حُوت ال52 هِرتز

حُوت ال52 هِرتز

23 0

قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني.

فكأنني موجٌ يُلاطِمُ نفسهُ البحرُ

صدري و الفؤادُ غريق

✩࿐࿔

اتصلت على آدم، لكنه لم يرد. انتظرت للحظات، ثم أعادت الاتصال مرة أخرى، هذه المرة لم تنتظر طويلًا. رن الهاتف لبضع ثوانٍ، ثم جاء صوته على الطرف الآخر، باردًا، خاليًا من أي انفعال:

- نعم؟ 

توقفت لوهلة، استغربت البرودة التي تسربت من صوته، لم يكن آدم هكذا أبدًا، كان دائمًا يحمل في نبرته دفئًا خفيًا، حياة، حتى في أتفه الأحاديث، لكنه الآن... بدا وكأنه شخص آخر تمامًا. 

قالت بسرعة، وكأنها تخشى أن يغلق الهاتف قبل أن تكمل: 

- هل أنت بخير؟ أنا أمام مسكنك الطلابي، تعال. 

انتظرت، أنفاسها متلاحقة رغم أنها لا تجري، شعرت بشيء غريب، إحساس ثقيل يجثم على صدرها. الصدمة أنه أغلق الهاتف دون نطق أي حرف.

رفعت حاجبها الأيسر، مطّت شفتيها السفلية بغضب مكبوت، لم يكن من عادته أن يتصرف بهذه الطريقة، لكنها تجاهلت ذلك للحظة وأعادت الاتصال به، لكنه لم يجب.

مرة، مرتان، ثلاث... لا إجابة.

بعد محاولات كثيرة، شعرت أن صبرها بدأ ينفد، كانت على وشك الرحيل، لكن مناداته لها أوقفتها. تجمدت للحظة، ثم أدارت جسدها للوراء لتراه واقفًا هناك، يحدق بها.

بلا تردد، مشت نحوه سريعًا، ضربت كتفه بقوة، الغضب يتصاعد في داخلها.

- تستطيع إخباري أنني سأنزل، هذا أفضل من أن تغلق المكالمة هك- 

- ماذا تفعلين هنا؟ لماذا جئتِ؟ 

قاطع انفعالها بسؤالين، أبرد من بعضهما. لم يكن فقط باردًا، بل كان لامباليًا... بطريقة جعلت جسدها يقشعر. ما به؟

- لماذا؟

يبدو وكأن هناك جدارًا غير مرئي بينهما؟ دون أن تشعر، بدأت تعبث بعصبية بأصابع يدها اليسرى، العواصف في رأسها تدمر الحديقة التي تحتفظ بها روحها. لا تعلم ماذا تقول له، أو ربما... لا تستطيع.

وكأن أحدًا ما ربط لسانها، سلب منها القدرة على التعبير.

زفرت أنفاسها، تقلب عينيها بانزعاج ظاهر، ثم أعادتهما إليه، تحدّجه تمامًا كما يفعل.

- أفصح عمّا في جعبتك، ما الذي حدث؟ هل تشاجرت مع والدك؟ 

قالتها بحنان. آدم ووالده... كثيران الشجار، وخصوصًا بعد وفاة والدته. لقد انتحرت عندما كانوا في الابتدائية.

علاقتهما بردت تمامًا، آدم أصبح أكثر بعدًا، أكثر عزلة، حتى أنه اختار البقاء في السكن الطلابي رغم أن منزله ليس بعيدًا عن الجامعة.

الآن، وهو يقف أمامها بهذا البرود... شعرت أن هناك شيئًا آخر، شيئًا أعمق من مجرد شجار مع والده.

ينظر لها بحدة، عينيه تضيّقان كأنه يحاول قراءتها، ثم فجأة... تتغير نظراته. شيء فيها يصبح أعمق، أكثر ثقلاً، زرقاوتاه تتلألآن تحت ضوء الشارع الخافت، وكأن هناك شيئًا داخله يقاوم الانكسار. ثم... ينحني. بدون مقدمات، أسند رأسه على كتفها.

لم ينطق بكلمة، لم يعلّق على شيء، فقط ظلّ صامتًا...هادئًا أكثر من نسمات الصيف. شعرت بأنفاسه تتباطأ، وكأن كل الضجيج في داخله توقف للحظة، فقط في هذه اللحظة. رفعت يدها اليمنى ببطء، بدأت تداعب شعره الأشقر، خصلاته الناعمة تنساب بين أصابعها.

لم تقل شيئًا أيضًا. لا حاجة للكلمات... ليس الآن.

الكثير من الطلاب يمرون بجانبهما، بعضهم يحدّق بهما باستغراب، والبعض الآخر يهمس بتعليقات ساخرة، أحدهم يقول: هذا ليس مكانًا للمغازلة أمام المسكن الطلابي!  والبعض الآخر... يحسدهم. يريد أن يعيش لحظة مثل هذه. ومنهم من يملؤه الفضول، من هما؟

لكنها لم تهتم، لم تهتم لأي نظرة، لأي تعليق، فقط شعرت بثقل آدم على كتفها، ببرودة الهواء من حولهما، وبالسؤال الذي ألحّ عليها أكثر من أي شيء آخر.

خفضت صوتها، همست له، وكأنها تخشى أن يهرب الجواب: 

- من الذي أحزنك؟

لم يُجبها لوهلة، وكأن السؤال كان أثقل مما يريد الاعتراف به. ثم، بهدوء، أبعد رأسه عنها، نظر إليها للحظة قبل أن يرسم على شفتيه ابتسامة حانية، تلك الابتسامة التي اعتادت رؤيتها منه، لكنها الآن... شعرت بأنها ليست حقيقية تمامًا.

- لم يحزنني أحد، ولم أتشاجر مع أحد. يبدو أن هرموناتكِ بدأت تأتي إليّ. 

قالها ضاحكًا، وهو يقرص خدها بأصابعه كمقص، حركة اعتاد أن يفعلها كلما أراد تخفيف التوتر، وكأنه يريد أن يُثبت أنه بخير... حتى عندما لا يكون كذلك. 

قلبت عينيها له، ابتسمت، لكن داخلها لم يكن مطمئنًا.

هناك شيء... شيء غير مريح، لكنه لا يريد قول الحقيقة. صمتت للحظة، ثم فجأة، أخرجت طلبها بكل جرأة:

- آدم، خذني إلى غرفتك، أريد رؤيتها. 

نظر إليها باستغراب واضح، لم يتوقع هذا الطلب، رفع حاجبه قليلاً وكأنه يحاول فهم نواياها. 

- لماذا؟ 

- فقط لدي فضول عن غرفتك. 

قالتها ببساطة، دون أن تظهر نواياها الحقيقية. أدار رأسه نحو بناية المسكن، يحدّق بحدة، كأنه يقيّم الوضع، ثم أعاد نظراته نحوها.

- حسنًا، يبدو أن الحارس ليس موجودًا. 

قالها وهو يمسك بقبعة معطفها الأسود، سحبها ليُغطي رأسها، دعس خصلاتها الشقراء تحت القماش حتى لا يُلاحظ أحد وجود فتاة في مسكن الذكور.

تحركا بسرعة نحو الداخل، خطواتهما ثابتة لكن حذرة.

ركبا المصعد، ضغط آدم على زر الطابق الرابع، وقفا بصمت، سوان تشعر بأنفاسها تتسارع، الإثارة والقلق يختلطان داخلها. لم يكن مجرد فضول... كانت تبحث عن إجابة.

وصل المصعد إلى الطابق الرابع، تُفتح الأبواب، يتقدمان بهدوء. كان الممر شبه فارغ، فقط بضعة طلاب يعدّون على الأصابع، بعضهم منشغل بهواتفهم، وآخرون بالكاد لاحظوا وجودهما.  تقدما نحو باب الغرفة 71، سوان تراقب كل شيء حولها، تحاول التقاط أي تفاصيل صغيرة قد تكون ذات أهمية. 

أدار ادم المقبض ببطء... وفتح الباب. سوان متحمسة، عيناها تتألقان وهي تخطو إلى الداخل، ليست فقط لرؤية غرفة آدم، ولكن... لرؤية من يسكن معه، لرؤية المكان الذي قد يخفي شيئًا يوصلها إلى شادو.

لكنها انصدمت عندما وجدت الغرفة فارغة تمامًا، لا يوجد أحد. توقعت أن ترى أحد زملاء آدم، أن تواجه أحدهم، أن تجد شيئًا يدلها على أي شيء... لكن كل ما وجدته هو الصمت.

خطت ببطء إلى الداخل، عيناها تمسحان الغرفة بدقة. على يمين النافذة، سرير منفصل، مرتب بعناية، ملاءته داكنة اللون، بسيطة. وعلى يسارها، سريران منفصلان فوق بعضهما، أحدهما غير مُرتب بالكامل، وكأن صاحبه خرج على عجل.

في وسط الغرفة، طاولة كبيرة، سطحها مليء ببعض الكتب، أوراق متناثرة، كوب قهوة نصف ممتلئ، وأشياء أخرى لا تملك وقتًا لتمعنها الآن.

