مُشتبه بِه

مُشتبه بِه

24 0

قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني.

هَارِباً مِن فَوضى إلى فَوضى أُخرى

✩࿐࿔

السماء كعادتها لا تكفّ عن النزيف. المطر ينهمر بلا توقف، يغسل كل شيء، يمحو الآثار، وكأنه يحاول محو الحقيقة نفسها. وأنا... كعادتي، أخرج في هذا الجو.

الآن، أقف أمام البحيرة. الضباب يزحف على سطح الماء مثل كيان غامض، يخفي تحته أسرار الليلة الماضية.

جريمة القتل التي حدثت هنا البارحة...لم يبقَ لها أثر، المطر محا كل شيء، وكأنها لم تكن.

مرّت نصف ساعة وأنا أبحث عن أي دليل، أي أثر صغير يمكن أن يدلّني على القاتل. لكن لا فائدة. كل شيء صامت، كأن المكان نفسه يرفض أن يبوح بما رآه. 

أشعر بأنني محاصرة. كنت أظن أنني أملك خطة واضحة، أنني عدت فقط لأجل آدم، لأوقف موته. لكن الآن، كل شيء تغيّر. عليّ إيقاف الجرائم التي ستحدث.

أفكاري لا تتوقف، تتطاير داخل رأسي كعاصفة لا تهدأ. لم أغمض عينيّ طوال الليل، ولم يهدأ عقلي للحظة. 

لم أكن أنوي التدخّل، لم أكن أريد أن أحمل هذا العبء فوق كتفيّ. لكن عندما وضعت نفسي مكان أحباب الضحايا... عندها تخيّلت الألم الذي يشعرون به، أدركت الحقيقة البسيطة القاسية. هم لا يملكون الفرصة للعودة بالزمن وإيقاف موت من يحبون. لكنني أنا عدت.  عدت لأجل آدم. لكن ماذا عنهم؟ ماذا عن مارسيليا؟ ماذا عن من سيأتون بعدها؟ 

ما ذنبهم أن يعيشوا هذا الجحيم؟ لماذا يجب أن أعلم بما سيحدث ولا أفعل شيئًا؟ لماذا يجب أن يعانوا بينما أملك فرصة لإنقاذهم؟ 

لو أنني فقط تذكرت هذه الجرائم قبل أن تموت مارسيليا.. لو أنني فقط أسرعت أكثر. لكن لا وقت للندم. القاتل لا يزال هناك. والوقت لا يزال في صفي. هذه المعركة لم تنتهِ بعد.

عليَّ أن أجد قاتلين. ليس واحدًا... بل اثنين.  شادو، والذي لا أعرف عنه شيئًا سوى اسمه، وقاتل الشمع الأحمر، الوحش الذي بدأ سلاسله الدموية. 

كيف سأعثر عليهما؟ لا أعلم. لكن هناك شيء واحد يمكنني التأكد منه: كلاهما في الجامعة.

كل الضحايا الأربعة، على حد ما أذكر، كانوا طلابًا هناك. 

مارسيليا، زميلتي، أول من مات.  ثم لوكا، اللعوب الذي لم يكن يأخذ أي شيء بجدية. ثم جاءت الضحية الثالثة، ذكر... لكن اسمه هرب مني.  والأخير... كان ذكر كذلك، والطريقة التي مات بها كانت الأبشع، الأكثر وحشية. 

لكنني لا أذكرهما جيدًا. لم يكن اسمهما يتردد في ذاكرتي كثيرًا قبل موتهما. فقط عندما حدثت الجرائم، أصبحت أسماؤهم حاضرة، جزءًا من تلك الأخبار المريعة.

وقفت عند حافة الموقع، عيناي تتجولان في المكان الذي كان حتى وقت قريب مسرحًا لجريمة قتل. لم يبقَ شيء، فقد أُزيلت الجثة، ولم يتبقَ سوى أثرها في العشب المبتل، وأشرطة الشرطة الصفراء التي ترفرف مع الرياح.

