•ميا . "متى ينوي القدوم؟ طال بنا الانتظار دعونا نرحل." كان ذلك بصوت حاولت أن أجعله هادئًا، لكنّ نفاد الصبر تسلّل منه كالماء من بين الأصابع. نظرت إليّ ميرال نظرة عميقة لا تخلو من القلق: "ربما تأخّر لسبب لا نعلم فلنعطه بضع دقائق أخرى." أجبتها بحدة لم أُخفِها: "لقد منحناه ما يكفي من الدقائق والاحتمالات إن كان حقًا هناك شخص فلماذا لم يظهر؟ ولماذا يعبث بنا بهذه الطريقة؟" تنهّدت أميليا ثم هزّت كتفيها وقالت بسخرية باهتة: "ربما هو شبح يحب الألغاز." كادت بيلا أن تبتسم لكنها عادت لتُخفض نظرها نحو الورقة التي وجدتها تمسّكها تخشى أن تذوب إن غابت عن عينيها. نظرت إليهنّ وجوه متعبة، قلوب متوترة، والليل يزداد ثقلًا، السماء تحبس أنفاسها معنا ننتظر شخصًا لا نعرفه نحمل ألغازًا لا نفهمها ونغرق في أسئلة لا نجد لها أجوبة. "لقد كانت فكرة سيئة منذ البداية" تمتمتُ وأنا أبدأ السير مبتعدة عن المكان. "منذ اللحظة الأولى التي قررنا فيها فتح ذلك الباب الملعون للغموض." تبعنني الواحدة تلو الأخرى، دون اعتراض لم يكن في أعينهنّ سوى الصمت صمتٌ يعرف الكثير ويخفي أكثر. الطريق إلى المنزل بدا أطول ،الأرض نفسها قررت أن تعاقبنا على فضولنا. خطواتنا مُثقلة بخيبة لم نتبادلها بالكلام لكنها تسرّبت بيننا كالبرد خاملة، قاسية، ومتغلغلة ، كل واحدة منا تحمل لغزها الخاص، ولكن الحقيقة الأوضح من كل ما حُمِلَ في الأوراق أنّنا لا نعرف شيئًا لا نعرف من أرسلها، ولا لماذا، ولا ما ينتظرنا خلف هذا الجنون المنظّم. أسمع أنفاسي المتقطعة وأحس بتسارع دقّات قلبي ليس خوفًا بل شيئًا آخر، شيئًا يشبه التوق ويشبه الغضب ويشبه الخذلان ،لم أكن أريد أن أعترف لنفسي لكنّني شعرت أنّنا نُساق إلى هاوية نجهل عمقها وأيدينا مقيّدة بحبال من الفضول والخوف والتعب. حين اقتربنا من أولى البيوت في طرف القرية حينها توقّفت فجأة شيء ما شدّ نظري جهة اليسار وتحديدًا إلى ذاك المنزل القديم الذي يسكنه الغموض أكثر من البشر بيت سيرافينا. رأيتها. صوفيا؟ خرجت من باب جانبي كأنها تتسلل من جرم ارتُكب للتو تنظر في جميع التجاهات كمن يخشى أن يراه أحد يداها ترتجفان ونظراتها كمن عبر من مكان لا يجب أن يكون فيه. تجمدتُ في مكاني، همستُ: "انظروا أليست تلك؟" قالت ميرال بصوت خافت متوتر: "صوفيا؟ من بيت سيرافينا؟ ما الذي تفعله هناك في هذا الوقت؟" تقدّمت خطوة، عيناها تضيقان: "بدأت أشكّ فيها ليست المرة الأولى التي أراها تتصرّف بغرابة." همست بيلا، وعيناها تتّسعان: "لكن صوفيا؟ اعلم ان اسلوبها وقح ولكن لوليتا طيبة." أجابت أميليا: "كونهم طيبين لا يعني أنّهم بلا أسرار نحن في قرية يبدو أنّ فيها كل شيء ممكن." ارتفعت حرارتي شعرت أن التوتر الذي حاولت كبته في الطريق عاد وانفجر دفعة واحدة قلت بحدة: "وهل نحن نعيش في رواية؟ كل شخص هنا بات محلّ شبهة حتى صوفيا؟" قالت ميرال بهدوء لكن بحزم: "الغموض يحيط بكل شيء ولا شيء يحدث صدفة بيت سيرافينا تحديدًا ليس مكانًا يُزار هكذا، خلسة في هذا الوقت." أود أن أجادلها لكنّي لم أجد ما أقول شيء ما في داخلي بدأ ينهار بين التعب الجسدي والانهيار العقلي أريد فقط أن نعود أن أغلق عينيّ لوهلة لكنّ صورة صوفيا وهي تخرج بذلك التوجّس ظلت محفورة في ذهني كطعنة لم تكتمل. أكملنا الطريق في صمتٍ . لم نكن فقط نمشي نحو البيت كنّا نبتعد عن جزء من الحقيقة لم نعد واثقات إن كنّا نريده أصلًا. حين وصلنا، بدا البيت أمامنا ثابتًا لا يتأثر بشيء ممّا حملناه معنا من شكّ وتعب وأفكار تتصارع في رؤوسنا. لكنّنا نحن ، أربعة وجوه تحمل خيبات متراكمة وأسئلة لا تنام ، نتابع السير نحو البيت، بخطى أثقل من أن تخفي ما نحمله في صدورنا. نظرتُ إلى ميرال، تسير بجانبي بصمت لكنّ ملامحها قالت كل ما لم تنطقه. لونها شاحب وعيناها لا تركّزان على شيء محدد تغوص في أفكارها أو لعلها تغرق فيها. "ندمتِ أليس كذلك؟" همستها في داخلي دون أن أقولها لها. كانت أول من اقترح الهروب أول من أشعل هذه الفوضى الجميلة التي نخوضها والآن؟ الآن بدت كأنها تشكّ في كل شيء. لم أعاتبها لم أكن أملك طاقة للكلمات ولا رغبة في فتح أبواب اللوم. لكنّني رأيت ندمها ، رأيته في الطريقة التي شبكت بها أصابعها في نظرتها الهاربة وفي محاولتها البائسة أن تبدو ثابتة. تمنيتُ لوهلة، لو أمدّ يدي نحوها وأخبرها أن كل ما يحدث ليس خطأها وحدها لكنني لم أفعل. أنا أيضًا أُخفي ارتجاف داخلي لا أريد لأحد أن يراه ما إن عبرتُ عتبة البيت حتى استوقفني ، إدورد وأليكس يسيران بمحاذاة بعضهما بخطى متسارعة يتجهان نحو المطبخ وجسدهما يوحي بجدل خافت يُكتم على عَجَل. عقلي لم يحتمل المشهد على أنه عابر. بل أيقظ في داخلي صورة مشهدًا محفورًا في ذاكرتي لا يزال يثير رعشة باردة في أطرافي. Flashback . كنتُ قد صعدت الدرج نحو الطابق العلوي لأجلب كتابي الذي نسيته الممرّ كان ساكنًا إلا من صوت خافت يتسرّب من خلف باب موارب قليلاً حتى ارتطم سمعي بنبرة غاضبة كأنها طعنة. "حمولة المخدّرات كانت فاشلة هل تعي ما تقول؟ كل شيء كان معرّضًا للانكشاف وكل ذلك بسببكم!" توقفتُ، وتراجعت خطوة واحدة نحو الحائط لكن الفضول والخوف تجمّدا في عروقي وأبقياني هناك. صوت خافت يأتيه من الهاتف بدا كتبريرٍ يائس لم أتمكن من تمييز كلماته لكن أليكس لم يحتج لسماعها كاملة ليشتعل غضبًا: "تبرّر؟ بعد كل ما حدث؟ خسائر فادحة وخطر يطوّق رقابنا وأنتم تتهربون بالكلام؟ أنتم مجرد حفنة من الحمقى لا تصلحون حتى لحمل حقيبة!" ضرب بكفّه شيئًا لم أره ربما الطاولة فاهتزّ صوته مع ارتجاف الغرفة. "كان الاتفاق واضحًا والصفقة محسوبة بالدقيقة وكل ما فعلتموه هو فضيحة تنتظر من يكتشفها لو لم اكن هناك لكنّا الآن خلف القضبان" تسارعت أنفاسي لم أعد أدري إن كنت واقفة أم مُعلّقة بين الظل والرعب. ثم قالها بكلمات مشبعة باليأس والقرف: "أنتم عارٌ على هذا العمل بل عارٌ حتى على الصمت" ورمى الهاتف بعنفٍ حتى ارتطم بشيء حديدي صوته شقّ الهواء ثم تمتم بكلمة واحدة كطعنة: "اللعنة..." استدرتُ لأعود لكن قدمي خانتني واصطدمتُ بجانب خشبي في الجدار صوتٌ خافت لكنّه كان كافيًا ليستفيق الشكّ ركضت .. ركضتُ حتى صعدت نحو الطابق واستندتُ إلى أول جدارٍ قابلني ارتجفتُ ثم أغمضت عيني أقنعت نفسي أنني بخير الآن، أنني نجوت. لكنّ يده باغتتني فجأة كفّه الباردة، الصلبة، كُتِب عليها التهديد قبل أن ينطقه. وضع يده على فمي واقترب وهمس بصوت منخفض يشبه الحمم: "كنت أعلم أنك ستتسللين أنفاسك كانت أوضح من خطواتك وسمعتِ، أليس كذلك؟" أجفلت. "لا تحاولي الكذب والآن اسمعيني جيدًا يا فتاتي الصغيرة" اقترب حتى شعرت بنبضه يطرق صدغي: "لو أخبرتِ أحدًا حتى بكلمة واحدة، سأنهِي حياتك دون تردّد مفهوم؟" أومأت بالكاد كنت قادرة على التنفس. ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تشبه الرحمة: "جيد تعرفين مصلحتك، حلوتي ." ثم ابتعد بخطى باردة كأن شيئًا لم يكن. لحظات بعدها زفرت زفرةً عميقة وكأنني للمرة الأولى تذوّقت الأوكسجين وضعت يدي على صدري أحاول تهدئة ذلك الرعب المتفجّر في أضلعي. End Flashback . المشهد لا يزال عالقًا في ذهني عيني لم تفهم بعد أنه انتهى نظرتُ إلى أليكس فالتفت إليّ بخفة وابتسم كأن شيئًا لم يكن ضحكة قصيرة مائلة للغرابة ، ومضينا معًا إلى الطابق العلوي حيث تقبع غرفنا مثل صناديق أسرارٍ مكتومة ، بدا المكان أكثر هدوءًا مما يجب لم أكن أعلم إن كان هذا السكون علامة طمأنينة، أم الهدوء الذي يسبق العاصفة. رأيتُ إدورد يقترب من بيلا نبرته منخفضة، متأنية يخشى أن يكسر زجاجًا رقيقًا: "أُريد أن أحدثك عن بعض تفاصيل المستشفى ، هنالك أشياء أظنّ أنها ستثير اهتمامك." هزّت بيلا رأسها بخفة، تبعته وكأنها تسير خلف فضولٍ قديم لا تزال ملامحه مشوشة. ~يعجبني هذا إدورد مع بيلا سأختار بيتهم على شاطئ المالديف لاحقًا. أمّا أنا، فبقيت ساكنة أراقب ،أحاول أن أفسّر كل نظرة كل حركة كل حرفٍ يتسلل من بين الشفاه. مرّ الليل ببطء كل دقيقة تنبض بثقل وعقلي يرفض أن ينام. ----------------------------- "لمَ الآن؟ لمَ بدأتَ بإلقاء الألغاز في هذا التوقيت؟ تبحث عن احتراق لا عن إشعال؟ هل توّد أن تدفعهم دفعًا نحو حافة الهاوية؟!" "لأن الوقت حان ولأن الصمت طال كثيراً ولأنني سئمتُ انتظار ساعة لا تأتي." "كنا قد اتفقنا على التأني على ألا نثير القلق قبل أن تُغلق الأبواب خلفهم جميعًا." "الخطط تتغير والرغبات أيضًا وما نفع خطة لا تُربك أحدًا؟" "أنت تعبث، وتجرّنا معك إلى حيث لا نريد." "بل أُحرّك الجمود ينقصنا عمّال وأنت تعرف أنّهم لا يأتون إلا إذ اخفتهم انها تسليةٌ راقب فحسب " ------------------------ صحوتُ على دويّ خبطات متتابعة وقوية على الباب قلبي يضطرب في صدري كما لو أنه يحاول الهرب من قفصه. استيقظ الجميع باندفاع والذعر يكسو وجوههم جميعًا نزلنا معًا إلى الطابق الأرضي الخطوات تتعثر في سكون الصباح الذي غُشّي بصخب غير متوقع خطواتنا ثقيلة أنفاسنا متقطّعة وفي غرفةٍ تجمع الكلّ ونظرات مشدوهة تتنقّل بين الوجوه فتح إدورد الباب ببطء ووقف أمامه رجل غريب يرتدي زي الشرطة، اعتذاره كان متواضعًا: "نعتذر على الإزعاج" أجاب إدورد بصوت هادئ لكنه متوتر: "نعم، كيف يمكنني مساعدتكم؟" تابع الشرطي: "نحنُ نبحث عن أربع فتيات هربنَ فجرًا لقد جُهزت فرق بحث في القرية، ولم نتمكن من العثور عليهن لذا اضطررنا للبحث في كل بيت الجميع متوتراً والفتيات يخفين أنفسهن خوفًا من اكتشافهن." عاد إدورد ينظر حول البيت بتوجس، ثم قال: "لا يوجد أحدٌ هنا." رد الشرطي بحزم: "إن رأيتم أحدًا، عليكم إبلاغنا فورًا." أجابة إدورد: "طبعاً على الفور" أضاف الشرطي بصوتٍ أكثر جدية: "نبحث عن فتاة تُدعى بيلا، توفيت أمها مؤخرًا ومن المهم جدًا إبلاغها حال العثور عليها." كلماته سقطت في المكان كالصاعقة لم ينبس أحدٌ بكلمة فقط الصمت فقط الدهشة فقط الرعب التفتُ نحو بيلا واقفة في الزاوية جسدها انفصل عن العالم نبض الأرض توقف تحت قدميها لم تتحرّك ولم تُصدر صوتًا لكنّ شيئًا ما فيها تهشّم أمام أعيننا. كتفاها ارتخيا في استسلامٍ صامت ويداها سقطتا بجانب جسدها كأغصان مكسورة أُثقلت بالثلج، عيناها اللتان انكسرتا منذ زمان زادهما هذا الخبر انكساراً الشفاهها تحوّلتا إلى مرآتين باهتتين الضوء قد هرب منهما من دون رجعة. وجهها شاحبٌ بلون الورق قبل أن يُمسّه الحبر وتحت عينيها ظلّ قاتم الليل أعلن يستوطنه هنا نظراتها شفتاها لم ترتجفا لم تنطقا بل ظلّتا مطبقتين كقبرٍ جديد يحتضن حزنًا عميقًا لم يُفصح عنه بعد. لكنها لم تكن معنا كانت هناك في مكانٍ ما داخل نفسها تغرق بهدوء، ولا أحد يملك طوق نجاة. أشحتُ بنظري عنها شعرتُ أنني أتجسس على وجعٍ لا يخصني أميليا مدت يدها نحو بيلا لكنها لم تلمسها فقط ارتدت يدها كأنها لامست جرحًا نازفًا. ميرال وضعت يدها على قلبها تتنفس ببطء تحاول أن تبطئ الزمن لأجلها. أما أنا كنت أقيمُ حرباً داخلي: "ماذا يحدث؟ هل انتهت لعبتنا؟ هل طاردتنا المدينة إلى هذا الريف البعيد؟ لماذا الآن؟ ولماذا بيلا؟" كل شيء تهاوى في لحظة أصوات خفية عادت تتردد في رأسي همسات الليل، عيون الغرباء، البيت الذي لم نطمئن له يومًا، هل كنا فقط نتوهم الأمان؟ إدورد أغلق الباب بهدوء بعد حديث قصير متوتر ثم التفت نحونا لكن لم يقل شيئًا لم يكن هناك داعٍ للكلام نحن رأينا، وسمعنا، وشعرنا بما يكفي ليكسرنا. وبينما كانت الشمس ترتفع ببطء بدا الصباح أبرد من الليل وأكثر ظلمة. ------- •بيلا. خرجتُ من جسدي، أُشاهدني عن بُعد هامدة شاحبة بملامح مُفرغة من الحياة صوت الموت لا يُدوّي لكنه يخترقني بلا إذن يُفرغني دفعة واحدة من كل ما كنت ويتركني قشرةً باهتةً على هامش الوقت. كنتُ أُحدّق، فقط جملة واحدة ترددّت في رأسي: "رحلتْ." أمي.. كيف لكونٍ كامل أن ينطفئ في كلمة؟ لم أصرخ. لم أبكِ. الحزن في داخلي اختار أن يقتلني بصمت. كنتُ أركض طوال عمري أهرب، أُبرّر، أُخفي، أُنكر. هربتُ من ذاكرتها من ملامحها من صوتها من الدعاء الذي كانت تردده لي كل مساء هربتُ منها والآن أبحث عنها فلا أجد سوى فراغاً يتسع كلما فتشتُ عنه. لم أشعر بذراع ميرال التي ضمّتني ولا بدموع ميا التي بللت وجنتيها ولا بأعين الآخرين التي اتسعت مزيجًا من الدهشة والشفقة. سحبوني نحو غرفتي ، خطواتي لم تكن لي وكتفا لوليتا اللذان أسنداني إليهما لم أستشعر دفأهما. كنتُ في مكانٍ آخر أبعد من هذا العالم، أعمق من قدرة الروح على الاحتمال. صوت الباب وهو يُغلق خلفي بدا يُغلق عليّ أبواب الرحمة. استلقيتُ لا لم أستلقِ بل سقطت روحي من جسدي آخر ورقه تسقط من شجرتي الموسمية التي لا تسقط اوراقها ولكنها الجافه أنيه تجاهلت سقياها طويلًا وسقطت اورقها بفعل خريفي الطويل . دخلت لوليتا خطواتها خفيفة نظرت إليّ لم أرمش لم أتنفّس لم أتكلّم. تحدثت لوليتا بهمس خافت، يرتجف فيه قلبها: "بيلا.. أعلم أنك تسمعينني حتى وإن اخترتِ الصمت حتى وإن تظاهرتِ بالموت أعرف أنكِ تمزقين ذاتك من الداخل." جلست إلى جانبي مدت يدها وسحبت الغطاء ولفّتني به كلفّ الميت بكفنه لكنها كانت تُريد أن تُعيد لي الحياة لا أن تُسلمها للغياب. اضافت بصوتٍ مرتجف: "أمكِ ، لم تكن تنتظر منكِ شيئًا أعظم من أن تعودي من أن تفتحي الباب وتهمسي: أنا هنا يا أمي ،لكننا دائمًا نعود بعد فوات الوقت." لم أُجِب لكن في داخلي كانت السطور تنزف: ~ كم من مرةٍ أغفلتُ نداءها؟ كم من مرةٍ تجاهلتُ الحنين في عينيها؟ وكم من مرةٍ حلمتُ بأن أرتمي في حضنها وأجلستُ ذلك الحلم على المقعد الخلفي لحياتي؟ وها أنا الآن في الواجهة وحدي، تافهة، خاوية أُريد فقط أن أسمع صوتها. لوليتا لم تنتظر كلامًا اكتفت بتغطية كتفي "نامي يا بيلا، انتِ بحاجه لراحةِ ياصغيرتي" وخرجت كانت تخشى أن تنهار إن بقيت أكثر. ** خارج الغرفة، عند البقية وقفت لوليتا والوجوم يسكن عينيها، كأنها حملت معها وجعًا لا يُروى. قالت بصوتٍ بالكاد يُسمع: "الندم لا يُقال يُؤكل بصمت." وغابت نظراتها في المدى. --- صوتٌ خافت نُسج من ضوء القمر وحنان النجوم همسٌ يشقُّ سكون الليل يشقّ النسيم ستائر الروح المُنهكة. "يا بيلا، يا زهرةَ النور نامي في حضنِ الطُهور..." أعرف هذا الصوت أعرفه بكل جوارحي بكل نبضةٍ مرّت بي بكل لحظةٍ كنتُ فيها طفلةً لا تعرف من العالم سوى ابتسامة أمها. الحنين هجم عليّ كزلزالٍ لا يُنذر فتحتُ عينيّ لكن لم أكن في غرفتي كنتُ في المنزل القديم في حجرتي الصغيرة والشمس تندسّ خفية من خلف الستارة المُزركشة. وكانت أمي هناك. تجلس على حافة سريري تغني لي تلك الترنيمة التي كانت تردّدها كل ليلةٍ حين كنت أختبئ في حضنها لأهرب من كوابيس الطفولة. "الليلُ أهدى نجومَهُ لتنامي في حلمٍ وسرورِ" كم اشتقت لهذا الصوت كم تمنيتُ أن أعود إليه قبل أن يختفي قبل أن أهرب قبل أن أتأخر كثيرًا. مددتُ يدي نحوها أردتُ لمسها، احتضانها، إخبارها كم أنا آسفة ،لكنّها لم ترَني كأنني لم أكن موجودة، كانت تغني لطفلةٍ لا أراها لكنّي أعلم أنها "أنا" أنا القديمة، البريئة، النقيّة أنا التي لم تهرب بعد. ** وفجأة… تبدّلت الصورة. انطفأت الأغنية، وحلّ صمتٌ كثيف. رأيتُ نفسي تسللتُ على رؤوس أصابعي كان الباب مواربًا قليلاً، كنتُ صغيرة في العاشرة ربما، أقف خلف شقّ الباب الضيّق وقفت خلفه أسترقُ النظر بالقدر الذي يسمح به شق الباب الضيق اكتملت الصورة أمامي كانت أمي تبكي! جَلست على طرف السرير وأسندت رأسها إلى ظهره متخذة من الوسادة حاجزاً يقيها من حافته الحادة ارتفع صوت نحيبها وتخللته شهقات متقطعة كانت تصل بصعوبة بالغة إلى صدرها ما جعل لها صوتًا أشبه بضحكات مكتومة. لم أستطع رؤية دموعها لكنها دون شك كانت تسيل غزيرة بدليل أنها أمسكت طرف اللحاف ومسحت به وجهها كانت الغرفة خالية إلا من أمي. لم يعد والدي إلى المنزل بعد ربما كان هذا سبب بكائها ، خائفة عليه أو خائفة من البقاء وحدها وددت لو اقتحم الغرفة واحتضنها فالخوف مرضٌ لا شفاء منه أحسست بأنني الآن في حاجة ماسة إلى صدر أمي. هناك شيء ما في جو المنزل ينذر بخطر قادم حزن دافق اعتصر قلبي فجأة وإحساس بالوحشة والكآبة غلف نفسي، رعشة برد لفت جسدي ، كأنه ملأ فضاء السكون المحيط به. توالت الشهقات تتدافع في مسمعي ،خيل إلى كأن ملايين النحل قد فرت من خلاياها وكونت غيمة كثيفة من الطنين أحاطت برأسي فألغت كل الأصوات حولي ما عداها . خطرت ببالي فكرة بدت لي رائعة ، أخذتُ ورقةً وقلماً ومعها العديد من الأشعار انبطحت عل الارض كنت أحاول بإستماتة أن أنقل لوالدتي بضعة أبيات من قصيدة بعنوان (عيناك سوداوان)..! حملت الورقة واتجهت نحو غرفتها تنصت قليلا، صمت مطبق ،كنت دائما أدرك أن وراء القسوة التي تدعيها كان هناك تبع معطاء بالمحبة والحنان وقفت أتأملها، آه يا أمي الغالية لا أستطيع احتمال رؤية وجهكِ يحمل كل هذا الحزن تبكيني رموشكِ التي تنوء بحملها من الدموع التي بقيت عالقة بها ارحمي قلبي وحاولي من أجلي ألا تبكي مره اخرى. استيقظت قطبت حاجبيها وفتحت عيناها قليلاً ونظرت إلي وهي تغالب النعاس غير مصدقة: "ماذا تفعلين هنا؟" إحساس بالسكينة والهدوء بدأ يغمر نفسي، وشعور بالراحة والطمأنينة تسرب إليها استكان قلبي وأخيرًا هدأت تماما قدمت لها الورقة: " أمي كتبت هذا خصيصا لك" تَمكنت بصعوبة بالغة من قراءة كلماتها ابتسمت سألتني: "خصيصاً لي؟ هه؟ انظري إلى عيني وقولي لي ما لونهما ؟" اكشفت السر بأسرع مما توقعت فقد سمعت ضحكة أمي الحبيبة من أعماق قلبها رقص قلبي طربًا على ضحكتها. عيناكِ سوداوان، عيناك عسليتان، لا يهم، المهم أنك ضحكت أخيرا يا أمي وأشرقت الشمس في سماء منزلنا بينما كانت دقات الساعة تعلن انتصاف الليل. ** لكن .. بدأ المشهد يتلاشى صوتها ينخفض صورتها تتبعثر يدها تختفي من يدي. صرختُ: "أمي، لا تذهبي! ليس بعد أرجوكِ!" لكنها لم تلتفت كانت طيفًا جاء ليُطمئنني، لا ليبقى. ** استيقظتُ… وقلبي ثقيلٌ بنبضٍ يشبه العناق الذي لم أتمّمه لم يكن حلمًا كان وداعًا مؤجلاً كان حبًا أبديًا. الليل لم يرحل بعد وكأنكِ لم ترحلي أبدًا مددتُ يدي إلى الفراغ وجدتُه دافئًا ربما الدفء وهمًا لكنّه يشبهكِ كثيرًا. جلست على طرف السرير في عيوني هدوء جديد هدوء مَن يعرف أن الحب لا يختفي بل يغير شكله. صوتكِ ما زال يسكن رأسي وحنانكِ رغم كل شيء، ما زال يربت على قلبي. لا بأس يا أمي، إن عاد الحلمُ ألف مرة، سأفتح له الباب. علّه يحمل لي وجهكِ مرةً أخرى. لم ألتفت حين فُتح الباب بهدوء لم أرفع رأسي ولم أمسح وجهي كنتُ جالسة على طرف السرير كقطعة حجر نُسيت تحت المطر. خطواتهم كانت خفيفة لكني سمعتها. ميا أول من اقترب جلست بصمتٍ إلى جانبي كتفها يلامسني تستعير صمتها لتشاركه معي، أميليا أخذت زاوية الفراش تلعب بأطراف الغطاء دون أن تنبس بحرفٍ واحد ثم جلست ميرال أمامي حدّقت في وجهي طويلًا بعينيها الواسعتين الحنونَتين. تجمّعن حولي، الصمت وحده لا يكفي فاضطررنَ لكسْره بكلماتٍ ناعمة مصقولة بالقلق محشوّة بالسؤال ذاته: "بيلا، كيف حالكِ؟" مجرد سؤال بسيط نزل عليّ كخنجرٍ غير مُسنّن تمنّيت لو أستطيع جمع ما في قلبي في كلمة لكنني كنت أسبح في بركة من الصمت غارقة حتى أعماقي أتنفّس بصعوبة وكأن الهواء صار شيئًا غريبًا. أخفضتُ بصري لا أريد الحديث لا أريد المواساة لا أريد شيئًا سوى شيءٍ واحدٍ، قد لا يُمنَح. طال الصمت ولم يتحرك أحد. ثم حاولت ميرال أن تمدّ يدها لتساعدني في النهوض بلطفٍ يُمزّق قلبي. لكنني همست بكلمات خرجت من مكانٍ داخلي: "أريد أن أراها فقط مرّة دعوني أعود إلى حيث هي ، اريد توديعها على الاقل." نظرنَ إلي، أميليا امسكت بي، لكنني كنت قد غبت. رفعتُ رأسي ببطء نظرتُ نحوهنّ: "أنا ذاهبه إلى أمي " نهايه الفصل الثامن .
YASMIN