أما عند مدخل الغرفة، ثلاث خزانات ملابس مصطفة بجانب بعضها، مغلقة بإحكام، دون أي فوضى ظاهرة. 

لكن ما لفت نظرها لم يكن الأثاث... بل اللوحة المعلقة على الحائط. كانت بجانب النافذة، فوق السرير المنفصل. لوحة غريبة.

تُظهر اللوحة مشهدًا يجمع بين البرّ والبحر بطريقة غامضة ومهيبة. في المقدمة، هناك شخص يقف على شاطئ رملي، يواجه المحيط الهائل أمامه. خطواته واضحة في الرمال خلفه، وكأنه وصل إلى هذا المكان بعد رحلة طويلة. في السماء المائية الممتدة أمامه، يطفو حوت ضخم في عمق المحيط. شعرت بقشعريرة خفيفة، لا تعلم لماذا، لكنها لم تستطع إبعاد عينيها عن تلك اللوحة.

ذهبت عيناها إلى زاوية الرسمة، وهناك، في الأسفل، كان يوجد توقيع. اقتربت أكثر، حدقت بتركيز محاولة قراءة الاسم، لكن الخط كان غامضًا، متداخلًا مع الظلال الزرقاء في الخلفية، كأن من كتبه لم يرد لأحد أن يقرأه بسهولة.

- ليون هو من رسمها.

جاء صوته مقاطعًا فضولها، التفتت نحوه، نظرتها فارغة من الملامح. ليون... تذكرت الاسم فورًا، صديقه المقرب، الذي يبدو أنه أقرب إليه منها حتى.

ليون... الشخص الذي لم يتوقف آدم عن الحديث عنه عندما دخل الجامعة.  كانت تتذكر كيف كان آدم يتحدث عنه يوميًا، عن صداقتهم، عن تفاصيل صغيرة تخصه، وكأن ليون أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياته.

- هل هو رسام؟

سألت بصوت هادئ، تحاول أن تفهم أكثر عن هذا الشخص الذي يبدو أن له أثرًا عميقًا في حياة آدم. 

- يقول إنه ليس رسامًا، لكنه واقع في حب الرسم.

قالها مبتسمًا بمرح، عادت نبرته القديمة، خفيفة، مليئة بالحياة. سوان رفعت حاجبها باستغراب، كيف تبدل مزاجه بهذه السرعة؟ قبل لحظات كان باردًا، ثقيلًا، وكأن شيئًا ما يثقل كاهله، والآن... عاد نشاطه القديم، عاد الضحك في صوته. هل ليون هو السبب؟ شعرت بوخزة غيرة داخلها. ليون الذي جعل آدم يبتسم هكذا؟ لم تكن تكره ليون، لكنها  لم تستطع منع نفسها من الشعور بالغيرة.

- حسنًا، وهل لهذه اللوحة معنى؟

قالتها وهي تعود بنظرها إلى الحوت والشخص الواقف أمامه، أفكار كثيرة تدور في رأسها. 

- كل لوحات العالم لها معانٍ عميقة، لا أظن أن صديقك رسمها فقط للمتعة.

هز آدم رأسه لها، ثم اقترب منها، وضع يده على كتفها، صوته هادئ لكنه يحمل وزنًا خفيًا، شيئًا لم تعهده منه من قبل:

- نعم، لها معنى، قال لي قصة اللوحة من قبل. 

نظر إلى اللوحة بعينين زرقاوين تحملان شيئًا أعمق من مجرد إعجاب بلوحة، وكأن القصة محفورة بداخله.

- الحوت "52 هرتز" هو أحد أكثر المخلوقات غموضًا في المحيط، ويُعرف باسم "أكثر الحيتان وحدةً في العالم."

صمت للحظة، وكأنه يستجمع كلماته، ثم تابع بصوت أكثر هدوءًا، كأن كل كلمة تطفو على سطح ذاكرته قبل أن ينطق بها.

- ما يجعله مميزًا هو أن صوته مختلف عن بقية الحيتان، يصدر نداءه بتردد 52 هرتز، بينما تتواصل الحيتان الأخرى بترددات أقل، بين 15 و25 هرتز، وهذا الاختلاف يجعله غير مسموع للحيتان الأخرى. ينادي، يغني، يصرخ في المحيطات الشاسعة... لكن لا أحد يسمعه.

كلماته تخللت الغرفة، أخذت سوان لحظة لاستيعاب ما يقوله، شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها.

- لعقود، كان هذا الحوت يجوب المحيط وحده، صوته يرتد في المياه لكنه لا يجد إجابة. يحاول التواصل، يرسل نداءات لا تلقى صدى، لا أحد يعرفه، لا أحد يفهمه، لكنه يستمر في النداء رغم ذلك.

لقد راقبه العلماء لسنوات، تتبعوا رحلته في المياه العميقة، لكنه بقي لغزًا حيًا، وحيدًا وسط أضخم كائنات البحر. هذه القصة أصبحت رمزًا عالميًا للوحدة، يتحدث عنها الفنانون والكتاب، يرى البعض فيها تشبيهًا للبشر الذين يشعرون بأنهم غير مسموعين، بأن أصواتهم تسبح في عالم مليء بالضجيج، لكنها لا تجد استجابة.

سوان ظلت تنظر إليه، مذهولة. لم يكن فقط محتوى القصة ما أدهشها، بل آدم نفسه. طوال أكثر من عشر سنوات وهما معًا، لم يحدث أبدًا أن وقف أمام لوحة وشرحها لها، لم يكن منجذبًا للفن كما هي، لطالما كانت هي من تحكي له عن القصص، عن الرسومات، عن تفاصيل الصغيرة.

لكن الآن... ها هو يتحدث، بصوت هادئ، بعمق، وكأن هذه اللوحة تحمل شيئًا أكثر من مجرد ألوان وخطوط مرسومة على قماش.

يقطع هدوءهما صوت الباب يُفتح. استدارا بسرعة، عيونهما تتسع بترقب، وكأن اللحظة التي كانت تسبح في صمت عميق اصطدمت بواقع أكثر صخبًا. مارك... وأندرياس. وقفا عند المدخل، مارك يبدو هادئًا كعادته، بينما أندرياس يرفع حاجبه مستغربًا عند رؤية سوان. وسوان كذلك.

بسرعة، رفعت رأسها وحدّقت في آدم، تبحث عن ردة فعله. لكنه... كان يبتسم لهما بفرح. كأن وجودهما كان أمرًا طبيعيًا، بل ومرحبًا به.  شعرت بشيء غريب، إحساس ثقيل يزحف ببطء داخل صدرها، وكأن شيئًا لا يتناسب مع الصورة التي رسمتها في عقلها.

- يبدو أن لديك زائرًا، يا سيد آدم.

قالها مارك ضاحكًا، وهو يغلق الباب بهدوء متعمد، كأن الأمر لم يكن مفاجئًا له على الإطلاق. 

آدم ابتسم له، بلا أي أثر للارتباك، وكأن الموقف طبيعي تمامًا، ثم رفع ذراعه، أحاط بها رقبة سوان من وراء بلطف، يقربها إليه وكأنه يعرّفها رسميًا على عالمه الآخر.

- أعرفكما، هذه صديقة طفولتي، سوان.

ثم أشار نحو الشابين اللذين يقفان أمامها. 

- سوان، هذان صديقاي، زميل الغرفة مارك، وزميل الدراسة أندرياس.

سوان لم تتحدث، لم تعلق، لم تُظهر أي رد فعل واضح. اكتفت بالصمت. هزت رأسها بهدوء، لكن عقلها كان في عاصفة لا تهدأ. مارك... أندرياس... آدم... معًا؟ كل شيء كان يبدو عاديًا جدًا، طبيعيًا جدًا...

- لماذا هو هنا؟

أردفت بانزعاج، تقصد أندرياس، عيناها تضيقان وهي تحدق بصديقها آدم، وكأنها تنتظر إجابة تبرر وجوده. رفع أندرياس حاجبه، نظر إليها وكأنها مجرد مصدر إزعاج، ثم قلب عينيه بانزعاج تام.

- وهي لماذا هنا؟ هذا مسكن الفتيان.

رد ببرود، عيناه تتحولان إلى آدم وكأنه يطالبه بتفسير وجودها. مارك وآدم تبادلا نظرات غريبة، ثم فجأة،  أطلق آدم ضحكة خفيفة.

- ما بكما؟ سوان أرادت أن ترى غرفتي، وأندرياس صديقنا، يأتي إلى الغرفة متى يشاء.

لم يعجبها كلامه. عقدت ذراعيها حول صدرها بانزعاج واضح، تقطب حاجبيها، ثم تلاقت عيناها بعيني أندرياس، نظرة محملة بالتحدي والضيق. وفي نفس اللحظة... كلاهما قلب عينيه للآخر. حرب صامتة.

لكن قبل أن يستمر التوتر أكثر، قاطع مارك الأجواء بسؤاله، نبرته كانت هادئة لكنها قطعت التوتر كسكين: 

- آدم، أين دانييل؟

توقفت العيون المتوترة، جميعهم نظروا إليه، وأولهم سوان، لأن لديها الفضول نفسه. آدم هز كتفيه بعدم اكتراث، وكأنه لم يلحظ غيابه إلا الآن.

- لا أعلم، منذ الصباح وهو ليس موجودًا، حتى عندما استيقظت لم أره، خرج مبكرًا.

قالها وهو يحدق بسرير دانييل العلوي، نبرته لم تحمل أي قلق.

بينما آدم يتحدث مع زملائه، كانت سوان غارقة في أفكارها، ذهنها مشتت بين الأسئلة التي لم تجد لها إجابة، الأسئلة التي ظلت تدور في رأسها كعاصفة لا تهدأ. لماذا أندرياس ليس شريرًا مع آدم؟ لماذا لا يُناديه بشادو؟ لماذا يبدو كصديقه؟ هل يخفي حقيقته؟ هل سيظهر وجهه الآخر في المستقبل؟ وأين هو ذاك دانييل؟ كل شيء يشعرها بغرابة، بعدم تناسق، وكأن الأمور لا تسير كما ينبغي.

أدارت جسدها عنهم، راحت تتأمل اللوحة الغامضة من جديد. لماذا آدم يعلّقها في غرفته؟ هل تمثل له شيئًا أكثر من مجرد فن؟ لكن أفكارها قاطعها صوت مارك، يأتي بهدوء لكنه يضرب كالسهم في عقلها. 

- هذه اللوحة جميلة جدًا، أشعر بالهدوء عند رؤيتها، لكن آدم قال إنه يشعر بالوحدة والعُزلة عند النظر إلى لوحة ليون.

قالها مارك وهو ينظر إلى اللوحة، ثم إلى آدم بابتسامة غامضة، كأن كلماته تحمل معنى أعمق مما يبدو.

سوان تجمدت في مكانها، نظرتها انتقلت بين مارك وآدم، تراقب ردات الفعل، تبحث عن شيء مخفي بين الكلمات.

- آدم، هل قلت إنها تمثل الوحدة والعزلة، لكنها أيضًا عن القوة الداخلية التي يجدها الإنسان في وحدته؟

نظر آدم إلى مارك بتوتر واضح. وكأنه يحاول أن يمنعه من قول المزيد. لكن مارك استمر.

- أتذكر أنك قلت لي دائمًا ما كنت تشعر بهذه الوحدة، أليس كذلك؟

شعرت سوان وكأنها تلقت صفعة على وجهها. عقلها توقف عن التفكير للحظة. آدم... يشعر بالوحدة؟

لم تكن تعلم ذلك، لم يكن يخبرها بهذه الأشياء، كانت تعتقد دائمًا أنه بخير، أنه قوي. لكن الآن...

كلماته التي لم يقلها بصوته، بل على لسان مارك، جعلت شيئًا ما يتصدع داخلها.

لاحظ أندرياس التوتر الذي يسود المكان، لم يكن من النوع الذي يهتم كثيرًا بمشاعر الآخرين، لكنه كره الصمت المشحون الذي خيم فجأة، فتدخل قائلاً بصوته اللامبالي: 

- دعونا لا نثقل على آدم بأشيائه الخاصة. الأهم من هذا أنه سعيد الآن، أليس كذلك يا آدم؟

تحولت الأنظار إلى آدم، الذي ابتسم لأندرياس أولًا، ثم نقل نظره إلى سوان، ابتسامته أصبحت أكثر دفئًا، أكثر حنانًا.

- بالطبع، سعادتي أمامي، كيف لا أكون سعيدًا؟

قالها وهو يقرص خدها كما اعتاد دائمًا، حركة بسيطة،

لكن... رغم دفء كلماته، لم تكن كافية لتبديد الشكوك التي بدأت تتسلل إلى قلب سوان.

تشعر بأن هناك الكثير من الأسرار التي يخفيها عنها، أشياء لا تراها، أشياء ربما كانت أمامها طوال الوقت لكنها لم تدركها. هل هي حقًا تعرف آدم؟ رغم كونهما صديقين منذ نعومة أظافرهما... هل كانت تراه بوضوح، أم فقط ترى الصورة التي أرادت تصديقها؟

تنهدت بتعب، حاولت طرد الأفكار التي بدأت تثقل رأسها، ثم قالت بصوت هادئ: 

- سوف أعود للمنزل، أشعر بالتعب، كان يومي طويلًا.

آدم لم يبدُ مقتنعًا، نظر إليها بتركيز، ثم سأل بصوت يحمل بعض القلق: 

- هل أنتِ متأكدة أنه لا يوجد شيء آخر يزعجك؟

ارتجف قلبها لوهلة. هل يقولها بدافع الاهتمام؟ أم أنه يشك في شيء ما؟ لكنها لم تكن مستعدة لهذا النقاش الآن، ليس أمام مارك، او بالأصح ليس أمام أندرياس.

- أجل، أنا بخير، لا تقلق.

قالتها بصوت هادئ، ثم ابتسمت له بلطف، بابتسامة لم تصل لعينيها حقًا.

أومأ لها بصمت، لم يحاول إقناعها بالبقاء أو مناقشتها أكثر، فقط التفت إلى مارك وأندرياس قائلاً:

- سأوصل سوان للمنزل، انتظروني هنا.

لكن سوان، دون تفكير، ردّت بحدّة غير متعمدة: 

- سأذهب وحدي.

خرجت كلماتها كالسهم، لم تكن تقصد أن تبدو قاسية، لكنها لم تستطع منع نفسها.  آدم حدّق بها بحزن، عينيه امتلأتا بإحساس لم تفهمه تمامًا.

هو يعلم... يعلم أنها منزعجة مما حدث قبل قليل، يعلم أن شيئًا في داخلها بدأ يتصدع، لكنه لا يعرف كيف يبرر لها، ولا يعرف ماذا يقول.

- حسنًا، سأوصلكِ للأسفل.

قالها بحزن تام، لم يجادل، لم يُصر على إيصالها للمنزل، لأنه يعرف... إذا طال الحديث، سيفتح هذا الموضوع، والآن... يريد الهرب من النقاش.

وضع يده أسفل ظهرها بلطف، أرشدها خارج مسكنه، نحو البوابة. الهواء البارد لفّهما بصمت، وقفا أمام المبنى، لا شيء سوى أصوات بعيدة للطلاب العابرين. 

ثم... بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن تخونها مشاعرها، قالت: 

- اعتنِ بنفسك، ولا تنسَ تناول طعامك، إياك أن تفوت وجباتك، هل فهمت؟

آدم ضحك بلطف، هز رأسه، نظر إليها بحنان خفي، ثم ردّ بصوت دافئ:

- لا تقلقي عليّ، اعتني بنفسكِ أنتِ أيضًا.

ثم... احتضنها. كان عناقًا دافئًا، ليس مجرد وداع، بل محاولة منه لإيصال مشاعره دون الحاجة للكلمات. وكأنها لو استمعت لقلبه الآن، ستفهم كل شيء.

سوان ربتت على ظهره، ثم فصلت حضنه، ابتسمت له بلطف، محاولةً أن تبدو طبيعية.

- آه... كم أحب رائحة البِترِيشور التي فيكِ.

قالها ضاحكًا، نبرته خفيفة. بتريشور... تلك الرائحة الترابية المنعشة التي تتصاعد بعد المطر على أرضٍ عطشى. نظرت إليه مستغربة، ثم ضحكت هي الأخرى، لم تعلّق، فقط ابتسمت.

ودعته بهدوء، ثم استدارت وبدأت بالسير بعيدًا عنه.  لكن عقلها لم يكن هادئًا مثل خطواتها. ضجيج الأفكار لم يتركها. لماذا قال مارك ذلك فجأة؟ هل آدم حقًا يشعر بالوحدة والعزلة؟ هل لا يزال يشعر بها...؟

كانت غارقة في بحر أفكارها، الأحداث تدور في عقلها كدوامة، حتى قطع شرودها صوت ذكر يناديها.  توقفت قدماها. أدارت رأسها فقط لتلمح أندرياس. رفعت حاجبها، الانزعاج يغمر وجهها بالكامل، وكأن مجرد رؤيته كافٍ لإفساد يومها أكثر. 

اقترب منها بلا ملامح، خطواته هادئة لكنها تحمل ثقلًا خفيًا. كان أطول منها بقليل، شعره البني مبعثر بطريقة فوضوية لكنها متعمدة، وعيناه العسلية تبرزان تحت ضوء الشمس المتلاشية. السماء بدأت تبتلع نور النهار، الغروب ينساب ببطء، الأجواء تزداد برودة.

- ماذا تريد؟

تحدثت ببرود، بصوت يحمل نفاد الصبر والحدة معًا.

- أريد أن أتحدث مع صديقة صديقي.

- لا أريد مخاطبتك، أنا لست في مزاج يسمح لي بتحمّلك، وداعًا.

قالتها دون تردد، واستدارت، رسمت خطواتها على الأرض محاولة الابتعاد، لكن...

لم يكن من النوع الذي يستمع لكلمة "وداعًا". بدأ بالمشي بجانبها، غير مكترث لكلماتها، وكأنها لم تقل شيئًا. كان وجوده ثقيلًا، كأن حضوره نفسه اختبارٌ لصبرها.

لكنها استمرت في المشي، تجاهلته، حاولت طرده من محيطها، إلى أن...

- يبدو أنكِ تأثرتِ عندما علمتِ أن صديقك يخفي شيئًا.

توقفت... تجمدت. الدماء في جسدها بردت، وجهها بهت كالموتى.

كيف...؟ رفعت رأسها ببطء، حدّقت فيه، عيناه لم تكن ساخرة كما توقعت، بل كانت جادة... حادة...

وكأنها تحمل شيئًا لا تستطيع قراءته بالكامل. شيئًا جعل قلبها يضيق.

- لا أعلم إن كنتِ متعمدة عدم الاكتراث بحياة آدم.

كانت كلماته كالسكين، قاسية، مباشرة، لا مجال للهروب منها.

- ثلاث سنوات وأنا أعرفه، لكن ولا يوم رأيتكِ تزورينه. لا في القسم، ولا في المسكن. لا تحاولين لأجله كما يحاول هو لأجلك.

صوته كان حادًا، يحمل في داخله شيئًا لم يكن مجرد غضب... بل عتاب ثقيل.

- لا أعلم إن كانت هذه تُسمى أنانية منك، أم شيئًا آخر. لقد أوقفتُ التوتر هناك ليس لأجلكِ، بل لأجله. أردت أن أعاتبكِ كما أفعل الآن، لكن لم أستطع... لأنه كان موجودًا.

نبرته لم تكن مجرد استهزاء أو غضب، كانت أقرب إلى سخرية مؤلمة، سخرية شخص يرى شيئًا مكسورًا منذ وقت طويل، لكنه لم يخبر أحدًا بذلك.

- هل تسمين نفسكِ صديقة؟ هل هذه صداقة؟

كانت كلماته الأخيرة أشبه بطعنة مباشرة في صدرها.

تحدق به، مندهشة، مكسورة... وكأنها تحولت فجأة إلى قطع صغيرة لا يمكن جمعها. قلبها ينبض ببطء... وكأنه يحاول استيعاب ما يحدث.

- إنه يعاني بصمت، معاناته تصرخ لترينها، ولكن الجميع يراها... إلا أنتِ.

أطلق سهامه الأخيرة بلا تردد، بلا رحمة، وكأن كل كلمة كانت سكينًا جديدة تغرس في قلبها.

- لا يخبرنا لأنه ليس قريبًا منا، لكنه قريب منكِ... ومع ذلك، أنتِ لم تسألي.

سوان لم تعد قادرة على التنفس، الدموع بدأت تنهمر من عينيها بلا إرادة، بلا قدرة على التوقف.

لا تستطيع الرد، لا تستطيع حتى فتح فمها للدفاع عن نفسها. لأنه... محِق.

- لا تنتظري من أحد أن يأتي إليكِ ليشكي همومه، دائمًا ما يكون على الطرف الآخر أن يسأل عن مشاعر الشخص، حتى يبدأ في إظهار ما يزعجه.

كلماته كالرصاص، لم يكن يهتم بمدى قسوتها، أو بمدى تحطيمها لها.

كانت الحقيقة التي لم تواجهها من قبل، لكنها الآن تنهار أمامها كجدار هشّ ضربه الواقع بعنف. شهقت، نحيبها بدأ يعلو، زادت دموعها، حاولت أن تسيطر على نفسها، لكنها لم تستطع.

أدارت جسدها، لم تستطع مواجهته أكثر، لا يمكنها تحمل النظر في عينيه التي تعكس قسوة لم تكن مستعدة لها.

بدأت تمشي.

رأسها مطأطئ، عيناها مغشيتان بالدموع، لا ترى أمامها شيئًا، كل شيء ضبابي، مشوش، لكنها لم تتوقف.

تمشي... تمشي فقط، تهرب من صوته، من الحقيقة التي اصطدمت بها بشدة.

لكنها لم تكن وحدها. أندرياس... كان يتبعها. خطواته ثابتة، ليست متسرعة، ليست مترددة، وكأنه لن يتركها تسقط أكثر مما سقطت.

انه محق في كل حرف نطق به، لم تكن تعرف معانات،  لم تسأله من قبل، لم تحاول زيارته، لم تحاول معرفة أصدقائه، لا تعرف غير المدعو ليون لأن آدم دائمًا ما يتحدث عنه. ولكن غير ذلك لا تعرف أي شيء عنه منذ دخولهم الجامعة. 

في المستقبل لقد انتحر، فرط بنفسه، وهي لم تستطع معرفة لماذا. لأنها لم تحاول معه من قبل. 

لطالما رأته بخير، رأته الأفضل، الأقوى، الشخص الذي لا يمكن أن يسقط. لكنها كانت مخطئة. توقفت لوهلة، لم تعد قدماها تستطيعان حملها، قوتها نفدت تمامًا. 

جلست على الأرض الباردة، يداها ترتجفان، رفعت كفيها لتغطي وجهها، وبدأت في النحيب، في الانكسار. 

كل شيء انفجر دفعة واحدة، الحقيقة التي تهرب منها، الذنب الذي كانت ترفض الاعتراف به، الخوف من أن تكون قد خسرت آدم بالفعل حتى قبل أن يموت. 

وقف خلفها، أندرياس، صامتًا.  لم يتكلم، لم يقترب، لكنه لم يبتعد أيضًا. نظر إليها بشفقة، لكنها لم تكن شفقة ندم. لأنه لم يكن نادمًا على أي حرف قاله لها.

وبعد فترة من الانهيار منها، وانتظار صامت منه، مسحت دموعها بقسوة، وكأنها تريد محو كل أثر لانكسارها، ثم وثبت من مكانها بسرعة، نظراتها تشتعل بشرارات غاضبة. 

حدقت في أندرياس مباشرة، عيناها لم تكن فقط غاضبة، بل كانت تحمل شيئًا أعمق، حقدًا ممزوجًا بحزن موجع. 

- إن كنتَ أنت السبب... سأدفنك حيًا. 

أفصحت عن حقدها دون تردد، كلماتها خرجت كتهديد، كقسم لن تتراجع عنه. ثم استدارت وابتعدت عنه، خطواتها حازمة، ثقيلة، وكأنها تحمل داخلها معركة كاملة. 

لكنه لم يتبعها هذه المرة. وقف في مكانه، راقبها ترحل، عيناه هادئتان، غير مكترثتين، وكأنه كان يعلم أنها ستكون بخير. ستستطيع العودة وحدها. لم يهتم لتهديدها، لم يتأثر بغضبها. ولم يهتم بجملتها. فقط أدار ظهره وعاد أدراجه.

إلى أن وصلت للمنزل، دخلت ووجدت المكان هادئًا، علمت فورًا أن والدتها غير موجودة.  نزعت حذاءها وتوجهت إلى الداخل، خطواتها مثقلة وكأنها تسحب خلفها حملًا لا يُرى. دخلت غرفتها، خلعت معطفها ورمته جانبًا، ثم جلست على السرير بصمت، غارقة في أفكارها، تشعر بالضياع بين دوامات عقلها التي لا تهدأ. 

عيناها البحريتان محمرّتان، وانتفخ الجلد تحتهما بسبب البكاء، ملامحها مرهقة، جسدها لا يشعر بأي طاقة، لكنها لم تكن بحاجة إلى النوم، بل إلى الوحدة.  إلى الهدوء. إلى أن تستوعب كل ما حدث اليوم.

أخرجت هاتفها، فتحت ألبوم الصور، ووقعت عيناها على صورة تجمعها بآدم، كان يضحك، ابتسامته المشرقة المعتادة، التي اعتقدت أنها تعرفها جيدًا. 

لكن الآن، وهي تحدق في الصورة، شعرت وكأنها تنظر إلى شخص غريب، أو بالأحرى، شخص لم تفهمه كما كانت تظن. حاولت منع دموعها من الانهيار، حبست أنفاسها للحظة وهي تتساءل في أعماقها. 

"هل هو نفس الشخص الذي أعرفه؟ أم أن هناك شيئًا لا أعلمه؟ من الذي آذاه؟ ما الذي جعله يشعر بالوحدة رغم كل هؤلاء الذين حوله؟"

- رغم أنني كنت هناك، لماذا لم أكن قادرة على رؤية ذلك؟ 

لم تستطع رموشها الإمساك بدموعها أكثر، فسقطت الدموع بحرّية على وجنتيها، خفيفة، لكنها تحمل ثقلًا لا يُطاق. 

في تلك اللحظة، قررت سوان أنها بحاجة إلى معرفة الحقيقة. 

كانت بحاجة إلى فهم آدم، إلى فهم عالمه الخفي، إلى معرفة ما إذا كانت حقًا جزءًا من حياته، أم أنها مجرد عابرة سبيل لم تترك أثرًا كما كانت تظن.

✩࿐࿔

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑃𝐴𝑁𝐷𝑂𝑅𝐴

المؤلف lll3iii
2025/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة