ضائعة في فوضى الزمن .

ضائعة في فوضى الزمن .

15 0

•بيلا . نطقت ميا فجأة، قاطعةً سكون المساء متوجهةً بنظرها نحو ميرال التي كانت تجلس عند طرف السرير متشابكة الأصابع تغوص عيناها في مزيجٍ غامض من الندم والحنين وربما شيء من الجنون. ميا بحدةٍ تخنقها الدهشة: "نهرب؟ أهذا ما تفكرين به حقًا؟ أأصابكِ الجنون ؟ ما هذا العبث يا ميرال؟" لم ترد ميرال فورًا، بل بقيت تنظر إلى الأرض بصمت تنصت إلى صوت لا يسمعه سواها ثم رفعت رأسها ببطء: "ولِمَ لا؟ أليس هذا الجنون أرحم من حياةٍ نُسيّر فيها بعقول غيرنا؟ أما زلنا نحيا فعلاً، أم أننا مجرد انعكاسات لقراراتٍ لم نتخذها؟" قهقهت أميليا بسخرية ولوّحت بيدها في الهواء: "رائع نهرب! كأننا في أحد أفلام الهروب الرخيص ، ثم ماذا؟ نعيش في الغابة؟ نتسول؟ نصبح خبرًا تافهًا في نشرةٍ مسائية؟ 'فتيات مفقودات كنّ يرتدين فساتين الخيبة'؟" تمتمتُ بصوتٍ بالكاد يُسمع، كنتُ صامتةً طوال الوقت: "أحيانًا لا يبدو الفقد أسوأ من البقاء." استدارَت الأعين إليّ دفعةً واحدة. ميا، بصوتٍ خفتت حدّته: "بيلا ؟ أأنتِ أيضًا تفكرين في الهرب؟" تحدثتُ دون أن أرفع بصري: "أنا لا أفكر ، أنا أشعر أنني إن بقيت، سأختنق أمي لا تسألني عمّا أريده كل ما تريده هو أن تراني في الفستان الأبيض ، تريدُ تَزيّن صورتها بي أما أنا فلا مكان لي في هذه الصورة." ساد الصمت ثم تنفّست ميرال بعمق: "الأمر ليس طيفَ فكرةٍ عابرة . فكرتُ طويلاً، طويلاً جداً لدرجة آن النومَ خاصمني، هربَ مني أنظر إليكنّ فأرى الظلم يسكن كل واحدة أميليا، والدكِ ما زال يعاقبكِ على تلك الليلة رغم أنكِ لم تخطئي. بيلا يُساق بكِ إلى رجلٍ لا تحبينه، فقط لأن أمكِ تريد أن تتباهى بكِ. ميا، كل ليلة تخفين دموعكِ لأنكِ تخافين أن تعترفي بأن والديكِ لم يعودا 'عائلة'. ما يجمعنا ليس الألم فقط بل الصمت. نحن لا نصرخ لا نثور فقط نمشي في الطريق الذي يُرسم لنا." ميا، وقد خفّت الصلابة من ملامحها: "وهل الهرب ثورة؟ هل هو صراخ؟" ميرال: "الهرب قرار أول قرارٍ نصنعه بأيدينا أن نختار ولو مرة كيف نعيش وأين نبدأ." أميليا، بصوتٍ مبحوح: "ولكن ، إلى أين؟ ما خطتكِ؟ لايمكنكِ أن تزرعي الجنون فينا ثم تتركينه لينبتَ دونَ هدفٍ واضح ليصبحَ ناراً تحرقنا." ابتسمت ميرال ابتسامة باهتة: "الخطة بسيطة … ليلة ماقبل زفاف بيلا نجتمع في منزل ميا  حفلة وداعٍ للعزوبية نضحك نرتدي الفساتين نملأ الليل ضحكًا مصطنعًا ثم حين يغفو العالم، نخرج . القطار يكون موجودا في تمام الساعه الثانيه . الوجهة؟ مجهولة. المهم ألا نبقى." ساد الغرفة صمت يشبه صلاة خفية وضعتُ يدي على قلبي نظرت اليهن بحسرةٍ . ~ ليتني التقيت بهنّ في زمنٍ لا يُعاقب الحالمون فيه. زمنٍ لا تُختزل فيه المرأة بظلٍّ لخيالات غيرها أو مرآةٍ مكسورة لماضٍ لا يخصّها. هذه الليلة ليست هروبًا … بل تحرّرًا. أنا، بيلا، لن أرتدي فستانًا اختاره غيري ولن أُزفَّ إلى حياة لا تشبهني. هذه الليلة ، أزفّ نفسي إلى حريتي. End Flashback . استفقتُ على خيوط ضوء خافتة تشقّ طريقها عبر ستارة الغرفة الشمس تخجل من التسلل. رفعتُ رأسي بتثاقل وعيناي ما زالتا مثقلتين ببقايا ليلٍ لم يكتمل. ميا كانت غارقة في نومٍ عميق تتحصّن به من العالم، وميرال تنفّست بعمقٍ ساكن، أما أميليا، فابتسمتُ حين رأيتُ فوضى نومها تشبهها حدَّ التماهي. منذ تلك الليلة لم نعد نتناول الطعام مع صوفيا. لوليتا وبّختها حتى ارتجّ جدران البيت. أليكس بدا يتمنى أن يتلاشى. وإدورد ، لم نعد نراه في المنزل إلا كظلٍّ يتوارى. نهضتُ ببطء أستعيد أطراف ذاتي المتناثرة. ارتديتُ فستانًا كريميًّا بسيطًا ناعم الملمس يشبه السكينة التي أفتقدها. جمعتُ شعري إلى الخلف وضعتُ قرطًا صغيرًا ثم نظرتُ إلى المرآة. لم أكن جميلة فحسب  بل هادئة والنضج أدركتُ أنهُ الهدوء. هبطتُ إلى المطبخ فوجدتُ لوليتا تُحضّر صندوقًا صغيرًا للطعام. رائحة الخبز الطازج والماء الدافئ الممتزج برائحة البنّ المطحون منحت الصباح لمسةً من الحنين. قالت دون أن تلتفت إليّ: "بيلا كلّ أنثى تهرب لتنجو لكن القوية فقط تهرب لتبدأ." توقّفتُ للحظة، ثم همستُ بصوتٍ خافت: "وهل أبدو قوية؟" نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة حملت في طيّاتها ماضيًا دفينًا: "لا بل أبدو أنا، حين كنتُ في مثل سنّك." خرجتُ بيدي حقيبتي وفي الأخرى صندوق الطعام . وقبل أن أتجاوز البوابة باغتني صوته من الجهة اليسرى: "اصعدي سأوصلكِ." كان واقفًا إلى جانب سيارته يداه في جيبيه، وعيناه لا تفارقان وجهي ترددتُ ثم تحدثتُ: "لستُ بحاجة إلى توصيلة." ابتسم وكأنه توقّع جوابي: "لم أقل إنكِ بحاجة لكننا نعمل في المكان ذاته ولن يكون من السيئ أن نصل معًا." نظرتُ إلى يده المفتوحة على باب السيارة إلى ملامحه التي بدأ الدفء يتسلل إليها من جديد ثم صعدتُ بصمت. --------------------- في استراحة الأطباء حيث تختلط الجدية بضحكات عابرة فُتح الباب فجأة ودخل دانيال، الطبيب الشاب ووجهه يُوحي بأنه يحمل خبرًا ما. قال ساخرًا وهو يُلقي معطفه على الكرسي: "أظنّ أن هذا المستشفى سيُرسلني إلى قسم الطب النفسي!" ردّت لورين وهي تضع ساقًا فوق الأخرى: "في تلك الحالة احجز لي سريرًا إلى جانبك" ضحك دانيال، ثم أضاف: "ربما لدي حالة تناسبكِ فعلاً لكن ليس هذا سبب مجيئي." التفت إليّ وقال بنبرة أكثر جدية: "هل سمعتم عن سيليان؟ أظنّ أنّ حالته تتطلب تدخّلًا عاجلًا." أليسا، بدهشة: "لكن حالته مستقرة!" دانيال: "ظاهريًا فقط سيليان لا يتكلّم ، لكنه بدأ يكتب." لونا، بتساؤل: "يكتب؟ بأيّ معنى؟" أجاب دانيال: "كلمات مبعثرة غير مترابطة خلفها صمتٌ لا يمكن تجاهله." أليسا بستهزاء: "لسنا في مستشفى نفسي على كلامك يحتاج معالجًا نفسيًا." ثم نظر إليّ وسأل: "بيلا، هل فكرتِ في تحليل هذه الكلمات؟" نظرتُ إليه بعينين ثابتتين، وقلت بهدوء: "الكلمات التي لا تُقال تُكتب لتُقرأ بالقلب، لا بالعقل." ضحكت لورين وقالت بنبرة مازحة: "كما عهدناكِ، تملئين الفراغ بالحكمة لكن هلّا فسّرتِ لنا هذه الفوضى؟" ابتسمتُ بخفّة وقلت: "الفوضى لا تُفسَّر بل نعيشها." قاطعنا دانيال وقد عادت الجدية إلى صوته: "لسنا في متّسع من الوقت للفلسفة حالة سيليان لا تحتمل التأجيل نحن بحاجة إلى كل رأي." أليسا، وقد ارتسمت ملامح القلق على وجهها: "هل تعتقد أنّ هناك أملًا في شفائه؟" فكر لوهلة، ثم قال بصوت خفيض: "في الطب، لا مستحيل لكن أحيانًا يكون الحل أبعد من الجسد." ضحكت لورين، محاولة تخفيف التوتر: "أقترح أن نستمع لأغنيتنا المفضلة قبل أن نغوص في هذه الأعماق!" أليسا، مبتسمة: " الموسيقى لا تشفي الفوضى الداخلية يا لورين." لورين، ترفع حاجبيها: "ربما ، لكنها تمنحنا مخرجًا مؤقتًا." لاحقًا، حين خفّت حدّة النقاش، جلس دانيال بالقرب مني ووضع كوبًا من القهوة أمامي بلطف عيناه متعبتين لكن ابتسامته لم تغب. قال بهدوء: "أحضرتُ لكِ القهوة لعلّها تخفف عنكِ ثقل هذا النهار." أخذتُ الكوب بابتسامة خافتة: "شكرًا، دانيال." وقبل أن أرتشف منه، انفتح الباب مجددًا. دخل إدورد يحمل ملفًا طبيًا ووجهه مشدود بتوتر واضح قال لاهثًا: "أنتم هنا؟ تتبادلون الأحاديث بينما قسم الطوارئ يشتعل؟!" نظر في وجهي ثم أضاف بسخرية: "لا وقت للقهوة هناك حالة طارئة وأظن أننا نعلم جميعًا أين يجب أن نكون." تبادلنا نظرات سريعة ثم قال دانيال بنبرة حاسمة مغلفة بابتسامة صغيرة: "دائمًا على استعداد، أليس كذلك؟" أجبته وأنا أنهض: "بالطبع  سأكون هناك خلال لحظات." ... كانت الشمس قد استقرّت في كبد السماء، تبثّ حرارتها على أرجاء القرية فتغمرها وهجًا وصمتًا في الداخل، وقفت أميليا أمام الطاولة الخشبية الصغيرة تضع كتابًا في حقيبتها بعناية ثم دسّت دفترًا صغيرًا بين صفحاته . على الأريكة المقابلة، جلست ميا مكتوفة الذراعين، تتأمل السقف بشرودٍ ثقيل بينما كانت ميرال تقلّب صفحات مجلةٍ قديمة، في صمتٍ لا يخلو من التأمل. قالت ميا بعد تنهيدة طويلة، تنفّس: "ألا تلاحظان؟ منذ أن جئنا إلى هذا المكان والتوتّر لا يغادره كلّ شيء يبدو على حافة الانفجار." ابتسمت ميرال ابتسامة باهتة ، وقالت بهدوء: "ربما لسنا غرباء عن الفوضى ربما نحملها معنا أينما حللنا." فُتح الباب بهدوءٍ حذر، ودخلت لوليتا بخطى مترددة، تحمل في يديها اكواب من الشاي كانت عيناها مشوشتين كما لو أنّ القلق قد استوطنهما رغم محاولاتها المستميتة لإخفائه. التفتت إليها أميليا توقفت ميرال عن التقليب ورفعت ميا حاجبيها في صمت. وضعت لوليتا الأكواب على الطاولة، ثم قالت بصوتٍ منخفض: "جئت لأعتذر  أعلم أن ابنتي تجاوزت حدود اللباقة، وهذا ليس من شيمنا إنها صغيرة، وربما أساءت الفهم." ساد الصمت حتى قطعه صوت ميرال بنبرةٍ هادئة وصادقة: "الاعتذار شجاعة لا يُقدم عليها إلا الأقوياء وقد فعلتِ ما عجز عنه الكثيرون." قالت ميا، بصوتٍ لا يخلو من برود: "لكن الجراح لا تندمل بالكلمات وحدها." رفعت أميليا عينيها، ثم قالت بلطفٍ غير متوقّع: "ربما لا تشفى لكن الكلمة الطيبة تمنعها من أن تتقيّح." نظرت لوليتا إلى أميليا بامتنانٍ صامت: "أردت فقط أن أؤكّد لكنّ أن ما حدث لا يُمثّلنا ،أنتن ضيفاتنا قبل كل شيء." أومأت ميرال امتنانًا : "شكرًا لصدقكِ هذا يكفي لليوم." انسحبت لوليتا بهدوء، تُودّعهن بنظرةٍ خجلى، ثم اختفت خطواتها خلف الممر كأنّها تذوب في جدرانه القديمة. وبعد لحظةٍ قالت أميليا وهي تتحرّك لتلتقط حقيبتها: "سأذهب الآن ، هناك مكان ينتظرني لأضيع فيه قليلاً." همست ميا دون أن تنظر إليها: " كوني حذرة " اكتفت أميليا بابتسامة عابرة، دون أن تجيب ثم خرجت إلى مكتبة القرية تترك خلفها طيفًا من الكتب وظلًّا من الضوء ومساءً يعد بالكثير .. ------- في نهاية الدوام خرجتُ من المستشفى بخطى مثقلة. الإرهاق قد نال منّي وعيناي متعبتان من يومٍ طويل ومزدحم وقفتُ عند البوابة أحاول استدعاء بعض الصبر. وقبل أن أنظر لساعتي ظهر دانيال مجددًا يبتسم وقد دسّ يديه في جيبيه. قال بلطف: "هل تسمحين لي أن أكون فارس هذا المساء؟ أظن أنكِ بحاجة لمن يوصلكِ." أجبته بابتسامة مرهقة: "لستَ مضطرًا هذا لطفٌ منك." اقترب بخطوة: "لا تجعليها تبدو كأنها مَكرمة بل فقط استراحة محارب." لكن اللحظة لم تكتمل، فقد دخل إدورد فجأة بنبرةٍ لا تخلو من التحدي: "فارس؟ حقًا؟ ظننتُ أن زمن الفرسان قد ولّى." التفتُّ إليه وكان يقف مستندًا إلى الحائط يحمل معطفه في يد ونظراته تحمل مزيجًا من هدوءٍ وصراعٍ صامت. قال بصوت خافت، وهو يوجه كلامه لي: "بيلا، سيارتي بالخارج لا داعي للإجهاد." ثم التفت إلى دانيال وأضاف بنبرة ساخرة: "أنت طبيب مميز دانيال لكن توصيل الزميلات ليس من اختصاص الطوارئ." لم يردّ دانيال فورًا بل اكتفى بابتسامة خافتة: "وأنا لا أذكر أن الكرم أصبح حكرًا على أحد أو أن الطمأنينة تُقاس بوصولٍ سريع إلى السيارة." تنفّست بعمق وحدّقت فيهما قليلًا ثم قلت بنبرة هادئة لكنها حازمة: "أقدر اهتمامكما، حقًا لكنني لست جائزة يتنازع عليها فارسَان كلاكما زميلان عزيزان ولا أريد أن يُفسد هذا النقاش البسيط شيئًا من الاحترام بينكما." ثم التفتُّ إلى دانيال وابتسمت بلطف "سأقبل عرض إدورد هذه المرة لكني أحتفظ بجميلك يا دكتور دانيال، لوقتٍ آخر." بذلك أغلقتُ الباب على نقاشٍ لا طائل منه ومضيتُ بخطى تعرف تمامًا متى تُنهي المشهد . ركبتُ إلى جانبه وكان الطريق مبللًا بندى المساء والأضواء تنعكس على الزجاج بنعومة. قال وهو يقود بهدوء: "تبدين متعبة أهو العمل؟ أم الحديث دانيال؟" أجبتُ وأنا أتكئ برأسي إلى الزجاج: "بل الحياة ، الحياة أثقل من أن تُختصر في سؤال." تأمل وجهي قليلاً ثم قال: "أحيانًا، أشعر أنّكِ تهربين من كل شيء." أجبته دون أن أنظر إليه: "وأنت ، تحاول اللحاق بي في كل مرة." ضحك بخفة: "لأنني لا أحب أن يُغلق بابٌ دوني." تجاهلته وأكملتُ النظر إلى النافذه بتشتت أجمع أفكاري المتطايرة. حين وصلنا إلى المنزل سرتُ إلى الداخل بخطى هادئة فلفحني دفء الحديث المتناثر واختلطت الأصوات برائحة الذكريات القديمة وجدتُ الفتيات متجمّعات في منتصف غرفة الجلوس تتوسّطهن أميليا وقد كان الحماس يشعّ من عينيها كانت تتحرّك بيدَيْها بانفعالٍ يشبه نساء الحكايات، وكأنّها على وشك أن تنسج أسطورة. قالت أميليا بحماسةٍ لا تخفى: "أقسم أنني رأيتُه ، رأيتُه بعينيّ، ولم أُخطئ." رفعت ميرال حاجبيها بدهشة: "من؟ من الذي رأيتِ ، بحقّ السماء؟" تأفّفت ميا، وقد بدأ نفاد صبرها يطفو: "إنها تماطل كعادتها ، سأختنق من شدّة الفضول!" قاطعتها ميرال بشغفٍ متصاعد: "هل يتعلّق الأمر بشخص؟ رجل ربما؟ وسيمٌ على الأرجح؟" ضحكت ميا وهي تقول: "وهل عرفت أميليا يومًا رجلًا لم تصفه بالوسامة؟" قهقهت أميليا، وأشارت إليهن بمرح: "توقفن عن المقاطعة! أنتنّ أسوأ من لجنة استجواب عسكرية!" جلستُ بجانبهم، متنهّدة، وقد بدا الإرهاق مرسومًا على وجهي كظلّ لا يفارقني. قلتُ بخفوت: "ما هذه الجلبة؟ أشعر أنّكنَ اكتشفتنَ كنزًا دفينًا." اقتربت مني أميليا بخطى بطيئة، وهمست توشك على البوح بسرّ مدفون منذ زمن: "تخيّلي من رأيتُ ، لن يمكنكِ تخمينه أبدًا." رفعت حاجبيّ، ونطقت بسخريةٍ هادئة: "إن كان طويل القامة، غامض النظرة، ووسيمًا كالعادة ، دعيني أخمّن." ضحكت أميليا بخفة: "بل أكبر من ذلك بكثير ، شخصٌ لم نتوقّع رؤيته قط." تسرّبت إلى قلبي رجفةٌ خفيّة مزيجٌ من الترقّب والقلق وأنا أقول: "بدأتُ أقلق فعلًا قولي حالًا وإلا سأقاطعكنَ بأغنية حزينة." ضحكت ميا: "أرجوكِ لا! ذوقك الغنائي يُعتبر جريمة." ميرال مُستطردة بسخرية: "بل كارثة موسيقية تستحق التوثيق." مالت أميليا للأمام وارتسمت على وجهها ملامح درامية خافتة. تخدثت بصوت مسرحي هامس: "كلّ ما يمكنني قوله أنّ الباب قد يُطرق من جديد لكن هذه المرة ، من الجهة الخاطئة." رفعت حاجبيّ بضيق: "كفي عن الألغاز، قولي من هو." خفضت أميليا نظراتها تسترجع لحظة غامضة: " كنتُ أخرج من المكتبة، والريح تعبث بأطراف معطفي لا أدري ما الذي جذبني، لكنّني توقّفت فجأة أمام منزل سيرافينا." همستُ: "وماذا حدث؟" أجابت بعد ابتلاع ريقها، بتوترٍ ظاهر: "فُتح الباب الخشبي العتيق ببطء ، وخرجت منه فتاة ، لم أرَ ملامحها، كان وشاح أسود  يُغطي وجهها، لكنني ، شعرت بشيء في داخلي ، إحساسٌ غريب قال لي إنها ليرا." تمتمت ميا بتوتر: "لكنّكِ لم تري وجهها ، كيف تأكدتِ؟" ردت أميليا بصوت مشوب بالحذر: "لم أكن واثقة، ولهذا ، تبعتها ، لم أرد شيئًا، فقط أردتُ أن أرى ، أن أتأكد سرت خلفها عبر الأزقة القديمة، حتى وصلت إلى الحقول المهجورة، حيث لا أحد يمر في مثل هذا الوقت." توقفت لبرهة، ثم رفعت رأسها وقد اتسعت عيناها بدهشةٍ لم تهدأ بعد . قالت بصوتٍ متهدّج: "عند الزاوية القديمة استدارت فجأة  كأنها شعرت بوجودي ولثانيةٍ واحدة فقط ثانية، تلاعبت الريح بطرف وشاحها وانكشف وجهها." همستُ، بشفتين مرتجفتين: "ومن كانت؟" رفعت أميليا عينيها إلينا، وفيهما صدمةٌ كأنها وُلدت للتو. تنفّست ببطء، وكأنّها تحتاج إلى شجاعة لتلفظ الكلمات : "أُسدل الوشاح عن وجهها وتجمدتُ مكاني اللحظة قلبت كلّ ما كنت أظنّه يقينًا . إنها ... إنها الفتاة التي رأيناها في القطار نفسها ليرا إبنه سيرافينا." نهايه الفصل السادس .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وسـاوسـي المُـدَنـسهہ .

المؤلف YASMIN
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة