Flashback . أميليا . نظرتُ إلى ميا وهي تمشي جيئةً وذهابًا أمام الباب ، تنتظر صاروخًا لا صديقة . تمتمتُ بملل وأنا أعضّ طرف وسادتي: "إن تأخرت بيلا دقيقة أخرى، سأكتب نعيها بيدي وأرسله لصفحة المدينة." ميا التفتت إلي بعصبية، ورفعت حاجبًا: "وإن كتبتِ، هل سيُنشر؟ بيلا لا تتأخر عادةً إلا لو كانت تُعدّ لجريمة عظيمة." قهقهت ميرال: "أو ربما تسرّح شعرها كملكة قرطاج قبل أن تقرر الهروب." ضحكتُ، قبل أن يقطع لحظتنا صوت طرق خافت على الباب تجمّدنا حرفيًا. ميا همست: "افتحي، أميليا." أنا؟ لماذا دائمًا أنا؟ تحدثت ميرال :"قد تكون ام إحدنا أو أم بيلا قد لا يكون مناسبًا أن تفتح اميليا الباب" تقدمت ميا نحو الباب بخطى ثابته وفتحته . كانت بيلا شعرها مشعث، وملامحها متوترة. "تأخرتِ،" قالت ميا بحدة. ردّت بيلا وهي تلهث: "أمي لم تنم إلا قبل قليل، كان علي التأكد أنها لن تكتشف اختفائي إلا بعد الفجر." جلسنا جميعًا في حلقةٍ صغيرة الأنفاس متلاحقة . أخرجت ميرال جهازها للوحي وعرضت لنا صورة بيتٍ قديم ولكنه جيد جدا ومناسب لنا . "هذا هو،" قالت بحماس. "بيت في الريف، لا يسكنه سوى الغموض." بيلا تنحنحت: "حين نصل، سأذهب أنا أولًا لأتفقد المكان، أنتنّ انتظروا عند حافة التل لا نريد مفاجآت." أومأنا لها بأعجاب الأمر لا ينقصه المخاطرة بنا جميعًا. كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا حين وقفت ميا أمام نافذة غرفتها، تتأمل المدينة. "ربما في حياة أخرى، وظروفٍ أخرى، كنا لنظل هنا" أجبتها: "وربما في تلك الحياة، كنّا نملك بيتًا على البحر وشرفة فيها أرجوحة." ضحكت بيلا بخفّة: "وفي تلك الحياة، أمي لا تتفقد غرفتي كل ساعتين." بدأنا التحرك قادتني خطواتي نحو محطة القطار القديمة المكان الذي ستحملنا عرباته نحو اللاشيء. كنتُ قد جهزت كل شيء: التذاكر، بعض الطعام، وكمية كافية من العلكة فالرحلة طويلة، ولساني لا يتوقف . انطلق القطار ببطء ونحن نحاول التظاهر بأننا أربع فتيات في نزهة لا أكثر غلبنا النعاس وغفونا على المقاعد المتهالكة. استفاقت بيلا مع أول ضوء للفجر وهمست: "كل محطة نقترب منها، تزيد احتمالية انكشاف أمرنا." ردت ميرال :"لا تكوني نذير شؤم" كان النهار مملاً في القطار خصوصًا أنه مجرد جلوس دون أي نشاطات أُناس يصعدون وينزلون، ونحن لا نفعل شيئًا سوى بعض النقاشات البسيطة، وتناول الطعام، ثم النوم هكذا فقط . وفي المحطات الاخيره صعدت امرأة خمسينية وابنتها الشابة كانتا تحملان حقيبة ضخمة وبدتا متعبتين بعد دقائق وبينما كان القطار يشق طريقه بهدوء سمعنا بكاءً خافتًا لطفل صغير. التفتنا للطفل جالسًا وحده قرب مقعد النافذة وعلى وجهه ملامح ذهول. في لحظة خاطفة، تحرّكت المرأة الخمسينية نحوه وجلست بجانبه وبدأت تحتضنه وتهمس له بكلماتٍ غير مفهومة. قالت ميا، بعينين ضيقتين: "ذاك الطفل لم يكن معها منذ البداية إنها تحاول اختطافه." تمتمتُ، وأنا أراقب المشهد بأنفاس متقطعة: "هل نحن على وشك أن نشهد جريمة؟" قالت ميرال، من دون أن تحوّل نظرها عن المرأة: "لن تتدخلي، أليس كذلك؟" أجبتُ، وأنا أشد معطفي حول جسدي المرتجف: "طبعًا لا ،نحن هاربات ، ولسنا أبطال أفلام بوليسية." لكن التوتر في القطار بدأ يتصاعد. الطفل بدأ يصرخ، والمرأة تحاول إسكاته بالقوة. أحد الركاب نهض من مقعده، وهتف غاضبًا: "ما الذي تفعلينه؟! اتركِ الطفل!" ثم أردف، وهو يتلفت حوله: "الشرطة تنتشر في المحطات ، سمعنا أنهم يبحثون عن أربع فتيات هربن فجر اليوم !" تبادلنا النظرات ، بذعر . ميرال قالت بصوت خافت: "آخر محطة لا يوجد بها شرطة، حين نصل إليها، نقفز" كنت أودّ الصراخ: "أقفز؟ نحن لسنا في فيلم أكشن!" ردت ميا بعصبيه :"كيف نقفز لا أملك عظاماً حديديه" صاحت ميرال ، "اصمتِ واربطي حذاءكِ فقط، نحتاج كل ثانية." حين وصلنا، فتحت ميرال الباب قبل أن يتوقف القطار، وهتفت: "الآن!" قفزنا ، واحدة تلو الأخرى. كاد قلبي يخرج من صدري، خصوصًا حين سمعت صوتًا خلفنا يهتف: "هناك فتيات قفزوا من هنا " ركضنا بين الأشجار، والعرق يتصبب من جباهنا. ميرال كانت تقودنا: "البيت من الجهة الأخرى، أسرعوا!" كنا نركض ونحن نكاد نبكي ونضحك في آنٍ واحد، أقدامنا تخبط الأرض، وقلوبنا تقرع الصدور. قلت وأنا ألهث: "إن لم يُقبض علينا الليلة، سأكتب كتابًا وأبيعه بعنوان: كيف تهرب من حياتك في عشرة دروس." ضحكت ميرال: "وسأصمم الغلاف." بيلا تمتمت، "هناك من يتبعنا ، أقسم أنني سمعت اسمي." أجبتها بصوت مُتعب: "لا تلتفتِ حتى." ركضنا كثيرا ، وتعثرتُ، وضحكت، ثم صرخت، "أكره هذا الهروب! كنت أفضّل السجن على الركض في الأحراش!" وصلنا عند أطراف الغابة وهناك وسط الظلام وأخيرًا، بان البيت في الأفق حسناً لقد ذهبت قفزتي الرائعه سدًا هذا البيت حتى لا يستحق المال الذي سرقتهُ من ابي أعني إليوت يستحق ذلك . قلتُ بصوتٍ متقطّع، "أخيرًا بيت الأشباح!" ميا قالت: "لو خرجت منه جنيّة الآن سأقتلها قبل أن تقتلني!" End Flashback . لم أكن أحتاج أن أنظر في أعينهنّ لأدرك صدمتهنّ نظرت ميرال إلينا وقالت: "أيعقل أنّ ما رأيناه حقيقي؟ رائع قرية غريبة وخاطفة اطفال؟" بيلا أومأت ببطء، كأنّها تفكّر بصوتٍ عالٍ: "حتى انا توقعت الاسوأ ولكن حتى هذا لم اتوقعه" تنهّدتُ، ثم أضفتُ: "اشعر حقا بالتعب." ضحكت ميا ضحكة ساخرة جافة: "أوه، أخيرًا بدأتنّ ترين ما كنتُ أراه منذ البداية قلت لكنّ: هذه القرية ليست بريئة هادئة أكثر مما يجب وكل من فيها لا ينظر إليكِ، بل يقرأكِ." قاطعتنا ميرال محاولة حفظ التوازن: "مهما يكن، يجب أن نبقى هادئات ، لا نخبر أحدًا ، نراقب فقط ، نتصرف كأن شيئًا لم يكن." قالت ميا ببرود: "وهذا ما يسمى بالغباء الناعم." ثم خرجت من الغرفة، وتركتنا في ذهول صامت. ---------- في صباح اليوم التالي، استيقظت بيلا باكرًا وذهبت لدوامها لم تقل الكثير، لكن وجهها كان مرهقًا يبدو انها فكرت مليًا ليله امس . أما أنا، فكنتُ أهبط الدرج ببطء أنظر إليهنّ في المطبخ مع لوليتا يعجنّ الكعك ويضحكن . ناديت وأنا أرتدي سترتي: "ذاهبة إلى المكتبة إن لم أعد قبل غروب الشمس، ابحثوا عني بين صفحات دوستويفسكي." ضحكت ميرال: "أظننا سنجدك في قسم الروايات الرومانسية، تفتشين عن رجلٍ طويلٍ بنظرة حالمة" صرخت ميا من خلف الفرن: "أو تؤلفين قصة عن فتاة تقع في حب شبح يسكن المكتبة!" لوّحت لهُنّ مبتسمة: "وهل هناك أجمل من شبحٍ يقرأ كتبًا؟ وداعًا يا من لا تفهمن شيئًا عن الجمال الحقيقي." خرجتُ الريح كانت ناعمة، والسماء داكنة بلون الحبر المخفّف وكأنها تمهّد ليوم مختلف. – "ماذا سأقرأ اليوم؟" – "هل سأجد ذاك الفتى؟ الشاب ذو العينين الغامضتين؟" – "أم سأغرق وحدي في ركنٍ منسي؟" لكن خطواتي توقفت فجأة. شرطي. يقف عند أطراف الساحة، يتحدّث مع رجلٍ عجوز يحمل صورة. – "هل... هذه صورتنا؟" تراجعتُ . قلبي يخفق بطريقة مؤلمة شعرت بجسدي يتجمد. لم أجد خيارًا سوى الركض. اختبأت خلف جدارٍ ، رطوبة الحجر التصقت بثيابي، وقلبي يدق كطبول حرب. سمعت صوته ... ثم خطاه .. ثم الصمت .. عندما اختفى انطلقت راكضة نحو المكتبة مذهل هذا اليوم سيء من بدايته . دخلت المكان بخطى ثقيلة، ووقفت لوهلة أتنفس ببطء. – "اهدئي، أميليا... لا شيء مؤكد." – "لكن لماذا يبحثون عنّا في القرية؟ ومن بلّغ اننا هنا؟" – " صوفيا ؟ إدورد؟ أم تلك المرأة العجوز سيرافينا لابد انها هي؟" اقتربت من الرفوف أبحث عن شيء أثق به عن كتاب يمنحني معنىً أو تفسيرًا أو ربما فقط ينسيني أنني خائفة. سحبتُ ثلاثة كتب بعشوائية مدروسة أبحث عن شيء لا أعرفه بعد فقط يُنسيني ذلك الموقف. جلستُ عند الطاولة الخشبية قرب النافذة الكبيرة، أنفاسي تنسجم مع همس الأشجار خلف الزجاج قَلبت أول كتاب ببطء أحاول أن أركز ولكن .. ها هو . الشاب ذاته نفس المعطف الرمادي ونفس الشعر الأشعث بعناية كان واقفًا في الزاوية البعيدة، يتفحص رفّ الكتب القديمة . لمحت طرف ابتسامة على شفتي وعدت لبصري إلى الصفحة المفتوحة أمامي لا، لا مجال للارتباك الآن. قَلبت الصفحات مجددًا، حتى سقطت ورقة غريبة بين السطور. كانت قديمة مهترئة الأطراف انحنيتُ التقطتها بفضول ممزوج بشيء يشبه القلق كانت مطوية بعناية. فتحتها … لكن الكلمات