الأرواح التي نسيت أنها ميتة

الأرواح التي نسيت أنها ميتة

24 0

كانت الطفلة تمسك يد آليان بقوة، أصابعها باردة كالثلج، وصوتها الرقيق يُهمس كأنه من زمن بعيد.

قالت وهي تسير بجانبها:

"إنتي بتشبهي ماما... ماما كانت تقول لي إني ما لازم أتكلم مع الناس الجدد."

ترددت آليان، لكنها سألت بصوت خافت:

"وين أمك؟"

قالت الطفلة بابتسامة مشقوقة:

"بالغرفة الأخيرة… الغرفة اللي فيها نحنا ننام، ونصير نلعب للأبد."

آليان بلعت ريقها، كانت تشعر أن الممر لا ينتهي، كل لمبة تمر تحترق فوق رأسها، وصوت الأرضية يصرّ كما لو أن أحدهم يمشي خلفها… لا، بل تحتها.

ــــــ

فجأة، وقفت الطفلة أمام باب خشبي ضخم، وصرخت بفرح:

"مامااااا! آمييييي!"

دفعت الباب بقوة…

ودخلت، تركت يد آليان.

بقيت آليان واقفة لحظات… تشعر أن قلبها يريد أن يخرج من صدرها.

ثم مشت بخطوات مترددة… دخلت الغرفة.

وفي الزاوية، جلست امرأة طويلة، شعرها يغطي وجهها، وتغني لحنًا طفوليًا مكسورًا.

الطفلة ركضت إليها، ارتمت في حضنها.

لكن لما رفعت المرأة رأسها…

رأتها آليان.

وجه رمادي متآكل… فم ممزق إلى الأذنين، وعينان سوداوان بلا قاع.

شبح.

شهقت آليان وارتدت إلى الخلف.

لكن الطفلة التفتت إليها وقالت:

"ليش ما قلتي مرحبًا لماما؟"

ــــــ

هربت آليان، دخلت خزانة صغيرة، أغلقتها عليها وارتجفت.

لكن الغرفة بدأت تنقلب…

والطفلة كانت تهمس بالخارج، تضحك، وتنقر بأظافرها على الباب:

"لعبة الاختباء؟ بحبها كتير… لما ألاقيك، رح نلعب إلى الأبد."

ــــــــــــ

راح المشهد لـ راسيل:

كان في نفق تحت الأرض، المكان ضيق، الجدران ملطخة بكتابات مكررة:

"أنت التالي"

"أنت التالي"

"أنت التالي"

ركض وهو يلهث، تعثّر مرتين، وفي كل مرة يسمع صدى صوت يهمس باسمه:

"راسييييل..."

ضوء أحمر خافت ظهر فجأة من الأعلى، وصوت صارخ:

"الناجي يجب أن يثبت نفسه."

فتح باب حديدي، وجد نفسه في غرفة مليئة بالشاشات.

كل شاشة تعرض أحد أصدقائه…

سيلفا تركض، كيران يحاول كسر جدار، آليان تختبئ، والطفلة تضحك.

ـــــــــــــــ

قال بصوت مرتجف:

"شو هالمكان المجنون؟"

ثم ظهر على الشاشة باب أحمر… تحته مكتوب:

"واحد فقط يُسمح له بالعبور."

ــــــــــــ

نروح لـ سيلفا ونوارث

ــــــــــــــ

كانوا معًا الآن، في قاعة عملاقة، تتدلّى من سقفها دمى محروقة، وكل ما مشوا خطوة، الدمى تهمس:

"اذكرونا... نحن لعبنا هنا أيضًا."

نوراث همس وهو يلتفت

"أحس إني صرت دمية، صدقيني."

قالت سيلفا بعيون مشدوهة:

"بس إحنا مو اللي نلعب... إحنا اللعبة."

فجأة، انفتح من الأرض باب حلزوني، وبدأ يسحب الهواء بقوة.

صرخت سيلفا وهي تمسك بيد نوارث

"شدني!!"

لكن نوارث انزلق…

وكاد يسقط، لولا أن سيلفا أمسكت به بقوة.

نجحوا في الإفلات، لكن الجدار كتب بدم

"تكرار المحاولة... لا ينجح دومًا."

ـــــــــ

نيرينا

ــــــــ

في مكان آخر…

كانت واقفة.

نعم، واقفة.

لكن بشرتها شاحبة، نظرتها فارغة، وقلبها لا ينبض.

لم تكن ميتة بالكامل…

ولكنها لم تعد حية.

في كل مكان، تسمع كيران يهمس

"اركضي... ارجعي…"

لكن صوتًا آخر قال لها

"أنتِ رجعتِ فعلًا… بس مش كما كنتِ."

نيرينا الآن كانت شبه شبح.

معلقة بين عالمين، روح تمشي بلا ظل…

تبحث عن كيران، ولا تدري إن كانت ستجده… أو تقتله.

ـــــــــ

كان كيران يسير داخل ممر طويل، يسمع صوت ضحك الطفلة… وصوت أنفاس مألوفة.

وفجأة، فتح بابًا صدئًا…

ورآها.

آليان.

كانت تجلس في الزاوية، تمسك صدرها، ووجهها مليء بالغبار والخوف.

قال بصوت مختنق:

"آليان؟! أنتي… عايشة؟!"

رفعت رأسها، وابتسمت بدموع:

"كيران؟ أنت حقيقي؟ مش حلم صح؟"

ركض نحوها، احتضنها بقوة، ثم سحبها من يدها:

"لازم نطلع من هون… الباقي يمكن ماتوا، بس إحنا… إحنا لازم ننجو!"

لكن خلفهم…

الطفلة كانت تقف، تراقبهم من الظل.

تبتسم.

وتهمس:

"أنا ألاقيكم كل مرة."

كان كيران يمسك يد آليان ويسحبها بسرعة، وهما يركضان بين ممرات مكسّرة، والطفلة تلاحقهم بضحكة تقطع أوتار الهدوء.

كانت تقول خلفهم، بصوت طفولي مشوّه:

"ما بتلعبوا معي؟! ما بتحبوني؟! آليان وعدتني إنها ما تتركني!"

انقطع الضوء في الممر، وتحولت الجدران إلى لون رمادي متحلل، وبدأت اللوحات الجانبية تنزف دمًا.

كيران سحب آليان بقوة إلى غرفة جانبية، دفعها للداخل، وأغلق الباب خلفهم.

جلسا في الظلام، يتنفّسان بسرعة، نبضات قلبهما أعلى من الصمت المخيف.

همست آليان، وصوتها يرتجف:

"هي ما كانت بشرية… كنت عم بلعب معاها… وهي ميتة!"

قال كيران وهو يضغط على جرح في ذراعه

"ما بعرف مين ضدنا، بس اللي متأكد منه… إننا لازم نضل مع بعض. ما تبتعدي عني، آليان، ولا لحظة."

فجأة، طرقٌ خفيف على الباب…

ثم صوت الطفلة من خلفه:

"أنا بعدني هون… أنتو مش لوحدكم."

ـــــــــ

سيلفا ونوارث كانا يمشيان في ممر غريب مضاء بأضواء خضراء، كل خطوة تصدر صدى كأنه مشي فوق جماجم.

سمعا وقع أقدام خفيفة أمامهم.

ركضوا…

فرأوا فتاة تقف في نهاية الممر، ظهرها لهم، شعرها الطويل يلامس الأرض.

قال نوارث وهو يتقدّم ببطء

"مين… مين هاي؟ سيلفا؟"

ردّت سيلفا، وقد بدأ قلبها يدق بسرعة

"أعتقد… هاي نيرينا!"

ركضت نحوها بفرح:

"نيرينا!!! نحنا هون! إنتي عايشة؟!!"

لكن نيرينا لم تتحرك

فجأة…

التفتت ببطء.

وجهها شاحب، عيناها بلا حدقة، وابتسامة طويلة تشق خدها.

همست بصوت بلا حياة:

"كنتم بتدوروا عليّ…؟ أنا لقيتكم أولاً."

صرخت سيلفا، تراجعت.

قال نوارث

،"هي مو نيرينا! هذي… مش هي! ركضي سيلفا!!"

لكن نيرينا رفعت يدها، وبدأت الأرض تحتهم تتكسر، وكأنهم يمشون فوق قشر بيض هش.

ــــــــــــــــ

ركض الاثنان إلى مخرج ضيّق، ونوارث بالكاد أغلق الباب خلفهم قبل أن تصل يد نيرينا وتضرب الباب بكل قوتها، محدثة صدعًا.

داخل الغرفة، جلسوا على الأرض، يلهثون.

سيلفا قالت، وصوتها مشروخ:

"هي ماتت… بس لسه تمشي. كيف؟ ليش؟"

قال نوارث وهو ينظر إلى الباب المرتجف:

"في شي بالمكان هذا… بيمنع الموتى يروحوا. بيخلّيهم يبقوا… بس مش مثل ما كانوا."

ــــــــ

نعود لكيران وآليان

ـــــــ

ما زالوا داخل غرفة ضيقة، والأصوات بالخارج صارت همسات كثيرة، وكأن أرواحًا عديدة تتكلم دفعة واحدة:

"أنتم دخلتم لعبتنا… اللعب لا يتوقف… البوابة تغلق عند الفجر."

همس كيران

"آليان… إذا متنا، ما راح نختفي… راح نتحول مثلهم."

قالت وهي تبكي

"يعني لازم نطلع… قبل ما نصير اللعبة التالية."

ثم ينقطع الصوت.

ويبدأ الوقت بالعدّ التنازلي في شاشة صغيرة تظهر فجأة فوق الباب:

00:57:42

انتهى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملاهي الموتى

المؤلف larse★
2025/08/01 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة