خيوطٌ من حريرٍ مشدودٍ على عنق .

خيوطٌ من حريرٍ مشدودٍ على عنق .

18 0

•بيلا . "لا أريده لا أريد الزواج منه لا أحبه!" تردّدت كلماتي في أرجاء الغرفة كالسياط جلستُ على طرف السرير وجههي شاحبٌ كغصنٍ فقد لونه . قالت والدتي بهدوءٍ يحاول أن يُخفي الغليان : "الحبّ يا بيلا ليس شرطًا قبل الزواج يأتي مع الوقت ومع العشرة تنبت المشاعر كما تنبت الزهور بعد المطر."    حدّقتُ في عيني أمّي أحاول أن أقرأ ما وراء هذا الكلام الذي تكرّر على مسامعها مرارًا وتكرارًا قلتُ بحدّة: "وهل تظنّين أنني زهرة ؟ أنني سأزهر فقط لأنّ الظروف مهيّأة؟ الحبّ لا يُزرع ، إمّا يكون أو لا يكون."   تنهدت أمّي تحمل فوق صدرها أوزان الأعوام الماضية : "كما انه رجلٌ محترم مهندس ناجح يملك بيتًا وسيارةً ومستقبلاً واضحًا ، وأنتِ طبيبة ألن يكون مستقبلكما مشرقًا؟" رفعتُ عيني إليها بنظرةٍ احتوت شتاءً كاملاً من العتاب: "أنا لم أكن طبيبةً برغبتي هل نسيْتِ؟ أنتِ من دفعتني دفعًا ! أتذكرين حين رفضتُ الطعام أيامًا لأنني أردتُ دخول كلية الفنون؟ أتذكرين بكائي؟" ارتبكت امي للحظة ثم تنحنحت وكأنها تبتلع جمرةً: "كل ما فعلته ، فعلته من أجل مصلحتك خفتُ عليكِ من الفشل من المستقبل المجهول أردتكِ أن تكوني قوية لا متشردة تحمل ريشة وأوهامًا." اقتربتُ خطوة وصوتي يرتعش لكنني لم تتراجع: "بل أردتِ راحة ضميرك لا راحتي  أردتِ أن تفتخري أمام الناس بأنّ ابنتك طبيبة ، ولم تفكّري يومًا في قلبي  كنتُ المُحبه البارة لكِ ، وها أنتِ الآن تعيدين الكرة وتريدين تزويجي فقط لأنّكِ ترين أنّه مناسب." بيلا ...! صمتت امي وشدّت على طرف وشاحها تبحث فيه عن ثبات لا تجده بدا النقاش على وشك الانفجار حتى اختنقت الغرفة به اتسعت عيني دمعةٌ تأبى السقوط تلمع فيهما وشفتي ترتجفان . بيلااا ..! لكن فجأة، انقطع كل شيء جاءني صوتٌ ناعم بعيد متداخل مع الحلم أو أنه أمتداد له . فتحتُ عيني على اتساعهما تنفّست بعنف كمن خرج لتوّه من بئرٍ مظلم لأجد لوليتا تقف بجواري تحمل كوبًا من الماء وعيناها مملوءتان بقلقٍ صادق. قالت برقة: "فتحتِ عينيكِ أخيرًا، يبدو أنك رأيتِ كابوسًا أليس كذلك؟" تناولتُ الكوب منها وابتلعت جرعة ماء كأنني أخمد نارًا ما تزال مشتعلة داخلي. "كان حقيقيًا جدًا شعرت أنني كنتُ هناك فعلاً." ابتسمت بلطف: "لقد تأخرتِ، تعلمين؟ اليوم أول يوم لكِ في المستشفى، وقد أعددتُ لكِ وجبة خفيفة لتأخذيها معكِ." نظرتُ إلى الساعة ثم إلى الغرفة حولي وقلت بقلق: "أين الأخريات؟ لم أسمع أي صوت." قالت وهي تضع معطفي على الكرسي: "استيقظن باكرًا صوفيا أرادت بعض الأشياء فاقترحتُ على أليكس أن يأخذهن إلى السوق." لم أُعلّق أسرعت فقط في تجهيز نفسي ولا تزال المشاعر تتقاذفني من كلّ صوب ارتديت فستانًا أزرق داكن بسيطًا في تصميمه لكن فيه فخامة صامتة كأنّه قطعة من الليل ذاته ينساب على جسدي برفق يضيق عند خصري وكتفيّ يُحكم قبضته عليّ. جمعتُ شعري الطويل في جديلة مائلة تنسدل على كتفي الأيسر لكن بعض الخصلات أفلتت تموّجت على وجنتيّ بعناد تمامًا كما ترفض روحي القيود تلك الخصلات كانت مرآةً لفوضاي ناعمة لكنها عنيدة. في الطريق كانت لوليتا تشرح لي الطرق تشير إلى المقاهي والمكتبات بينما أنا أراقب العالم من خلف النافذة، عقلي مكانٌ آخر. عندما توقّفت السيارة أمام المستشفى، قالت: "تبدين خائفة." أجبتُها بهدوء: "لستُ خائفة فقط لستُ مستعدّة." ربّتت على كتفي: "العالم لا ينتظر استعدادنا يا بيلا ، علينا أن نخوض ثم ننجو." ترجّلت من السيارة أخذت نفسًا عميقًا وتقدّمت. المبنى بدا أكبر مما تخيّلت الأبواب الزجاجية تعكس صورتي خطواتي المتردّدة وملامحي القلقة دخلتُ كانت رائحة المعقم أوّل ما استقبلني تملأ الأرجاء برتابة مريحة. قدّمت نفسي في مكتب التسجيل وحصلت على بطاقة الموظّف. حين أمسكت بها، سمعت صوتًا أعرفه جيدًا: "صباح الخير دكتورة بيلا لوكلير " استدرتُ لأراه واقفًا هناك يرتدي المعطف الأبيض ،يحمل ملفًا بيده، وعيناه الباردتان تلتقيان بعينيّ في تماسٍ صامت. إدوارد. تجمّدتُ ثم قلتُ بصوتٍ حاولت أن أضبطه: "لم أعلم أنك تعمل هنا." أجاب بابتسامة بالكاد تُرى: "أنا في الطاقم الإشرافي في قسم الطوارئ يبدو أننا زملاء الآن." قبل أن أستوعب جاءت ممرضة ودعتني إلى جولة تعريفية لم أقل شيئًا فقط حيّيته بإيماءة وتبعت الممرضة. الجميع هنا لطيفًا تعرّفت إلى "لونا" فتاة بشوشة أخذتني بجولة بين الأقسام لكن رغم كل شيء، لم أستطع طرد شعورٍ غريب تسلّل إلى قلبي منذ رأيت إدوارد. حين وصلت إلى غرفة الاستراحة وقفت أمام الباب يداي تحملان ملفي وعيناي تتجوّلان في الوجوه شيء ما كان مختلفًا. التفتّ بغريزة فرأيت إدوارد يعبر الممر يتحدث إلى أحد الأطباء ثم التفت نحوي وعيناه تلتقيان بعينيّ، عيناي مسحوبتين بلونهما العسلي الممزوج بأخضرٍ فاتح إرثٌ غريب من أبي. لم نقل شيئًا مجرد نظرة ... طويلة ثابتة صامتة حتى الإرباك. سحبتُ أنفاسي ببطء ثم دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفي. همست لنفسي: "ربما لم أكن مستعدّة لهذا اليوم ،لكن العودة لم تعد خيارًا."   ___________________________ •ميرال. كان السوق يعجّ بالحياة كما لو أنه لا يعرف السكون  ضجيج الباعة تناثر الأصوات وتماوج الروائح بين البهارات والخبز الطازج رسم مشهدًا نابضًا بالواقعية  تمامًا كلوحة قديمة لا تزال تحتفظ بألوانها رغم مرور السنين . تقدمت صوفيا بخطى متحمسة نحو محل للزينة المنزلية تنقلت بين المعلّقات والأقمشة المطرزة كفراشة تنتقل من زهرة لأخرى . أما أميليا ، فقد كانت منشغلة بتفحّص أساور معدنية تصدر صوتًا خفيفًا كأنها تهمس بأسرارها القديمة . قلتُ وانا أقف أمام كشك للعطور: "يبدو أن هذا العطر يحوي الغموض كرائحة كتاب قديم نُسي في قبو مكتبة." ردّت ميا بضحكة ساخرة: "أو كرائحة دفتر امتحانات في أول السنة لا تغرّكِ الزجاجة الجميلة." ضحكنا معًا، بينما ظلّ أليكس واقفًا في الخلف يداه في جيبيه وعيناه تتنقلان بين وجوه الفتيات كمن يراقب عرضًا مسرحيًا لا يعرف إن كان يجب أن يضحك أم يتنهد . اقتربت أميليا منه وهمست: "أخبرني أليكس أليس من الممل أن ترافق أربع فتيات إلى السوق؟" أجابها دون أن يلتفت بصوت خافت: "إنه أشبه بتجربة اجتماعية مثيرة للقلق أحيانًا." ضحكت ميا بصوت عالٍ ثم التفتت نحوه: "أتخيلك تكتب في مفكرتك الليلة: 'تمت مراقبة أربع إناث في البرية سلوكهنّ يميل إلى التشتت المفاجئ والانجذاب لأي شيء يلمع.'" رفع أليكس حاجبًا ، وأجاب بجديّة مصطنعة: "لا تنسي الإناث أيضًا تصدرن أصواتًا عالية عند مشاهدة التخفيضات." قاطعتهُ أُشير إلى صوفيا التي لا تزال غارقة في بحر الملابس : "ماذا عن تلك الأنثى تحديدًا؟صوفيا تجاوزت نصف ساعة داخل ذات المتجر." تنهدت أميليا: "أراهن أنها أقامت علاقة صداقة مع البائعة وربما تعلّمت اسم قطة صاحبة المتجر."   تقدّمت ميا بخفةٍ لاذعة وهي تتأبط ثوبًا مشجّر الألوان رفعته أمام عينيها كأنها تستعرض لوحةً عبثية وقالت بنبرةٍ ساخرة ناعمة: "أترينه يليق بكِ يا صوفيا؟ لعلّه مثاليّ لحفلٍ تنكريّ أو مجرد مرآة لما تحاولين إخفاءه." رفعت صوفيا بصرها ببطء كمن يسبر شيئًا دون اكتراث ونظرت إليها نظرة فاترة كالسُّم الزلال: "وهل تنفع الأقمشة لستر خواءٍ داخليّ؟أخشى أن الثوب سيفضح أكثر مما يُخفي فالثوب لا يُبدّل ضحالة الأعماق ولا يُخيط جوهرًا مُمزقًا." شهقت أميليا بخفوت وتراجعت تشهد بداية عاصفة بينما تبادلتُ النظرات بصمت أتأمل احتدام النار بين الجليد والشرر. ضحكت ميا ، لكن في ضحكتها قلقٌ مستتر وقالت: "الخفة خيرٌ من الغرق في غياهب الغرور . على الأقل، أُضيء اللحظه أما أنتِ فتُطفئين كل ما يقترب ثم تدّعين أن البرودة صلابة." ابتسمت صوفيا لكنها لم تضحك وقالت بهدوءٍ أقرب إلى الخنجر: "الضوء لا يكون له قيمة إن لم ينبع من الداخل، أما ضحكاتكِ فهي كألعاب نارية تنفجر فجأة وتخفت دون أثر . الهروب بالتسلية لا يُنقذكِ من مواجهة المرآة." تقلّصت ملامح ميا وردت بلهجةٍ تلوّنها حدّة : "كم من متعاليةٍ قبلكِ بَنت جدرانها من الكبرياء ثم بكت حين اكتشفت أنها سجينة؟ أنتِ لا تَرين أحدًا نِدًّا لك وربما لذلك لا يُرى أحد بقربكِ." أجابت صوفيا بنبرة لم تهتز: "ولا حاجة لي بندّ لا يُتقن سوى الضجيج . أنا لا أكره الناس ، لكنني أرفض أن أُخفي نفسي كي أُرضي هشاشة الآخرين." صمت المكان حتى البائع الذي كان يعرض بضاعته توقف للحظة بينما ارتفعت حرارة الجو بين الاثنتين. أخيرًا، رفع أليكس رأسه عيناه تتنقلان بين الاثنتين قبل أن يتقدّم خطوة واحدة وقال بنبرة ثابتة هادئة لكنها واضحة: "هل هذا جدال ثقافي أم أنه إعلان حرب بين ذوقين؟ لأني بحاجة لأقرر إن كنت سأشتري فشارًا أو خوذة." توقفت كل من ميا وصوفيا لوهلة ،صوته كان كفيلًا بإعادة التوازن للحظة. قالت أميليا بضحكة وهي تصفق ببطء: "أليكس ، أيقظتك الأصوات أخيرًا؟" أجابها دون أن يغيّر نبرته: "لا أحب الصمت حين يتحول إلى صدى حاد بين الكلمات خصوصًا عندما تُشحذ الكلمات كالسكاكين." استدارت صوفيا نحو البوابة : "انتهيت من هذا السوق لا أشتري من أماكن يعلو فيها الضجيج على الذوق." ردت ميا بهدوء قاتل: "وأنا لا أتسكع في أماكن تختنق فيها الروح من فرط الادّعاء." قهقه أليكس فجأة صوت ضحكته قصير لكنه صادق: "لا أعلم من أين تجلبون كل هذه الطاقة هل هو نوع من التمرين العقلي؟" أجابت أميليا، بنبرة هزلية: "إنه تمرين على الصبر وأنتَ أستاذه اليوم." حتى أنا، التي نادرًا ما تتدخل، تمتمتُ: "دعونا نعود الجو هنا سام." ~ حقًا هؤلاء الفتيات غريبات لا أجد سببًا للشجار لربما حقدًا مدفون ، لا أرى أن ميا على حق حتى وإن كانت صديقتي لأنها بدأت اولاً ولكن صوفيا ردودها قويه الاثنتان على خطأ . وبينما كنّا نَهمُ بالعودة مرت بجانبنا سيدة مسنّة تجرّ عربة صغيرة فتعثّرت قدمها بحجر صغير  وسقطت بعض الأغراض منها على الأرض وقفنا بسرعة لمساعدتها لكن أليكس سبقنّا انحنى بهدوء جمع الأكياس ثم قدّم لها ابتسامة مطمئنة وهو يقول: "دعي عنكِ القلق لم يحدث شيء كبير." نظرت إليه المرأة بعينين تلمعان بالعرفان وقالت بنبرة مرتجفة: " مازال الخير موجودًا ، شكرًا لك يا بني." وقفت ميا تنظر إليه باندهاش، ثم قالت: "أليكس ، لوهلة ظننتك قطعة أثاث ترافقنا  لكنك الآن  بطل سوق صغير." أجابها وهو ينفض الغبار عن كفه: "أنا لا أتحرك كثيرًا  لكن حين أفعل  أحرص أن أُلاحَظ." أطلقت أميليا صفيرًا خافتًا، بينما تحدثتُ ضاحكة: "لديك مستقبل باهر في مجال الإعلانات." وفي طريق العودة جلسنا في السيارة، وكل واحدة منا تستعرض غنائمها الصغيرة إلا أليكس الذي كان يقود بصمت وفمه لا يخلو من ابتسامة خفيفة لا تفارقه. وحين وصلنا إلى البيت، فتحت لنا لوليتا الباب وملامحها تحمل شيئًا من العتاب المغلف بالحب: "ظننت أنكم ضللتم الطريق أو فتحتم متجراً باسمكم." ~ أشعر أني احببتُ هذه المرأة ؛ حنونه جدًا إحتوتنا ونحن هاربات والآن خائفه علينا. دخلنا المنزل وملامح التعب بادية على وجوههنا بينما أصوات بطوننا الخاوية تسبق خطواتنا ،رائحة الطعام تتسرّب من المطبخ بخفة كأنها تهمس لنا : اصبرن قليلاً. قالت لوليتا وهي تمسح يديها بمنديل قطني: "العشاء أوشك على الاكتمال لكن انتظرن بيلا وإدوارد لا نبدأ بدونهما." تحرّكتُ إلى الأريكة الكبيرة، وأسندت ظهري بتعب ،كانت أميليا تتذمّر بصوت خافت: "سأفقد وعيي قبل أن نأكل" ضحكت ميا بخفة: "منذ متى ونحن نتناول وجباتنا في مواعيد منتظمة؟" قاطعتها أميليا فجأة: "بالمناسبة ألم يكن من المفترض أن نرى بيلا؟ لقد غادرنا دون أن نودّعها." صمتٌ لثوانٍ  قبل أن تنقلهن الكاميرا الذهنية إلى الخارج وقفت بيلا خارج المستشفى حقيبتها على كتفها ويدها تعبث بربطة المعطف بملل. الشارع شبه خالٍ والمساء يهبط بخطى هادئة . لم تكن تفكّر بشيء بعينه لكنها شعرت بأنها ليست هنا كليًا. •بيلا. توقّف بجانبي فجأةً سيارة رمادية أنيقة انخفض زجاجها وظهر وجه إدوارد الهادئ: "إلى أين؟" أجبتُ بيلا ببرود: "البيت طبعًا." ابتسم إدوارد بخفة: "نحن في نفس البيت ألا تمانعين أن أوصلك؟" ترددتُ قليلًا ثم فتحتُ الباب وجلستُ بصمت. دار حوار قصير بيننا خفيف في كلماته، لكن ثقيلاً بصمته: "كيف كان يومكِ؟" "طويل." "وهل ستتأقلمين مع كل هذا؟" "سأحاول… أليس الجميع يحاول؟" ~إنهُ لا يُريحني منذ يوم مساعدتنا في تنظيف الطابق يبدو لطيفًا ولكنني لستُ واثقه به ولا بأمه أيضًا . لفترة وجيزة سادت حالة من الصمت بيننا كان كلٌ منّا غارقًا في أفكاره الخاصة ثم، مع ذلك  عبروا عتبة باب الحديقة معًا لتستقبلنا أضواء المنزل التي تلمع في الأرجاء. عندما دخلنا للمنزل الجميع ملتفًّا حول المائدة يضعون الأطباق وينظّمون الجلسة. هتف أليكس وهو يُلوّح بيده من آخر الطاولة: "أخيراً لقد متنا جوعاً  أين كنتما؟ نأكل أم نُقيم مراسم استقبال؟" نظرت ميرال إلى الاثنتين تبادلن تلك النظرة الصامتة ،  نظرة لا تحمل كلمات لكنها تقول كل شيء. نظرة اتفاقٍ مؤجّل ونقاشٍ يعرف الجميع أنه قادم ، مهما طال تأجيله . ~ بعد العشاء لن أسلم منهن في السؤال عن كيف ألتقينا وكيف عدّنا معًا لن أنجو حقًا. لعل أمليا وميا يختارنّ أسماء أبنائنا في خيالهن الواسع ، لا أرى أن ميرال فَرحت بقدومنا معًا سأسلها لاحقًا عما يزعجها . ضحكت لوليتا بخفة وهي تضع الأطباق: "الطعام لا ينتظر أحدًا  فاجلسوا قبل أن يبرد." جلسنا جميعًا ، أطباق دافئة حديث خفيف ، وضحكات صغيرة متفرقة ، لكن التوتر كان يحوم فوق الطاولة كدخان لا يُرى. كان الحديث يتنقّل بين موضوع وآخر ، عشوائيًا ، يحمل رائحة الهدوء الذي يسبق العاصفة. كانت صوفيا تحدّق في ميا بنظرات كالسهام  ثابتة  نافذة ، تحاول أن تخترق جدار الصمت لتصل إلى ما تحت جلدها ثم قالت فجأة وبنبرةٍ تنوء بثقل الاتهام: "يبدو أن بعض البشر بارعون في أداء الأدوار حتى على موائد الطعام." توقّف الحديث ، التفت الجميع نحوها وجوهننا مجمده حتى إدوارد رمقاها بنظراتٍ متفاجئة الكلمات صفعت هدوءه . ~ كان عليّ أن أُضيف صوفيا لدائره عدم الثقه مع عائلتها الكريمة. قالت ميا بهدوءٍ ظاهريٍ يُخفي خلفه عاصفةً كامنة: "هل توجهين الحديث إليّ؟" لم تُجب صوفيا على الفور بل وضعت الشوكة على حافة الطبق ببطءٍ محسوب كأنها تُعلن نهاية مشهدٍ تمثيلي ، ثم رفعت عينيها بثبات: "إن كنتِ ترَين في نفسكِ ما سمعتِه فلستُ أنا من عليكِ سؤاله." ضيّقت ميا عينيها، وقالت بنبرة مَشحونة: "كُفّي عن التنقّل بين السطور  إن كان في صدركِ شيء فألقي به دون مواربة." تدخّلتُ، بصوتٍ واهن: "صوفيا ، ما الذي ترمين اليه؟" لكن صوفيا لم تُجبني بل واصلت النظر إلى ميا : "حسنًا، سأكون صريحةثمة فارقٌ شاسع بين من يرتدي قناع القوة ومن يتجرّعها كلّ يوم  لقد نجوتِ ، نعم، لكن لا تخلطي النجاة بالبطولة." تقلّصت عضلات وجه ميا وارتسم على ملامحها جمودٌ غاضب . قالت ميرال، محاولة إطفاء النار قبل اشتعالها: "لسنا في ساحة محكمة ، ولا أحد منّا يملك الحقيقة الكاملة ، لكلٍّ طريقته في الصمود." لكن صوفيا ، وقد فاض بها الصمت تابعت بنبرة حاده : "الصمود لا يعني أن تُزيّف ما جرى لا أن تُجمّلي الحقيقة لتتناسب مع ضميركِ المطمئن . أحيانًا الكذب على النفس أقسى من أي خيانة." ~ توتّرت ملامحي الكلمات وخزتني ، مالذي ترمي إليه حقًا كلامها سام لابد أن هنالك أمرًا حدث بالسوق.   أما ميرال فتمسّكت بكوبها كشيئًا من التوازن المفقود ،واكتفت أميليا بأن تمتمت ساخرة: "ممتاز ، النار اشتعلت، ولن يُطفئها ماء العالم كلّه." مالت ميا إلى الأمام صوتها صار أكثر حِدّة لكنه لا يزال مكبوتًا بين أنياب الغضب: "إن كنتِ تظنينني جبانة ، قوليها ، لا تنوّحي بها  لكن لا تستخدمي البلاغة لتطعني دون أظهار سيفكِ ." هنا ابتسمت صوفيا ابتسامة أقرب للشفقة الساخرة  وقالت بصوتٍ مشبع بالمرارة تسحب سيفًا من غمدٍ صدئ: "سأقولها حين توقّف الزمن، أنا بقيتُ واقفةً في وجه الظلمة أما أنتِ؟ فقد أدرتِ ظهركِ وهربتِ قبل أن يكتمل المشهد . لم أرتّب الهزيمة على هيئة نصر." نظرةٌ واحدةٌ  عبرت بين العيوننا الأربع ، كانت كفيلة بهدم السدود التي شيدناها بأنفاسٍ متقطعةٍ منذ تلك الليلة الكالحة ،الزمان نفسه توقّف للحظةٍ، لا لشيءٍ إلا ليسخر من ادعائنّا بالنسيان . لم نعُد جالساتٍ في الغرفة ، ولا ظلّ لطاولة الطعام ، ولا لأصوات الملاعق التي رنّت منذ لحظات ، حتى صوت صوفيا تلاشى ، ليحلّ محلّه ذلك السكون ، السكون الذي يسبق اقتراف الخطيئة . ثم ... خرج همسٌ خافتٌ من الذاكرة ، من زاويةٍ معتمةٍ لا يصلها ضوء العقل ، صوتًا بالكاد يُدرك ، لكنه حمل على ضُعفه ثِقَل قرارٍ مزّق نسيج ما تبقّى من الأمان . Flashback . تكلّمت إحدانّا، وقد تردّدت أنفاسها تتردّد الريح بين قضبان نافذة قديمة: "لمَ لا نهرب؟ لا شيء لدينا لنخسره..." كانت جمله لعنةٌ نُطقت بنغمةٍ مرتجفة أو شرارة أُضرمت في هشيمٍ يابس لحظةٌ وحيدة ، واهنة ، مهزوزة ، لكنها شقّت ليل تلك الليلة كما يشقّ البرق صدر السحاب . نهايه الفصل الخامس .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وسـاوسـي المُـدَنـسهہ .

المؤلف YASMIN
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة