ما عاد المكان يعرف من الحيّ ومن الميت

ما عاد المكان يعرف من الحيّ ومن الميت

26 0

كان الممر طويلًا جدًا… لدرجة أن كيران شعر أنه لا يتحرك، رغم خطواته الثقيلة.

نيرينا كانت تمشي خلفه، أنفاسها سريعة، والمرايا تملأ الجدران من كل الجهات.

لكنه فجأة توقف.

"كيران؟ ليه وقفت؟"

قال بصوت خافت:

"المرآة هذي... تعكسنا، بس ما تعكسنا سوا."

نظرت نيرينا…

كانت تراه واقفًا في المرآة، لكن صورتها لم تكن معه.

كانت خلفه، في المرآة… لكنها ميتة.

وجهها رمادي، وعيناها مغمضتان.

شهقت وهي تمسك بذراعه،

"نطلع! نرجع!"

لكن صوتًا خرج من خلفهم، همسات نسائية مخنوقة…

مرآة في نهاية الممر تشقّقت فجأة، وخرج منها ظل أنثوي يسير كأنه يزحف، أطرافه معوجّة.

صرخ كيران:

"اركضي!!"

ــــــــــ

في جهة أخرى… كانت آليان تهرب.

تهرب من شيء لا تراه، لكنها تسمع وقع قدميه يركض خلفها… كل ما توقفت لتلتقط أنفاسها، تسمعه يقترب.

وفي لحظة، انعطفت نحو باب خشبي قديم، فتحته بسرعة.

واندفع جسدها للداخل، قبل أن يُغلق الباب خلفها بعنف.

التفتت لترى فتاة تقف في الزاوية، خائفة مثلها.

عينها زرقاء، والثانية مغطاة بضمادة قديمة.

قالت الفتاة بصوت مرتعش:

"أنتِ مثلنا… علقتي هنا؟"

قالت آليان وهي تلهث:

"في أحد يلحقني! شكراً إنك فتحتي الباب!"

ابتسمت الفتاة وقالت:

"أنا دايمًا أساعد الي بيجوا."

تقدّمت منها آليان ببطء:

"من متى وانتي هون؟"

ردّت ببطء:

"من… فترة طويلة. بس ما قدرت أطلع. كل ما حاولت، ترجعني الملاهي لهون. يمكن اليوم نقدر مع بعض."

ـــــ

سارا معًا في الممرات.

الأبواب تنفتح وتغلق لوحدها… الجدران تهمس بأصوات أطفال، والأرض تهتز كل مرة تخطو فيها البنت.

لكن… شيئًا ما كان غريبًا.

كل مرة تمر البنت قدام مرآة، ما يكون إلها انعكاس.

آليان لاحظت... وسألت:

"ليش ما تنعكسي بالمرآة؟"

توقفت البنت فجأة، نظرت نحوها، ثم قالت بصوت حزين:

"أنا… يمكن المرآة مكسورة."

لكنها نظرت في إحدى الزوايا…

ووجدت صورة قديمة معلقة، فيها وجه الفتاة… لكن بخلف الصورة، التاريخ كان من 1987.

ـــــ

همست آليان:

"أنـ... أنتي مش حقيقية."

شهقت البنت… تراجعت خطوة:

"لا، لا! أنا كنت أحاول أطلع، صدقيني! حتى لما يجي ضيوف، أساعدهم!"

دموعها بدأت تنزل، وعيناها تحوّلت من زرقاء إلى رمادية داكنة.

بدأت الأرض تهتز من تحتهم.

سقطت الدمى من الرفوف، وانفجرت المصابيح

صرخت الفتاة:

"أنا آسفة! أنا ما كنت أدري! أنا بس… كنت أظن إني أعيش!"

ــــــــــ

آليان سقطت أرضًا… تحاول التقاط أنفاسها.

لكن قبل أن تفتح عينيها مرة ثانية…

كان كل شيء قد اختفى

الغرفة… البنت… الأصوات

عادت وحدها

وهدوء غريب يسبق العاصفة

ــــــ

في جهة أخرى، كيران يقف مع نيرينا، وقد وصلوا إلى ساحة صغيرة فيها لعبة قديمة تشبه الدولاب الهوائي.

جثث معلّقة بحبال تحت المقاعد، ودماء على الأرض تكتب:

"الذي يركب… يعيش."

لكنها كذبة

ـــــــــــــ

يقترب شبح ضخم من خلفهم، تمسك نيرينا بكيران وتهمس:

"لا تخليني!"

لكنه يدفعها، ويصرخ:

"اركضي!! إذا كنتي حقيقية… ارجعي لآليان!"

'حين تموت الأشياء الحقيقية'

وقف كيران أمام الشبح الضخم، جسده يهتز، أنفاسه محبوسة، لكن نيرينا كانت تتمسّك بقميصه من الخلف.

همس بصوت مرتجف:

"اركضي نيرينا... ارجعي وخليني أنا..."

صرخت بدموع:

"ولا خطوة! ما بتركك!"

لكن الشبح اقترب أكثر، له أنفاس سوداء تذيب الجدران، وعيناه لا تريان إلا من يملك روحًا حيّة.

التفت كيران، دفعها للخلف، فتح بابًا جانبيًا صغيرًا:

"اطلعي من هون! بس انزلي السلالم واركضي!"

ركضت نيرينا خطوة، لكنها التفتت وصرخت:

"وأنت؟!"

لكنه لم يرد… لأنه فجأة، الغرفة كلها اشتعلت بصوت:

"مخالفة للقوانين. فلتُغلق اللعبة."

ـــــــ

السقف انفتح.

ومن الأعلى، سقطت سلاسل معدنية ضخمة.

كيران حاول يبعدها…

لكن واحدة منها غرست في صدر نيرينا.

نظرت له بعيون متوسلة، وأنفاسها تتقطع.

"كنت… بدي أعيش…"

وقع كيران على ركبتيه، مدّ يده نحوها…

لكنها سقطت، جسدها بارد، وابتسامة خفيفة مجروحة على وجهها.

تجمّد كيران، فقط وقف…

وابتعد في صمت.

ــــــ

سيلفا ونوارث

كانوا في غرفة مستديرة، الجدران تتحرك، وتعيد تشكيل المكان كل دقيقة.

قال نوارث وهو ينظر حوله:

"أقسم بالله إحنا في بطن وحش!"

ضحكت سيلفا بسخرية، رغم التوتر:

"مش وقت نكات يا عبقري… في شي بيتنفس معنا."

فجأة... الجدران بدأت تتنفس فعلاً.

انقبضت الجدران، كأنها تصغر وتكبر مع كل شهيق.

صوت أنثوي مخيف قال:

"كل نَفَس هنا يُسحب منكم... لا تتنفسوا كثيرًا."

نوارث بدأ يلهث:

"أنا... ما بقدر… أتنفس."

سيلفا نظرت له، ثم شقّت كمها، وربطت قطعة قماش على فمه:

"خفّ التنفّس... وخلينا نكسر الطريق."

رمت قطعة خشب على الجدار…

واخترقت شيء كأنه جلد، فانبثق منه دم أسود وفتح مخرج!

صرخوا وركضوا.

لكنهم لم يعرفوا أن الموت… يسبقهم.

ــــــــ

نعود إلى آليان:

ـــــــ

كانت تسير في ممر طويل، لا نهاية له.

ظلام خافت، صدى أصوات بعيدة...

قلوب مكسورة، أرواح تائهة، أشياء تُهمس ولا تُفهم.

ثم سمعت…

صوت طفلة صغيرة.

كانت تبكي في نهاية الممر، جالسة وحدها، وتحمل لعبة دب قديم بدون عين.

قالت بصوت ناعم يرتجف:

"ماماااا… ماماااااا؟"

تجمّدت آليان.

اقتربت منها بهدوء:

"حبيبتي، وين أمك؟ إيش اسمك؟"

رفعت الطفلة رأسها، عيناها رماديتان.

همست:

"أنا ضايعة… ما بعرف الطريق… بس يمكن أنتي تعرفي… صح؟"

ثم أمسكت بيد آليان…

باردة.

وبدأ الضوء الأحمر في السقف يشتعل.

وصوت آخر يهمس:

"من يجد الموت… يجد الحقيقة."

آليان شهقت.

لأن الطفلة كانت تمسك يدها بكل قوة…

ولا يظهر لها ظل على الأرض

انتهى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ملاهي الموتى

المؤلف larse★
2025/08/01 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة