اِحتِواءٌ بِلا شُرُوط

اِحتِواءٌ بِلا شُرُوط

20 0

🤍:

قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني.

يَا سَارِقًا دِفءَ الْفُؤادِ أَعِدْه لِيْ

صَدْرِي تَجمَّـدَ و الشِّتَا لَا يَرْحَمُ 

✩࿐࿔

عيناه لا تزالان شاخصتين في عينيّ، عسليتاه، فقد أسقطت دفاعاته هذه المرة. أظن أنها المرة الأولى، منذ لقائنا، التي أرى فيها شيئًا حقيقيًا يتجلى في نظراته. 

الثقة...

كان بإمكاني أن أراها وأشعر بها بوضوح تام، لدرجة أنني لم أستطع منع نفسي من التفكير في أنها مجرد وهمٍ نسجه عقلي المفعم بالأمل.

الثقة... مفهوم طالما كان غريبًا عني. لطالما كنت بعيدة عنه، لم أتعلم يومًا كيف يكون، ولم أشعر به يومًا على حقيقته. 

أنا أثق بآدم، ولكن مخاوفي دائمًا ما تنثر أمامي فتات الاحتمالات المقلقة. 

لكن، لماذا الآن، رغم كل ذلك، لا أدفعه بعيدًا؟ لماذا لا أشعر بعدم الارتياح بينما يحدق إليّ بعمق هكذا؟ أنا أعلم أنني أستطيع... لكنني لا أفعل. 

تعمقت أكثر في النظر إلى عينيه، إلى ذلك الشعور الذي يملؤهما. هل يمكنني حقًا أن أثق به؟ هل يمكنني السماح له بمساعدتي؟ 

كيف داخلي يثق به رغم أن هذه هي المرة الثالثة التي أراه فيها؟ لا أعرف أي شيء عنه.  ومع ذلك، هذا الشعور كان موجودًا منذ البداية، لكنني كنت دائمًا ما أكون ضده. 

الآن، بدأت أتساءل... هل كنت أهرب منه، أم من نفسي؟

كنت أهرب منه لأنه يقرأ داخلي، وكأن نظراته تخترقني بلا استئذان. 

عيناه العسليتان لا تكتفيان بالمراقبة، بل تسترقان شيئًا مني، تسرقان قلبي، تعبثان بعقلي، وهذا ما يزعجني. 

لطالما أبعدت الناس، لطالما وضعت بيني وبينهم جدارًا لا يُرى، لكنّه... لا يحاول حتى اختراقه، فقط يقف هناك، ينظر، ينتظر، وكأنه يعلم أنني سأكسره بنفسي. 

وهذا أكثر ما يخيفني.

- أنا خائفة ان اثق..

خرجت كلماتي أخيرًا، كسرت صمتنا القاسي، الصمت الذي كان أقسى من هذا البرد القارس. 

لم يجب مباشرة، فقط ابتسم...  لكن ابتسامته جعلت جسدي يقشعر، لم تكن ابتسامة عادية، كانت أكثر مما ينبغي.. رغم دفئها وسط هذا الثلج، إلا أنها ألمتني.

كأنها تلامس شيئًا عميقًا داخلي لا أريد الاعتراف به.

- الخوف من الثقة أصعب من الخوف نفسه، سوان. 

تحدث بصوت حانٍ، نبرته لم تكن كسابقها، لم تكن ساخرة أو مستفزة، بل كانت هادئة... وكأنها تحاول الوصول إلى المكان الذي أخفيه عن الجميع. توقفت عيناي عنده.

- لأن الثقة تعني أنكِ تمنحين أحدهم القدرة على هدمك، ومع ذلك تختارين أن تصدقي أنه لن يفعل. 

صوته كان ثابتًا، لكنه يحمل شيئًا أعمق، وكأنه يعرف جيدًا معنى ما يقوله. 

- الناس لا يخافون من البوح بل لأنهم جُرحوا من قبل حين فعلوا. 

ارتجفت أنفاسي قليلًا، وكأن شيئًا ثقيلًا بدأ يتحرك داخلي، بدأ يهتز. 

- لكن كتم كل شيء داخلكِ لن يحميكِ، بل سيجعلكِ تغرقين أكثر. أحيانًا، النجاة الوحيدة هي أن تتوقفي عن مقاومة يدٍ ممدودة إليكِ. أنتِ تفكرين كثيرًا في كيف يمكن أن تخسري الناس إن وثقتِ بهم، لكن هل فكرتِ يومًا كيف يمكنكِ أن تخسري نفسكِ إن لم تفعلي؟ 

نظر إليّ بصمت للحظات، كأنه يمنحني الوقت لاستيعاب كلماته، لكنه لم ينتظر ردًا. لأنه يعلم... أنني سمعت. وأنني، رغم كل شيء، فهمت.

- أنتِ كعادتك أنانية، مع الذين حولك، والأهم... مع نفسك. 

كلماته سقطت عليّ كضربة قوية، لم تكن مجرد جملة عابرة، كانت حقيقة حاولت إنكارها مرارًا.  نظرت إليه، عيناه العسليتان لم تحملان أي سخرية هذه المرة، فقط وضوحًا مؤلمًا. 

- أنتِ تدفعين الجميع بعيدًا، تظنين أنكِ تحمين نفسكِ بذلك، لكنكِ فقط تجعلين الأمور أسوأ. 

أشحت بنظري عنه، لم أستطع مواجهته، كلماته كانت قاسية لأنها. 

- والآن... حتى نفسكِ لا تثقين بها. 

التفتُ إليه بحدة، لم يعطني فرصة للرد، فقط تابع بهدوء، وكأنه يخبرني بشيء كان يجب أن أعرفه منذ وقت طويل.

- تريدين إنقاذ الجميع، لكنكِ لا تفكرين لحظة أنكِ تستحقين أن تُنقذي أيضًا.

نظرت إليه باستغراب، ماذا يقصد بإنقاذ الجميع؟ كيف عَلِم؟ تصلب جسدي، حدقت في وجهه، عيناه لم تبتعدا عني لحظة. 

- لقد كنتِ تعلمين بموت لوكا، ولهذا ركضتِ بكامل قواكِ لإنقاذه. لكن كيف علمتِ؟ 

صوته كان حادًا. بلعت ريقي بصعوبة، لم أكن مستعدة لهذا، لم يكن من المفترض أن يسأل هذا السؤال. 

تراجعت خطوة، لكن نظراته لم تتركني، تنتظر إجابة لا أستطيع قولها.

- ماذا إن كسرت ثقتي؟ ماذا إن بُحتُ بكل ما في جعبتي أمامك، ثم تكسر كل شيء؟! 

تحدثتُ إليه متوسلة، منكسرة، غاضبة. لم أعد أحتمل، لم أعد أريد أن أُحمل وحدي كل هذا العبء. 

السماء برتقالية بسبب انعكاس الثلج، رغم أن الشمس قد اختفت، إلا أن ضوءها لا يزال حاضرًا، يملأ المكان بشحوب دافئ غريب. 

نظر إليّ دون أن يتراجع، وكأنه لم يرَ في كلماتي أي تردد يستحق الخوف. 

- حينها... سأعطيكِ الحق بقتلي. 

أجابني مبتسمًا، بكل بساطة، بكل هدوء، كأنه يقول أمرًا اعتياديًا. هل يمزح معي؟ 

كلماته صدمتني، شلت تفكيري، جعلتني أتساءل... أي نوع من الأشخاص هو؟ ولماذا، رغم كل شيء، أشعر أنني أريد أن أخبره؟ سوان، خطأ واحد منكِ أثناء تركيبك لعبة البزل، سيضيع كل تعبكِ. عقلي يريد أن يبتعد عنه، أن يتركه وأمضي، لكن قلبي... مُصر على البقاء، مُصر على أن أثق، ولو لمرة واحدة.

- أنا جئت من المستقبل. 

قلتها زافرة ما في جعبتي، وكأنني أرمي هذا العبء من على كتفي. أشحت نظراتي عنه، لا أريد رؤية ردة فعله، لا أريد أن أرى السخرية أو عدم التصديق في عينيه.

انتظرت قليلًا، لكن الصمت طال، لا يوجد رد، لا حتى همهمة استهجان. رفعت رأسي ببطء، وعندما رأيته، لم أتمالك نفسي من الضحك. 

كان متخشبًا في مكانه، عينيه متسعتان، يده تغطي فمه، وكأنه يحاول معالجة الكلمات التي سمعها للتو. 

- كيف؟ هل عدتِ بالزمن؟ كاذبة! تقرأين الكثير من القصص الخيالية، صحيح؟ 

تحدث بسرعة، صوته مليء بالتوتر، لكن توتره كان لطيفًا بشكل لا يُصدق. 

- أشعر بالبرد، لنذهب إلى مقهى قريب، القصة طويلة. 

أدرت جسدي وأخذت أرسم خطواتي، انتبهت لوقع خطواته التي سارعت للحاق بي حتى وقف بجانبي. 

- لا أصدقكِ، تعلمين ذلك، صحيح؟ 

- نعم، حتى أنا لا أصدق نفسي. 

أجبته بلا مبالاة، رغم أنني كنت أعلم أن ما قلته سيغير كل شيء.

دخلنا إلى أول مقهى ظهر أمامنا، كانت رائحة القهوة والخبز الدافئ تملأ المكان، طلبنا حليبًا بالشوكولاتة الساخنة، بحثًا عن بعض الدفء الذي لم يكن الجو مستعدًا لمنحه لنا. 

ينظر إليّ بعيون مترقبة، وكأنه طفل صغير متحمس لقصة قبل النوم، نظراته لا تفارقني، ينتظر أن أبدأ. 

أشحت بنظري عنه، لكنني لم أستطع منع نفسي من رسم ابتسامة صغيرة على شفتي. لم أتخيل يومًا أن أرى أندرياس بهذا الشكل.

انتظرت قليلًا حتى يأتي طلبنا، لم أرد أن يسمعنا أحد أو يقاطعني أثناء حديثي. وضع النادل كوب الشوكولاتة الساخنة أمامي، ثم كوب أندرياس أمامه، ابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يغادر، لكنني لم أتمكن من الرد عليه، كان كل تركيزي منصبًا على الكلمات التي على وشك أن أنطق بها. 

أخذت رشفة صغيرة من الكوب، حرارته تلامس شفتي، لكنها لم تكن قادرة على إذابة الثقل الذي في صدري. 

رفعت عينيّ إلى أندرياس، كان لا يزال يحدق بي بترقب واضح، متحمسًا، متشككًا، لكنه ينتظر. 

- انتحر آدم... 

خرجت الكلمات من شفتي ثقيلة، وكأنها أحجار تُلقى في بحر هادئ.  رأيت كيف تجمدت ملامحه في لحظة، كيف فقدت عيناه بريقها للحظة خاطفة. 

- في المستقبل... ينتحر آدم. يُفرط بنفسه... ويشنق نفسه. 

لم يتحرك، لم ينبس ببنت شفة. فقط ظل يحدق بي، وكأنه يحاول فهم شيء ما، أو ربما... يرفض تصديقه.

- انهار عالمي كله، لم يكن متبقيًا لي احد، كان لدي فقط آدم، لكنه تركني هو أيضًا. مات بسبب شخص ما، كان انتحارًا، لكن الانتحار لا يعني عدم وجود قاتل! مات بسبب شخص حقير. 

أشعر أن النيران وصلت إلى عقلي، صوتي يرتجف عند كل كلمة، لكنني أحاول أن أتمسك.

لا يزال أندرياس يحدق بي بذهول، لكن هذه المرة، وكأن عينيه امتلأتا بشيء لم أستطع قراءته.

- لم أتحمل موته، هل تعرف شعور أن تفقد قطعة من قلبك؟ لم يكن مجرد قطعة، كان هو السبب الأكبر في تمسكي بالحياة. لكنه مات... مات سبب عيشي. 

تنفسي أصبح متقطعًا، الصور تتدفق إلى رأسي كأنني أعيشها من جديد.

- الشرطة لم تحاول حتى البحث عن سبب موته. يومها كنتُ خارجة من المستشفى بعد أن رأيت جثته في المشرحة... وجهه لم يبقَ به أي لون، جسده بارد، كأنه لم يعد آدم الذي أعرفه.

شعرت بالغصة تخنقني، لم أستطع منع نفسي من إعادة تلك اللحظة، كأنها تُعرض أمامي مرة أخرى، بكل تفاصيلها، بكل ألمها. غطيت وجهي بكفي، أبكي بصمت.

- ثم ذهبت إلى البحر، وهناك اصطدمت بي سيارة... ورأيت جنية. 

كلماتي خرجت بسرعة، وكأنها ستختفي إن لم أنطق بها فورًا. 

- أعطتني خيارات... ثم أعادتني إلى الماضي حتى أعيد آدم للحياة. 

نظرت إليه، لكن نظراته لم تتغير، لا يزال يحدق بي بنفس الصمت، بنفس العمق الذي لم أستطع تحمله. 

- لكن في أول يوم من عودتي... بدأت الجرائم. 

شعرت بأنفاسي تتسارع، يداي بدأتا ترتجفان قليلًا، لكنني واصلت. 

- الجريمة الأولى... القاتل المتسلسل بدأ من جديد. وقررت أن أنقذ الضحايا. 

ابتلعت ريقي، شعرت أنني لم أعد أستطيع السيطرة على أفكاري، كأنها تتدفق بلا توقف. 

- يوجد أربع ضحايا... مارسيليا، لوكا... واثنان آخران، شابان... لكن لا أتذكر من هما. 

ضغطت على صدغيّ، شعرت بصداع يكاد يمزق رأسي، هذا النسيان سيصيبني بالجنون.

رغم كل شيء، رغم الفوضى التي كنت فيها، لم ينطق أندرياس بكلمة واحدة. كان لا يزال يحدق بي، لكن هذه المرة... رأيت في عينيه شيئًا لم أتوقعه. الحزن. حزن كبير، صامت، لكنه كان واضحًا كما لو أنه مرسوم على وجهه.

- اتعلم ما هو المخيف؟ 

نطقت بصوت مرتجف، لكنني لم أنتظر منه إجابة، كنت بحاجة لإخراج كل ما يدور في رأسي قبل أن أفقد السيطرة.

 

- الأحداث بدأت تتغير... 

ابتلعت ريقي بصعوبة، أشعر أنني لا أصدق كلماتي حتى وأنا أنطق بها.

- لوكا لم يكن سيموت عند البحر! 

نظرت إليه، أندرياس لا يزال صامتًا، لكنني أرى أنفاسه تتباطأ وكأنه بدأ يدرك حجم ما أقوله. 

- كان من المفترض أن يموت في ذلك الزقاق، الزقاق الذي ذهبتُ إليه راكضة... لكنني وجدته فارغًا. 

عينيه العسليتان لم تتحركا عني، كان يراقب كل انفعال يمر على وجهي، لكنه لم يقاطعني. 

- وأنا... لم أكن المشتبه بها من قبل! الشرطة لم تكن تشك بي في الماضي! 

شعرت بصدري ينقبض، يداي ترتجفان فوق الطاولة، لكنني ضغطت عليهما بقوة حتى أتماسك.

- يوجد أحد... شخص ما... يحاول أن يضع كل الشبهات عليّ. 

همست بها كأنها سر ثقيل، وكأن نطقها بصوت عالٍ قد يجعلها أكثر واقعية. لكنها كانت كذلك بالفعل... وهذه الحقيقة هي أكثر ما يخيفني.

كان صامتًا، هادئًا على غير عادته المزعجة. رأيته يقف من مكانه، للحظة ظننت أنه سيرحل، لكنه بدلاً من ذلك جلس على الكرسي الذي بجانبي، على يساري تمامًا. 

حدقت به مستغربة، نظراته كانت مختلفة هذه المرة، عميقة بطريقة لم أعتدها. تلك الشامبانيتان اللتان يمكنني أن أثمل بسببهما، كانتا تراقباني بصمت.

- هل أستطيع احتضانك؟ 

صرّح بطلبه بهدوء، ببساطة، دون تردد. 

تخشبت مكاني، لم أستطع أن أنطق بحرف، عقلي يحاول استيعاب كلماته، لكن جسدي سبقني، لم يتحرك، لم يرفض، لكنه أيضًا لم يستجب. حاوط خصري بالكامل بذراعه اليسرى، مستندًا بيده اليمنى، ثم دفن رأسي بجانب عنقه، لم يكن هناك تردد في حركته، فقط دفء غير متوقع. شعرت بأنفاسه تحرك خصلات شعري.

- أنا آسف...

همس بها بصوت هادئ، لكنها كانت تحمل ثقلًا لم أكن مستعدة له. 

- آسف على كل كلمة قاسية قلتها لكِ في تلك الليلة. 

شعرت بشيء ثقيل يضغط على صدري. 

- آسف لأنني كصديق لآدم لم أكن أعرف ما كان يمر به. 

رفعت يدي ببطء، لم أكن متأكدة مما يجب أن أفعله، لكنه أكمل، صوته كان ثابتًا لكنه مليء بالندم. 

- آسف لأنكِ عشتِ كل هذا وحدكِ... ويبدو أنكِ عشتِ الأسوأ مما تخبريننا به. 

أغلقت عيني، استنشقت أنفاسه، و شيء داخلي بدأ ينهار، جدران كنت أعتقد أنها صلبة، لكنها الآن تتصدع ببطء. لم أكن أعلم أنني كنت بحاجة لهذه اللحظة، لهذا العناق، لهذا الشعور الذي لم أسمح لنفسي بتجربته منذ وقت طويل جدًا.

سقطت دموعي الحارة على رقبته العارية، شعرت برجفة خفيفة منه لكنه لم يتحرك، لم يبتعد، فقط شد ذراعه حولي أكثر. 

كنتُ بحاجة لهذا الحضن، ليس مجرد لمسة عابرة، بل احتضان يُشعرني أنني لستُ وحدي في هذا العبء الثقيل. 

حضن يخفف عني ولو قليلًا، حضن مليء بالمشاعر، حضن لشخص يعلم، يفهم، حتى لو بحرف واحد فقط مما نطقت به. 

أمسكت بظهره بقوة، كأنني أتمسك به كي لا أنهار أكثر، دفنتُ وجهي في كتفه، تركتُ كل ثقلي عليه، وبهدوء، بدأت أنحب بصوت خافت، مخنوق، كأنني أخرج شيئًا ظل محبوسًا بداخلي لوقت طويل جدًا.

لم يقل شيئًا، لم يسأل، لم يحاول تهدئتي بالكلمات الفارغة التي يرددها الآخرون، فقط ظل ثابتًا، يمنحني دفئًا لم أكن أعلم أنني كنت بحاجة إليه بهذا الشكل.

حياتي كانت مليئة بالمشاكل، كأنها سلسلة لا تنتهي، كلما اعتقدت أنني تخطيت شيئًا، ظهر شيء آخر ليذكرني بأنني ما زلت عالقة. عانيت من العائلة، من الحب، من الصداقة... وحتى من نفسي. وفي تلك الفترة، حتى آدم لم يكن بجانبي. كنت وحدي في كل ما أمر به، أواجه كل شيء وحدي، كأن العالم كله قرر أن يتركني أتعثر دون أن يمد لي يدًا واحدة. 

لم يمسك أحد بيدي، لم يربت أحد على كتفي ليخبرني أن الأمور ستكون بخير، لم يحاول أحد أن يخفف عني كل تلك الأعباء التي أثقلتني حتى لم أعد قادرة على حملها. 

ومنذ ذلك الوقت... تعلمت أن أُخرس مشاعري المتعبة، أن أدفنها داخلي حتى لا يراها أحد، حتى لا تصبح نقطة ضعف يمكن للآخرين استغلالها. 

جاء على بالي فجأة، قصة الحوت التي حكاها لي آدم... 

ذلك الحوت الذي يغني بصوت لا يسمعه أحد، يسبح وحده في محيط شاسع، يحاول أن يجد من يفهمه، لكن نداءاته تظل بلا إجابة. لكل منا وقت يعيش فيه كالحوت هذا.

- يبدو أنني لستُ ذلك الحوت، فلقد وصل صوتي لك. 

تمتمتُ بها بصوت متعب، وكأنني أدركتُ فجأة أنني لم أكن وحدي كما كنت أظن.

أندرياس لم يتأخر في الرد، صوته كان هادئًا لكنه عميق، كأن كلماته تحمل أكثر مما يقول:

- همم... صرخاتكِ الصامتة وصلت لي منذ أول مرة نظرتُ فيها إلى عينيكِ. كنتِ تغرقين، تناجين، تتوسلين للنجاة... حتى الأصم كان ليسمعكِ. 

أحسستُ بأنفاسي تضطرب، بشيء ثقيل يجثم على صدري، لم أتوقع أن يراني أحد بهذا الوضوح. 

- لكنني لم أستطع فهم تلك الصرخات. 

قالها بنبرة خافتة، وكأنها اعتراف أكثر منها مجرد كلمات. 

شعرتُ أن جدراني تتصدع أكثر، أنني مكشوفة أمامه بطريقة لم أكن مستعدة لها... ومع ذلك، لم أتحرك، لم أحاول إخفاء نفسي. لأول مرة منذ وقت طويل...

و لم أشعر أن ذلك ضروريًا.

رفعت يدي إلى وجهي، مسحت دموعي سريعًا، وكأنني أحاول أن أستعيد توازني. ثم فصلت حضني عنه، تراجعت قليلًا، لكن عيني بقيت تحدق به، وكأنني أراه بطريقة مختلفة لأول مرة.  حينها فقط، انتبهت لتلك الدمعة العالقة في زاوية عينه. 

لم أكن أتخيل أنني سأرى هذا المشهد يومًا... أندرياس، المتعجرف، البارد، القاسي... دمعة تلمع في عينيه؟ 

ابتسمت له بدفء، ابتسامة لم أكن أتصور أنني سأمنحها له. 

- شكرًا لك... لسماعك تلك الصرخات الصامتة. 

قلت كلماتي بصوت هادئ، لكنه كان محملًا بكل شيء لم أقله من قبل. لأول مرة، شعرت أنني لم أعد أصرخ في الفراغ. رسم ضحكة سعيدة، ضحكة لم أرها من قبل، كأنها خرجت من قلبه بلا تصنع أو تكلّف. 

ثم رفع يده وربت على رأسي ضاحكًا، كأنني طفلة صغيرة تحتاج إلى لمسة طمأنينة.  لكن لم ينطق بشيء. لم يحاول ملء الفراغ بيننا بكلمات لا حاجة لها. 

فقط وثب من جانبي، عاد إلى كرسيه بهدوء، كأن شيئًا لم يكن، وكأن تلك اللحظات التي جمعتنا كانت سرًا لن يشاركه مع أحد. أمسك كوبه الذي كان أمامه، حدق فيه لثانية، ثم احتسى منه رشفة صغيرة، رغم أنه برد تمامًا ولم يتذوق منه نقطة منذ البداية.

- اكتشفت أن كل ضحية تموت، يكون قبلها بيوم تنتشر شائعات عنها. 

تحدثتُ بينما أرتب أفكاري، أحاول الربط بين كل الأحداث. 

- مارسيليا... شائعتها كانت أنها متنمرة، وبعدها لوكا... شائعته أنه يواعد الفتيات ثم يتركهن يعانين. 

شعرتُ أن أندرياس بدأ يركز معي أكثر، عيناه تضيقان قليلًا وكأنه بدأ يرى النمط الذي أراه. 

- أذكر أن الضحية الثالثة... 

توقفت للحظة، استرجعتُ الذكريات التي كانت مبعثرة في رأسي. 

- ظهرت شائعات عنه... أنه كان سادي الشخصية. 

قلتُها وأنا أحاول أن أتذكر الأحداث بدقة، وكأن ذاكرتي ترفض إعطائي الصورة كاملة. 

- هذا يعني... 

تحدث أندرياس أخيرًا، نبرته كانت أكثر جدية من المعتاد. 

- أن القاتل... لا يختار ضحاياه عشوائيًا، بل يجعلهم مكروهين أولًا...أو

توقفتُ للحظة، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي بينما تتشكل الفكرة في رأسي بوضوح.

- أو يحاول أن يمحو كل السيئين؟ 

أردفتُ وانا أحدق بأندرياس، مذهولة من الفكرة التي جاءت إليّ فجأة. رأيته يحدق بي بعمق، عيناه تضيّقان وكأنه يحاول استيعاب ما قلته. 

-  يرى نفسه كمنفذ للعدالة؟ 

قالها ببطء، كأن كلماته تحمل وزنًا لم يكن مستعدًا لحمله. 

- يعتقد أنه يُنظف الجامعة من الأشخاص الذين يستحقون الموت؟ 

ارتجفت يداي، وضعت الكوب على الطاولة ببطء، شعرت أن هذه الفكرة خطيرة جدًا، لكن... منطقية.

- لكن من يكون ليقرر من يستحق العيش ومن لا يستحق؟ 

همستُ بها وكأنني أخاف أن أقولها بصوت عالٍ، لأن ذلك يعني أنني بدأت أفهم كيف يفكر القاتل.

- هل تتذكرين أين وكيف حدثت الجريمتان التاليتان؟ 

قالها بجدية كبيرة، وكأنه يحاول الوصول إلى خيط جديد في القضية. أغمضت عيني، حاولت استدعاء ذكرياتي، رغم أنها كانت ضبابية ومتداخلة. 

- الضحية الثالثة... 

تحدثتُ بصوت منخفض، وكأنني أعيش اللحظة من جديد. 

- مات غارقًا في المسبح، لكن القاتل لم يتركه هناك... أخرجه من الماء، ثم وضع توقيعه على معصمه بالشمع الأحمر. 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم أكملت بصوت أكثر حذرًا. 

- أما الضحية الرابعة... 

توقفت للحظة، هذا المشهد كان أكثر قسوة من البقية. 

- مات في منزله، طُعن خمس عشرة مرة في قلبه... ثم طُعن مرتين في بطنه. 

فتحت عيني ببطء، رأيت أندرياس يحدق بي بصمت، ملامحه لم تتغير، لكنني شعرت أنه يحاول تحليل كل كلمة قلتها. 

- إذن... القاتل لا يكرر طريقته، لكنه يترك توقيعه دائمًا. 

قالها وهو يربط ذراعيه أمام صدره، ينظر إلي وكأنني الآن أصبحت شاهدة على جريمته هو شخصيًا.

- سوان. 

نادى اسمي بصوت حاد، جاد، وكأنه اكتشف مصيبة كبيرة، شيء لم يكن مستعدًا له لكنه وجده أمامه فجأة. 

رفعت رأسي نحوه بسرعة، قلبي بدأ ينبض بعنف، شيء ما في نبرته جعل القلق يزحف إلى صدري. 

- سأخبركِ بسر. 

قالها وهو يعبث بخصلات شعره المبعثرة، نظراته شاردة لكن صوته كان جادًا. 

حدقتُ به، انتظرت أن يتحدث، لكنه ظل صامتًا للحظات، وكأنه يجمع كلماته أو يتردد في قولها. 

- لماذا تأخذ وقتًا طويلًا حتى تتحدث؟ 

تمتمتُ بنفاد صبر، لكنه لم ينظر إلي مباشرة، فقط زفر ببطء وكأنه يحاول تهدئة نفسه. 

- خلال هذا الشهر... كنتُ أرى احلام. 

رفع رأسه أخيرًا، التقت عينانا، رأيت شيئًا غريبًا في نظراته، شيء لم أستطع تفسيره بعد. 

- والحلام يتكررون دائمًا. 

صوته كان ثابتًا، لكنني شعرت أنه يحاول إقناعي بشيء لم يكن مقتنعًا به هو نفسه. 

- كلما أغمضتُ عيني... أراهم. 

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. 

- كنتُ أعلم بهذه الجرائم مسبقًا. 

تجمدت أنفاسي للحظة، حدقتُ به بصدمة، لكن قبل أن أتمكن من قول شيء، أكمل بصوت خافت:

- لكنني لم أصدق أن تحدث هذه الأحلام في الواقع... كنت أعتقد أنها مجرد كوابيس، لا أكثر.

- كيف!؟ رأيتهم؟ 

خرجت كلماتي راجفة، غير مصدقة، لكن أندرياس هز رأسه ببطء، وكأنه لا يزال يحاول استيعاب الأمر بنفسه.

- نعم... رأيتهم، لكن ليس بوضوح دائمًا. 

كان صوته منخفضًا، مترددًا قليلًا، لكنني شعرت أنه صادق تمامًا فيما يقوله.  قبل أن أتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، أضاف فجأة: 

- ولكن... أنتِ أخبرتِني أن الضحايا القادمين هما شابان، صحيح؟ 

أومأتُ برأسي سريعًا، لا أفهم إلى أين يريد أن يصل. أخفض نظره قليلًا، كأن هناك شيئًا يثقله، ثم رفع عينيه إليّ مجددًا. 

- لكن... في أحلامي، الضحية القادمة ليست شابًا.

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري، عيناي اتسعتا بصدمة بينما هو أكمل بصوت حذر: 

- الضحية القادمة أنثى. ولم أرَ الضحية التي طُعنت ببشاعة... 

صوته كان مترددًا، وكأنه لا يستطيع استيعاب ما يخرج من فمه. 

- لكن... الضحية التي غُرقت... 

توقف لوهلة، وكأن الاسم عالق في حلقه، ثم همس به بصعوبة: 

- هو مارك. 

شعرت وكأن العالم كله توقف للحظة، نبضي تباطأ، الهواء من حولي أصبح أثقل. مارك؟ 

لحظة، لحظة... رأسي يؤلمني، صوت صرير حاد يتردد داخلي، كأن ذاكرتي تحاول إعادة تجميع قطع مبعثرة من صورة منسية.  وفجأة، وكأن نافذة فُتحت في رأسي، انهالت الذكريات... مارك هو الضحية الثالثة. مارك صديق آدم هو من يموت. تذكرت الآن. تذكرت كيف انهار آدم في تلك الفترة. كيف كان يختفي لساعات، كيف فقد بريقه تمامًا بعد موت مارك.

ضربتُ رأسي بقوة عندما صدمتني السيارة في ذلك اليوم... يوم رأيت الجنية.  هل لهذا السبب ذاكرتي مشوشة؟ 

وضعت يدي على جبيني، ضغطت عليه وكأنني أحاول استرجاع شيء عالق في زاوية مظلمة من عقلي. 

أنا لا أنسى هذه الأشياء الكبيرة... لا يمكن أن أنسى موت مارك، لا يمكن أن أنسى انهيار آدم بعده.

لكن لماذا لم أستطع تذكر ذلك حتى الآن؟ الصور بدأت تتدفق فجأة، مشاهد من الماضي، صوت آدم وهو يصرخ في جنازة مارك، عينيه الفارغتين، طريقته في الابتعاد عن الجميع بعد موته... 

شعرت بألم حاد في رأسي، كأن شيئًا بداخلي يحاول مقاومة هذا الإدراك. تسقط دمعة من عيني، لا أعلم إن كانت بسبب الصداع الذي ينهشني الآن، أم بسبب إدراكي لموت مارك، أم لأنني لم أستطع تذكر كل شيء كما يجب. 

رفعت قبضتي، وبدأت أضرب رأسي بقسوة، كأنني أحاول إجبار ذاكرتي على العمل، على إعطائي الحقيقة كاملة، دون تشويش، دون فراغات.  لكن لا شيء يحدث. 

الغضب يتصاعد بداخلي، الإحباط يلتف حولي كحبل مشدود، رفعت يدي الأخرى وبدأت أضغط على رأسي بقوة، أظافري تنغرس في جلدي.  تذكري! صرخت في داخلي، لكن لا فائدة.  لماذا لا تفيدين بشيء؟!

أشعر وكأن رأسي ساحة معركة، ضربات، صرخات، صور مبعثرة، لكنها لا تتصل ببعضها، لا تكوّن لي الإجابة التي أحتاجها. 

كلما اقتربتُ من الحقيقة، كلما شعرت أن هناك شيئًا يمنعني من الوصول إليها.  لكن من؟ أو بالأحرى... ماذا؟

أسمع صوتًا ينادي اسمي من بعيد، كأنه يخترق الضجيج في رأسي، ثم فجأة... يدين دافئتين تمسكان قبضتي المرتعشة، تمنعانني من الاستمرار في إيذاء نفسي. 

أعادني للعالم الحقيقي، حدق بي مهدئًا، عيناه العسليتان تمتلئان بشيء لا أستطيع تحديده... شفقة؟ قلق؟ ربما كلاهما. 

- كيف سأنقذهم؟! 

خرج صوتي ضعيفًا، متألمًا، خائفًا. 

- لا أستطيع تذكر شيء، أندرياس! 

شددت على اسمه، وكأنني أتمسك به كحبل نجاة وسط بحر متلاطم.  أنا تائهة، أنا حقًا تائهة...  تائهة من نفسي، من حياتي، من هذا العالم الذي يبدو أنه يتآمر عليّ في كل لحظة.  شعرت بأن قبضتي تسترخي قليلًا بين يديه، لكن رأسي لا يزال عالقًا في دوامة من الأسئلة بلا إجابات.

- خذي نفسًا عميقًا... هيا، خذي. 

قالها بصوت هادئ لكنه ثابت، كأنه يحاول أن ينتشلني من هذا التيه الذي غرقت فيه. 

شعرت بيديه تضغطان بلطف على يديّ، وكأنهما تذكرانني أنني هنا، أنني لست وحدي، أنني ما زلت أملك فرصة للسيطرة على هذا الفوضى في رأسي. حاولت، لكن صدري كان ضيقًا، وكأن الهواء يرفض الدخول. 

- سوان... 

نادى اسمي مجددًا، ببطء، بنبرة أثقل، كأنها محاولة لإعادتي إلى الواقع، إلى اللحظة الحالية.

أغمضت عيني، أجبرت نفسي على الشهيق، الهواء البارد ملأ رئتيّ لكنه لم يطفئ النيران المشتعلة بداخلي. 

- هكذا... ببطء. 

شعرت بأنفاسي تهدأ قليلًا، لكن رأسي لا يزال يضج بالأفكار، بالأصوات، بالذكريات غير المكتملة. 

- أنا هنا... لنذهب خطوة بخطوة، لكن أولًا، عليكِ أن تهدئي.

فتحْتُ عينيّ، نظرت إليه، لم أكن أعرف إن كنتُ أريد التمسك بكلماته أم الهروب منها. لكن في هذه اللحظة، لم يكن لدي خيار سوى الوثوق به.

- لا بأس... أنا وأنتِ معًا. 

صوته كان هادئًا، لكنه يحمل يقينًا لم أكن أملكه. 

- نستطيع أن ننقذ جميع الضحايا... وننقذ آدم. 

نظر إليّ مباشرة، وكأن كلماته ليست مجرد وعود فارغة، بل يقين يعيشه. 

- عليكِ فقط أن تثقي بنفسك... ثم بي. حسنًا؟ 

أومأتُ ببطء، لم أكن متأكدة مما أشعر به، لكن كلماته نجحت في سحب القليل من الفوضى التي كنت غارقة فيها. 

أخذت نفسًا عميقًا، استوعبتُ الحقيقة التي لم أستطع الهروب منها...  منذ متى أصبحتُ بهذا الضعف؟ لم أشهد من قبل ضعفًا كضعفي الآن.

لكن هذه ليست اللحظة المناسبة للانهيار. ليس الآن.

✩࿐࿔

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑃𝐴𝑁𝐷𝑂𝑅𝐴

المؤلف lll3iii
2025/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة