيدات عن كل شيء ." تقدمتُ خطوة للأمام ووجهي أصبح أكثر صرامة في ملامحه : " البيت ليس بأفضل حال لكنه سيكون مأوى لنا." تبادلنا النظرات نبحثُ عن إجابة في عيون بعضنا البعض مشاعر التردد بدأت تتسلل إلى قلوبنا لكن في النهاية كان علينا أن نتخذ خطوة. الباب المكسور والجدران المتشققة المكان يخبرني أكثر مما كنت أريد أن أسمع توقّفنا جميعًا الأنفاس ثقيلة لم يكن أمامنا خيار آخر . ومع أولى خطواتنا داخل هذا المكان دخلنا الجحيم الهواء في الداخل باردًا ، مظلمًا. والأثاث المبعثر يروي لنا قصصًا عن سنوات مضت الطاولات الخشبية المغطاة بالغبار ، الكراسي المهملة في الزوايا الجدران مُظلمةٌ ترثي حياتنا لا وجود للونٍ واحدٍ حتى يواسي قلبنا الخائف شباك العنكبوت نسجت خيوطها حكايةً طويلةً على جدران هذا المَنزل، ومقبض الباب المُحطم رَوى حكايةٌ بائسه. ضحت أميليا بأستهتار: "رائع أميليا يالحظك الجيد هل هذا ما ركضت لأجله؟" دوّت خطوات ثقيلة تقترب وكان الصوت يزداد وضوحًا ما جعلنا نتوقف فجأة جميع حواسنا مشدودة نحو تلك الأصوات. وبهدوء غريب ظهرت امرأة في عقدها الخامس عيناها تحمل شيئًا من الصمت الغامض . تبعتها فتاة صغيرة شبيهة بها إلى حد بعيد لكنها أكثر نعومة في ملامحها . تقدمت المرأة وبنبرة حذرة، قالت: "ماذا يحدث هنا؟ ماهذا الصوت؟" أجبتُ وقد شعرتُ ببعض التوتر: " نحن فقط نبحث عن مأوى. " وبهدوءٍ غير مألوف قالت: " أنا لوليتا وهذه ابنتي صوفيا سمعنا صوتًا في الجوار  فقررنا القدوم لرؤية المكان فقد كنا نعلم أنه مهجور ولم نسمع أبدًا أنه تم بيعه أو شيء من هذا القبيل." أجبتُ بثقلٍ في الصوت مشوبةً بشيء من الحيرة: " مهجور؟! لقد بدا لنا من الصورة أنه مثالي بشكل لا يوصف." ردّت بثقة وكأنها تعرفنا: "ليس عليكِ تصديق كل شيء حتى الحقائق أحيانًا قد تكون مزيفة لكن إن أردتن يمكننا أن نرحب بكن في منزلنا." نظرنا إلى بعضنا بتساؤلات صامتة ولكن التعب الذي بدأ يعصف بنا كان أكبر من شكوكنا قلوبنا مليئة بالخوف ولكن الجسد كان يطلب الراحة أكثر من أي شيء آخر. قالت ميا: "نحتاج إلى طمأنينة الطمأنينة فقط!" محاولة تبديد هذا التوتر الذي تسلل إلينا. ابتسمت لوليتا بابتسامة هادئة وأضافت بصوتٍ مطمئن: "بالطبع إذا أردتن بيتنا مفتوح لكنّ." ومع تلك الكلمات بدأت الرحلة التي حملتنا إلى داخل هذا المكان الغريب ، استسلمنا للقدر الذي قادنا إلى هنا . الطريق هادئًا ووقع خطواتنا على الأرض المبتلة كان الصوت الوحيد الذي يملأ الأجواء . "لا أشعر هنا بالراحة لكن على الأقل هناك من يساعدنا." نبست ميا بصوتٍ منخفض القلق يطغى على كلماتها. أجابتها ميرال وهي تحدق في الطريق أمامنا : "ربما نحن بحاجة إلى هذه المساعدة لا وقت للتردد الآن ." أما أميليا، فكانت تتفحص المكان بعينيها : "وصلنا إلى هذا الحدّ لم يبقَ أمامنا سوى المتابعة." وصلنا إلى بيت لوليتا الذي بدا قطعةٍ من الماضي . محاطًا بالأشجار الكثيفة والهواء البارد يتسلل بين الأوراق الجافة ليضيف جوًا من الغموض البيت كان بسيطًا من الحجر الأبيض الذي اختلطت ألوانه مع الزمن حتى صار باهتًا في المدخل ، كانت هناك شرفة خشبية قديمة مغطاة بالأزهار المتسلقة مما أضاف لمسة من الجمال الطبيعي. داخل البيت كان الضوء خافتًا للغاية، النهار لا يستطيع أن يدخل بالكامل الجدران مغطاة بلون دافئ وبعض الأماكن مغطاة بألواح خشبية قديمة الأثاث بسيطًا ومعظم القطع من الخشب مع بعض اللمسات القديمة التي تعكس حياة ريفية تقليدية . بينما لوليتا تقودنا داخل المنزل بدأنا نشعر بشيء من الارتباك رغم الهدوء الذي يعم المكان . هذه المرأة لا تريحني . فمن الذي قد يتقبّل ببساطة وجود فتيات غريبات في بيتٍ مهجور ؟ توقفت أمام غرفة صغيرة ذات نافذة كبيرة تطل على الحديقة وقالت : " هذه الغرفة ستكون من نصيبكنّ إذا أردتن الراحة." قبل أن نتمكن من الدخول سمعنا أصوات خطوات تقترب دخل شابان من الباب المجاور  الأول طويلًا  ذو ملامح حادة وعينين عسليتين ، بينما الآخر أقل حركة وأبرد في نظراته . ابتسمت لوليتا بكل هدوء: " هذان هم أبنائي إدوارد وأليكس، إدورد هو الأكبر وهو أكثر هدوءًا وأليكس رغم صمته يملك طريقة خاصة في التعامل مع الأمور ." لم نتمكن من الرد على كلامها لكن أميليا كانت أول من تحدثت: "إذا نحن هنا في مكان هادئ أليس كذلك ؟" ابتسمت لوليتا مجددًا: "نعم الحياه هنا بسيطة مليئة بالتحديات ربما تكتشفن هذا بأنفسكنّ قريبًا." ثم أضافت: "إذا كنتن بحاجة إلى شيء فقط أخبرنني." استقررنا في الغرفة أخيرًا كل واحدة منا ختارت ركنًا الغرفة بسيطة في تصميمها ، دفئها الغريب منحهن شعورًا بالهدوء المؤقت الجدران تزينها ألوان ترابية هادئة ، الأسرّة الخشبية مصطفة بعناية تعلوها ستائر شفافة تتحرك برفق مع نسيم الليل امتزج عبق الخشب القديم برائحة غامضة لم يكن لنا أن نعرف ما إذا كانت تبعث على الطمأنينة أم تثير في نفوسنا القلق. قالت ميا وهي تتقلب في مكانها: "هل يعني وجودنا في الريف أننا مضطرات للنوم مبكرًا؟ هذا ليس عدلًا." أجابت ميرال بتنهيدة مرهقة: " أنا مُتعبة لدرجة أنني قد أغفو وأنا واقفة." فجأة ارتفع صوت غريب من خارج الغرفة كصوت شيء ثقيل يتحرك على الأرض كانت الأصوات غير واضحة هنالك من يقترب توقَّف الصوت لثوانٍ ليعود بعد قليل. تمتمتُ بصوتٍ خافت: "هل سمعتن ذلك خطوات أو شيء يمر بجوار الغرفة." جلست ميا فجأة وعيناها تتفحصان المكان بقلق: "ثمة صوت بالفعل أحدهم يمشي خلف." ساد الصمت لحظات طويلة حتى كدنا نحتبس أنفاسنا ثم تَسَمَّعَت الخشخشة الخفيفة على الخشب مصدرها جهة الباب. قالت أميليا محاولة التخفيف من التوتر: "لا داعي للقلق ربما قطة ، أو شبح مهذب يطرق الباب قبل الدخول." تمتمت ميرال مبتسمة ابتسامة مشدودة: " وإذا كان شبحًا فلنتحدث معه من يدري؟ ربما بحاجة إلى فنجان قهوة ويرغب في مشاركتنا الحديث ." قالت ميا بجدية متوترة: "لكن حقًا ما هذا الصوت ؟" ثم جاء الصوت واضحًا ، كهمسة نسمة باردة تتسلل من تحت الباب . فيما قالت ميرال بصوت مرتجف: "إذا كان هذا مقلبًا فأنا مستعدة لإعادة المال والعودة إلى المدينة فورًا ." نهايه الفصل الاول .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وسـاوسـي المُـدَنـسهہ .

المؤلف YASMIN
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة