• أميليا لم تكن الضحكات حاضرة ولا الأحاديث تعني شيئًا كان صوت لوليتا يتسلل إلى أذني كصدى بعيد ثم بدأ يختفي. شيئًا ما في عقلي قرر أن يطفئ الصوت أن يُغرق كل ما حولي في صمتٍ ثقيل العالم لم يعد هنا انسحب والزمن توقّف. انفجرت الصورة القديمة في رأسي بلا رحمة. Flashback . في صخب التجمع العائلي وبين ضحكاتٍ متقطّعة وأحاديثٍ مُتداخلة جلستُ على طرف الأريكة كنت أحاول أن أتجاهل اقتراب عمّي لمساتٌ خافتة تتسلل إلى كتفي يدٌ تُلامس ذراعي بحجّةٍ واهية وصوتٌ خفيض يهمس: "كبرتِ يا أميليا أصبحتِ أنثى بحق." تحجّرت عيناي وتجمّد الدم في عروقي دفعتُ يده عني بقوة ونهضت كمن نجا من غرقٍ بآخر رمق وقفتُ في وسط القاعة أنفاسي متقطعة وصوتي يرتجف لكنه مدفوعٌ من جرح قديم: "كفى! إلى متى؟! لِمَ لا تُصدّقونني؟ هذا الرجل ، هذا الرجل تحرّش بي منذ أن كنتُ في التاسعة!" صمتٌ كُتم على الحاضرين أعينهم تتبادَل الذهول وفناجين القهوة ارتجفت بين الأصابع قالت عمّتي بصدمة وكأنها تحمي صورة العائلة: "ما الذي تهذين به يا فتاة؟" اقترب عمي بوجهٍ بارد بنظرةٍ مملوءةٍ بالنفاق: "لقد فقدتِ صوابك أميليا، أنا عمُّك كيف تجرئين؟" نظرتُ إليه بعينين تشتعلان قهرًا: "عمّ؟ أنت لم تكن يومًا كذلك، تقترب وتلمس وتبتسم كأن شيئًا لا يحدث." قال أبي، وقد بدأ صوته يرتفع: "أميليا، أخفضي صوتك يكفي هذا الجنون!" استدرتُ نحوه ودمعي يتفجّر كالحمم: "أتُنكر؟! نسيت حين جثوتُ عند قدميك أبكي وأخبرتك بما فعله بي؟ وقلتَ لي: لا تفضحي العائلة؟" جَمّدَ وجهه وحاول أن يبدو عقلانيًا: "كنتِ صغيرة والخيال في هذا العمر خصب." ضحكتُ بسخرية مؤلمة: "خصب؟، لا بل الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر لكنّكم اخترتم أن تُغلقوا أعينكم جميعكم" تقدّم عمي بنبرة متمهّلة وهو يوجه حديثه لأبي: "اتركها إنها فقط ، مراهقة قرأت كثيرًا وتشابهت القصص في رأسها صدّقني أنا أحببتها كأبنتي فقط." رددتُ بصوتٍ مبحوح: "أي أبٍ يضع يده على جسد من يُحب؟،أحقيرٌ هو الحبّ الذي يُشرّع الانتهاك؟" اقترب أبي وقال بغضب: "اصمتِ ، لا ترفعي صوتك أكثر." لكنني صرخت: "سأصرخ! لأن السكوت كان جريمتي الأولى هذا الرجل اعتدى عليَّ وأنتَ كنتَ شاهدًا صامتًا على تدنيسي." لم يجبني ، فقط رمقني بنظرةٍ يسكتني بها وذهب يشرح الموقف لعمي. حين انفضَّ الجمع وتسللت خطواتهم خارج البيت متثاقلة بقيت رائحة الكلام المبتور عالقة في الهواء كأنها ترفض الرحيل. أُغلِق الباب خلفهم بصوتٍ بدا كصرخة مكتومة البيت ذاته ضاق بما سمع. كنتُ واقفة كتمثالٍ مكسور يكسوني الصمت وعيناي مشتعلة كجمرة تتبعان أبي وهو يتقدّم نحوي بملامح متحجرة. تحدث بنبرة ثقيلة كمن يحمل في صدره حممًا لم يجرؤ على لفظها منذ سنين: "ما كان ينبغي لكِ أن تفتحي فمكِ أمام الغرباء لا يحقّ لك أن تفضحي بيتكِ بهذا الشكل." رفعتُ عيني إليه نظرتي مزيجٌ من احتقار ووجع : "بل كان ينبغي أن تصون هذا البيت حين دُنِّست كرامتي فيه، لا أن تنحني للعار وتغلق عليه الأبواب." ازداد وجهه تصلّبًا واقترب أكثر حتى تلاشت المسافة بيننا: "أتظنين أنكِ بهذه الكلمات الجارحة تنتصرين؟ لقد مزّقتِ ما تبقّى من الاحترام جعلتِ أخي عرضة للاتهام وجعلتِني أبدو ضعيفًا." ابتسمتُ بسخرية: "بل جعلتك تبدو كما أنت متواطئًا، ساكتًا، مفرِّطًا، ألم تسمعني حين صرختُ ذات يوم؟ أم أن الصوت لا يخترق رجولةً مشروطة؟" زمّ شفتيه واهتز صوته: "كفاكِ لعبًا بدور الضحية إنكِ من جلبتِ لنفسك هذا المصير بنظراتك بتصرفاتك." قاطعته وقد اشتعل الغضب في صوتي: "هل بلغ بك الجُبن أن تتهم طفلتك بالإغواء؟ هل فقدتَ بصيرتك أم باعكَ الخوف؟ كنتَ الأب الحائط الأمان فأصبحتَ الغدر المقنّع بالصمت." رفع يده بغضبٍ جارف لكنني لم أتراجع نظرتُ إليه بثبات: "اضرب، فالضرب أسهل من المواجهة لكن اعلم أنك ما صفعتني الآن بل صفعتَ ما تبقّى من رجولتك." رفع يده وصفعني صفعةٌ لم تُوجَّه لوجهي فقط بل انغرست في أعماقي كأنها تخلع شيئًا من روحي. ترنّحتُ قليلاً ولم أسقط، في عينيّ شيءٌ انكسر إلى الأبد. أمي التي تراقب بصمت كتمثالٍ مشقوق شهقت لكنها لم تتحرّك وضعت يدها على فمها تمنع نفسها من الكلام، أو الكلمات خنقتها. رفعتُ رأسي ببطء، الدمعة على خدي لم تكن دمعة عجز بل كحدّ السكين. قلتُ بصوتٍ منخفض يكاد يكون همسًا لكنه حمل من القوّة ما دوّى في الغرفة: "صفعتَني لأنني قلت الحقيقة لا لأنني أخطأت وها أنتَ الآن تثبت لي أنّ الرجولة لا تُقاس بالقوة بل بقدرتك على حماية الضعفاء." ثم نظرتُ إلى أمي نظرة كسرتني أكثر من الصفعة : "كنتِ هناك وشهدتِ كل شيء لكنّكِ اخترتِ الصمت أكنتِ تخافين من الفضيحة؟ أم من أن يخسركِ الناس؟ أما أنا، فقد خسرتُ كل شيء حتى أنتِ." صمتٌ شعرتُ فيه أن الجدران نفسها تتبادل النظرات. "اخرجي من بيتي أميليا ، لا مكان في هذا البيت لأوهامك المريضة." نظرتُ نحوه فتحت فمي من الصدمة لم أصدّق أنه قالها. لكنه أكمل دون رحمة كمن يغرس سكينًا في صدري وهو يبتسم: "حين تُحكمين السيطرة على خيالك المسموم حين تتوقّفين عن تلويث سمعة الشرفاء عندها فقط يمكنك العودة ،أخي أطهر من خيالك وأنتِ لطّختِ اسمنا بما لا يليق!" أمي اختنق صوتها كادت تتكلم لكن الكلمات ذابت على شفتيها وابتلعتها كما ابتلعت سنواتٍ من السكوت. نظرتُ إليه عيني تحملانِ وجعًا : "أنا لا أعيش في خيال أنتم فقط تعيشون في كذبة وأقسم لو كان الطُهر رجلاً لكان صدّق الحقيقة لا من قالها." ثم التفتُ نحو أمي بهمسة مشقوقة: "كل شيء في هذا البيت مكسور حتى قلب أمه." مشيتُ نحو الباب لا أبكي لكني كنت أنزف من الداخل خرجتُ من البيت أسير على قدمين خذلاني وعلى قلبٍ أثقلته الحقيقة. الشارع بدا أطول من المعتاد الطريق يُعاقبني على صدقي وكأنّ الأرصفة تسألني: "لِمَ لم تصمتي مثلهم؟" الهواء باردًا رغم أن الشمس لا تزال في السماء بردُ الخذلان لا يأتي من الطقس، بل من قلوبٍ كانت أقرب فاختارت أن تصمُت، أن تُنكر، أن تنكرني. كل خطوة كانت نزيفًا كل ذكرى كانت سكينًا عيني تبحثان عن وجهٍ لا يُكذّبني عن صوتٍ لا يُخرسني عن حضنٍ لا يخونني. وصلتُ إلى بيت "ميا" طرقتُ الباب بخفة، أخشى أن يُرفض وجودي مرة أخرى. مرت دقائق لا زمن فيها قبل أن تسحبني ذاكرتي للوراء ذاك التجمع العائلي تلك الضحكات ذلك الصمت المسموم ذلك المجتمع الذي بارك القذارة بصمته. وصلنا إلى هذا الدمار لا لأننا ارتكبنا خطأ بل لأنهم صمتوا واجبروني على كتم الحقيقة. فتحت ميا الباب وقد ارتسمت على وجهها دهشةٌ خافتة لكنها ما لبثت أن تلاشت حين رأت عينيّ حدّقت بي للحظة نظرة واحدة كانت كافية لتُدرك أنني لست كما كنت، لكنها لم تسأل لم تُثقل عليّ. قلتُ بصوتٍ متعب متقطّع الكلمات تأبى الخروج: "هل ، هل يمكنني أن أبقى هنا الليلة؟" أجابت ميا دون تردّد، بنبرة هادئة حانية: "بالطبع، هذا البيت بيتك متى شئتِ." دخلتُ بخطىً متردّدة أخشى أن أزعج الجدران بصمتي قادتني ميا إلى الغرفة وهناك وسط الظلال والسكون جلستُ على حافة السرير أنظر إلى الفراغ بعينين ضائعتين. تَقدّمت نحوي ميا تأملتني قليلًا ثم همست: "أميليا أنا هنا إن أردتِ الحديث أو حتى الصمت أنا هنا." لم أجب فقط التفتتُ إليها وابتسمتُ ابتسامةً واهنة كمن أُنهك من الألم ثم تمتمتُ : "شكرًا لكِ لا تعلمين كم كان هذا مهمًا لي." كانت الغرفة مظلمة إلا من خيط ضوء خافت يتسلل من تحت الباب الهواء ثقيل من حولي ، عيناي تبحثان عن شيء عن مأوى عن نجاة. رفعت ميا رأسها عن الوسادة فورًا عيناها تراقبان ملامحي المتعبة لم تسأل لم تقل شيئًا فقط رفعت البطانية بصمت وأزاحت جسدها قليلًا نحو الحافة تفتح لي مكانًا بجانبها دون شروط. اقتربتُ ببطء وترددتُ لحظة قبل أن أستلقي بجانبها المسافة بيننا كانت ضئيلة لكنها كافية لتمنحني بعض الأمان. بعينين ضائعتين يبحثان في العتمة عن مأوى لا يخون. مرّت لحظة طويلة لم نتكلم لكن الصمت بيننا لم يكن كالسابق لم يكن خائنًا كان يشبه الحضن الذي يُقال دون ذراعين، والاحتواء الذي يُمنح دون أسئلة. ميا فقط كانت هنا بجانبي وجودها وحده كان كافيًا ليُشعر قلبي المنكسر أن العالم لم يُغلق أبوابه تمامًا. قلتُ بصوتٍ أقرب للهمس كأنني اعترف لنفسي : "لم أرد أن أكون ضحية أردتُ فقط أن يُصدّقني أحد." ردّت ميا بهدوء الواثقين: "أنتِ لستِ ضحية، أنتِ ناجية، والفرق بينهما هو أنكِ لم تكملي حياتك صامتة." هزّزت رأسي ببطء ثم همستُ: "لكني خسرتُ الجميع." نظرت إليّ ميا وقالت بثقةٍ حانية: "الذي يُخسَر حين تُقال الحقيقة، لم يكن يستحق البقاء أنا هنا، ولن أذهب." أغلقتُ عيني للحظة اسمح للدموع أن ترتاح دون أن تُسكب . في الخارج الشمس تميل نحو الغروب والسماء تكتسي بذلك اللون البرتقالي الحزين تبكي بصمت معنا لكن في قلبي رغم كل الألم بدأت نارٌ صغيرة تشتعل ، نار لم تكن من الغضب بل من البداية. ضحكاتٌ مستعارة نظراتٌ مشبوهة وصوتٌ يُغطي الخوف بثوب القرابة. بدأت الحقيقة تنبش اللحظات، وتعيد رسمها بلا تجميل بلا إنكار ... فمن ذا الذي ينسى خيانةً صمت عنها الجميع؟ End Flashback . همسةً خافتة اخترقت ذلك الصمت. لم تكن سوى "ميا" تنظر إلي بقلقٍ صامت. أعود من غرقٍ طويل، ثم ابتسمت ميا ، ابتسامة لا تُشبه الفرح ، بل تُشبه النجاة بعد الغرق، ابتسامة شاحبة ، كافية لتقول: أنا ما زلت هنا . نهايه الفصل الثالث .
YASMIN