التي كُتبت عليها بحبر داكن بقيت حادّة، وكأنها كُتبت البارحة : "تسعةُ مقاعد لا سكنها احد ساعةٌ لا تدق وزهرة واحدة تُروى دون ماء هناك ، عند النسيان ... تجدني ." قرأت السطور أكثر من مرة لا اسم، لا توقيع، لا تاريخ. فكرت للحظة أنها جزء من الرواية لكن لا، الورقة ليست مطبوعة بل مكتوبة بخطّ يد أنيق يشبه الكتابات القديمة التي يخطّها شخص لديه الكثير من الوقت. عبستُ. "تسعة مقاعد؟ أي مقاعد؟" "ساعة لا تدق…؟" "وزهرة دون ماء؟ ما هذا؟" أعدت قراءة الكلمات ببطء. شيئًا ينقصني لأفهم، قطعة صغيرة من الصورة ما تزال مخفية عني. أغلقت الورقة، أعدتها إلى داخل الكتاب ثم توقفت. نظرت حولي لا أحد يراقب. عدت وأخرجت الورقة مجددًا. ~ "زهرة تُروى دون ماء هل تكون تمثالًا؟ لوحة؟ فكرة؟" "عند النسيان " ~ عند النسيان؟ حديقة الذكرى؟ مقعد الاستراحة قرب شجرة البلوط؟ أم أنها مجاز؟ هل النسيان مكان أم شعور؟ رفعت نظري فرأيته الشاب ذاته واقف في المكان ذاته وجوده يضيف غموضًا إضافيًا للمشهد ،لثوانٍ نسيت الورقة ونسيت نفسي. قررت أخيرًا الخروج . حملت الورقة وضعتها في جيبي وغادرت المكتبة بخطى بطيئة. وقفت في ساحة القرية أبحث بعينيّ عن شيء يُشبه ما وصفته تلك العبارات. جلست على مقعد، حاولت التفكير. "أنا لا أفهم ما المقصود بالنسيان؟" لكنني لم أجد إجابة. أثر الكلمات الغريبة التي ما زالت ترنّ في رأسي . نظرت إلى ساعتي . الثالثة والربع. وما علاقة الساعة التي لا تدق؟ رفعت رأسي في وسط الحديقة القديمة، ساعة أثرية معلّقة على برج صغير، متوقفة منذ عرفناها. وقفتُ وتسارعت خطواتي. هل يعقل…؟ وصلتُ إلى الحديقة، تتوسّطها الساعة القديمة والمقاعد الخشبية التسعة مصطفة بانحناءة خفيفة نحو شجرة واحدة، كبيرة، جافّة. وتحتها كانت بيلا. تقدّمت ببطء، وقلت بدهشة: " بيلا؟" رفعت رأسها، وبدا على وجهها نفس الذهول الذي أشعر به الآن. " أميليا؟ ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟" أخرجت الورقة من جيبي ومددتها نحوها: "وجدت هذا في كتاب " أخذتها بيلا قرأت بصمت، ثم قالت: "أحد ما يحاول أن يوصلنا لشيء لا أظنه مجرد عبث." وفجأة سمعنا أصوات أقدام تقترب. التفتنا معًا، وإذا بميا وميرال تقتربان بسرعة. ميا صاحت من بعيد: "أوه، لا أصدق! أنتما أيضًا تلقيتما إشارات؟" ميرال كانت تلهث من الركض: "كنا نعدّ الكعك مع لوليتا ، وعندما عندنا للغرفه وجدنا هذه الورقه على الطاوله ، فكرنا كثيرا لم نجد حلا هممنا نسأل لوليتا عنه اخبرتنا ان من الممكن ان تكون هذه الحديقة." جلستُ على أحد المقاعد نظرت إليهنّ، وفي عيون كل واحدة، كان السؤال نفسه يطفو، من الذي بدأ اللعبة؟ ولماذا نحن؟ نهايه الفصل السابع .
YASMIN