الهدوء ما دام طويلًا.
الطفلة الصغيرة كانت تمشي في المقدمة،
تدلّهم على طريق ضيق خلف غرفة مهجورة،
وهم خلفها، يمشون بخوف، لكن بأمل صغير ينبض.
ـــــــــــــــــ
آليان همست لكيران
"حسّيت فيها شي غريب… كأنها مش طفلة."
ردّ كيران بهدوء
"هي بقيت عاقلة بمكان بيخلي أي عقل ينهار… شي أكيد مش طبيعي."
ـــــــــــــ
وفجأة…
الطفلة توقفت
وقفت جامدة تمامًا،
وعيونها اتسعت
ــــــــــــــ
قالت بصوت مبحوح:
"ماما… بابا…؟"
ـــــــــــــــ
نظرت آليان للاتجاه…
ورأت رجل وامرأة واقفين وسط الممر…
وجوههم مشوشة… لا ملامح،
لكنهم يحملون دفئًا وهميًّا في وقفتهم.
كأن أجسادهم تبتسم… لكن أرواحهم تصرخ.
ركضت الطفلة نحوهم، عيناها تلمعان بدموع وحماس
"مامااااا!!!"
صرخت آليان
"لاااا!!! استني!!"
ركضت خلفها، قلبها ينبض كأن الرعب نفسه يركض معها.
الطفلة تمشي ببطء، كأنها منوّمة…
كأن هناك خيطًا غير مرئي يسحبها،
كلما اقتربت أكثر،
تغير شكل الأب والأم…
تفسخت ملامحهم،
عيونهم تحوّلت لفراغ أسود،
أفواههم تمزقت حتى الأذنين.
قال الأب بصوت عميق يشبه الحشرجة
"تعالي يا حبيبتي… وحّشنا لحمك الطري."
صرخت سيلفا:
"آليان! اسحبيهاااااااا!!!"
اندفعت آليان ورفعت الطفلة بين ذراعيها،
الطفلة تصرخ وتضربها
"نزّليني!! هذي أمي!! هذا بابااا!!"
لكن آليان تركض، ودموعها تسيل
"لااا! هذا مو هم!! صدقيني مو هم!!"
وراءها، الباقي يركضون…
كيران، راسيل، سيلفا، نوراث.
وصوت خبط أقدام ثقيلة يطاردهم،
وصراخ يُخدش في الجدران:
"رجّعي بنتنااااااا!!!"
أرجلهم ترتجف…
أحد الأبواب يُغلق فجأة خلفهم،
لكنهم يدخلون ممرًا ضيقًا مظلمًا،
وبالكاد يُفلتون من قبضات طويلة كأنها تخرج من الجدران نفسها.
يجلسون، يلهثون،
آليان تحضن الطفلة، اللي ما زالت تصرخ ببكاء هستيري
"أنا بس كنت بدي أمي… كنت بدي بس أرجع بيتنا…"
آليان همست لها
"وأنا رح أرجّعلك البيت… بس مش هون. هون… ما فيه شي اسمه أم."
سكتت الطفلة، وصوتها صار هامسًا
"هذيك… مش كانت أمي.
كانت الجوع نفسه."
والكل سكت.
لأول مرة… حسّوا إنهم داخل كابوس، ما في إله نهاية،
وكل لحظة بتعدّي… فيها حدا لازم يتغير، أو ينتهي.
"رح نلاقيهم… حتى لو كان الطريق للجحيم نفسه."
كانت كلمات كيران تقطع سكون الممر، وهو ينظر للطّفلة التي تقودهم بخطوات صغيرة لكن حذرة.
قالت الطفلة دون أن تلتفت
"إذا سمعتم صوت همسات… لا تردوا. لو التفتّوا، تاخذكم الدوامة."
كان الطريق مليئًا بالفخوخ الغريبة
أبواب تنغلق خلفهم فجأة، مرايا مشوّهة تعكس جثثهم بدل وجوههم،
وصرخات تأتي من الجدران، كأن الأرواح تُصفّى من داخلها.
في أحد الممرات، كادت آليان تسقط بحفرة خفية،
لكن كيران أمسكها في اللحظة الأخيرة،
وقال وهو يلهث
"أنا مش رح أتركك، لا بهالبيت ولا بعده."
ابتسمت له، لكن خوفها كان واضحًا.
ويل يشبه المعبر بين العوالم،
وفجأة…
سمعوا صوتًا مألوفًا…
"آليان؟!"
ركضت آليان…
وانفتحت المسافة لتُظهر وجوههم
راسيل، سيلفا، نوراث.
صرخت آليان
"راسيل!!!"
ركضت نحوه، وضربته على كتفه بفرح باكي:
"إنت عايش!!"
لكن…
توقّفت.
نظرت لثيابه…
كان جزء من قميصه مبلّل بالدم… دم داكن، قديم… وكثير.
تراجعت آليان خطوة… همست
"راسيل… ليش دم على ثيابك؟ وين… نيرينا؟"
نظر الثلاثة لبعضهم…
صمت ثقيل سقط فوق المكان.
راسيل لم يرفع عينيه… فقط قال
"أنا آسف يا آليان… حاولت، بس… ما كنت نيرينا."
صرخت
"شو يعني!!؟!! وين نيرينا!!؟!!!"
ركضت نحوه وهزّت ذراعه بعنف
"إنت تكذب!! هي كانت أقوى وحدة فينا! وينهااا!!!"
سيلفا حاولت تهدئتها
"ما كانت نيرينا، كانت… شبح. ما تركت لنا خيار…"
لكن آليان انهارت على ركبتيها، دموعها تنزل بلا صوت.
همست
"هي كانت أكتر وحدة تفهمني… كانت بتعرف كل أسراري… ما تركتني ولا مرة… كيف أعيش من دونها؟"
ركع كيران بجانبها، ووضع يده على ظهرها،
وقال:
"نحنا رح نكمل… كرمالها. نطلع من هون، ونحكي للعالم قصتها.
هالمكان ما رح يبلع أرواحنا كمان."
الطفلة كانت تراقبهم من بعيد، وعيناها مملوءتان بالحزن،
همست:
"أنا فقدت الكل كمان… بس كان لازم أكمل.
بتمنى هالمرة ننجح…"
وهكذا…
وللمرة الأولى، اجتمعوا جميعًا…
لكن بنقصٍ لا يُعوّض.
هل يستطيع ستة أن يهربوا من لعنة ابتلعت أرواح العشرات؟
وهل يمكن لمن ذاق موت الصديق… أن يجد طريق النجاة؟
انتهى...
larse★