قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ = كافيةٌ لِتسعدني. عاهدتني بالصدقِ ثم جفوتني وسرقتني من واقعي ورميتني ✩࿐࿔ نظرت سوان للجنية لتقول بصوت منخفض: - سأفعل ما يتطلبه الأمر لإنقاذ ادم! أنا مستعدة، اخبريني ما يجب علي فعله من فضلك؟ نظرت إليها الجنية قبل ان تبتسم بهدوء لتقول : - عليك البحث بين ثنايا المُحيط بين الموج والشعاب لتعرفي كيفية انقاذه. كلماتها تتردد في أذن سوان كهمس أمواجٍ تلاطم الصخور، فتملأ قلبها بمزيج من الحيرة والأمل. وما لبثت أن اندهشت سوان من وقع تلك الكلمات، إذ بدأ المكان من حولها يتلاشى تدريجيًا، حتى اختفى المتجر البهيم والشموع المضيئة، وحلت مكانه مفاجأة أخرى لا تقل غرابة. وفي رمشة عين، وجدت سوان نفسها واقفة أمام الجامعة التي تدرس فيها هي آدم. توقفت عند البوابة الرئيسية، مستغربةً من كيفية انتقالها إلى هنا، حيث تبدو الحياة وكأنها توقفت للحظة لتلتقط أنفاسها. بقيت تنظر بإرتباك، تتأمل الواجهة العتيقة للمبنى الجامعي، وتلاحق بنظراتها كل زاوية تبحث عن تفسيرٍ لتلك الرحلة الغامضة التي قطعتها الجنية بكلماتها. كان قلبها ينبض بسرعةٍ مختلطة بين الحيرة والحنين، وبين خوفٍ من المجهول ورغبةٍ جامحة في إنقاذ آدم. - هل عدت بالزمن أم استيقظت هنا؟ أم أن هذا حلم؟ همست سوان لنفسها وهي تتأمل المكان بنظراتٍ تبحث عن أي دليل يُثبت حقيقة وجودها. كل شيء حولها يبدو طبيعيًا، تحدّق في كل زاوية. حتى قُطع هذا التأمل برنين هاتفها. مدّت يدها نحو جيب معطفها الأسود، واستخرجت الهاتف الذي كان قد تعطّل منذ زمنٍ ليس ببعيد وبدلته بأفضل منه. لكنها فوجئت أكثر حينما رأت شاشة الهاتف؛ المتصل هي والدتها، وتاريخ اليوم الظاهر على الشاشة هو الخامس عشر من فبراير، لكن السنة... 2023! انفجرت مشاعر سوان المختلطة بين الدهشة والحنين. - لقد عدت... في الزمن؟ يا اللهي، لقد عدت! ماذ- وخرجت الكلمات من فمها بصوتٍ مفعمٍ بالإعجاب والتردد. لكن لم يُكمل حديثها و قُطع توترها وسعادتها رنين هاتفها مرة أخرى. هدأت سوان للحظة، ثم نظرت إلى شاشة الهاتف بحزن عميق، ارتجف قلبها وهو يستعد لاستقبال صوتٍ لم يسمعه منذ زمن بعيد. رفعت السماعة على أذنها ببطء، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ستسمع فيها صوت والدتها بعد أشهر من الانفصال. - أين انتِ سوان؟ صوت والدتها ينساب عبر السماعة، امتلأت عيون سوان بالدموع، دموع تختلط فيها الآلام القديمة مع شوقٍ. - أمي.. اشتقتُ إليك. بصوتٍ مكسورٍ من الحزن والندم، تهمس سوان وهي تحاول جمع شظايا نفسها. كانت الكلمات تنحدر من أعماق روحها، كأنها تحاول شق طريقها عبر جدارٍ من الألم والذنب. - سوان؟ ما الأمر؟ على الطرف الآخر من الخط، جاء صوت والدتها، هادئاً ومفعماً بالقلق والحنان، يحمل معه شجن السنين. - أنا آسفة، أمي لـ- - سوان، أنا خائفة حتى من أن أسأل... ماذا فعلتِ؟ ما المصيبة التي ارتكبتِها؟ هل آدم معك؟ أعطيني آدم! قهقهت سوان بسخرية على خوف والدتها، وكأنها تتوقع منها أن ترتكب مصيبة تشعل رؤوسهم جميعًا. - آدم ليس معي، لماذا اتصلتِ؟ رفعت صوتها بهدوء يحمل في طياته مزيجًا من الحزن والشوق. في تلك اللحظة، احتضنت الرياح الباردة خصلاتها الشقراء التي تتطاير حول وجهها المنحني للأسفل. دفعت يدها اليسرى نحو جيب معطفها المنتفخ الأسود. - آه، اتصلتُ عليكِ لأخبركِ أين آدم. اتصلتُ عليه، لكنه لا يجيب. لقد حضرتُ طعامكما المفضل، واشتقتُ لآدم، أريد رؤيته. صوتٌ والدتها ينضح بالحنان والدفء الذي طالما افتقدته سوان. بكل تلك الكلمات، ارتسمت على وجهها ابتسامة بسيطة، ابتسامة كانت قد غابت عنها لأشهر طويلة. تلك الابتسامة، رغم أنها كانت خافتة، حملت بين طياتها بصيص أمل ودفء الذكريات التي جمعتها بآدم و والدتها في أيامٍ مضت، في وقتٍ كانت فيه الحياة أكثر بساطة والقلوب أكثر صفاءً. - لا اعلم أين هو، سأتصل عليه، انا قادمة إلى المنزل . أغلقت سوان المكالمة برفق ودعست هاتفها في جيب معطفها الأسود المنتفخ، وكأنها تُودّع تلك اللحظة كما تُودّع أمواج البحر عابرةً. وقفت للحظة تُمعن النظر أمامها؛ الجامعة التي كانت يومًا مقرّها الدراسي، حيث تلاقت فيها أحلامها مع ذكريات آدم. كان عدد قليل من الطلاب يتفرقون، والجو بدأ يظلم والسماء تكتسي بعباءةٍ من الأزرق الداكن. تمسكت سوان بنظراتها، تتفحص وجوه كل طالب يعبر طريقها باحثةً عن لمحة أو حركة مشبوهة قد تشير إلى شادو. لكن الجميع بدا طبيعيًا، وكأنما هذه الفكرة كانت مجرد وهم يتلاعب بخيالها. "سوان، تبحثين عن شخص مشبوه بمشيته وتصرفاته، لماذا؟ هل جننتي؟ أكيد سيكون المدعو شادو شخصًا طبيعيًا." ضحكت نفسها تلك العبارة الساخرة وكأنها لُمحَة اعترافٍ بذاتها، لكنها لم تضعف عزيمتها. رفعت رأسها بتؤدة، ثم ضَرَبَت رأسها بانعتابٍ خفيف، مُحذّرة نفسها من الإفراط في التحاليل الغبية، ثم رفعت يديها لتضع قبعة معطفها على رأسها، ودعست يدها الأخرى في جيبها. بدأت تخطو بخطواتٍ ثابتة نحو موقف الباصات، حيث تتداخل أصوات خطواتها مع أنفاس الليل الباردة. الطريق أمامها خاليًا من الازدحام، والمكان كله يغلفه هدوءٌ متناقض مع همسات قلبها. جاء الباص أخيرًا، وركبت كعادتها وجلست في أقصى مقاعده الخلفية، حيث تجد دائمًا عزلتها الخاصة بين أصوات الطريق وهمسات المدينة. وضعت رأسها على النافذة، لتغرق نظراتها في بحر من الوجوه المارة والسيارات المتلاحقة، كأن كل شخص يحمل في ملامحه قصة؛ فهناك من يتجه نحو منزله حيث تنتظره دفء العائلة، وهناك من يتجه إلى موعدٍ هام، وآخرون يسارعون نحو المستشفى، حاملين معهم همومهم وأحلامهم. بينما كانت تغوص في شرودها، تستعرض قصص كل من تمر من أمامها دون أن تنطق بكلمة، تتخيل أن لكل فرد همومه وسعادته، أن لكل روح نبضها الخاص. حتى أدركت فجأة أنها قد اقتربت من وجهتها، فقامت بالضغط على زر التوقف، وفي لحظات قليلة تباطأ الباص حتى توقف تمامًا. نزلت من الباص بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تثقلها بذكريات الماضي وآلام الفقد. رسمت خطواتها المترددة نحو الزقاق الذي يفصل بين منزلها ومنزل آدم. هناك، وسط هذا الممر الضيق الذي شهد أحضان الحياة وأحزانها، تذكرت يوم موته؛ اليوم الذي بدت فيه السماء وكأنها تبكي لأجله، والهواء كان يحمل معه عبق الحزن العميق. كانت تتذكر كيف كان أول يوم تعود فيه إلى هذا الزقاق بعد رحيله، تركت الزقاق هذا بعد ان طردت من منزلها ولم تأتي له ابدًا. توقفت للحظة، مستنشقة عبير الذكريات المريرة، ثم تابعت مسيرتها وهي تحاول أن تجد في هذا الطريق، الذي يحمل معها ماضٍ مؤلم، بصيص أمل لإصلاح ما انكسر، رغم أن الألم يظل محفورًا في كل خطوة تخطوها. وصلت أمام منزلها المألوف في ساعة الغروب، حيث تمايلت خصلات شعرها مع نسيمٍ بارد ينذر بقدوم الليل. دون تردد، أدخلت كلمة المرور على لوحة المفاتيح الخاصة بالباب ودون أن تسمع صوتًا من الخارج، فتح الباب على مصراعيه، فتسللت إلى الداخل. ما استقبلها كان مزيجًا من رائحة اللازانيا الشهيّة التي اجتاحت أنفها، وصوت دندنات والدتها الناعمة التي كانت تخرج من عمق المطبخ. هناك، في قلب المطبخ، كانت والدتها واقفة أمام الموقد، تتابع إعداد الوجبة كما عهدتها دائمًا، تحمل في عينيها قصة عمرٍ مضى. اقتربت سوان بخطوات ثقيلة، كل خطوة كانت تحمل وزن السنين والألم والحنين، خطوات امرأة متعبة من معارك الحياة ومكسورة من الشوق لأيامٍ لم تعد. تذكرت الماضي، والاحداث الاخيرة التي تركت جرحًا عميقًا في قلبها، لكنها الآن، في هذا اللحظة، تذوب كل تلك الجراح في دفء رؤية الوجه الذي طالما افتقدته. تقدمت حتى بلغت والدتها، وبدون تفكير، اندفعت من خلفها لتحتضنها. تسللت دموع الشوق والندم عبر عينيها المرهقتين، محاولة أن تغسل زمنًا مضى في لحظة عابرة من الصفاء. وفور احتضانها، انطلقت كلمات والدتها، صوتها مرتجف من الفزع والصدمة: - إيتها الحقيرة، أخفتيني! لم تهتم سوان. بل زادت من عناقها، وكأنها تحاول استعادة الزمن المفقود، محاولة إعادة اللحظات التي انفصلت فيها القلوب رغم الألم. وبينما كان الهدوء يتسلل إلى أرجاء المنزل، اختلطت فيه رائحة اللازانيا الدافئة وصوت الموقد المهلل. في لحظةٍ من الضعف غير المألوف، تكسرت جدران صرامة سوان التي طالما اعتادت على أن تُظهر القوة وتدوس على كل من يقف في طريقها. وفي تلك اللحظة، وتحت إضاءة خافتة في ركنٍ هادئ من المنزل، انطلقت كلماتها بصوتٍ مكسورٍ وهي تذرف دموعها: - لا تتركيني، لا تتركونني، لم يبقى لي أحد. تتسرب الكلمات من شفتيها بصعوبة، كما لو كانت كل حرفٍ يحمل وجعًا عميقًا وندمًا على الماضي الذي لا يُمحى. وفي عينيها، كان الحزن يكتسي تفاصيله بكل وضوح، تلك الدموع التي لم يُرَ مثلها من قبل في سوان التي لطالما عُرفت بأنها المرأة القوية، التي لا تنكسر ولا تنصاع لأحد. وقفت والدتها مندهشة و مختلطة بالحنان، غير قادرة على فهم هذا التحول الغريب في أسلوب ابنتها، التي اعتادت أن تخفي مشاعرها خلف قناع من الصلابة. لم تكن سوان تبكي قط، ولم تُظهر جانبها الضعيف، لكن الآن كل شيء تغير في نظرةٍ واحدة. سكتت والدتها لبعض الوقت، تمنح سوان المساحة الكافية لتفرغها من الألم الذي طالما خيم على روحها. الوقت يشير إلى السادسة وخمس دقائق، وعندما حلّت السادسة وخمس عشرة دقيقة، فصلت حضنها عن والدتها ومسحت دموعها بعنف، كأنها تحاول أن تُخمد نيران الحزن، لتبتعد بخطواتٍ ثقيلة متجهة نحو غرفتها دون أن تلتفت إلى وجه والدتها. لكن صوت والدتها، الذي حمل بين طياته قلقًا وحبًا قديمين، أوقفها فجأة: - لا تقلقي، لن أترك ابنتي الوحيدة، وإن تركتكِ فالموت هو السبب. ولا تقلقي والدك و آدم معكِ. تتدفق الدموع مرة أخرى من عيني سوان كأنه المطر الغزير الذي لا يكف عن الهطول، ثم تهرب مسرعة إلى غرفتها المظلمة، تغلق الباب خلفها. تقف في وسط الغرفة، تجثم على الأرض لا تدري والديها هم من قد تخلوا عن ابنتهم بنفسهم، وأن آدم فرّ بنفسه وتركاها وسط ظلال الوحدة، تلتهمها الهموم وكأنها نيران لا تنطفئ. بكت بصمتٍ مريع، ومحاولة إخفاء صوت أنينها بين طيات الليل، تمسك بيدها على صدرها، تشعر بدقات قلبها المتسارعة وكأنها ضربات تضربها بوحشية. بعد أن هدأت قليلاً، بدأت دموعها تجف على معطفها الأسود، كأنها تحاول أن تمحو أثر الحزن الذي نقش على وجدانها. شردت قليلًا في أفكارها المبعثرة، لكن الوعي عاد إليها بسرعة، فأدركت أن الوقت لم يعد يسمح لها بالغرق في الدموع؛ فقد كانت الفرصة الأخيرة لإنقاذ آدم تلوح في الأفق، وهذا ليس وقت الحزن. بثقة متجددة رغم جراحها، أخرجت هاتفها من جيب معطفها المنتفخ الأسود وحاولت الاتصال بآدم. ولكن الهاتف ظل صامتًا، لم يرد أحد. حدقت في شاشة الهاتف، تتفحص تاريخ اليوم محاولًة استرجاع تفاصيل الأيام التي مضت، ولكن ذاكرتها خانتها. تتساءل بداخلها: "من سيتذكر ما فعله منذ سنة كاملة؟" توقفت سوان من مكانها، تتأمل غرفتها القديمة بعينين يقظتين، وكأنها تزن خطوتها التالية بحذر. - أولًا، ملاحقة آدم. لا مجال لتركه وحده، لا مجال لأن يتنفس دون أن أشعر بأنفاسه تتغير، دون أن أسمع صوته أو أرى خطواته تتجه إلى حيث لا أعرف. عليه أن يكون تحت ناظري دائمًا. رفعت يدها إلى صدغها في محاولة يائسة لإخماد الصداع المتسلل من زخم الأفكار، لكن عقلها لم يمنحها هدنة. - ثانيًا، البحث عن شادو... لا مكان أنسب من قسم آدم للبداية. إن كان هناك خيط يقود إليه، فهو هناك، بين أوراقه، بين نظراته، في تلك المساحات الفارغة التي يحاول أن يخفي فيها الحقيقة. التفتت إلى المرآة المعلقة على الحائط، نظرت إلى انعكاسها، ولم ترَ إلا مزيجًا من العزم والارتباك. رمشت ببطء نحوها، ثم همست لنفسها بتحذير مكتوم: - أما أمي... لن أدعها تتخلى عني. لن أسمح بذلك. مهما حدث، مهما قالوا، لن أقبل بأن يُنتزع وجودها من عالمي. شعرت بحرارة تغلي في صدرها، بحرية مشوبة بالغضب، لكنها سرعان ما زفرت بحدة، محاولة السيطرة على ذاتها. - واخيرًا أمسكي لسانك السليط، سوان! قالتها لنفسها كأمر، كعهد يجب أن تلتزم به. لا وقت للانفعالات الآن. هناك ما هو أهم، هناك ما ينتظرها، وهناك معركة يجب أن تخوضها، بقلب بارد، وعقل لا يعرف الرحمة. بعد العاصفة التي اجتاحت عقلها، وبعد زخم الأفكار الذي كاد أن يخنقها، تسلل إلى أذنيها صوتان من خلف باب غرفتها. توقفت أنفاسها لوهلة، وأصغت جيدًا... صوت والدتها، وصوت آخر، صوت جعل قلبها يتوقف قبل أن يخفق بعنف. آدم. شهقت بصمت، هلوسة أخرى؟ أم أنه حقًا هناك؟ لم تسمع صوته منذ موته، منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي اختفى فيه من حياتها، تاركًا خلفه فراغًا لا يمتلئ. ارتجفت أطرافها، ونظرت إلى الباب وكأنه قد يتحول إلى كابوس يبتلعها لو فتحته. لكن قدميها تحركتا رغمًا عنها. خطوة بعد أخرى، ببطء، بحذر، بخوف يرتجف بين أنفاسها. قبضت يدها المرتعشة على مقبض الباب، فتحته ببطء، وكأنها تخشى أن ينهار العالم بمجرد أن تراه. خرجت من غرفتها، عبرت الممر المظلم حتى وصلت إلى المطبخ. وهناك... واقف هو. بشعره الأشقر، بوجهه المشع بتلك البهجة التي لطالما ميزته، يبتسم لوالدتها وكأن شيئًا لم يتغير، وكأن الزمن لم يسلبه من بين يديها. سوان لم تستطع تمالك نفسها، شعرت بشيء ينفجر داخلها، شيء جعل الدموع تتدفق دون وعي منها. - آدم.. خرج اسمه من بين شفتيها بصعوبة، وكأنه عالق في حلقها منذ الأزل. التفت كلاهما نحوها، والدتها وآدم، وارتسمت الدهشة على وجهيهما. أما هو، فقد تجمد في مكانه، مذهولًا برؤيتها تبكي. - سوان؟ ما بكِ؟ من أبكاك؟ تحدث بصوت يحمل خوفًا حقيقيًا، وهو يقترب منها. رفع يده الكبيرة، بحركة مألوفة، ليمسح دموعها المتساقطة. نظر إليها بعينين زرقاوين مليئتين بالقلق، وتذكر... آخر مرة رآها تبكي كانت عندما سقطت من درج المدرسة في أول سنة ثانوي. أما هي، فلم تستطع أن تمنع نفسها أكثر. اقتربت منه، خطوة، ثم أخرى، ثم انهارت في أحضانه، تحتضنه بقوة وكأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها، وكأنه مجرد وهم قد يختفي إن أغمضت عينيها للحظة. أطلقت أنينًا عميقًا، صوتًا موجوعًا، جعل قلبه ينقبض. صمت آدم، لكنه لم يتراجع. لم يسأل، لم يحاول الابتعاد. فقط رفع يده، وبدأ يربت على شعرها الطويل بحنان، كأنما يخبرها دون كلمات أنه هنا، أنه لم يذهب إلى أي مكان. حتى لو لم يفهم ما يحدث، حتى لو لم يستوعب دموعها... كان يشعر بها، وكان ذلك كافيًا. كانت أنفاسها تتسارع، تخرج ممزوجة بالغضب والألم الذي لم تجد له مفرًا. كانت تحتضنه بقوة وكأنها تحاول أن تثبته في هذا العالم، أن تتأكد أنه حقيقي، أنه ليس مجرد وهم سيختفي بمجرد أن ترمش. ثم انفجرت بصوت مختنق، صوت حمل في طياته العتاب والخذلان والخوف الذي سكنها طويلًا. - أيها الأحمق! لماذا تركتني؟ لماذا فرطت بنفسك؟ كيف استطعت أن تفعلها بنفسك؟! صرخت وهي لا تزال ممسكة به، ترتجف بين ذراعيه، تنفث ألمها كما لو كانت تعتقد أن الصراخ سيعيد له عقله، سيعيد لها الأمان الذي سُلب منها منذ أن رحل. حدّق بها بذهول، لم يفهم شيئًا، نظراته المرتبكة تحاول أن تلتقط المعنى بين كلماتها المتكسرة. ثم استدار إلى والدتها وكأنه يبحث عن تفسير، لكن والدتها هزت كتفيها بعجز، لم تكن تملك إجابة، لم تكن تفهم ما يحدث تمامًا. رفعت سوان رأسها، عينيها الغارقتين بالدموع تتأمل ملامحه كأنها تحاول أن تحفظ كل تفاصيله مجددًا. غمازته الصغيرة، شامة تحت عينه، البحرين اللذين أغرقت فيهما آلاف المرات. - كيف فرطت بنفسك؟ ألم أكن سببًا لك في العيش؟! كلماتها خرجت متقطعة، متخبطة، غير قادرة على الرؤية جيدًا من الدموع التي تجمعت حتى حجبت عنها العالم. لكن آدم، رغم حيرته، لم يبتعد. فقط عقد حاجبيه بحنان وأمسك كتفيها بلطف، ليهمس بصوت دافئ، صوت كان يجب أن يكون عزاءً لها لكنه زاد من وجعها: - سواني، ما بكِ؟ لم أفرط بنفسي، لم أفعل شيئًا... هل كنتِ نائمة؟ رأيتِ كابوسًا أنني مت، صحيح؟ لا تقلقي، أنا لن أترككِ، ولن أقتل نفسي. سواني... أنتِ الأكسجين والماء في حياتي، كيف أترككِ؟ كانت كلماته تحمل صدقًا، تحمل ذلك الدفء الذي اعتادت عليه، ذلك الأمان الذي ظنت أنها فقدته إلى الأبد. لكنها لم تستطع تصديقها. لم تستطع تقبلها. انفجرت بالبكاء أكثر، جسدها كله يرتجف، وصرخت بصوت يحمل وجعًا أكبر من أن يُحتمل: - كاذب! حقير! أناني! ثم انحنت على صدره، تنهار من جديد، لا تقوة ان تقول كلمة اخرى، لا تستطيع ان تخبره "لقد رأيت الحبل الذي شنقتَ نفسك به... رأيت صورتك، صورة جسدك المعلق من تقرير الشرطة..." ربت آدم على شعرها بلطف، يده الكبيرة تمتد إلى كتفها، تحاول أن تمنحها ثقلًا من الطمأنينة وسط دوامة الألم التي تجتاحها. مسح دموعها المتدفقة، لكنه يعلم أنها لن تتوقف بسهولة، فسرعان ما عادت تنهمر، تنزلق على وجهها الأبيض كأنهار لا تجد مستقرًا، تبلل وجنتيها وكأنها تحاول محو هذا اللقاء، أو إثبات أنه ليس سوى وهم آخر. نظرت إليه بعينين غارقتين في الغضب، لكنه لم يكن مجرد غضب، بل انكسار، خيبة، شيء أعمق من كل ذلك. نظرة من فقد ولم يجد، من صدّق الرحيل ثم عاد ليواجه ما لا يمكن تفسيره. لكن آدم لم يتراجع، لم يبتعد عن تلك النظرات التي تجرح روحه أكثر من أي شيء آخر. ابتسم لها، ابتسامة هادئة، دافئة، ورفع رأسها قليلًا، ثم طبع قبلة خفيفة على جبينها، كأنه يطلب منها السماح دون أن يعرف عن أي شيء تمامًا. - سواني... روحي... توأمي، لا تبكي، أرجوكِ. أنا أمامكِ، حي أُرزق. قالها بصوت هادئ والدموع تجمعت بعينه، يحمل كل ما لديه من حنان، كل ما لديه من أمل أن تعود إليه، أن تتوقف عن النظر إليه وكأنه شبح، وكأنه شيء لا ينبغي أن يكون هنا. لكن لا فائدة. كانت نظراتها ثابتة، محملة بثقل لا يستطيع احتماله. و تنزل دمعة اخرى بسبب كلمة "تؤام". في البلدة الصغيرة التي كبرا فيها، كان الجميع يعرف آدم وسوان بلقب "التوأم". لم يكن الأمر مجرد تشابه عادي، بل كان أشبه بانعكاس لصورة واحدة في مرآتين مختلفتين. شعرهما الأشقر اللامع، أعينهما الزرقاوان البراقتان، ملامحهما الدقيقة. كل شيء فيهما كان متشابهًا بشكل يثير الدهشة. لم يكن غريبًا أن يُسأل أحدهما عن الآخر كلما ظهر وحده، فقد كان وجودهما مرتبطًا ببعض دائمًا، كأنهما لا يكملان العالم إلا حين يكونان معًا. لكن هذا التشابه الذي بدا للكثيرين كأنه نعمة، كان في الحقيقة لعنة تخفي تحتها كثيرًا من الهمسات والشكوك. في بلدتهم، حيث كان لكل شخص قصة يرويها عن الآخرين، لم تمر ملامحهما المتطابقة دون إثارة الشائعات. بدأت الهمسات تخرج في الأزقة، خلف الأبواب المغلقة، وفي الجلسات المليئة بالثرثرة. "لا بد أن هناك سرًا وراء هذا الشبه! مستحيل أن يكون مجرد صدفة... ربما والدهما لم يكن مخلصًا! أو ربما والدتهما..." انتشرت هذه الأحاديث كالنار في الهشيم، وكلما كبرا، كلما أصبحت الأسئلة أكثر جرأة، والنظرات أكثر شكًّا. لم يكن الأمر مجرد همسات بريئة، بل كان يضع وعائلتهما تحت ضغط لا يطاق. وسط الدموع والارتجاف، وبين الحقيقة والخيال، اخترق صوت والدتها المشهد كالسيف، قاطعًا ذلك الحزن الذي بدأ يثقل الغرفة. - حسنًا، يكفي! اخرجا من منزلي إن كنتما ستبكيان وتفعلا زر الدراما هنا. آه، لماذا ناديتكما أصلًا من أجل الزانيا؟ قالتها بامتعاض واضح وهي تضع يديها على خصرها، وكأنها لم تكن شاهدة على اللحظة العاطفية التي كادت تخنق الأجواء. ساد الصمت للحظة، قبل أن ينفجر الاثنان بالضحك. لم يكن ضحكًا عاديًا، بل كان خليطًا بين الضحك الحقيقي والراحة التي تأتي بعد البكاء الطويل. كانت تلك الجملة كفيلة بإعادتهم إلى الأرض، إلى اللحظة الحالية، إلى شيء أكثر واقعية وأقل وجعًا. التفتا نحو بعضهما، ولا يزال أثر الدموع واضحًا على وجهيهما، لكن هذه المرة، لم يكن هناك ألم نقي فقط. كان هناك شيء آخر، شيء يشبه الطمأنينة، يشبه الشعور بأنهما ما زالا هنا، معًا، رغم كل شيء. آدم ابتسم لها، تلك الابتسامة التي يعرفها الجميع، التي تُظهر غمازته الصغيرة أسفل خده الأيسر. لم تحتج سوان إلى أكثر من ذلك، فبادلته بابتسامة باهتة، نصف حزينة، نصف سعيدة، غير متأكدة من أي المشاعر تسيطر عليها الآن. أخذت نفسًا عميقًا، ثم فصلت يديها عن جسده، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب فوضى عواطفها. اتجهت إلى طاولة الطعام وجلست على الكرسي. أما آدم، فظل واقفًا، يراقبها بصمت، وكأن في داخله ألف سؤال لم يُطرح بعد. ثم وضع آدم كرسيًا وجلس بجانب سوان، أمامهما جلست والدتها، تراقبهما بعينين تملؤهما الألفة، وكأن آدم لم يكن مجرد صديق للعائلة، بل ابن لم تلده، جزء لا يتجزأ من نسيج هذا المنزل. بدأوا في تناول طعامهم، رائحة الزانيا تملأ المكان، لكن رغم دفء اللحظة لم يكن عقل سوان هنا. كان في مكان آخر، في دوامة من الأفكار التي لم تتوقف منذ أن رأته يقف أمامها حيًا. - إذن، آدم، كيف الجامعة؟ وكيف المسكن؟ سألت والدتها، تحدق به وكأنها تحاول أن تلتقط كل تفاصيل ملامحه التي حرمت منها طويلًا. رفع آدم رأسه وابتسم، تلك الابتسامة التي تسبق دائمًا تعليقاته المازحة. - الجامعة لا بأس بها، أستطيع السيطرة على دروسي، بل إنني أستمتع أيضًا. أما المسكن، فهو مريح، لكنني أفتقدكِ يا أمي، أفتقد طعامكِ وتوبيخكِ المخيف. قالها وهو يضع قطعة من الزانيا في فمه، ضاحكًا، ليرسم على وجه والدتها ابتسامة واسعة وهي تهز رأسها بإعجاب زائف. ضحك الجميع، لكن سوان لم تشاركهم تلك اللحظة بالكامل. كانت نظراتها عالقة على آدم، بينما عقلها يغرق في تساؤلاته. آدم انتقل إلى المسكن منذ سنتين، حين قرر أنه لن يستطيع التركيز في المنزل أثناء دراسة الطب. لكنها تتذكر شيئًا آخر، غرفته هناك ليست له وحده. يشاركها مع اثنين من الطلاب. لكن من هما؟ تسارعت نبضاتها قليلًا. هل من الممكن أن يكون أحدهما شادو؟ هل كان قريبًا من آدم طوال هذا الوقت؟ هل آدم يخفي شيئًا؟ بينما كانت تغرق في أفكارها، انتبه آدم لنظراتها التي لم تفارق وجهه، فابتسم بخبث وغمز لها بعينه اليمنى، وكأنه قرأ عقلها بسهولة. - تفضلي، أخبريني ماذا تريدين؟ أخرجي ما بجعبتكِ. قالها بصوت هادئ، لكنه كان محملًا بالتحدي. - هل أنت بخير؟ نظر إليها مستغربًا، لم يكن يتوقع هذا السؤال على الإطلاق. حدّق بها للحظة، محاولًا أن يقرأ ما يدور في ذهنها، لكنه لم يستطع. كان هناك شيء في عينيها، شيء لا يستطيع فك شيفرته. - أنا أكثر من أنني بخير. قالها بحزم، وكأنه يقطع أي شك قد يتسلل إليها. لكنها لم تبدُ مقتنعة، حدّقت به بشك قبل أن تشيح وجهها، تأخذ نفسًا عميقًا وكأنها تحاول أن تهدئ أفكارها. ثم سألته مباشرة، دون مقدمات: - ما أسماء الذين تشاركهم الغرفة؟ و ما هي تخصصاتهم؟ اتسعت عينا آدم قليلاً، مندهشًا من السؤال الغريب. - دانييل، في آخر مرحلة له في الإعلام، ومارك... مارك معكِ في القسم. - من هو مارك؟ ضحك آدم، مستغربًا من جهلها بزملائها. - ألا تعرفينه؟ كيف لا تعرفين زملاءكِ؟ أيتها المتوحّدة الكئيب— لكن قبل أن يكمل سخريته، وضعت قطعة لازانيا كبيرة في فمه لتسكتْه، فتوقف على الفور، يحدق بها بنظرة مدهوشة، بينما تحاول هي كتم ضحكتها. كانت على وشك قول شيء، لكن فجأة صوت إشعارات هاتفها قطع الأجواء. أخرجت الهاتف من جيبها، تفتحه بملل، لكنها سرعان ما شعرت بانزعاج متزايد وهي ترى سيل الرسائل القادمة من مجموعة قسمها. بدأت تقرأ بصمت، عيناها تتحركان بسرعة فوق الكلمات. ثم سقطت الشوكة من يدها. ارتفع صوت سقوطها على الطاولة، ليجعل آدم ووالدتها يحدّقان بها باستغراب. لاحظ آدم كيف شحب وجهها، كيف بدأت عيناها ترتجفان، وكأنها تستعيد ذكرى مرعبة، شيء لم تكن مستعدة له. رفعت رأسها إليهما، تحاول التحدث، لكن الكلمات خرجت بصعوبة، بصوت مرتجف: - مارسيليا... قُتلت. تبادل آدم ووالدتها النظرات، قبل أن يتحدثا في آن واحد، بصوت واحد: - من هي مارسيليا؟ لكن سوان لم تجب فورًا، بل وضعت يدها على رأسها، تحاول جمع أفكارها. كيف نسيت؟! كيف يمكنها أن تنسى كل تلك المصائب التي حدثت؟! مارسيليا كانت أول ضحية في سلسلة جرائم قتل متسلسلة. في هذا اليوم، وُجدت جثتها بجانب البحيرة. وجدو بعض الأماكن مقطوعة مثل خلف الأذن، جانبي الرقبة، المعصم، داخل مرفق اليد، خلف الركبة و الكاحل. فقدت كميات هائلة من الدم حتى ماتت، وعلى جلدها، على معصمها تحديدًا، كان هناك نقش كُتب بشمع أحمر: ASH وكانت مارسيليا مجرد البداية... بعدها، جاء ثلاثة ضحايا آخرين... ✩࿐࿔ ( يمكنك ترك ملاحظة) حسابي على إنستقرام: lll3i.iii
lll3iii