قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني. هانت عَليك مَدامِعِي فَهَجَرَتِني وكَسرت قلبًا ما أحَب سِواك وأنا الذي لولاك ما ذقت الهوىٰ يومًا ولم أكن عاشِقًا لولاك . ✩࿐࿔ المطر ينهمر بغزارة مخيفة، قطراته ترتطم بزجاج النافذة كأنها تهمس بحكايات حزينة. يرن هاتفي بنغمة موسيقية هادئة، تحاول تهدئة صخب العاصفة في الخارج، أو ربما في داخلي. متكئة على النافذة، أراقب قطرة المطر تنجذب إلى أخرى، تتحدان في انسياب هادئ، ثم تنزلقان معًا كدمعة تأبى السقوط وحدها. في الأسفل، الشارع مكتظ بالسيارات المتوقفة، كأن المدينة بأكملها حُبست في زحام الليل، وزاد المطر من تعقيد المشهد. أشعر بضيق غامض في صدري، كأن الهواء أصبح أثقل، كأنني أختنق... أهو المطر؟ أم الأجواء؟ أم شيء آخر لا أستطيع إدراكه؟ يقطع رنين الهاتف هدوء اللحظة، يخترق الموسيقى التي كانت تحاول تهدئتي. ألتقطه وألقي نظرة على الشاشة، إنه اتصال من الخالة كلارا. تتسلل إلى شفتيّ ابتسامة واهنة، حزينة، كيف لها أن تهتم وتسأل، بينما أولئك الذين يتشاركون دمي لم يخطر لهم أن يفعلوا ذلك؟ بإيماءة صغيرة، أمرر أصبعي على الشاشة وأقرب الهاتف من أذني، مستعدة لسماع صوتها، ذلك الصوت الذي، رغم كل شيء، يمنحني شعورًا دافئًا وسط هذا البرد. - مرحبًا خالتي. قلتُها بصوت يملؤه الحماس، لكن الغصّة في حلقي فضحت ارتجافي. على الطرف الآخر، لم أسمع سوى شهقات متقطعة، أنفاس متعثرة تحاول انتزاع الكلمات من بين الدموع. شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في جسدي، والاختناق في صدري يزداد. هناك شيء سيئ، شعرتُ به قبل أن يُقال. - خالتي؟ ما الأمر؟ خالتي كلارا؟ ناديتُها بقلق، باسميْها معًا، كأن تكرار الاسم سيبدد الصمت المخيف بين شهقاتها. لا أريد أن أسمع، لا أريد أن أعرف سبب بكائها، لكن شيئًا في داخلي يدفعني للسؤال رغم خوفي من الإجابة. بكت بصوت أعلى، وكأنها تحاول إخفاء الكلمات بين دموعها، لكنني كنت أسمع انهيارها بكل وضوح. شعرتُ بدموعي تتزاحم، تتخبط في عينيّ، تستعد للانهيار قبل أن تسبقني الحقيقة إليها. ثم جاء الاسم... الاسم الذي لم أتوقع أن يُنطق بهذه الطريقة، أن يكون بهذه القسوة. - آ... آدَم... تمتمت به وكأن نطقه وحده موجع، وكأن الأحرف تثقل على لسانها كما تثقل على قلبي. انفجر نحيبها بحرقة أشد، كأنه إعلانٌ عن مصيبة لم أستوعبها بعد. شيء ما في داخلي انهار قبل أن أفهم، قبل أن أسأل. - آدم؟ ما به آدم؟! لكنني بالكاد تمكنتُ من إخراج الكلمات بصوت مذعور، يائس. - سوان.. ولدي.. قالت الكلمة، ثم عادت إلى نحيبها، كأنها تغرق في بحر من الألم. مع كل حرف تنطقه، قلبي يكاد يتوقف عن النبض، كما لو أنني أعيشه في مشهد مرعب. - ماذا به؟ أخبريني، ماذا به؟ هل هو في المستشفى بسبب إهماله لنفس- لكنها قاطعتني بصوت متكسر كان نحيبها يزداد، وكأنها تسقط في هوة لا رجعة منها. - ولدي انتحر... مات. صرخت بهذه الكلمات وكأنها حطمت صمت العالم من حولي. شعرت بقشعريرة تتسرب عبر جسدي، كأن البرودة قد استولت على دمي، قلبي بدأ ينبض ببطء، كما لو أن الوقت قد توقف للحظة. ماذا تعني بمات؟ وبانتحر؟ كيف؟ كيف يمكن لعزيزي آدم أن يفعل ذلك؟ لا يمكن، هذا لا يحدث. هو في المستشفى، بسبب إهماله لنفسه، لكنه حي على قيد الحياة. هل تهيأت لي هذه الحقيقة؟ لماذا تهلوس أمه هكذا؟ هل أصابها الجنون؟ أغلقت المكالمة بسرعة وكأنني كنت أهرب من الحقيقة التي بدأت تغرقني. شعرتُ بضيقٍ في صدري، وكأن الهواء ثقيل، ولا أستطيع التنفس. يدي ترتجف، فاستدرت بسرعة نحو جهات الاتصال، بحثت بعيني عن الاسم الذي كنتُ أحتاجه في تلك اللحظة، "أشقري". ضغطت على رقمه سريعًا، وكان رنين الهاتف يتنقل في أذني كما لو كان يسرق منّي الأمل مع كل دقة. رنّ، رنّ، ثم... لا جواب. أغلقت الاتصال بسرعة، ثم أعِدت الاتصال مرة أخرى، لكن الهاتف لا يزال يرن بلا فائدة. لا أحد يرد. شعرت بغضب يتسارع في صدري. ماذا به هذا الأحمق؟ لماذا لا يرد؟ ثم فجأة، تذكرت. أجل، في المستشفى. بالطبع، هو في المستشفى، ربما يكون مشغولًا... أو حتى ربما لا يستطيع الرد. عدتُ بسرعة وأعدت الاتصال بالخالة، وكنت على حافة الانهيار. في تلك اللحظة، أجابتني على الفور كما لو أنها تنتظر مكالمتي، وكأنها كانت تعلم أنني سأعيد الاتصال. - خالتي، في أي مستشفى؟ آدم؟ سأذهب لزيارته الآن! أتكلم بثقة، كأنني أستطيع إصلاح كل شيء، كأنني أستطيع إنقاذه من هذا المصير المظلم. لكن جوابها جاء مُرًا، محملاً بكاء آخر: - سوان... سوان... لقد مات ولدي... شنق نفسه... نطقت بالكلمات بصعوبة، وكأنها كانت تُسحب من فمها بآلامٍ غير قابلة للشفاء. كأن كل حرف كان يحمل على عاتقه جرحًا لا يُحتمل. شعرتُ بجسدِه في داخلي يرتجف، يئن. سقط الهاتف من يديَّ فجأة، والدموع انفجرت في عينيَّ، كأنها تتسابق للخروج، بلا وعي، بلا توقف. لم أعد أستطيع التفكير، سوى بتلك الجملة الملعونة التي تردد نفسها في عقلي: "شنق نفسه؟ شنق نفسه؟" صرخت بكل الألم الذي كنت أحمله في صدري، وفي جسدي. كل شيء أصبح ضبابيًا. مشاعري كانت تتساقط مثل المطر الذي يغمرني. بدأت أرتجف بشدة، ولم أستطع البقاء في مكاني أكثر. وثبتُ من مكاني، وركضت دون وعي، دون تفكير في شيء سوى الوصول إليه. خرجت من شقتي، ركضت بأقصى سرعتي، حافية القدمين، دون حذاء يحمي قدميَّ من البرد. جسدي يرتجف كعصفورٍ ضائع في العاصفة. كان المطر يهطل بغزارة، يبلل شعري الأشقر ويدفعني أكثر نحو الهاوية التي لا أستطيع تجنبها. أركض، لا شيء يحمي جسدي الهزيل سوى بيجامتي البسيطة التي امتلأت بالماء. ركضت، ركضت وكأنني أهرب من الزمن نفسه، من الحقيقة التي لا أستطيع الهروب منها. كانت أعين الناس تلاحقني بنظرات غريبة، مستنكرة، غير قادرة على فهم الجنون الذي يسيطر علي. وكلما اقتربت من المكان المقصود، قلبي يزداد رهبة، وكأن العواقب تلاحقني خطوة بخطوة. لمحتُ سيارات الإسعاف تخرج من الزقاق القريب، توقفت قدماي للحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن أسحب نفسي في خطوات ثقيلة نحو الزقاق. هناك كانت سيارات الشرطة متوقفة، كانت الأجواء مشحونة بالخوف، بالغموض. كأن العالم توقف ليشهد ما سيحدث. جسدي يرتجف وأنا أركض نحو منزلهم، والمشاعر تتصارع داخلي بين الرفض والقبول. لماذا لا يغلقون الباب؟ لماذا؟! لم أستطع مقاومة الفضول والخوف الذي يمزقني، فاندفعتُ داخل المنزل. داخل الغرفة، وجدت سارة في حضن حبيبها، تبكي بصمت، يديها على وجهها، وكأنها تخفي فاجعة أكبر من أن تتحملها. لم أستطع التوقف، اقتربت منهما بخوف، بنوع من القلق يزداد كلما اقتربت من الحقيقة. - سارة؟ همستُ باسمها، وكانت الكلمات تخرج وكأنها تقاوم الخروج من فمي. فصلت سارة نفسها عن حبيبها، وأخذت خطوات سريعة نحو اتجاهي. نظرت إليّ بعينيها اللتين حمراوتين، وكأن الألم يشع منهما كألسنة لهب. شعرت وكأنها ترى في عينيّ نفس الصدمة التي تغمرها. - سوان... نادتني بصوتٍ يقطعه الانكسار، صوت مليء بالحزن الذي لم يكن هناك من كلمات لتخفيفه. وفي لحظة، اقتربت مني بسرعة، فتحت ذراعيها، واحتضنتني بقوة. سارة لا تبكي... لا تبكي؟ إذاً، كانت كل كلمة قالتها الخالة صحيحة. لم أستطع الرد، لم أستطع تحريك جسدي. فقط سكنت في حضنها، دموعي تتساقط بصمت، تندمج مع دموعها، وكأننا معًا نغرق في بحرٍ لا ساحل له. - أخي مات يا سوان... أفْرَطَ بنفسه... لم أهتم به جيدًا... لم أعلم ما الذي أوصله إلى الانتحار! كانت كلماتها تتهاوى من شفتيها كأحجارٍ ثقيلة، لكنها لم تصل إليّ كما ينبغي. أسمعها، لكنني لم أفهمها، أو بالأحرى، لم أرد أن أفهمها. العقل يرفض التصديق، يرفض تشكيل صورة لهذا الواقع المريع. ربّتُّ على ظهرها بخفة، كأنني أقوم بفعل آلي، لا شعوري، ثم ابتعدت عنها دون أن أنطق بحرف. كان هناك شيء واحد فقط يدفعني الآن، رغبة غريزية، هاجس لا يمكن كبحه. صعدت إلى الطابق الثاني خطواتي سريعة، متخبطة. أركض تقريبًا، وكأنني أخشى أن يختفي كل شيء قبل أن أصل. وصلت إلى غرفته، وقفت أمام الباب، شعرت برعشة تسري في جسدي. كان الباب مفتوحًا على مصراعيه، وكأن الغرفة كانت تنتظرني، كأنها كانت تعلم أنني سأقف هنا، مذعورة، عاجزة عن استيعاب ما أراه. أول ما وقعت عليه عيناي كان الحبل، يتدلى من فوق كأثرٍ صامت لجريمة لم يكن فيها قاتل سوى اليأس. انقبض قلبي بقوة، وكأن يدًا خفية اعتصرته بلا رحمة. شعرت بأنني سأنهار، بأن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا إلى درجة الاختناق. سقطت دموعي بانسيابية، لم تتوقف، وكأنها رفضت أن تجف، كأنها قررت أن تحل محل الكلمات التي لم أعد أستطيع نطقها. لم تعد قدماي قادرة على حملي، فانهرت على الأرض، ضعيفة، مدمرة، بلا حول ولا قوة. ثم، وكأن الألم انفجر بداخلي دفعة واحدة، صرخت. - آدم... آدم... آدم... لماذا تركتني، آدم؟ لماذا؟! أصرخ معتقدة أن الصوت يمكن أن يعيده، أن يوقظه، أن يعكس الزمن للوراء حيث كان كل شيء يمكن إصلاحه. - أيها الحقير! أيها النذل! كيف تفعل هذا بنفسك؟ كيف؟! صرخاتي شقت جدران الغرفة، كانت قوية بما يكفي ليشعر بها حتى الأصم، لكن ليس بما يكفي لإعادته إليّ. بكيت، صرخت، وانهرت. لكن كل شيء ظل كما هو... فقد رحل آدم، ورحل معه جزء مني لن يعود أبدًا. هذه هي الحياة... في لحظة خاطفة، تنقلب رأسًا على عقب، دون سابق إنذار، دون تحذير. كأنها موجةٌ عنيفة تجتاح كل شيء، تقتلع الأمن والطمأنينة من جذورهما، وتتركنا عالقين في العراء، حفاة أمام الحقيقة القاسية. قبل ساعات فقط، كنا نضحك، نعيش، نخطط، نتحدث عن المستقبل وكأنه مضمون، وكأن الأيام تضمن لنا مزيدًا من الفرص، وكأننا سنظل كما نحن، بلا خسائر، بلا غياب. لم يخطر ببالنا، ولو للحظة، أن الضحكات التي ملأت المكان ستصبح شبحًا يطاردنا، صدى بعيدًا يذكرنا بما كان، وبما لن يكون بعد الآن. ما أغرب هذا العالم، وما أقسى تقلباته. كيف يمكن للحياة أن تنتقل بنا من لحظة الدفء إلى هاوية الفقد بهذه السرعة؟ كيف يمكن للوقت، الذي كان يبدو وديعًا، أن يصبح سيفًا يقطع أرواحنا بهذه القسوة؟ كيف يمكن أن يصبح شخصٌ كان معنا، يتحدث، يبتسم، يملأ المكان بروحه، مجرد ذكرى خلال لحظات؟ الفقد لا يمنحنا الوقت للاستيعاب، لا يمنحنا فرصة للتفاوض أو الاعتراض. يأتي فجأة، يضربنا كعاصفة، ويتركنا نحاول لملمة شتات أنفسنا، ونحن ندرك أن شيئًا ما قد انكسر فينا، ولن يعود كما كان أبدًا. هذه هي الحياة، تسرق منا أعزّ من نحب في طرفة عين، وتهجرنا وسط الذكريات والأسئلة التي لن نجد لها إجابة أبدًا. بعد نوبة بكاء لا أعرف كم طالت، وكأن الزمن توقف، وكأنني غرقت في بحرٍ لا نهاية له، شعرتُ بيد دافئة تُربت على كتفي بلطف، كأنها تحاول انتشالي من هذا الغرق. أدرتُ رأسي ببطء، بتعبٍ أثقل جسدي وروحي، فوجدتُه... والد آدم. كانت عيناه غارقتين بالحزن، وكأن السنين انحنت فوق كتفيه في لحظة واحدة. وحين التقت نظراتنا، شعرتُ بأن كل ما حاولتُ كبته انفجر دفعة واحدة. لم أستطع التماسك، لم أستطع حتى النطق، فقط تركت دموعي تنهمر من جديد، بحرقة أشد، بألم أعمق. رميتُ نفسي في أحضانه، كأنني أبحث عن مأوى وسط هذا الخراب، كأنني أحتاج إلى أي شيء يثبت أنني لست وحدي في هذا الألم القاتل. لم أسمع صوته، لكنه لم يكن بحاجة إلى الكلمات... كنت أشعر برجفانه، بجسده الذي يهتز بصمتٍ تحت وطأة البكاء. كان يبكي، لكنه يبكي بصمت، بكاء الآباء الذين لا يُسمح لهم بالانهيار، بكاء الرجال الذين يُجبرون على الصمود حتى حين تتكسر أرواحهم من الداخل. بقينا هكذا، غارقين في الحزن ذاته، محاصرين بغيابٍ لا يمكن استيعابه. - عمي... لماذا فعلها؟ لماذا تركنا؟! خرجت الكلمات مني كصرخةٍ عميقة، كأنها تمزقت من أعماق روحي قبل أن تصل إلى شفتي. لم أعد أحتمل الصمت، لم أعد أحتمل هذا الثقل الذي يضغط على صدري، هذا السؤال الذي ينهشني من الداخل دون إجابة. عندها، شعرتُ بذراعيه تضغطان عليّ أكثر، كأنه يحاول أن يمنعني من التلاشي، كأنه يتمسك بي كما لو كنتُ آخر ما تبقى له. - سوان... ولدي ذهب... ولدي لم يعد هنا... صوته كان واهنًا، محطمًا، يحمل في نبراته وجعًا لا يوصف. ثم، وسط ارتجافه، وسط الألم الذي يخنقه، همس بصوتٍ شبه مكسور: - سوان... لا تتركيني كذلك... في هذه اللحظة، انا لست وحدي في هذا الخراب، هذا الحزن الذي يلتهمني يلتهمه أيضًا. نحاول التمسك ببعضنا وسط هذا الفراغ القاتل، نحاول ألا نفقد المزيد، ألا نضيع أكثر. لكن كيف؟ كيف يمكن أن نستمر بينما قلب هذا البيت توقف عن النبض؟ فصل حضننا ببطء، وكأن الفراق حتى في لحظات العزاء مؤلم. وقف من مكانه بتثاقل، كأن جسده لم يعد يقوى على حمله، كأن الحزن سحب منه كل طاقة ممكنة. رفعتُ رأسي إليه، عيني تبحثان عن أي إجابة، عن أي شيء يخفف هذا الثقل القابع على صدري. لكنه لم يقل شيئًا، فقط مدّ يده نحوي. - لننزل تحت. نطقها بصعوبة، وكأن الكلمات تُنتزع منه انتزاعًا. أومأت بصمت، ووقفت من مكاني. لم ألتفت إلى غرفة آدم، لم أجرؤ، لم أستطع النظر إليها مرة أخرى. مجرد فكرة إلقاء نظرة أخرى كانت تكفي لإغراقي من جديد في دوامة البكاء. لذا، تجنبتها، وجعلت قدمي تتحركان خلف العم، وكأنني أسير في حلم ثقيل، حلم لا أستطيع الاستيقاظ منه. عند وصولنا إلى الطابق السفلي، كان المشهد كئيبًا حد الاختناق. سارة كانت جالسة بجانب حبيبها، وجهها مغطى بيديها، والحزن يلفهما كستارٍ أسود. لم يكن هناك صوت سوى أنفاس متقطعة، وكأن الجميع يحاول استيعاب الكارثة، يحاول أن يجد طريقًا بين الفوضى التي تركها آدم خلفه. هذه المرة، باب المنزل مغلقًا. وكأن أحدًا قرر أخيرًا إغلاق المساحة التي تسرب منها الألم. تقدمتُ ببطء نحو إحدى الأرائك المنفصلة وجلستُ عليها، جسدي مرهق، مشاعري مستنزفة بالكامل. شعرتُ وكأنني مجرد شبح، كأنني لستُ هنا حقًا، بل أراقب كل شيء من بعيد، عاجزة عن الفهم أو التصديق. جلس العم بجانب ابنته، جذبها إليه، واحتضنها كما لو كان يحاول لملمة شتاتها، كما لو كان يريد أن يحميها من ذات المصير، من ذات الهاوية التي سقط فيها آدم. ثم، بصوت مبحوح، وكأن الكلمات تحرق حلقه، نطق العم بما جمد الدم في عروقي: - سوان... ترك آدم رسالة... رسالة انتحار. شعرتُ بكل ذرة في جسدي تتوقف. رسالة؟ ترك رسالة؟ إذًا، كان يخطط لهذا؟ كان يعرف أنه سيرحل؟ لم أعد أتنفس بشكل طبيعي. شعرتُ وكأنني على وشك الانهيار مجددًا، وكأنني على وشك السقوط في حفرة أخرى أعمق من تلك التي سقطتُ فيها قبل قليل. آدم كتب شيئًا قبل أن يرحل. - م-ماهي؟ خرجت كلماتي متقطعة، بالكاد استطعتُ نطقها. شعرتُ وكأن صوتي لا ينتمي إلي، وكأن الكلمات تخرج من مكان بعيد عني، من جزء محطم داخلي لا يزال يحاول الفهم. أدخل العم يده في جيب سترته، وعندما رأيتُه يُخرج هاتفه، عرفتُ أنه سيريني الرسالة منه. لم أستطع الانتظار. وثبتُ من مكاني، خطواتي سريعة رغم الثقل الذي يجثم على صدري، ووقفتُ بجانبه، أراقب هاتفه وكأنني أخشى ما سأراه، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع الابتعاد. مدّ لي الهاتف بصمت، نظرته كانت تبحث عن إجابة، عن تفسير. - أنتِ الأقرب له أنتِ بئر اسراره... هل تعلمين ماذا يقصد؟ صوته يحمل رجاءً خافتًا، وكأنني الوحيدة القادرة على فك طلاسم الكلمات التي تركها آدم وراءه. أخذتُ الهاتف بيدٍ مرتجفة، حدّقتُ في الصورة التي ظهرت على شاشته. ورقة بيضاء، بسيطة في مظهرها، لكنها تحمل ثِقلًا لا يمكن احتماله. "شادو، لقد حفرت كلماتك وأفعالك فراغًا عميقًا بداخلي، هاوية لم أستطع الهروب منها. اعتقدت أنني أعرفك، لكنني كنت مخطئًا. آمل أن تتعفن في الجحيم لما فعلته في هذه الجامعة اللعينة." قرأتُ الكلمات مرة... ثم مرة أخرى... وكأن عقلي يرفض استيعابها. شادو؟ من هو شادو؟ وماذا فعل بآدم؟ شعرتُ بأنفاسي تتسارع، أن الغرفة تضيق بي. نظرتُ إلى العم بعينين واسعتين، مليئتين بالدهشة والرعب في آنٍ واحد. كنتُ أبحث عن تفسير، لكنه لم يكن يملك واحدًا. - مَن... مَن هو شادو؟ سؤالي خرج ضعيفًا، بالكاد استطعتُ نطقه. لكنني كنتُ أعرف شيئًا واحدًا... هذه الرسالة لم تكن مجرد كلمات يائسة، كانت اتهامًا. كانت دليلًا على أن هناك شخصًا ما... شخصًا دفع آدم نحو هذه النهاية المأساوية. شيء ما لم يكن صحيحًا. شيء ما لم يكن منطقيًا. لماذا كتب آدم رسالة انتحاره على ورقة؟ في عالمٍ أصبح كل شيء فيه رقميًا، حيث يمكن كتابة رسالة نصية أو تسجيل مقطع صوتي أو حتى ترك ملاحظة في هاتفه... لماذا اختار الورق؟ في زمن التكنولوجيا والهواتف الذكية، لا يكتب أحدٌ رسائل على الورق إلا إذا كان يريد إخفاء شيء ما، إلا إذا كان يعلم أن رسالته قد تُمحى أو تُعدل إن لم تكن ملموسة. حدّقتُ في الكلمات مرة أخرى. "شادو..." هذا الاسم لم يكن مألوفًا لي، أو ربما كان كذلك، لكن عقلي يرفض تذكّره الآن. آدم لم يكن شخصًا يائسًا أمامي. نعم، كان يعاني، كان يواجه أشياء لم يخبرني عنها، لكن... أن يصل إلى هذه المرحلة؟ أن يرحل بهذه الطريقة؟ لا، هذا ليس آدم الذي أعرفه. تزايدت التساؤلات في رأسي بسرعة، كأنها إعصار يضربني من الداخل. هل كان آدم يحاول أن يترك لنا دليلًا؟ هل كان يحاول أن يقول شيئًا دون أن يقوله صراحة؟ أم أن ما حدث له... لم يكن انتحارًا؟ شعرتُ بقشعريرة تجتاح جسدي. لا شيء في تلك الرسالة يبدو منطقيًا. كان غاضبًا، غاضبًا جدًا، كأن كلماته لم تكن صادرة عن شخص يائس بل عن شخص يشعر بالخيانة، بالحقد، بالألم الذي فُرض عليه ولم يستطع تحمله. لماذا لم يخبرني بأي من هذا؟ لماذا لم يقل لي أي شيء عن شادو؟ أغمضتُ عيني للحظة، محاوِلةً أن أهدّئ عقلي، لكن فكرة واحدة فقط كانت تتكرر بداخلي، تتردد بقوة كناقوس خطر: آدم لم يكن ليتركني بهذه القسوة... ما لم يكن هناك شيء أعمق خلف كل هذا. تنهدتُ برعشة، وكأن أنفاسي كانت تهتز تحت وطأة الألم، ثم فتحتُ عيناي، أحدق في الفراغ الممتد أمامي، حيث لا إجابات، لا راحة، فقط ظلامٌ يزداد كثافة. شعرتُ بضياعٍ مرير، كأنني كنت أبحث عن شيء، عن شخص، عن معنى... لكن كل ما وجدته كان فراغًا يبتلعني ببطء. من هو "شادو"؟ وما الذي فعله بآدم ليترك وراءه هذه الكلمات المليئة بالحقد؟ لماذا لم يخبرني؟ لماذا لم أستطع إنقاذه؟ شعرتُ باختناقٍ في صدري، وكأن الهواء من حولي أصبح أثقل، أكثر قسوة. كنتُ بحاجة إلى الهروب، إلى الهروب من هذا المكان، من هذه الذكرى، من هذه الغرفة التي امتلأت بأشباح الألم. نهضتُ ببطء، قدماي بالكاد تحملانني، وخرجتُ من المنزل الكئيب، لا أعرف إلى أين، لا أريد أن أعرف. كنتُ فقط أسير، أترك قدميّ تقودانني بلا هدف، بلا وجهة. كانت العاصفة تزداد حدة، والسماء تنهمر كأنها تبكي معي، كأنها تحزن لأجل آدم. لم يكن هناك أحد في الشوارع، فقط أنا والمطر والبرد الذي تسلل إلى عظامي، لكنني لم أشعر به. أو ربما شعرتُ به، لكنه لم يكن أقسى مما في داخلي. مشيتُ حتى وصلتُ إلى الحديقة، الحديقة التي تحمل بين زواياها ذكرياتنا، المكان الذي كنا نهرب إليه من المدرسة، نأكل المثلجات، نستمع إلى الموسيقى، نضحك بصوت عالٍ كأننا بلا هموم. كنتُ أعرف أن هذه الذكريات ستؤلمني، ومع ذلك، جلستُ على الأرجوحة، تلك التي كنا نتناوب على دفع بعضنا عليها ونحن نطلق نكاتًا سخيفة. حدقتُ أمامي بصمت، بينما المطر يختلط بدموعي، ولم أعد أميز بينهما. هل هذه دموعي، أم أن السماء تشاركني حزني؟ هل تبكي لأجله كما أبكي؟ أغمضتُ عيناي للحظة، وتخيلتُه جالسًا بجانبي، يضحك، يمازحني، يدفع الأرجوحة بخفة كما كان يفعل دائمًا. للحظة، كدتُ أسمع صوته، كدتُ أشعر بوجوده... لكن عندما فتحتُ عيناي، لم يكن هناك سوى الفراغ. آدم لم يعد هنا. لكنه ترك وراءه ألغازًا، وجرحًا لن يندمل بسهولة. ✩࿐࿔ ( يمكنك ترك ملاحظة) حسابي على إنستقرام: lll3i.iii
lll3iii