قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني. في مِثل هذِه الحياة يُصبحُ الداءُ دواءٌ كـ بَحرِاً ظننتهُ العذاب فَكان النَجاة ✩࿐࿔ كانت الغرفة باردةً بشكلٍ يُجبر الجسد على الارتعاش، حتى لو لم يكن ميتًا. الجدران بيضاء لكن شحوبها ليس نقاءً، بل نوعًا من القسوة المعقّمة، وكأنها لا تريد أن تترك أثرًا لأي حياة مرت من هنا. رائحة الفورمالين تخترق الأنف بلا رحمة، مزيج من العفن الكيماوي والموت المؤجل. على طول الجدار، تقف أدراج معدنية باردة، كل منها يحمل قصة انتهت بصمت. أرقام صغيرة محفورة على كل درج، وكأنها محاولة يائسة لإضفاء النظام على الفوضى المطلقة للموت. في المنتصف، طاولة تشريح من الفولاذ المقاوم للصدأ تعكس ضوء المصابيح العلوية، قاسية، باردة، مستعدة دائمًا لاستقبال الجثث بلا تمييز. في الزاوية، يقف ميزان صغير، وأدوات جراحية مصطفّة بعناية فوق طاولة جانبية، مشرط، منشار عظمي، ومقصات حادة، كلها تلمع تحت الضوء كأنها تحاول أن تنكر مصيرها المحتوم. هناك دفتر ملاحظات مفتوح، صفحاته مليئة بخطوط جافة، وصفٌ دقيقٌ لجسدٍ كان يومًا ما إنسانًا، لكنه الآن مجرد حالة. في هذه الغرفة، لا صوت سوى طنين أجهزة التبريد، وهمسات الأرواح التي غادرت، ربما تراقب بصمت، تتساءل كيف انتهى بها المطاف هنا. تجمدت سوان بمكانها للحظات، تحدق في السرير الذي يرقد عليه آدم، الجسد الذي لطالما كان مليئًا بالحياة، بالحركة، بالضحك... أصبح الآن مجرد كتلة هامدة، مغطاة بغطاء أبيض بارد. شعرتُ برجفة تسري في أطرافها، بخدرٍ يجتاحها، لكنها مع ذلك خطوتُ للأمام، ببطءٍ شديد. زوجة والد آدم تقف خلفها بصمت، لم تقل شيئًا، وكأنها تدرك أن الكلمات الآن لا جدوى منها. مددت سوان يدها المرتجفة نحو الغطاء، طرفه كان قريبًا من يدعا، لكنها لم تستطع أن ترفعه على الفور. كانت خائفة... خائفة من رؤية وجهه بلا روح، من مواجهة الحقيقة القاسية التي ما زالت ترفض تصديقها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أخذتُ نفسًا عميقًا وسحبتُ الغطاء برفق. وبمجرد أن وقع بصرها على وجهه... شعرتُ وكأن العالم انهار. آدم كان هناك، لكن لم يكن هو. وجهه شاحبًا، ملامحه هادئة بشكل مؤلم، كأنه غارق في نومٍ عميق لن يستيقظ منه أبدًا. أنفاسها متقطعة، ودموعها التي ظننت أنها فقدتها عادت للانهمار من جديد. مددت يدي ببطء، ولامست وجنته الباردة... لطالما كان آدم دافئًا، كانت بشرته تحمل دفء الحياة، أما الآن... فهو مجرد ظل لإنسان كان هنا بالأمس. - كيف تتركني هكذا؟ كيف ترحل بهذه القسوة؟ همست بالكلمات، صوتها بالكاد مسموع، لكن داخلها كان يصرخ. تراجعت قليلاً، عيناها مسمرة على وجهه، تحاول أن تحفظه كما هو، كما كان، قبل أن يبتلعه هذا البياض القاسي. تشد قبضتها على الغطاء للحظة، ثم تتركه يسقط برفق، يغطيه من جديد، كأنها بذلك تعيد ترتيب العالم كما كان، لكنّها تعلم، في أعماقها، أن شيئًا لن يعود كما كان أبدًا. صوت الخالة خلفها، بكاؤها مكتوم لكنه ممتلئ بالحزن، كأنه قادم من مكان عميق في الروح، مكان لا يصل إليه الضوء. لم تستدر سوان، لم تستطع. عيناها ما زالتا معلقتين بآدم، تحاولان استيعاب الفجوة التي خلّفها رحيله. كيف يمكن لشخص كان يومًا مليئًا بالحياة أن يصبح مجرد جسد ساكن، بارد، مغلف بالصمت؟ شهقات الخالة تتصاعد، تختلط بأنفاس سوان المضطربة، تجعل الهواء في الغرفة أثقل مما هو عليه. لوهلة، شعرت أن الجدران تقترب، أن الغرفة تضيق، كأنها تحاول احتواء الألم الذي يملأها. أغمضت عينيها للحظة، محاولة أن تلتقط أنفاسها، أن تسيطر على ارتعاشة يديها، لكن كل ما شعرت به هو الفراغ، فراغ المكان، وفراغ القلب. استدارت ببطء أخيرًا، لمواجهة الخالة التي كانت تغطي وجهها بكفيها، جسدها يهتز تحت وطأة البكاء. أرادت سوان أن تقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات خانتها. فبدلًا من ذلك، تقدمت إليها، وضعت يدها برفق على كتفها، في محاولة بائسة لمواساتها، رغم أنها هي نفسها كانت تحتاج لمن يواسيها. ظلت كلتاهما واقفتين هناك، وسط الغرفة الباردة، بين الموت والذكريات، بين الصمت والنحيب، بين ما كان وما لن يكون مجددًا. خطواتها ثقيلة، وكأن الأرض ترفض أن تحملها، وكأن وزن الحزن قد أصبح جزءًا من جسدها. خرجت من المستشفى وهي تلهث وكأنها تهرب من شيء يطاردها، لكن لا شيء يلاحقها سوى الحقيقة، والحقيقة كانت أقسى من أن تهرب منها. رغم كل شيء، رغم مغادرتها للمشرحة، إلا أن البرد ظل يلتصق بها، يتسلل إلى عظامها، يذكرها بأن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا لا يمكن استعادته. المعطف الأسود يلف جسدها، والوشاح الأحمر يتراقص مع الرياح الباردة، لكن لا دفء يمكنه أن يمسح أثر الفراغ الذي تركه آدم. مشت بلا هدف، بلا وجهة محددة، فقط قدماها تقودانها، تقطع الطريق الطويل وكأنها تحاول أن تمحو المسافة بين الحياة والموت، بين الماضي والحاضر، بين ما كان وما أصبح. لم تدرك إلى أين تمضي إلا عندما سمعت صوت الأمواج. كان البحر أمامها، ذلك الامتداد الأزلي الذي لم يخنها يومًا، الذي ظل يستمع إليها بصمت، يحتضن آلامها دون أن يطالبها بتفسير. كم مرة جلست أمامه وهي تبكي؟ كم مرة حمل أسرارها، أحزانها، وحدتها؟ كان البحر شاهدًا على كل شيء، على تمزقها عند انفصال والديها، على انهيارها عندما طُردت من منزلها، على صمتها الطويل عندما وجدت نفسها وحيدة. آدم لم يكن معها وقتها، كان منشغلًا بدراسته، غارقًا في عالم الطب، في عالم الحياة والموت، لكنه لم يكن هنا ليمنع موت نفسه. والآن، هي وحدها مرة أخرى، كما كانت دائمًا، لا شيء يؤنسها سوى البحر، ولا أحد يسمعها سواه. اقتربت من الشاطئ، خلعَت حذاءها، دَفَنَت قدميها في الرمل البارد، وشعرت برعشة تسري في جسدها، لكن هذه الرعشة لم تكن فقط من البرد، بل من كل ما تحمله داخلها. وقفت هناك، تحدّق في الأفق، حيث تلتقي السماء بالماء، تتساءل بصمت... هل البحر سيحمل هذا الحزن أيضًا؟ أم أن هذه المرة، حتى البحر لن يكون قادرًا على مواساتها؟ وقفت هناك، تتأمل الموج وهو يتكسر على الشاطئ، صوت البحر يملأ الصمت الثقيل من حولها، لكنه لم يكن يكفي ليملأ الفراغ داخلها. - كيف حالك، بحري؟ همست بكلماتها، وكأنها تخشى أن يضيع صوتها وسط الضجيج. نظرت إلى المياه بعمق، تبحث عن إجابة، عن أي شيء يمكن أن يمنحها شعورًا بأنها ليست وحدها في هذا العالم القاسي. لكن البحر لم يرد، لم يكن بحاجة إلى ذلك، كان جوابه في الأمواج التي ترتفع وتضرب الشاطئ بعنف، ثم تعود أدراجها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بالغصة التي لم تغادر حلقها منذ دخلت تلك الغرفة الباردة، منذ رفعت الغطاء عن وجه آدم للمرة الأخيرة. - أنا لستُ بخير... خرجت الكلمات منها كاعتراف مذنب، كحقيقة ثقيلة لا يمكن إنكارها. شعرت بشيء ينكسر داخلها، شيء كانت تحاول التمسك به بكل ما أوتيت من قوة. - أنا أغرق في اليابسة. قالتها بصوت خافت، لكنها كصرخة هادئة، صرخة لم يسمعها أحد سوى البحر. كان الغرق في الماء منطقيًا، كانت تعرف كيف يحدث، كيف يملأ الرئتين ويسلب الحياة ببطء. لكن هذا... هذا كان أسوأ. الغرق في اليابسة، الغرق في الحياة، حيث تستمر في التنفس لكنك تفقد القدرة على العيش. أغمضت عينيها للحظة، شعرت بالريح تعبث بشعرها الأشقر الطويل، ومياه البحر الباردة تلامس قدميها. لو كان آدم هنا، لو كان واقفًا بجانبها، ربما كان سيضحك، ربما كان سيقول لها إنها تبالغ، أو ربما كان سيمسك يدها، يخبرها أن كل شيء سيكون بخير. لكنه لم يكن هنا. ولن يكون هنا مجددًا. جلست على الرمال، أصابعها تلامس التراب البارد، تعبث به بلا هدف، كما لو أنها تحاول أن تجد فيه إجابة لم تستطع أن تجدها في مكان آخر. نظرت إلى البحر، عيناها غارقتان في أمواجه المتلاطمة، وكأنها تنتظر منه أن يمنحها يقينًا وسط الفوضى التي تعيشها. - بحري، الشرطة لا تحاول كشف شادو أو ما سبب موت آدم... صوتها يحمل مزيجًا من الغضب واليأس، كلماتها تتكسر كما تتكسر الأمواج على الصخور. - يقولون إنه كان مكتئبًا، لا يوجد شيء نفعله، موته انتحار، ليس جريمة قتل، ليس بيدنا حيلة. ضغطت أصابعها على الرمل، كأنها تحاول أن تمسك بشيء ثابت وسط كل هذا العبث. كان من السهل أن يغلقوا القضية، أن يضعوا ختمًا نهائيًا على حياته وكأنه مجرد ورقة في أرشيفهم. - في الصباح ذهبت إلى الجامعة إلى قسمه... سألتُ كل من أراه عن آدم، عن شادو، ولكن لا يوجد جواب يسكتني... زفرت بصوت مرتجف، ثم أخذت حفنة من الرمل وسحبتها ببطء بين أصابعها، تراقبها وهي تتلاشى، كما تلاشى كل شيء من حولها. شعرت بأنها تدور في حلقة مفرغة، تبحث عن حقيقة ترفض أن تظهر، عن شخص ما ليخبرها أن هناك خطأ، أن آدم لم يرحل هكذا، أن هناك تفسيرًا آخر لكل هذا العبث. لكن لا أحد كان يملك الإجابة. لا الشرطة، لا زملاء آدم، لا الجامعة، ولا حتى البحر. أغمضت عينيها للحظة، تستمع إلى صوت الأمواج، تحاول أن تجد في صخبه ما يعيد إليها بعض الأمل. لكنها لم تجد سوى الفراغ، ذلك الفراغ الذي بدأ منذ رحيله، والذي يزداد اتساعًا مع كل لحظة تمر. فتحت عينيها مجددًا، حدقت في الأفق، حيث يلتقي البحر بالسماء، حيث كل شيء يبدو بعيدًا، لا يُطال. وأخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول ألا تغرق أكثر. كافحت سوان بشدة حتى لا تغرق في أفكارها وأحزانها، كما تغرق السفن في البحر العاتي. تشعر بأنها على وشك الغرق في بحر من الهموم، لكن كلما حاولت أن تجد مخرجًا، كانت الأمواج تعود لتغمرها أكثر. لفت يديها حول جسدها في محاولة يائسة للبحث عن دفءٍ يخفف عنها. لكنها مهما حاولت، لم تجد أي دفء. البرد يستوطن أعماقها، يتحكم بكل خلية في جسدها، وكأن قلبها قد تجمد في مكانه. كان البرد في أعماقها أكثر قسوة من البرد الخارجي الذي كان يلسع وجهها بقرصاته القوية. تنهدت بإرتجاف، كأن الزمان نفسه قد قرر أن يعاقبها بتلك اللحظة. نهضت ببطء ونثرت الرمل عن معطفها الأسود الثقيل الذي كان يحاول أن يوفر لها الحماية من البرد، لكنه لم ينجح في حمايتها من البرد الداخلي. التفتت حولها ثم بدأت تسير ببطء، خطواتها متثاقلة، تتجه نحو منزلها، هربًا من الواقع الذي أصبح ثقيلًا عليها كالسلاسل. تمشي فقط لتبتعد عن صديقها المواسي الذي لم يستطع مواساتها اليوم. نظرت إلى السماء التي كانت ملبدة بالغيوم الرمادية الثقيلة، وكأنها توشك على البكاء، مثلها تمامًا. لكن سوان كعادتها، تماسكت بشدة. كانت تعلم أن البكاء لن يعيد ما فقدته، وأنه لا شيء في هذا العالم يستطيع أن يخفف من حجم الفقد الذي تشعر به. ابتسمت ابتسامة حزينة، هادئة، وكأنها تحاول أن تخفي أكثر مما تظهر، ثم أكملت سيرها. وصلت عند الشارع نظرت للأسفل قليلاً لتلمح قطة صغيرة تتنقل بخفة في منتصف الطريق. توجهت نحو القطة، وجلست على الأرض بتؤدة، يدها تمتد بلطف لتداعبها. كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي بدا وكأنه يخفف عنها شيئًا، مجرد لحظة من الهدوء في وسط العاصفة التي كانت تعصف بحياتها. - هل حياة القطط مريحة؟ أم شاقة كحياتنا؟ هل تشعرون بما نشعر أو حتى أقل مما نشعر به؟ صوتها منخفضًا، تخرج الكلمات منها كأنها تهمس إلى نفسها أكثر من كونها تتحدث إلى القطة. شعرت بأنها تجد بعض السلوى في التحدث إلى تلك القطة الصغيرة. لكن في وسط انشغالها، لم تلحظ السيارة السوداء القادمة نحوها بسرعة. كانت السيارة تسير بسرعة كبيرة، وبدون أن تدرك ما يحدث، فجأة، هربت القطة من أمامها بسرعة. رفعت سوان رأسها في اللحظة الأخيرة، لكن الأوان قد فات. صدمتها السيارة بقوة، وطار جسدها بعيدًا عن الأرض. كأنها ريشة صغيرة. اشتعل الصمت حولها لحظة التصادم، لكن سرعان ما اجتمع الناس من كل مكان حولها، ينظرون إليها بقلق وترقب، لا يعرفون ماذا يفعلون. رأسها بدأ ينزف بغزارة، وكانت عيناها تحدقان في السماء. لم يكن هناك صوت سوى دقات قلبها التي بدأت تخفت شيئًا فشيئًا، وأنفاسها التي كانت تتلاشى تدريجيًا. كانت عيناها تتنقل ببطء من السماء إلى الأرض، ثم إلى الوجوه التي كانت تنظر إليها بصدمة. و فقدت الوعي بلكامل. سمعت ضوضاء أثناء إغلاقها لعينيها، أصوات بعيدة ومبهمة كأنها تأتي من بُعد آخر. حاولت أن تنهض، لكن جسدها لم يستجب، لم تشعر بوزنها، وكأنها محبوسة داخل فراغ مظلم لا تعرف كيف تخرج منه. فجأة، شعرت بماء بارد يُسكب على رأسها، قبل أن تشهق بقوة وتفتح عينيها على مصراعيها. لهثت وهي تستعيد وعيها بسرعة، تتنفس بصعوبة وكأنها خرجت من أعماق البحر بعد غرق طويل. نظرت حولها بارتباك، وجدت نفسها مستلقية في منتصف طريق بدا غريبًا عنها. لم يكن هو نفس الطريق الذي كانت تمشي فيه قبل الحادث، بل أشبه بمكان من عالم آخر، فارغ تمامًا، لا سيارات، لا بشر، ولا حتى صوت الرياح. نهضت ببطء، قدماها ضعيفتين وبالكاد تحملانها، أخذت نفسًا عميقًا في محاولة لاستيعاب ما يجري. رفعت يدها المرتجفة ولمست رأسها حيث كان الجرح، لكن لم تجد شيئًا، لا دماء، لا ألم، وكأن الحادث لم يحدث أبدًا. أخذت تمشي بأقدام مهتزة، تنظر حولها محاولة معرفة أي حي تتواجد فيه، لكن الشوارع كانت غريبة، المباني باهتة، والهواء نفسه بدا وكأنه يحمل ثِقلًا غير مرئي. فجأة، وقفت في مكانها عندما رأت شخصًا أمامها. شخصًا غامضًا، يرتدي وشاحًا كبيرًا أحمر بلون الدم، يغطيه بالكامل. لم تستطع أن تميز ما إن كان رجلًا أو امرأة، فقط كان يقف هناك بثبات، بلا حركة، بلا كلام. ثم، وببطء، أشار إليها كي تتبعه، بنظراته ولغة جسده الصامتة. شعرت بتوتر عميق يتسلل إلى أوصالها. قلبها كان ينبض بقوة، تخبرها غريزتها بأن تتراجع، بأن تهرب، لكن قدميها كانتا كأنهما تسيران من تلقاء نفسيهما. مشت خلفه ببطء، تكافح من أجل السيطرة على جسدها، تشعر وكأنها تتعلم المشي من جديد. قادها ذلك الشخص إلى زقاق ضيق ومظلم، ثم اختفى بداخله. توقفت مكانها، تشعر بالخوف والتردد. هل تتبعه؟ هل تبتعد؟ لكن شيئًا ما في داخلها دفعها إلى الأمام. تنهدت بارتجاف، ثم خطت إلى الداخل، تاركة وراءها ما تبقى من عقلها ومنطقها، ودخلت إلى المجهول. بدأت تسير خلفه بصمت، بينما الترقب والتوتر يملآن دواخلها، كأنهما يلتفان حولها كحبال غير مرئية تُضيق أنفاسها. تتساءل عن هوية الشخص الذي أمامها، وعن سبب ظهوره المفاجئ لها، لكن شيئًا ما جعلها تواصل السير، كأنها فقدت القدرة على التوقف أو التفكير بوضوح. عبرت الزقاق المظلم حتى وصلت إلى متجر صغير، و دخلت له. المتجر او المنزل الصغير بالكاد تضيئه الشموع الموزعة في أركانه. المكان يبدو قديمًا، تفوح منه رائحة مزيج غريب من البخور والعشب المحترق. على الرفوف الخشبية، تراكمت كتب عتيقة بغلاف جلدي مهترئ، وبعضها مفتوح على صفحات مليئة برسوم ورموز غامضة لم تفهمها. الجماجم الصغيرة موضوعة بعناية على طاولة وسط الغرفة، بينما هناك رف مليء بزجاجات تحتوي على سوائل بألوان غريبة، بعضها قاتم كالحبر، وبعضها الآخر متوهج بضوء خافت. وقفت سوان في منتصف المكان، تنظر إلى ما حولها بعينين متسعتين، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. قلبها ينبض بعنف، كأن صدرها بالكاد يستطيع احتواء نبضاته. شيء ما في هذا المكان لم يكن طبيعيًا، شيء جعل جسدها يتجمد والخوف يتسلل إلى عظامها. لكن لم يكن هناك وقت للهرب، فقد بدأ الشخص الذي قادها إلى هنا يتحرك. أمام عينيها، نزعت تلك الشخصية الرداء الطويل الذي كان يغطيها، لتنكشف هويتها الحقيقية... إنها جنية. عينا سوان اتسعتا أكثر مما ظنت أنه ممكن، وشعرت ببرودة مفاجئة تجتاح أوصالها. الجنية تقف أمامها، أطول مما توقعت، بجسد رشيق يشبه البشر، لكنه في الوقت نفسه يملك شيئًا غير بشري، شيئًا من عالم آخر. لديها أجنحة شفافة، خفيفة تكاد لا تُرى بوضوح، لكنها تعكس ضوء الشموع بطريقة غريبة. ترتدي فستانًا أبيض طويلًا، يتحرك برقة مع أنفاسها، وشعرها الأسود الطويل ينسدل على وجهها وأكتافها بانسيابية. أما عيناها، فقد كانتا كبيرتين وسوداوين، فيهما عمق كأنهما باب إلى هاوية لا قرار لها. أذنها طويلة بطريقة مخيفة. وجهها كان هادئًا، لكن شاحبًا بطريقة جعلته يبدو وكأنه قطعة رخام منحوتة بعناية، بلا حياة. شعرت سوان بجسدها يتراجع للخلف من تلقاء نفسه، وكأن غريزتها تحاول إبعادها عن هذا الكائن الغامض. كانت خطواتها بطيئة، مرتجفة، بينما عقلها يحاول استيعاب ما تراه. هذا غير منطقي... غير ممكن... لكنه كان حقيقيًا أمامها بكل تفاصيله. بدأت أنفاسها تتسارع، ويدها ترتجف بينما تحاول أن تبقي المسافة بينهما. ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تهمس بصوت مرتجف ومنخفض، كأنها تخشى أن يتردد صدى صوتها في المكان: - مَن تكونين...؟ لِمَ أحضرتِني إلى هنا؟ ماذا تريدين مني؟ لكن الجنية لم تُجب على الفور. ظلت تنظر إليها بصمت، وكأنها تدرسها، تحلل خوفها، تشاهد ارتجاف شفتيها ونظرتها التي تتأرجح بين الرهبة والفضول. كانت ملامحها ثابتة، لا تعكس أي مشاعر واضحة، مما جعل سوان تشعر بتوتر أكبر. حاولت أن تخطو خطوة أخرى للخلف، لكن صوت الجنية أخيرًا اخترق الصمت، كان هادئًا، لكنه يحمل وزنًا غريبًا، وكأنه يتردد في الهواء بطريقة لا يمكن تفسيرها: - أنتِ من وجدتِ طريقكِ إليّ... ولم أحضركِ أنا. ازدادت نبضات قلب سوان، لم تفهم ما تعنيه، لكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها. نظرت حولها مرة أخرى إلى المكان، تحاول إيجاد أي دليل على أنها ما زالت في عالمها الطبيعي، لكن كل شيء كان يشير إلى العكس. عادت بعينيها إلى الجنية، التي خطت خطوة صغيرة نحوها، لتتمكن سوان من رؤية ملامحها بوضوح أكبر. في تلك اللحظة، لاحظت شيئًا... هناك حزن غامض خلف عينيها، حزن لم تفهمه لكنه جعلهما أكثر عمقًا، وكأنها تحمل في نظرتها قصصًا لم تُروَ بعد. اقتربت منها أكثر، دون أن تدري سبب انجذاب قدميها نحوها كما لو كانت الجاذبية تناديها. شعرت سوان بأن هناك قوة غامضة تقودها بلا إرادة، فتلك اللحظة لم تكن مجرد حلم عابر، بل كانت بداية لقاء لا يمكن تفسيره بسهولة. ببطء، أومأت الجنية بيدها، وأشارت لها بالجلوس على الأريكة البنية العتيقة التي بدا عليها أثر الزمن، وكأنها تحمل أسرار الماضي في تفاصيلها المنحوتة. استجابت سوان بلا وعي، وجلست مقابل الجنية، تحدّق في عينيها اللامعتين بدهشة وفضول، ولم تشعر بأي خوف؛ كان هناك شعور غريب بالطمأنينة يغلفها، وكأنها تعرف في أعماقها أن هذا اللقاء ليس إلا حلمًا. - لديك فُرصة يا سوان. كان الصوت منخفضًا ولكنه قوي. حدقت سوان في الجنية، عيناها تتساءلان في صمت، غير مصدقة لما سمعته. "ماهي الفرصة؟" شعرت الجنية بوجود سؤال يكمن في أعماق سوان، وكأنها سمعت همس قلبها قبل أن ينطق فمها بالكلمة. وقالت بصوت هادئ، يحمل صدى لا يُقاوم في كل زوايا المكان: - فرصة إنقاذ آدم، العودة في الزمن. تجمّد دماء سوان عند سماع هذه الجملة، وكأن الزمن نفسه توقف لتثبت تلك الكلمات في قلبها. ارتجف جسدها، وعمّ الارتباك أرجاء عقلها؛ كيف يمكن لها أن تعود بالزمن لإنقاذ آدم؟ وأنها قد تكون في حلم، لكن هذا الحلم كان مختلفًا؛ فهو حلم غير منطقي، لم تختبره من قبل. سقطت دمعة من عينها، تنهمر بهدوء كرماد شتاءٍ يتساقط على الأرض، عندما خطرت ببالها فكرة لا تُقاوم: لو عادت في الزمن ووجدته على قيد الحياة، ستشبع عيناها برؤيته؟ ستشبع أنفها برائحته وتنعش أذنيها بصوته الدافئ؟ حدقت سوان في الجنية بنظرة مكسورة، مزيج من الشوق العميق والمرارة التي لا تحتمل، فتنهدت بصوت خافت مرتجف، وكأن الكلمات تخرج من أعماق جرحٍ لم يُشفى بعد. - دعيني أراه الآن. أريد رؤيته حتى لو في حلمي. - أنتِ لستِ في حلم، أنتِ الآن في العالم الموازي. سأعطيكِ خيارين. وحياتك بين الحياة والموت. حاولت سوان استيعاب هذه الحقيقة الجديدة؛ لم يكن هذا مجرد حلم عابر أو وهمٍ من خيالها، بل كان واقعًا بحد ذاته، واقعًا متوازيًا حيث تتداخل قوانين الحياة والموت. ترددت الكلمات في ذهنها، وانقلبت تساؤلاتها إلى مزيجٍ من الخوف والترقب: ما هما الخياران اللذان ستقدمهما لها الجنية؟ وكيف يمكن لقراراتها أن تحدد مصير حياتها بين الحياة والموت؟ رفعت سوان عينيها إلى الجنية التي ما زالت تراقبها بنظرةٍ غامضة، عيناها السوداوين اللتين تحملان أسرار عوالم لا تُدركها العقول. في تلك اللحظة، أدركت أن أمامها مفترق طرق لا يمكن العودة منه، وأن كل قرار ستتخذه سيترك أثره على بقية وجودها. الجنية تتابع صمتها، وكأنها تنتظر منها أن تسأل، أن تطلب توضيحًا، لكن سوان كانت غارقة في دوامة من الأفكار المتشابكة؛ الأفكار التي تحاول أن تعيد ترتيب ماضٍ مؤلم ومستقبلٍ مجهول. تنفست سوان بعمق، محاولة جمع شجاعتها. - ما هما الخياران؟ - الخيار الأول: تعودين في الزمن وتنقذين آدم من الموت. والخيار الثاني: تبقين في حاضرك، ولكنك ستموتين الآن جراء الحادث الذي وقع منذ قليل. بصوتٍ صارمٍ وهادئ، ترددت كلمات الجنية في أذني سوان. ساد صمتٌ قاتم في المكان، تكاد تتوقف نبضات قلب سوان من شدة الصدمة. امتلأت عيناها بدموعٍ لم تستطع كتمانها، كل قطرة تحمل بين طياتها مزيجًا من الرجاء واليأس. الخيار الأول بمثابة نجمة أمل متلألئة في سماء مظلمة، توعدها بإمكانية إنقاذ آدن، بإمكانية إعادة رسم مستقبلٍ كان قديماً ومكسورًا. لكن الثمن كان باهظًا؛ فهو مغامرة تغيير مجرى الزمن، مخاطرة لا يُعلم مدى عواقبها، فقد يُغير كل شيء، وربما لا يعود كما كان. - أنا أقبل، أنا أقبل. أرجوكِ، أريد العودة وأنقذ آدم. كانت كلماتها تخرج من قلبٍ محطم، مزيج من حبٍ لا يموت وإصرار على إعادة بصيصٍ من الماضي إلى الحياة. رفعت يديها ببطء كما لو كانت تحاول الإمساك بخيطٍ رفيع ينقلها عبر الزمن، وتوجهت بنظرتها المليئة بالتوق والشوق نحو الجنية. - لم أبدأ بعد في القوانين. إن لم تنقذي آدم وتُفشلي عودته، فستموتين في الماضي. وحاضرك ميت أصلاً. ترددت تلك الكلمات كأنها صدى من عالم آخر، قاسيًا ومميتًا. تجمدت دماء سوان في عروقها. غرقت سوان في أفكارها، وكأنها عالقة في دوامة لا مخرج منها، تحمل في طياتها ألم الفراق وعبء الذكريات التي لا تندمل."لا حاضر ولا مستقبل لي دون آدم، فَلَا بأس أن مُت." تردد هذه الجملة الف مرة في رأسها. بالنسبة لها، أصبح آدم رمز الحياة والبهجة، غيابه حولها كالغيم الثقيل الذي يحجب نور الشمس، وجعل كل لحظة تبدو خاويةً من الأمل. ✩࿐࿔ ( يمكنك ترك ملاحظة) حسابي على إنستقرام: lll3i.iii
lll3iii