الغرفة كانت صامتة، جدرانها باردة، والهواء مشبع برائحة الحديد والخراب.
جلس كيران على الأرض، يحاول فك قطعة معدنية من الجدار.
قال وهو يتفحص السقف
"في شي غلط… كتير غلط."
همست آليان، تحدّق بالجدار الرمادي المائل للأخضر:
"هاد مش جدار عادي… فيه فواصل… متل أبواب!"
وقف كيران، قرّب من واحد منها، ومسّكه…
وفجأة…
كليك.
انفتح الباب.
خرج منه هواء بارد جدًا…
وفجأة انفتح باب ثاني…
ثم ثالث…
وما هي إلا لحظات حتى بدأت البرادات كلها تُفتح تلقائيًا، واحدًا تلو الآخر…
وكل واحدة… يخرج منها جسد ميت.
**
صرخت آليان، وسحبها كيران وهو يركض،
الجثث لم تكن تسقط… بل تقف.
واحدة منها فتحت عينيها… وقالت بصوت أجوف:
"الدور التالي… على من؟"
**
ركض الاثنان عبر الممر، قلبهم يخبط، والصرخات خلفهم تتردد في الفراغ.
وفجأة…
في نهاية الممر…
رأوا البنت الصغيرة.
كانت واقفة، تنظر إليهم بعينين دامعتين.
قال كيران وهو يتراجع:
"مش هي! آليان، مش هي!!"
لكن الطفلة رفعت يدها.
وصاحت:
"استنوا… أنا مش مثلهم! أقسم إني مو مثلهم!!"
توقف كيران، وضع يده أمام آليان، يحمِيها، وقال بحذر:
"ليش نصدقك؟!"
قالت الفتاة، والدموع تنزل على خدّيها
"أنا الوحيدة اللي أتذكّر… ما غسلوا عقلي مثلهم. كنت أول طفل دخل الملاهي من سنين، لكن... ما طلعت. كلنا متنا… بس أنا ما نسيت. حاولت أنقذ الكل بعدي… بس كل مرة أفشل."
تقدمت خطوة:
"ما بدي حدا يعيش اللي عشته… ما بدي تكونوا التاليين."
قالت آليان بهدوء خائف:
"ليش نحنا؟ ليش نحنا بالتحديد؟"
قالت الطفلة:
"لأنكم أول مجموعة تدخل بدون ما تضحك بصدق… الملاهي بتكره الزيف. وبتعاقب اللي يدخلها بلا نية لعب."
**
كيران قال:
"تعرفي طريق الخروج؟!"
هزّت الفتاة رأسها:
"بعرف الطريق، بس لازم نمر من عند المرآة… هي البوابة."
**
راسيل، سيلفا، ونوارث
**
كان راسيل يمشي بحذر في ممر معتم، حتى سمع صرخة.
ركض، فتح بابًا صدئًا…
ورأى سيلفا ونوارث جالسين على الأرض، يلهثان.
صرخ فرحًا
"أنتم بخير؟!!!"
ركضت سيلفا واحتضنته بقوة.
قال نوارث
"المكان مجنون… فيه أرواح… ونيرينا صارت وحدة منهم."
ردّ راسيل بلهفة
"أنا شفت شاشات! كيران وآليان لسه عايشين، لازم نلاقيهم!"
ركض الثلاثة في الممرات، كل واحد منهم يحفظ جزءًا صغيرًا من الطريق، أصوات خطواتهم تمتزج مع أصوات الطبول في مكانٍ بعيد…
ثم رأوا شيئًا على الجدار مكتوبًا بدم:
"البوابة تعترف بالضحايا… لا بالهاربين."
**
سيلفا همست
"إذا لقيناهم… كيف رح نطلع؟"
قال راسيل بنبرة حاسمة
"حتى لو كنا اللعبة الأخيرة… لازم نربحها."
كانوا يمشون في صمت…
راسيل، سيلفا، ونوراث.
أقدامهم ثقيلة، وعيونهم تبحث وسط عتمة تمتدّ بلا رحمة.
وفجأة…
من زاوية الممر،
ظهرت نيرينا.
تمشي بخطوات هادئة، كأنها مازالت بشرًا…
شعرها مبلول، وعيناها فارغتان…
لكنها تبتسم.
قالت بصوت مخنوق:
"راسيل… أمي قالت لك تحميني، صح؟"
راسيل توقّف مكانه.
عيونه اتسعت، يديه ترتجفان…
بين أصابعه، فأس صغير كان قد التقطه من غرفة التنظيف.
قالت سيلفا بهمس:
"راسيل… مش هي! مو نيرينا…!"
لكن نيرينا تقدّمت، ببطء، كأنها تحاول تتذكّر كيف تمشي.
صوتها صار مشوش، يتردد بداخلهم:
"أنا… مش بخير. ساعدني… رجّعني."
**
صرخ نوراث
"راسيل! لا تخلّي قلبك يقتلك…"
لكن راسيل كان قد انحنى، دموعه تسقط على الأرض.
همس:
"أنا وعدت… بس مش هي نيرينا اللي وعدتها."
**
رفع الفأس…
والوقت توقف.
نيرينا تقدّمت خطوة…
وكأنها… تسأل، أو تسمح.
راسيل شهق شهقة عميقة…
ثم صاح بألم:
"آسف!!"
ضربة واحدة…
صمت كامل…
ورأس نيرينا سقط ببطء على الأرض.
**
انهار راسيل على ركبتيه، يبكي بصوت مخنوق.
سيلفا حاولت تمسكه لكنه دفعها بعيدًا:
"أمها قالت لي… أمها… قالت لي أحميها!!!"
لكن نوراث رفعه من كتفه
"أنت حميتها يا راسيل… من إنها تكون واحد منهم."
**
ومع آخر دمعة سقطت على الأرض…
أكملوا الطريق.
ثلاثة فقط الآن.
**
في مكان آخر – كيران وآليان مع الطفلة
**
جلسوا في غرفة صغيرة، دافئة بشكل غريب…
والطفلة واقفة عند الزاوية، تنظر للأرض.
سألتها آليان بلطف:
"قولي لنا… شو صار معك؟ ليش أنت الوحيدة اللي واعية؟"
رفعت الفتاة نظرها، عيناها فيها ظلال ألف عام.
همست:
"كنت بأول مجموعة دخلت الملاهي… ما كنا فاهمين إننا دخلنا لعبة موت. لعبنا وضحكنا… دخلنا بيت الأشباح."
**
بدأت الرؤية تتغير… كأن المشهد ينسحب إلى الماضي.
كيران وآليان يرون بعينها.
فتاة صغيرة، عمرها سبع سنوات، تمسك يد أمها،
يدخلون بيت الأشباح،
الباب يُغلق،
الناس يصرخون،
الأنوار تنطفئ،
والأصوات تتحوّل إلى عويل
سألتها آليان
" كيف بقيتِ عايشه ايش كنتِ توكلي؟ "
"كانت الصوت عندما انام يضع لي الطعام فوه يريد ان يتسلى وخصوصا بي لأنني طفله وقدرت انجوا"
**
قالت بصوت مرتجف:
"كنت أركض… أصرخ… أنادي على أمي. بس كل الأبواب صارت حيطان"
وفي غرفة كبيرة، شفتهم… كانوا ميتين.
لكنهم رجعوا قاموا… وبدأوا يضحكوا، كأنهم مو شايفينني."
**
آليان تدمع عيونها،
قالت:
"وشو صار بعدها؟"
ردّت الفتاة:
"صاروا مثل دمى… بيمشوا، يضحكوا، يلعبوا… لكن بدون روح.
وأنا… ما نسيت.
من وقتها، وأنا أحاول أنقذ كل اللي يدخلوا."
**
كيران وقف وقال بحزم:
"نحنا لازم نوقف هاللعنة. بس أول شي… نلاقي باقي المجموعة."
هزّت الطفلة رأسها وقالت:
"بعرف طريق تقصّر عليكم… بس خطر. المكان اسمه “دوّامة الأرواح”. أي صوت عالي بيجذبهم."
**
وقفت آليان ومسحت دموعها:
"خلينا نروح."
انتهى...
larse★