المطر لم يتوقف منذ ليلة أمس، وكأنه يتآمر مع القاتل، يمحو بصماته، يخفي الأدلة التي ربما كانت ستكشف هويته. كان كل شيء رطبًا، الأرض موحلة، والضباب يزحف ببطء فوق سطح البحيرة أمامي، يمنح المشهد إحساسًا غير واقعي، كأني في كابوس لا أستطيع الاستيقاظ منه.

انا لست محققة. لست شرطية. مجرد طالبة تحقيق جنائي، لا يُسمح لها حتى بعبور هذا الشريط الأصفر، ناهيك عن التدخل في القضية. لكن ذلك لم يوقف عقلي عن العمل، لم يمنعني من تحليل كل زاوية، كل احتمال. 

منذ أن علمت بالخبر، لم استطع البقاء في المنزل. كان علي أن آتي، أن ارى المكان بنفسي، حتى لو لم أستطع فعل شيء رسميًا.

تنفست ببطء، عيناي تتجولان على الأرض، على البحيرة، على الأشجار التي تحيط بالمكان بصمت مخيف. القاتل كان هنا، وربما لا يزال يراقب، مختبئًا في الظلال، يبتسم لنفسه، واثقًا من أن المطر سيمحو كل آثاره.  لكن لن ادعه يفلت بهذه السهولة. 

التفتُ عائدة إلى منزلي، لكن خطواتي توقفت فجأة. على بُعد أمتار قليلة، كان هناك رجل طويل، يقف بثبات وسط المطر المتساقط، وكأنه غير مكترث لبرودة الجو. ملامحه شاحبة، حادة كالسيف، وعيناه الباردتان تراقبانني بصمت. بين شفتيه، كانت هناك سيجارة يلفها الدخان، يحترق طرفها ببطء، وكأنه انعكاس لهذا اللقاء الغريب. 

شعرت بارتباك شديد، جسدي تجمّد في مكانه للحظات، لم أعرف من هو، ولماذا كان هنا في هذا التوقيت بالذات. لكن رغم ذلك، خرج صوتي منخفضًا، حذرًا: 

- من تكون؟

لم يرد مباشرة، بل اقترب بخطوات بطيئة، تتابعت كنبض ثقيل في أذني.

عندما تحدث أخيرًا، كان صوته باردًا، حادًا كحد السكين:

- نفس السؤال موجّه إليكِ، ماذا تفعلين في مسرح الجريمة؟ هل أنتِ هنا للتأكد من عدم وجود آثار؟ أو... ربما لشيء آخر، آنسة سوان؟

اتسعت عيناي بصدمة. كيف يعرف اسمي؟

شعرت بالحيرة تتفاقم داخلي، والارتباك يتصاعد كما تتصاعد أمواج البحر في يومٍ عاصف. شيء ما في هذا الرجل جعلني أشعر بالانكشاف، كأنني أمام شخص لا يمكن خداعه. لكنني لم أكن أرتكب جرمًا، فلماذا هذا الاستجواب المباشر؟

- من تكون أيها السيد؟ كيف تعرف اسمي؟

حاولت الحفاظ على هدوئي، لكن صوتي خرج مترددًا رغمًا عني. لم يتحرك، فقط رفع السيجارة إلى شفتيه، استنشق منها بعمق، ثم نفث دخانها في الهواء الممطر. كان هادئًا... هادئًا بشكل مقلق. 

- معك المحقق أوليفر.

نطق بهدوء، لكن كلماته كانت كالقيد الذي أحكم قبضته حولي.

ساد الصمت للحظة، قبل أن يضيف بصوت أكثر ثباتًا، دون أن يشيح بنظره عني.

- سيتوجب عليّ أخذكِ معي إلى مركز الشرطة للاستجواب، فأنتِ آخر من قابل الضحية قبل موتها.

شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي.  ماذا؟! التقت عيناي بعينيه، لكن لم يكن فيهما أي تردد. كان جزمًا حقيقيًا. أصبحت الآن في موقف لم أتخيله أبدًا... هل تغيّر الماضي لم يحدث هذا من قبل!

لم أكن جزءًا من القضية، لم أكن مشتبهًا بها! لماذا يستجوبونني الآن؟ كيف أصبحت فجأة في قلب التحقيق؟ 

وضعت يدي على رأسي، أحاول تذكر متى كانت آخر مرة رأيت فيها مارسيليا قبل مقتلها. ضغطت على صدغيّ، أبحث في ذاكرتي كما يبحث المرء في غرفة مظلمة عن مفتاح مفقود. 

ثم... تجمّد دمي. تذكرت. عندما عدت إلى الماضي، عندما كنت واقفة أمام الجامعة في أول يوم لي هنا... نظرت إلى هاتفي، ورأيت رسائل قديمة، من بينها رسائل من مارسيليا.

فتحت هاتفي الآن بسرعة، أدقق في المحادثة من جديد، أبحث عن أي شيء قد يشرح ما يحدث. 

فجاة جائت لعقلي ذكرة، قبل أن أصل إلى الجامعة، قبل ساعات فقط من مقتلها... كنت معها. لكن هذا لم يحدث في الماضي! لماذا تغيّرت الأحداث؟ شعرت بالغثيان، كأن عالمي كله ينهار تحت قدميّ. كيف؟ كيف يمكن لشيء لم يحدث أن يصبح واقعًا؟ 

آه... رأسي... بدأ الألم يزداد، وكأن عقلي يرفض هذه التناقضات. هل هذا صداع نفسي؟ هل هذه مجرد أوهام بسبب التوتر؟ أم أنني... غيّرت شيئًا دون أن أدرك؟ ضغطت على رأسي بقوة، محاولة إيقاف الدوامة التي تدور بداخلي. ثم تذكرت.

التقيتُ بها، نعم! تشاجرنا! كانت غاضبة مني.. كنت معها!

لكن هذا لم يجعلني مشتبهًا بها في الماضي. لم يتم استجوابي، لم يطلب أحد مني الذهاب إلى مركز الشرطة إذن... لماذا الآن؟ هل لأنني جئت إلى مسرح الجريمة؟ هل لأنني كنت هنا... بعد مقتلها؟

- آنسة سوان، ما الذي تخيطّينه في عقلك؟

اخترق صوت المحقق أوليفر أفكاري كالسهم. كان صوته باردًا، حادًا، عاليًا بما يكفي ليخرجني من غرق أفكاري. 

أبعدت يدي عن رأسي بسرعة، حاولت السيطرة على تعابير وجهي. لا يمكنني إظهار الضعف الآن، لا يمكنني أن أبدو مرتبكة أمامه. 

- لا شيء، لدي صداع نصفي فقط.

قلتُها بصوت ثابت قدر الإمكان.  راقبني للحظات بعينين حادتين، ثم أشاح بنظره عني، وأشار بيده لي كي أتّبعه. وهكذا... تبعته. ركبت السيارة إلى جانبه، يداي متشابكتان في حجري، لكن قلبي يخفق بقوة. 

لا أعرف ما الذي يحدث، لا أفهم كيف تغيّر شيء لم يكن من المفترض أن يتغير.  لكن رغم كل ذلك... رغم التوتر، رغم الخوف... أنا واثقة أن هذا الاستجواب سينتهي على خير.

وصلنا امام المخفر وترجلنا من السيارة. تبعته بهدوء ثم ادخلني لغرفة الاستجواب.

عندما دخلت إلى غرفة الاستجواب، شعرت على الفور بذلك الضغط الخانق الذي يملأ المكان، كأن الجدران الأربعة تضيق شيئًا فشيئًا على كل من يجلس هنا. 

الغرفة صغيرة، جدرانها مطلية بلون رمادي باهت، كأنها فقدت أي حياة منذ زمن بعيد. الإضاءة كانت قوية لكن غير مريحة، مصباح سقفي وحيد يسلّط ضوءًا أبيض باردًا، مما جعل الظلال تمتد على الجدران بشكل غريب، وكأنها تحاول إخفاء شيء في زوايا المكان. 

في منتصف الغرفة، هناك طاولة معدنية بسيطة، سطحها بارد وعاكس قليلًا، تكاد تلاحظ عليه آثار خدوش خفيفة، ربما من السجائر التي أُطفئت عليه، أو من الأصفاد التي اصطدمت به مرارًا. هناك كرسيّان متقابلان فقط، أحدهما جلستُ عليه، والآخر ينتظر المحقق أوليفر ليأخذ مكانه أمامي.

إلى اليمين، كان هناك مرآة ذات اتجاه واحد، لم أكن بحاجة إلى أن يخبّرني أحد بأنها تخفي خلفها شخصًا ما، أو ربما أكثر، يراقبون ما يحدث داخل الغرفة بصمت. 

رائحة المكان كانت خليطًا بين معقمات قوية ورائحة خفيفة من الورق القديم، لكنها لم تستطع أن تخفي الإحساس العالق في الهواء إحساس التوتر، إحساس أن هذه الغرفة شاهدت أسرارًا كثيرة، واعترافات أكثر.

بقيت صامتة للحظات، أراقب تفاصيل المكان، أشعر بالبرد الذي يرافق هذا النوع من الغرف، ذلك النوع المصمم خصيصًا لجعل الجالس فيها غير مرتاح. 

ثم، تحرك الباب خلفي ببطء، وصوت انغلاقه كان أعلى مما يجب. المحقق أوليفر جلس أمامي. نظر إليّ نظرة طويلة قبل أن يضع ملفًا على الطاولة. عيناه المظلمتان تحدقان بي وكأنهما تحاولان سبر أغوار عقلي، قراءة ما يدور بداخلي قبل أن أنطق بأي كلمة. كان حضوره ثقيلًا، باردًا كالجدران الرمادية من حولي. 

- مرحبًا آنسة سوان، أنا المحقق أوليفر.

قالها بصوت جاف، بلا عاطفة، وكأنه لا يتوقع ردًا مني سوى الصمت. هززت رأسي بهدوء ثم همهمت. لا اعرف ماذا اقول.

لم يكن في مزاج لإضاعة الوقت، لم يترك للصمت فرصة ليصبح حليفًا لي. جاء السؤال الأول مباشرة، كأنه رصاصة أُطلقت في بداية التحقيق:

- ما علاقتكِ بالضحية، مارسيليا؟

شعرت بأن أنفاسي تثقل قليلًا. لم يكن هناك سبب حقيقي يجعلني متوترة، أنا لستُ مذنبة، لا علاقة لي بهذه الجريمة، لكن رغم ذلك، كان هناك شيء خانق في هذا الاستجواب، في الطريقة التي ينظر بها إليّ وكأنني تخفي شيئًا ما. 

بلعت ريقي بصمت قبل أن أجيب، محاولة الحفاظ على هدوء نبرتي: 

- مارسيليا زميلتي... منذ الثانوية، والآن في الجامعة. و لا توجد علاقة عميقة بيننا.

حاولت أن أجعل صوتي واضحًا، مباشرًا، بلا تردد. لم يكن هناك كذب في كلماتي.

أوليفر لم يتحرك، فقط رمقني بنظرة ثابتة، وكأنه يقيّم ما إذا كنت صادقة أم لا. ثم، ببطء، فتح الملف الذي وضعه أمامه على الطاولة، وقلّب الأوراق فيه، كأن لديه شيئًا آخر يريد قوله... شيء لن يعجبني.

أغلق المحقق أوليفر الملف للحظة، ثم نظر إليّ نظرة طويلة، ثابتة، قبل أن يطلق سؤاله التالي، الذي جعل معدتي تنقبض: 

- رأوكِ أنتِ ومارسيليا قبل موتها، وكنتما تتشاجران.

نعم... جاء السؤال. شعرت بنبضي يتسارع للحظة، لكنني سرعان ما أخذت نفسًا عميقًا، محاوِلة تهدئة نفسي. لماذا هذا التوتر؟ أنا لم أفعل شيئًا. لكن جسدي لم يقتنع بذلك تمامًا. 

شعرت بأنني محاصرة بين نظراته، بين الجدران الرمادية التي بدت أقرب من أي وقت مضى. لا ترتبكي، لا تترددي.

رفعت رأسي، حافظت على نبرة متزنة وقلت: 

- لا علاقة وطيدة بيني وبين مارسيليا. لم يكن بيننا أي تواصل مكثف أو دردشات كثيرة، كنا مجرد زميلتين منذ الثانوية.

المحقق لم يعلّق، فقط استمع بصمت، فتابعت، محاوِلة أن أُجيب قبل أن يوجه سؤالًا آخر يزيد من حدة الشكوك:

- قبل مقتلها، أرسلت لي مارسيليا رسالة تخبرني أنها تنتظرني أمام أحد المقاهي القريبة من الجامعة. استغربت، لأنها لم تكن تتواصل معي عادةً، ولم تطلب لقاءً من قبل، لهذا فكرت أن الأمر قد يكون مهمًا.

وضعت يدي على الطاولة، متذكرة تفاصيل اللقاء، كيف نظرت إليّ بغضب، كيف كان وجهها متشنجًا بالكاد تخفي ارتجاف صوتها. 

- عندما وصلت، وجدتها واقفة أمام المقهى. لم ندخل. كانت تحدق بي بغضب، وكأنها تريد أن تفتك بي. سألتها مباشرة عن السبب، لكنها انفجرت في وجهي.

أوليفر رفع حاجبه قليلًا، وكأنه بدأ يرى ثغرات أو ربما، تفاصيل لم تعجبه. لكنني لم أتوقف. 

- قبل ساعات من لقائنا، انتشرت شائعات في الجامعة تتهمها بأنها كانت متنمّرة في الثانوية. بدت غاضبة بشكل هستيري، كانت مقتنعة أنني أنا السبب، لأنني الوحيدة التي أعرفها منذ الثانوية، والوحيدة التي تعرف ماضيها وسلوكها. كانت العيون تراقبنا في ذلك الوقت، كيف كان الناس يتهامسون حول شجارنا العلني.  بدأنا بالصراخ أمام الجميع، لم أحاول تهدئتها، كنت غاضبة لأنها اتهمتني دون دليل. لم أتحمل ذلك فتركتها ورحلت.

توقفت عن الكلام للحظة، أشعر بثقل كلماتي تتردد داخل الغرفة. 

- هذه آخر مرة رأيتها فيها.

نظرت إلى المحقق، لكن ملامحه لم تتغير. كان لا يزال باردًا، يراقبني وكأن هناك شيئًا ما لم يعجبه. 

ثم قال بصوت هادئ، لكنه حمل في نبرته وزن الاتهام الذي لم ينطق به بعد:

- وهل هناك من يمكنه تأكيد أنكِ رحلتِ... قبل مقتلها؟

حاولت الحفاظ على هدوئي، رغم أن الضغط في هذه الغرفة أصبح أثقل من الهواء نفسه. 

- هناك الكثير من الكاميرات، وأنا متأكدة أنك رأيتها. الصندوق الأسود في السيارات، كاميرات المقاهي، وحتى كاميرات الشوارع... سترى بوضوح أنني رحلت قبل وقوع الجريمة.

لم يتحرك أوليفر فورًا، بل حدّق بي كما لو كان يحاول العثور على كذبة مخفية بين كلماتي. لكن بعد لحظات، أشاح بنظره قليلًا، كأنه يعيد ترتيب أفكاره، أو ربما لم يجد ما يدفعه للاستمرار في هذا الاتهام. لكن الاستجواب لم ينتهِ بعد. 

- أين كنتِ بين الساعة السادسة والنصف إلى التاسعة مساءً؟

سألني بصوت بارد، لا يزال محافظًا على نبرته الرسمية، لكنني كنت مستعدة لهذه الإجابة. 

- كنت في منزلي، مع أمي... وجاري.

حرصت على ذكر آدم، لأنه كان هناك، كان يمكنه أن يكون شاهدًا إضافيًا إن لزم الأمر. لم يكن لديّ شيء أخفيه، لكنني أعرف كيف تعمل التحقيقات. كل تفصيل قد يكون مفتاحًا... أو خطأً قاتلًا.

ثم، وكأنني أستعيد التسلسل الزمني في رأسي، أضفت: 

- في الساعة الثامنة تقريبًا... جاءت إشعارات مجموعة القسم، وأعلنوا أن مارسيليا قُتلت.

بعد أن نطقت بهذه الجملة، شعرت كأنها كانت الضربة الأخيرة في هذا الاستجواب. 

لم يكن هناك ما يدينني، لم يكن هناك دليل واحد على أنني كنت قريبة من الجريمة عندما وقعت.  لكن ما لم أكن أعلمه... هو ما إذا كان المحقق أوليفر مقتنعًا بذلك. 

انتظرت، وعيناي تراقبان تعابيره، محاوِلة أن أفهم ما إذا كنت قد خرجت من دائرة الشك... أم أن هذا التحقيق لم يكن سوى البداية؟

أغلق المحقق أوليفر الملف أمامه، وكأنه قرر تغيير مسار الحديث، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا بعد. 

- ماذا كنتِ تفعلين في مسرح الجريمة؟

نبرته لم تكن حادة، لكنها كانت متفحصة، تبحث عن ثغرة. لم أتردد، كنت أعلم أنه يعرف مسبقًا من أكون، ومن الأفضل أن أستبق أي شكوك قد يحاول إلصاقها بي. 

- سيدي المحقق، أظن أنك تحققت عني قبل أن تستجوبني، وتعلم أنني أدرس التحقيق الجنائي.

حافظت على هدوئي، لم أرمش حتى وأنا أراقب وجهه باحثة عن أي ردة فعل قد تكشف لي إن كان يحاول توريطي أكثر.

- أردت أن أرى ما الذي حدث، كيف وقعت الجريمة. ولا ننسى أن مارسيليا زميلتي. رغم الشجار الأخير بيننا، إلا أنني حزنت عليها. أردت فقط أن أفهم... كيف قُتلت.

خرج كلامي ثابتًا، لا تردد فيه، لكنني لم أكن غافلة عن نظراته وهو يراقبني كالصياد الذي يدرس فريسته قبل أن يقرر كيف ينقضّ عليها. 

للحظة، لم يقل شيئًا، ثم انحنى للأمام قليلًا، وكأنه يحاول إلقاء قنبلة أخرى في حديثنا. 

- إذن، هل وجدتِ أي دليل أو شيء مفيد في مسرح الجريمة... أيتها المحققة؟

قالها بصوت مستهزئ، على شفتيه تلك الابتسامة الغبية.

راقبته للحظة، لاحظت كيف برزت التجاعيد تحت عينيه عندما رفع حاجبيه، منتظرًا ردّي.

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن أجيبه بنفس النبرة الواثقة التي بدأت بها: 

- لا، لم أجد شيئًا. المطر مسح كل شيء.

تحدثت بانزعاج بسبب هذه النقطة. وقف المحقق من كرسيه، ممسكًا بالملف، نبرته لم تتغير، بقيت كما هي محايدة، جامدة، وكأن الاستجواب لم يكن سوى إجراء روتيني لا أكثر.

- حسنًا، آنسة سوان، انتهى الاستجواب. شكرًا لوقتك، يمكنكِ الرحيل.

لم يضف أي شيء آخر، ولم يبدُ أنه ينتظر مني ردًا. 

نهضتُ ببطء، أحاول أن أبدو طبيعية رغم أنني كنت أشعر بتوتر غريب يسري في عروقي.

- شكرًا لعملكم.

قلتُها بصوت هادئ، رسمي، ثم خرجت من غرفة الاستجواب وراءه، خطواتي أسرع بقليل، كأنني كنت أريد أن أبتعد عن هذا المكان بأسرع وقت ممكن. 

بمجرد أن خرجت إلى الهواء الطلق، شعرت أنني أستطيع التنفس أخيرًا. لكن رغم ذلك، لم أشعر بالراحة الحقيقية.  أنا لم أدخل المخفر كمحققة. دخلت كمشتبه بها. وهذا شيء لن أنساه بسهولة.  كنت أريد أن أكون في هذا المكان يومًا ما، لكن ليس بهذه الطريقة. ليس و أنا أجلس على ذلك الكرسي، في الجهة الخاطئة من الطاولة.

نظرتُ حولي، أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت بالمشي بعيدًا عن المبنى. أقدامي تقودني بلا هدف، فقط. أمشي... وأفكر.  لماذا استجوبوني الآن؟

في الماضي، عندما تشاجرت مع مارسيليا، لم أكن أبدًا مشتبهًا بها. لم يستدعني أحد، لم يسألني المحققون عن شيء. صحيح أن الشجار كان علنيًا، لكن لم يُنظر إليّ كجزء من القضية. إذن... ما الذي تغيّر؟ هل هذا فقط لأنني ذهبت إلى مسرح الجريمة؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ لأن المحقق يعرفني حقق عن حياتي! مستحيل ان يحقق بدون ان يشك بشيء وحقق قبل ان يراني!

أخذت نفسًا عميقًا، لكن الصداع في رأسي لم يهدأ. هناك شيء خاطئ، شيء لا أستطيع تحديده بعد، لكنه يطاردني كظل لا يفارقني. هل انتقالي عبر الزمن غيّر الأحداث؟

وسط أفكاري المتشابكة، وبينما كنتُ أحاول استيعاب كل شيء، توقفت. شيء ما في المشهد أمامي جعلني أجمد في مكاني، أنسى تنفسي للحظة. لوكا، الضحية الثانية.

رأيته يقف هناك، على بُعد مسافة ليست بعيدة، يتحدث مع شخص غريب. الشخص الآخر يرتدي ملابس سوداء بالكامل، قميص، بنطال، حتى حذاؤه، كأنه ظل متحرك في هذا العالم الرمادي. 

وجهه مخفيًا تمامًا، الكمامة غطّت فمه وأنفه، والكاب الأسود أخفى أغلب ملامحه، مما جعل من المستحيل معرفة من يكون، أو حتى إن كان رجلًا أم امرأة.

تراجعت خطوة للوراء، قلبي بدأ ينبض بسرعة. لماذا أشعر بهذا الشعور؟ هل هذا الشخص هو القاتل؟ ام شادو؟

أم أنني فقط أصبحت أرى كل شيء على أنه تهديد بسبب معرفتي بالمستقبل؟ 

شعرت بيدي ترتجفان قليلاً، لكنني تشبثت بحقيقة لوكا لا يزال على قيد الحياة. وهذا يعني أنني أملك فرصة لتغيّر مصيره.

اختبأتُ بسرعة خلف جدار قريب، قلبي يدق بعنف، وعينيّ متسمرتان على الشخص الغامض الذي كان يتحدث مع لوكا.

حاولتُ التركيز، علّني أسمع شيئًا، أي كلمة. قد تساعدني على فهم ما يحدث، لكن أصوات السيارات والضجيج الخفيف في الشارع جعلت الأمر شبه مستحيل.

كل ما رأيته هو أن حديثهما لم يكن ودّيًا تمامًا، لوكا يتحدث بسرعة، بإيماءات توحي بأنه متوتر، مستعجل، أو ربما... قلق. لكن فجأة، تحرّك. لوكا أدار ظهره وغادر، متجهاً في اتجاه آخر، تاركًا الشخص الغامض واقفًا في مكانه.

كنت على وشك أن أتنفس بارتياح، أن أعتبر أنني لم أجد شيئًا مفيدًا بعد، لكن قبل أن أستدير للرحيل تجمّدتُ.

الشخص الذي كان يرتدي الأسود، التفت ببطء، ونظر إليّ مباشرة. كأنّه كان يعلم طوال الوقت أنني أراقبه.  لم أتحرك، لم أستطع حتى أن أشيح بنظري. شعرت بأنني محاصرة، كأن نظرته، رغم أنني لم أرَ عيناه، كانت تثبّتني في مكاني.

ثم، بهدوء مريب، رفع يده وسحب الكمامة قليلًا. رأيت جزءًا من وجهه. شفتيه فقط.

لم يكن وجهه مكشوفًا بالكامل، لكن ما رأيته كان كافيًا ليشعرني بقشعريرة حادة. ابتسامة، لكنها لم تكن طبيعية. ابتسامة خبيثة، طويلة، مرسومة بثقة خطيرة. كأنه كان يستمتع بكونه لغزًا لا أستطيع حله.

شعرت ببرودة في أصابعي، باضطراب في صدري، وكأنني أدركت للتو أنني قد اقتربت من شيء.

شعرتُ بالرعب يضرب صدري كنبضٍ متسارع، كأنني كنتُ واقفة أمام خطر حقيقي، قاتل حقيقي. هذا هو القاتل.

هو من يترك وراءه الجثث، من يجعل الضحايا تنزف حتى الموت، من يلطّخ معاصمهم بأحرف A S H وكأنه يوقّع على رسوماته. 

لم أفكر... فقط ركضت. ركضتُ بكل قوتي، قلبي ينبض بجنون، أنفاسي تتلاحق، لم أهتم إن كنت أبدو مذعورة أو متهورة. يجب أن ألحق به. لكن... كان سريعًا.

لم يكن يركض كمن يحاول الهرب بلا هدف، بل كأنه يعرف بالضبط إلى أين يذهب، وكأنه كان مستعدًا لهذه اللحظة، كأنّه توقع أنني سأحاول اللحاق به. 

انعطف إلى زاوية ضيقة، وعندما وصلت إلى المكان الذي دخل إليه ولكن اختفى. كأنه لم يكن هنا من الأساس. 

وقفتُ هناك، ألهث، المطر بدأ ينهمر من جديد، يبلل وجهي، يختلط بأنفاسي الثقيلة. أمسكتُ صدري، أحاول تهدئة أنفاسي، لكن عقلي لم يهدأ.  إنه يعلم أنني أعرف. وهذا يعني شيئًا واحدًا.. أنا على قائمته الآن.

قطع لهاثي صوت رنين الهاتف، جعلني أنتشل نفسي من دوامة الخوف والشك التي كنت غارقة فيها. 

أخرجت الهاتف من جيب معطفي الأسود، نظرت إلى الشاشة... آدم. ضغطت على زر الإجابة ورفعت السماعة إلى أذني. 

- أين أنتِ؟

كعادته، لا يضيع الوقت في التحيات، يدخل مباشرة إلى الموضوع. حاولت أن أستعيد أنفاسي المبعثرة.

- لماذا؟

- لنخرج لموعد رومانسي في المتحف، اليوم الدخول إليه مجاني.

قالها بصوت متحمس. قلبتُ عينيّ بملل. لكن، في اللحظة نفسها، تذكرت.. في الماضي، دعوت هذه الدعوة.

لكن لماذا لم تتغير هذه اللحظة؟ لماذا لم يتغير اختياره لكلماته، طريقته في المحادثة؟ 

- لديك خليلة، اخرج معها.

- إنها مشغولة. هيا، أنتظركِ أمام مقهى 27.

قالها بنبرة حاسمة لم يمنحني خيارًا للرفض ثم أغلق الهاتف في وجهي. تنهدت بانزعاج، لكن ما شدّني أكثر لم يكن وقاحته المعتادة، بل خليلته هذه. لم أرها أبدًا.

ودائمًا تكون مشغولة. آدم يدرس الطب، ومع ذلك ليس مشغولًا مثلها؟

زفرتُ ببطء، نظرت للطريق الذي اختفى فيه القاتل أو شادو، شعرت برغبة قوية في البقاء هنا، في محاولة فهم ما حدث، لكن... 

ولكن لا يمكنني تجاهل آدم. أعدت الهاتف إلى جيبي، ثم خرجت من المكان، متجهةً إلى مقهى 27.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑃𝐴𝑁𝐷𝑂𝑅𝐴

المؤلف lll3iii
2025/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة